Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النور 24:15 – النور 24:37
المحتويات
النور 24:15
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:16
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:17
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:18
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:19
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:20
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:21
(p-١٠٠١).
خَبَرُ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ هو عُصْبَةٌ ومِنكم صِفَةٌ لِعُصْبَةٍ، وقِيلَ: هو ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وتَكُونُ عُصْبَةٌ بَدَلًا مِن فاعِلِ جاءُوا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عُصْبَةً، وجُمْلَةُ لا تَحْسَبُوهُ، وإنْ كانَتْ طَلَبِيَّةً، فَجَعْلُها خَبَرًا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ كَما في نَظائِرِ ذَلِكَ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ وأقْبَحُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن أفَكَ الشَّيْءَ إذا قَلَبَهُ عَنْ وجْهِهِ. فالإفْكُ هو الحَدِيثُ المَقْلُوبُ، وقِيلَ: هو البُهْتانُ وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ ما وقَعَ مِنَ الإفْكِ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ إفْكٌ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مِن حالِها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - خِلافُ ذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَعْنى القَلْبِ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانَتْ تَسْتَحِقُّ الثَّناءَ بِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ وشَرَفِ النَّسَبِ والسَّبَبِ لا القَذْفَ، فالَّذِينَ رَمَوْها بِالسُّوءِ قَلَبُوا الأمْرَ عَنْ وجْهِهِ، فَهو إفْكٌ قَبِيحٌ وكَذِبٌ ظاهِرٌ، والعُصْبَةُ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ، وزَيْدُ بْنُ رَفاعَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم. وقِيلَ: العُصْبَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وأصْلُها في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وجُمْلَةُ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ إنْ كانَتْ خَبَرًا لَ ( إنَّ ) فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الخَبَرُ ( عُصْبَةٌ ) كَما تَقَدَّمَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ الَّذِي قُذِفَ مَعَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَةٌ لَهم.
والشَّرُّ ما زادَ ضُرُّهُ عَلى نَفْعِهِ، والخَيْرُ ما زادَ نَفْعُهُ عَلى ضُرِّهِ، وأمّا الخَيْرُ الَّذِي لا شَرَّ فِيهِ فَهو الجَنَّةُ، والشَّرُّ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ فَهو النّارُ، ووَجْهُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم بِهِ الثَّوابُ العَظِيمُ مَعَ بَيانِ بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وصَيْرُورَةِ قِصَّتِها هَذِهِ شَرْعًا عامًّا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكَلُّمِهِ بِالإفْكِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءٍ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عُلَيَّةَ ومُجاهِدٌ وعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ تَوَلّى عَظِيمَ كَذا وكَذا أيْ: أكْبَرَهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.
قِيلَ هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ مُعْظَمُ الإفْكِ، وبِالكَسْرِ البُداءَةُ بِهِ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ الإثْمُ.
فالمَعْنى: إنَّ الَّذِي تَوَلّى مُعْظَمَ الإفْكِ مِنَ العُصْبَةِ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما.
واخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِن عُصْبَةِ الإفْكِ مَن هو مِنهم ؟ فَقِيلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقِيلَ: هو حَسّانُ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - جَلَدَ في الإفْكِ رَجُلَيْنِ وامْرَأةً، وهم مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ» .
وقِيلَ: جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ولَمْ يَجْلِدْ مِسْطَحًا، لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، ولَكِنْ كانَ يَسْمَعُ ويَشِيعُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وقِيلَ: لَمْ يَجْلِدْ أحَدًا مِنهم.
قالَ القُرْطُبِيُّ: المَشْهُورُ مِنَ الأخْبارِ والمَعْرُوفِ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الَّذِينَ حُدُّوا: حَسّانُ ومِسْطَحٌ وحَمْنَةُ.
ولَمْ يُسْمَعْ بِحَدِّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ مِنَ المِنبَرِ أمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ والمَرْأةِ فَضُرِبُوا حَدَّهم، وسَمّاهم: حَسّانُ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
واخْتَلَفُوا في وجْهِ تَرْكِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِجَلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقِيلَ لِتَوْفِيرِ العَذابِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ، وحَدَّ مَن عَداهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِمْ كَما ثَبَتَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحُدُودِ أنَّهُ قالَ: «إنَّها كَفّارَةٌ لِمَن أُقِيمَتْ عَلَيْهِ» وقِيلَ: تَرَكَ حَدَّهُ تَألُّفًا لِقَوْمِهِ واحْتِرامًا لِابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ وإطْفاءً لِنائِرَةِ الفِتْنَةِ، فَقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ مَبادِيها مَن سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ ومَن مَعَهُ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ فَقالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ومُبالَغَةٌ في مُعاتَبَتِهِمْ أيْ: كانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ، فَهو في أُمِّ المُؤْمِنِينَ أبْعَدُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى بِأنْفُسِهِمْ بِأهْلِ دِينِهِمْ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم. قالَ المُبَرِّدُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] قالَ النَّحّاسُ: بِأنْفُسِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، فَأوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ أحَدًا ويَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ لا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ويُكَذِّبُوهُ.
قالَ العُلَماءُ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ دَرَجَةَ الإيمانِ والعَفافِ لا يُزِيلُها الخَبَرُ المُحْتَمَلُ وإنْ شاعَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ قالَ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ الإفْكِ هَذا إفْكٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ أيْ: وقالُوا هَلّا (p-١٠٠٢)جاءَ الخائِضُونَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى ما قالُوا ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في الإفْكِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى هُمُ الكاذِبُونَ الكامِلُونَ في الكَذِبِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ هَذا خِطابُ السّامِعِينَ، وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ ولَوْلا هَذِهِ هي لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ﴿لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ، يُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ، وانْدَفَعَ وخاضَ.
والمَعْنى: لَوْلا أنِّي قَضَيْتُ عَلَيْكم بِالفَضْلِ في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ والرَّحْمَةُ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ، لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَمَسَّكُمُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، ولَكِنْ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكم في الدُّنْيا ويَرْحَمُ في الآخِرَةِ مَن أتاهُ تائِبًا.
﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَسَّكم أوْ بِأفَضْتُمْ، قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ مِنَ التَّلَقِّي، والأصْلُ تَتَلَقَّوْنَهُ فَحَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ.
قالَ مُقاتِلٌ ومُجاهِدٌ: المَعْنى يَرْوِيهِ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ بَلَغَنِي كَذا وكَذا ويَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيًا.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السُّمَيْفِعِ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وضَمِّ القافِ، مِنَ الإلْقاءِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( تَتَلَقَّوْنَهُ ) مِنَ التَّلَقِّي، وهي كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ القافِ وهَذِهِ القِراءَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ ولَقَ يَلِقُ ولْقًا: إذا كَذَبَ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: جاءُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ يَلْقُونَ فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ فاتَّصَلَ الضَّمِيرُ.
قالَ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو: أصْلُ الوَلْقِ الإسْراعُ، يُقالُ جاءَتِ الإبِلُ تَلِقُ أيْ: تُسْرِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَمّا رَأوْا جَيْشًا عَلَيْهِمْ قَدْ طَرَقَ جاءُوا بِأسْرابٍ مِنَ الشّامِ ولَقَ
وقالَ آخَرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عِيسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُ
قالَ أبُو البَقاءِ أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ أيْ تَلْقُونَهُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ، وهو الإسْراعُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ كَعَدَدٍ في إثْرِ عَدَدٍ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَأْلِقُونَهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ وقافٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الألْقِ وهو الكَذِبُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تِيلَقُونَهُ ) بِكَسْرِ التّاءِ مِن فَوْقٍ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ ولامٌ مَفْتُوحَةٌ وقافٌ مَضْمُومَةٌ، وهو مُضارِعُ ولِقَ بِكَسْرِ اللّامِ، ومَعْنى ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّ قَوْلَهم هَذا مُخْتَصٌّ بِالأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ واقِعًا في الخارِجِ مُعْتَقَدًا في القُلُوبِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونَحْوِهِ، والضَّمِيرُ في تَحْسَبُونَهُ راجِعٌ إلى الحَدِيثِ الَّذِي وقَعَ الخَوْضُ فِيهِ والإذاعَةُ لَهُ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ شَيْئًا يَسِيرًا لا يَلْحَقُكم فِيهِ إثْمٌ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: عَظِيمُ ذَنْبِهِ وعِقابِهِ.
﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ هَذا عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الإفْكِ قُلْتُمْ تَكْذِيبًا لِلْخائِضِينَ فِيهِ المُفْتَرِينَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَنا ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا الحَدِيثِ ولا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ التَّعَجُّبُ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ، وأصْلُهُ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، والبُهْتانُ هو أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ أيْ: هَذا كَذِبٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ قِيلَ في أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وصُدُورُهُ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا مِن مِثْلِها.
ثُمَّ وعَظَ سُبْحانَهُ الَّذِي خاضُوا في الإفْكِ.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ يَنْصَحُكُمُ اللَّهُ، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْكم، أوْ يَنْهاكم كَراهَةً أنْ تَعُودُوا، أوْ مِن أنْ تَعُودُوا، أوْ في أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِ هَذا القَذْفِ مُدَّةَ حَياتِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي عَدَمَ الوُقُوعِ في مَثَلِهِ ما دُمْتُمْ، وفِيهِ تَهْيِيجٌ عَظِيمٌ وتَقْرِيعٌ بالِغٌ.
﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في الأمْرِ والنَّهْيِ لِتَعْمَلُوا بِذَلِكَ وتَتَأدَّبُوا بِآدابِ اللَّهِ وتَنْزَجِرُوا عَنِ الوُقُوعِ في مَحارِمِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما تُبْدُونَهُ وتُخْفُونَهُ حَكِيمٌ في تَدْبِيراتِهِ لِخَلْقِهِ.
ثُمَّ هَدَّدَ سُبْحانَهُ القاذِفِينَ ومَن أرادَ أنْ يَتَسامَعَ النّاسَ بِعُيُوبِ المُؤْمِنِينَ وذُنُوبِهِمْ.
فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ تَفْشُوَ الفاحِشَةُ وتَنْتَشِرَ، مِن قَوْلِهِمْ شاعَ الشَّيْءُ يَشِيعُ شُيُوعًا وشَيْعًا وشَيَعانًا: إذا ظَهَرَ وانْتَشَرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُحْصَنُونَ والعَفِيفُونَ، أوْ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الإيمانِ، والفاحِشَةُ هي فاحِشَةُ الزِّنا والقَوْلُ السَّيْءُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ والآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلّا ما عَلَّمَكم بِهِ وكَشَفَهُ لَكم، ومِن جُمْلَةِ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ عِظَمُ ذَنَبِ القَذْفِ، وعُقُوبَةُ فاعِلِهِ.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ هو تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ تَذْكِيرًا لِلْمِنَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم ﴿وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِذُنُوبِهِمْ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذا الإعْذارِ والإنْذارِ، وجُمْلَةُ: وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: لَعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ الخُطُواتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ أيْ: لا تَتْبَعُوا مَسالِكَ الشَّيْطانِ ومَذاهِبَهُ ولا تَسْلُكُوا طَرائِقَهُ الَّتِي يَدْعُوكم إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ خُطُواتِ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ والأخْفَشُ بِضَمِّ الخاءِ وإسْكانِ الطّاءِ ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ قِيلَ جَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما هو عِلَّةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدِ ارْتَكَبَ (p-١٠٠٣)الفَحْشاءَ والمُنْكِرَ لِأنَّ دَأْبَهُ أنْ يَسْتَمِرَ آمِرًا لِغَيْرِهِ بِهِما، والفَحْشاءُ ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، والمُنْكِرُ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: لِلشَّأْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ صارَ مُقْتَدِيًا بِهِ في الأمْرِ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانَهُ وجَوابُ لَوْلا هو قَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ أيْ لَوْلا التَّفَضُّلُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ ما طَهَّرَ أحَدٌ مِنكم نَفْسَهُ مِن دَنَسِها ما دامَ حَيًّا.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَكى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ أيْ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ أيْ: ما صَلُحَ.
والأوْلى تَفْسِيرُ زَكا بِالتَّطَهُّرِ والتَّطْهِيرِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الكِسائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ مُعْتَرِضٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ أوَّلًا وثانِيًا ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.
وقِراءَةُ التَّخْفِيفِ أرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وفِيهِ حَثٌّ بالِغٌ عَلى الإخْلاصِ، وتَهْيِيجٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ التّائِبِينَ، ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتَبِّعُ الشَّيْطانَ ويُحِبُّ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في عِبادِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِزَواجِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم حَدِيثَ عائِشَةَ الطَّوِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حاصِلُهُ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو ما وقَعَ مِن أهْلِ الإفْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في شَأْنٍ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وذَلِكَ أنَّها خَرَجَتْ مِن هَوْدَجِها تَلْتَمِسُ عِقْدًا لَها انْقَطَعَ مِن جَزْعٍ، فَرَحَلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّها في هَوْدَجِها، فَرَجَعَتْ وقَدِ ارْتَحَلَ الجَيْشُ والهَوْدَجُ مَعَهم، فَأقامَتْ في ذَلِكَ المَكانِ ومَرَّ بِها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ، وكانَ مُتَأخِّرًا عَنِ الجَيْشِ، فَأناخَ راحِلَتَهُ وحَمَلَها عَلَيْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أهْلُ الإفْكِ قالُوا ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ مِمّا قالُوهُ.
هَذا حاصِلُ القِصَّةِ مَعَ طُولِها وتَشَعُّبِ أطْرافِها فَلا نُطَوُّلُ بِذِكْرٍ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَما نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهم» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ووَقَعَ عِنْدَ أبِي داوُدَ تَسْمِيَتُهم: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ومِسْطَحٌ وحَسّانُ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ لا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةُ بْنُ وقّاصٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ كُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قالَ فَقالَ لِي: فَما كانَ جِرْمُهُ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي شَيْخانِ مِن قَوْمِكِ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ أنَّهُما سَمِعا عائِشَةَ تَقُولُ: كانَ مُسِيئًا في أمْرِي.
وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوانِيُّ، حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، حَدَّثَنا عَمِّي قالَ: دَخَلَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: يا سُلَيْمانُ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مَن هو ؟ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ بِما يَقُولُ، فَدَخَلَ الزُّهْرِيُّ فَقالَ: يا ابْنَ شِهابٍ مَنِ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ؟ فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ. قالَ: كَذَبْتَ هو عَلِيٌّ. قالَ: أنا أكْذِبُ ؟ لا أبا لَكَ، واللَّهِ لَوْ نادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ الكَذِبَ ما كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وسَعِيدٌ وعَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى كِبْرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى ؟ .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ بَعْضِ الأنْصارِ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ قالَتْ لَهُ حِينَ قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ ؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ فاعِلَةَ ذَلِكَ يا أُمَّ أيُّوبَ ؟ قالَتْ لا واللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ وأطْيَبُ، إنَّما هَذا كَذِبٌ وإفْكٌ باطِلٌ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ ذَكَرَ اللَّهُ مَن قالَ مِنَ الفاحِشَةِ ما قالَ مِن أهْلِ الإفْكِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كَما قالَ أبُو أيُّوبَ وصاحِبَتُهُ.
وأخْرَجَ الواقِدِيُّ والحاكِمُ وابْنُ عَساكِرٍ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ أنَّ أُمَّ أيُّوبَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ قالَ: يُحَرِّجُ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: القائِلُ الفاحِشَةَ والَّذِي شَيَّعَ بِها في الإثْمِ سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ قالَ: ما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ.
النور 24:22
.
(p-١٠٠٤)قَوْلُهُ: لا يَأْتَلِ أيْ يَحْلِفُ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألْيَةِ، وهي اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَألّى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ كَأنَّهُنَّ مَفايِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
يُقالُ ائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَرْتُ، ومِنهُ لَمْ آلُ جُهْدًا أيْ: لَمْ أُقَصِّرْ، وكَذا مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ ∗∗∗ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، وهو ما سَيَأْتِي، والمُرادُ بِالفَضْلِ الغِنى والسَّعَةُ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: أنْ لا يُؤْتُوا فَحَذَفَ لا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وأوْصالِي
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ لا، والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ الجامِعِينَ لِتِلْكَ الأوْصافِ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَكُونُ المَعْنى: لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ بَيْنَهم شَحْناءُ لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( أنْ تُؤْتُوا ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
ثُمَّ عَلَّمَهم سُبْحانَهُ أدَبًا آخَرَ فَقالَ ﴿ولْيَعْفُوا﴾ عَنْ ذَنْبِهِمُ الَّذِي أذْنَبُوهُ عَلَيْهِمْ وجِنايَتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها، مِن عَفا الرَّبْعُ أيْ: دَرَسَ، والمُرادُ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتّى يَعْفُوَ كَما يَعْفُو أثَرُ الرَّبْعِ ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنِ الجانِي والإغْماضِ عَنْ جِنايَتِهِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَرْغِيبًا عَظِيمًا لِمَن عَفا وصَفَحَ فَقالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم﴾ بِسَبَبِ عَفْوِكم وصَفْحِكم عَنِ الفاعِلِينَ لِلْإساءَةِ عَلَيْكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَقْتَدِي العِبادُ بِرَبِّهِمْ في العَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيئِينَ إلَيْهِمْ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ وذَكَرَنا الإجْماعَ عَلى أنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مِنَ الرِّجالِ حُكْمُ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ في حَدِّ القَذْفِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي خاصَّةٌ فِيمَن رَمى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .
وقالَ مُقاتِلٌ: هي خاصَّةٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ هي في عائِشَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَمَن قَذَفَ إحْدى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ومِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَن رَمى إحْدى أزْواجِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن قَذَفَ غَيْرَهُنَّ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ التَّوْبَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِمَن أصَرَّ عَلى القَذْفِ ولَمْ يَتُبْ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ قاذِفٍ ومَقْذُوفٍ مِنَ المُحْصَناتِ والمُحَصَنِينَ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو المُوافِقُ لِما قَرَّرَهُ أهْلُ الأُصُولِ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمَرْأةِ إذا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ.
قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنْ كانَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ القَذَفَةِ، فالمُرادُ بِاللَّعْنَةِ الإبْعادُ وضَرْبُ الحَدِّ وهَجْرُ سائِرِ المُؤْمِنِينَ لَهم وزَوالُهم عَنْ رُتْبَةِ العَدالَةِ والبُعْدُ عَنِ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلى ألْسِنَةِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَن قَذَفَ عائِشَةَ خاصَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ في جانِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّهم مَلْعُونُونَ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والمُرادُ بِالغافِلاتِ اللّاتِي غَفَلْنَ عَنِ الفاحِشَةِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ بِبالِهِنَّ ولا يَفْطِنَّ لَها، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ وطَهارَةِ الجَيْبِ ما لَمْ يَكُنْ في المُحْصَناتِ، وقِيلَ: هُنَّ السَّلِيماتُ الصُّدُورِ النَّقِيّاتُ القُلُوبِ.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِوَقْتِ حُلُولِ ذَلِكَ العَذابِ بِهِمْ وتَعْيِينُ اليَوْمِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ حالَ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ.
والمَعْنى: تَشْهَدُ ألْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ ﴿وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِما عَمِلُوا بِها في الدُّنْيا، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، والمَشْهُودُ مَحْذُوفٌ وهو ذُنُوبُهُمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها أيْ: تَشْهَدُ هَذِهِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها ومَعاصِيهِمُ الَّتِي عَمِلُوها.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ جَزاءَهم عَلَيْها مُوَفَّرًا، فالمُرادُ بِالدِّينِ هاهُنا الجَزاءُ، وبِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ في ثُبُوتِهِ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يُوفِيهِمْ مُخَفَّفًا مَن أوْفى، وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن وفّى.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُجاهِدٌ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِدِينِهِمْ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَوْلا كَراهَةُ خِلافِ النّاسِ لَكانَ الوَجْهُ الرَّفْعَ لِيَكُونَ نَعْتًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولِتَكُونَ مُوافِقَةً لِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ قالَ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الحَقَّ دِينَهم ) . قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الكَلامُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِما هو مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا حُجَّةَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ دِينُهم بَدَلًا مِنَ الحَقِّ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيْ ويَعْلَمُونَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ ووُقُوعِهِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ العَزِيزُ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، المُبِينُ المُظْهِرُ لِلْأشْياءِ كَما هي في أنْفُسِها، وإنَّما سُمِّيَ سُبْحانَهُ (p-١٠٠٥)الحَقُّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وقِيلَ: سُمِّيَ بِالحَقِّ أيْ: المَوْجُودُ لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ.
ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآياتِ الوارِدَةَ في أهْلِ الإفْكِ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ فَقالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيِ الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لا تَتَجاوَزُهم، وكَذا الخَبِيثُونَ مُخْتَصُّونَ بِالخَبِيثاتِ لا يَتَجاوَزُونَهُنَّ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلِماتِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلِماتِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالخَبِيثاتِ إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهَذا ذَمٌّ لِلَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ بِالخَبِيثِ ومَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّءُوها.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] فالخَبِيثاتُ الزَّوانِي، والطَّيِّباتُ العَفائِفُ، وكَذا الخَبِيثُونَ والطَّيِّبُونَ، والإشارَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ إلى الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ أيْ: هم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ والخَبِيثاتُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: عائِشَةَ وصَفْوانَ فَقَطْ.
قالَ الفَرّاءُ: وجَمَعَ كَما قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ والمُرادُ أخَوانِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُبَرَّءُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو رِزْقُ الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: لا يُقْسِمُوا أنْ لا يَنْفَعُوا أحَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ مِمَّنْ تَوَلّى كِبْرَهُ مِن أهْلِ الإفْكِ، وكانَ قَرِيبًا لِأبِي بَكْرٍ وكانَ في عِيالِهِ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُنِيلَهُ خَيْرًا أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: فَأعادَهُ أبُو بَكْرٍ إلى عِيالِهِ وقالَ: لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا تَحَلَّلْتُها وأتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ رَمَوْا عائِشَةَ بِالقَبِيحِ وأفْشَوْا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا فِيها، فَأقْسَمَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم أبُو بَكْرٍ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذا ولا يَصِلُوهُ، فَقالَ: لا يُقْسِمُ أُولُوا الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم وأنْ يُعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ كالَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُغْفَرَ لَهم وأنْ يُعْفى عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ في عائِشَةَ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُجْعَلْ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ، وجُعِلَ لِمَن رَمى امْرَأةً مِنَ المُؤْمِناتِ مِن غَيْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - التَّوْبَةُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وخاصَمَ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ جِيرانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النّارَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلى العُصاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ قالَ: حِسابُهم، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ فَهو الحِسابُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ قالَ: مِنَ الكَلامِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ قالَ: مِنَ الرِّجالِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿والطَّيِّباتُ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿لِلطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الكَلامِ، نَزَلَتْ في الَّذِينَ قالُوا في زَوْجَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا مِنَ البُهْتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ حِينَ رَماها المُنافِقُونَ بِالبُهْتانِ والفِرْيَةِ فَبَرَّأها اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هو الخَبِيثُ، فَكانَ هو أوْلى بِأنْ تَكُونَ لَهُ الخَبِيثَةُ ويَكُونُ لَها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَيِّبًا، فَكانَ أوْلى أنْ تَكُونَ لَهُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ عائِشَةُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ أوْلى بِأنْ يَكُونَ لَها الطَّيِّبُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ قالَ: هاهُنا بُرِئَّتْ عائِشَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ، ولَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وعِنْدَ طَيِّبٍ، ولَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا.
النور 24:23
.
(p-١٠٠٤)قَوْلُهُ: لا يَأْتَلِ أيْ يَحْلِفُ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألْيَةِ، وهي اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَألّى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ كَأنَّهُنَّ مَفايِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
يُقالُ ائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَرْتُ، ومِنهُ لَمْ آلُ جُهْدًا أيْ: لَمْ أُقَصِّرْ، وكَذا مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ ∗∗∗ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، وهو ما سَيَأْتِي، والمُرادُ بِالفَضْلِ الغِنى والسَّعَةُ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: أنْ لا يُؤْتُوا فَحَذَفَ لا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وأوْصالِي
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ لا، والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ الجامِعِينَ لِتِلْكَ الأوْصافِ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَكُونُ المَعْنى: لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ بَيْنَهم شَحْناءُ لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( أنْ تُؤْتُوا ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
ثُمَّ عَلَّمَهم سُبْحانَهُ أدَبًا آخَرَ فَقالَ ﴿ولْيَعْفُوا﴾ عَنْ ذَنْبِهِمُ الَّذِي أذْنَبُوهُ عَلَيْهِمْ وجِنايَتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها، مِن عَفا الرَّبْعُ أيْ: دَرَسَ، والمُرادُ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتّى يَعْفُوَ كَما يَعْفُو أثَرُ الرَّبْعِ ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنِ الجانِي والإغْماضِ عَنْ جِنايَتِهِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَرْغِيبًا عَظِيمًا لِمَن عَفا وصَفَحَ فَقالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم﴾ بِسَبَبِ عَفْوِكم وصَفْحِكم عَنِ الفاعِلِينَ لِلْإساءَةِ عَلَيْكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَقْتَدِي العِبادُ بِرَبِّهِمْ في العَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيئِينَ إلَيْهِمْ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ وذَكَرَنا الإجْماعَ عَلى أنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مِنَ الرِّجالِ حُكْمُ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ في حَدِّ القَذْفِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي خاصَّةٌ فِيمَن رَمى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .
وقالَ مُقاتِلٌ: هي خاصَّةٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ هي في عائِشَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَمَن قَذَفَ إحْدى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ومِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَن رَمى إحْدى أزْواجِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن قَذَفَ غَيْرَهُنَّ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ التَّوْبَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِمَن أصَرَّ عَلى القَذْفِ ولَمْ يَتُبْ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ قاذِفٍ ومَقْذُوفٍ مِنَ المُحْصَناتِ والمُحَصَنِينَ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو المُوافِقُ لِما قَرَّرَهُ أهْلُ الأُصُولِ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمَرْأةِ إذا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ.
قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنْ كانَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ القَذَفَةِ، فالمُرادُ بِاللَّعْنَةِ الإبْعادُ وضَرْبُ الحَدِّ وهَجْرُ سائِرِ المُؤْمِنِينَ لَهم وزَوالُهم عَنْ رُتْبَةِ العَدالَةِ والبُعْدُ عَنِ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلى ألْسِنَةِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَن قَذَفَ عائِشَةَ خاصَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ في جانِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّهم مَلْعُونُونَ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والمُرادُ بِالغافِلاتِ اللّاتِي غَفَلْنَ عَنِ الفاحِشَةِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ بِبالِهِنَّ ولا يَفْطِنَّ لَها، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ وطَهارَةِ الجَيْبِ ما لَمْ يَكُنْ في المُحْصَناتِ، وقِيلَ: هُنَّ السَّلِيماتُ الصُّدُورِ النَّقِيّاتُ القُلُوبِ.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِوَقْتِ حُلُولِ ذَلِكَ العَذابِ بِهِمْ وتَعْيِينُ اليَوْمِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ حالَ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ.
والمَعْنى: تَشْهَدُ ألْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ ﴿وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِما عَمِلُوا بِها في الدُّنْيا، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، والمَشْهُودُ مَحْذُوفٌ وهو ذُنُوبُهُمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها أيْ: تَشْهَدُ هَذِهِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها ومَعاصِيهِمُ الَّتِي عَمِلُوها.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ جَزاءَهم عَلَيْها مُوَفَّرًا، فالمُرادُ بِالدِّينِ هاهُنا الجَزاءُ، وبِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ في ثُبُوتِهِ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يُوفِيهِمْ مُخَفَّفًا مَن أوْفى، وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن وفّى.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُجاهِدٌ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِدِينِهِمْ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَوْلا كَراهَةُ خِلافِ النّاسِ لَكانَ الوَجْهُ الرَّفْعَ لِيَكُونَ نَعْتًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولِتَكُونَ مُوافِقَةً لِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ قالَ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الحَقَّ دِينَهم ) . قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الكَلامُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِما هو مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا حُجَّةَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ دِينُهم بَدَلًا مِنَ الحَقِّ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيْ ويَعْلَمُونَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ ووُقُوعِهِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ العَزِيزُ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، المُبِينُ المُظْهِرُ لِلْأشْياءِ كَما هي في أنْفُسِها، وإنَّما سُمِّيَ سُبْحانَهُ (p-١٠٠٥)الحَقُّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وقِيلَ: سُمِّيَ بِالحَقِّ أيْ: المَوْجُودُ لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ.
ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآياتِ الوارِدَةَ في أهْلِ الإفْكِ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ فَقالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيِ الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لا تَتَجاوَزُهم، وكَذا الخَبِيثُونَ مُخْتَصُّونَ بِالخَبِيثاتِ لا يَتَجاوَزُونَهُنَّ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلِماتِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلِماتِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالخَبِيثاتِ إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهَذا ذَمٌّ لِلَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ بِالخَبِيثِ ومَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّءُوها.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] فالخَبِيثاتُ الزَّوانِي، والطَّيِّباتُ العَفائِفُ، وكَذا الخَبِيثُونَ والطَّيِّبُونَ، والإشارَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ إلى الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ أيْ: هم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ والخَبِيثاتُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: عائِشَةَ وصَفْوانَ فَقَطْ.
قالَ الفَرّاءُ: وجَمَعَ كَما قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ والمُرادُ أخَوانِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُبَرَّءُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو رِزْقُ الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: لا يُقْسِمُوا أنْ لا يَنْفَعُوا أحَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ مِمَّنْ تَوَلّى كِبْرَهُ مِن أهْلِ الإفْكِ، وكانَ قَرِيبًا لِأبِي بَكْرٍ وكانَ في عِيالِهِ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُنِيلَهُ خَيْرًا أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: فَأعادَهُ أبُو بَكْرٍ إلى عِيالِهِ وقالَ: لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا تَحَلَّلْتُها وأتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ رَمَوْا عائِشَةَ بِالقَبِيحِ وأفْشَوْا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا فِيها، فَأقْسَمَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم أبُو بَكْرٍ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذا ولا يَصِلُوهُ، فَقالَ: لا يُقْسِمُ أُولُوا الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم وأنْ يُعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ كالَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُغْفَرَ لَهم وأنْ يُعْفى عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ في عائِشَةَ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُجْعَلْ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ، وجُعِلَ لِمَن رَمى امْرَأةً مِنَ المُؤْمِناتِ مِن غَيْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - التَّوْبَةُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وخاصَمَ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ جِيرانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النّارَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلى العُصاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ قالَ: حِسابُهم، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ فَهو الحِسابُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ قالَ: مِنَ الكَلامِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ قالَ: مِنَ الرِّجالِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿والطَّيِّباتُ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿لِلطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الكَلامِ، نَزَلَتْ في الَّذِينَ قالُوا في زَوْجَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا مِنَ البُهْتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ حِينَ رَماها المُنافِقُونَ بِالبُهْتانِ والفِرْيَةِ فَبَرَّأها اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هو الخَبِيثُ، فَكانَ هو أوْلى بِأنْ تَكُونَ لَهُ الخَبِيثَةُ ويَكُونُ لَها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَيِّبًا، فَكانَ أوْلى أنْ تَكُونَ لَهُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ عائِشَةُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ أوْلى بِأنْ يَكُونَ لَها الطَّيِّبُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ قالَ: هاهُنا بُرِئَّتْ عائِشَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ، ولَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وعِنْدَ طَيِّبٍ، ولَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا.
النور 24:24
.
(p-١٠٠٤)قَوْلُهُ: لا يَأْتَلِ أيْ يَحْلِفُ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألْيَةِ، وهي اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَألّى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ كَأنَّهُنَّ مَفايِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
يُقالُ ائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَرْتُ، ومِنهُ لَمْ آلُ جُهْدًا أيْ: لَمْ أُقَصِّرْ، وكَذا مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ ∗∗∗ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، وهو ما سَيَأْتِي، والمُرادُ بِالفَضْلِ الغِنى والسَّعَةُ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: أنْ لا يُؤْتُوا فَحَذَفَ لا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وأوْصالِي
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ لا، والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ الجامِعِينَ لِتِلْكَ الأوْصافِ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَكُونُ المَعْنى: لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ بَيْنَهم شَحْناءُ لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( أنْ تُؤْتُوا ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
ثُمَّ عَلَّمَهم سُبْحانَهُ أدَبًا آخَرَ فَقالَ ﴿ولْيَعْفُوا﴾ عَنْ ذَنْبِهِمُ الَّذِي أذْنَبُوهُ عَلَيْهِمْ وجِنايَتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها، مِن عَفا الرَّبْعُ أيْ: دَرَسَ، والمُرادُ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتّى يَعْفُوَ كَما يَعْفُو أثَرُ الرَّبْعِ ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنِ الجانِي والإغْماضِ عَنْ جِنايَتِهِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَرْغِيبًا عَظِيمًا لِمَن عَفا وصَفَحَ فَقالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم﴾ بِسَبَبِ عَفْوِكم وصَفْحِكم عَنِ الفاعِلِينَ لِلْإساءَةِ عَلَيْكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَقْتَدِي العِبادُ بِرَبِّهِمْ في العَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيئِينَ إلَيْهِمْ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ وذَكَرَنا الإجْماعَ عَلى أنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مِنَ الرِّجالِ حُكْمُ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ في حَدِّ القَذْفِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي خاصَّةٌ فِيمَن رَمى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .
وقالَ مُقاتِلٌ: هي خاصَّةٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ هي في عائِشَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَمَن قَذَفَ إحْدى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ومِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَن رَمى إحْدى أزْواجِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن قَذَفَ غَيْرَهُنَّ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ التَّوْبَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِمَن أصَرَّ عَلى القَذْفِ ولَمْ يَتُبْ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ قاذِفٍ ومَقْذُوفٍ مِنَ المُحْصَناتِ والمُحَصَنِينَ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو المُوافِقُ لِما قَرَّرَهُ أهْلُ الأُصُولِ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمَرْأةِ إذا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ.
قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنْ كانَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ القَذَفَةِ، فالمُرادُ بِاللَّعْنَةِ الإبْعادُ وضَرْبُ الحَدِّ وهَجْرُ سائِرِ المُؤْمِنِينَ لَهم وزَوالُهم عَنْ رُتْبَةِ العَدالَةِ والبُعْدُ عَنِ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلى ألْسِنَةِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَن قَذَفَ عائِشَةَ خاصَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ في جانِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّهم مَلْعُونُونَ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والمُرادُ بِالغافِلاتِ اللّاتِي غَفَلْنَ عَنِ الفاحِشَةِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ بِبالِهِنَّ ولا يَفْطِنَّ لَها، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ وطَهارَةِ الجَيْبِ ما لَمْ يَكُنْ في المُحْصَناتِ، وقِيلَ: هُنَّ السَّلِيماتُ الصُّدُورِ النَّقِيّاتُ القُلُوبِ.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِوَقْتِ حُلُولِ ذَلِكَ العَذابِ بِهِمْ وتَعْيِينُ اليَوْمِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ حالَ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ.
والمَعْنى: تَشْهَدُ ألْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ ﴿وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِما عَمِلُوا بِها في الدُّنْيا، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، والمَشْهُودُ مَحْذُوفٌ وهو ذُنُوبُهُمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها أيْ: تَشْهَدُ هَذِهِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها ومَعاصِيهِمُ الَّتِي عَمِلُوها.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ جَزاءَهم عَلَيْها مُوَفَّرًا، فالمُرادُ بِالدِّينِ هاهُنا الجَزاءُ، وبِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ في ثُبُوتِهِ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يُوفِيهِمْ مُخَفَّفًا مَن أوْفى، وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن وفّى.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُجاهِدٌ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِدِينِهِمْ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَوْلا كَراهَةُ خِلافِ النّاسِ لَكانَ الوَجْهُ الرَّفْعَ لِيَكُونَ نَعْتًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولِتَكُونَ مُوافِقَةً لِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ قالَ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الحَقَّ دِينَهم ) . قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الكَلامُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِما هو مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا حُجَّةَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ دِينُهم بَدَلًا مِنَ الحَقِّ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيْ ويَعْلَمُونَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ ووُقُوعِهِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ العَزِيزُ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، المُبِينُ المُظْهِرُ لِلْأشْياءِ كَما هي في أنْفُسِها، وإنَّما سُمِّيَ سُبْحانَهُ (p-١٠٠٥)الحَقُّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وقِيلَ: سُمِّيَ بِالحَقِّ أيْ: المَوْجُودُ لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ.
ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآياتِ الوارِدَةَ في أهْلِ الإفْكِ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ فَقالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيِ الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لا تَتَجاوَزُهم، وكَذا الخَبِيثُونَ مُخْتَصُّونَ بِالخَبِيثاتِ لا يَتَجاوَزُونَهُنَّ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلِماتِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلِماتِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالخَبِيثاتِ إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهَذا ذَمٌّ لِلَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ بِالخَبِيثِ ومَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّءُوها.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] فالخَبِيثاتُ الزَّوانِي، والطَّيِّباتُ العَفائِفُ، وكَذا الخَبِيثُونَ والطَّيِّبُونَ، والإشارَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ إلى الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ أيْ: هم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ والخَبِيثاتُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: عائِشَةَ وصَفْوانَ فَقَطْ.
قالَ الفَرّاءُ: وجَمَعَ كَما قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ والمُرادُ أخَوانِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُبَرَّءُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو رِزْقُ الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: لا يُقْسِمُوا أنْ لا يَنْفَعُوا أحَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ مِمَّنْ تَوَلّى كِبْرَهُ مِن أهْلِ الإفْكِ، وكانَ قَرِيبًا لِأبِي بَكْرٍ وكانَ في عِيالِهِ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُنِيلَهُ خَيْرًا أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: فَأعادَهُ أبُو بَكْرٍ إلى عِيالِهِ وقالَ: لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا تَحَلَّلْتُها وأتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ رَمَوْا عائِشَةَ بِالقَبِيحِ وأفْشَوْا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا فِيها، فَأقْسَمَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم أبُو بَكْرٍ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذا ولا يَصِلُوهُ، فَقالَ: لا يُقْسِمُ أُولُوا الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم وأنْ يُعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ كالَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُغْفَرَ لَهم وأنْ يُعْفى عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ في عائِشَةَ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُجْعَلْ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ، وجُعِلَ لِمَن رَمى امْرَأةً مِنَ المُؤْمِناتِ مِن غَيْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - التَّوْبَةُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وخاصَمَ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ جِيرانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النّارَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلى العُصاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ قالَ: حِسابُهم، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ فَهو الحِسابُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ قالَ: مِنَ الكَلامِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ قالَ: مِنَ الرِّجالِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿والطَّيِّباتُ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿لِلطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الكَلامِ، نَزَلَتْ في الَّذِينَ قالُوا في زَوْجَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا مِنَ البُهْتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ حِينَ رَماها المُنافِقُونَ بِالبُهْتانِ والفِرْيَةِ فَبَرَّأها اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هو الخَبِيثُ، فَكانَ هو أوْلى بِأنْ تَكُونَ لَهُ الخَبِيثَةُ ويَكُونُ لَها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَيِّبًا، فَكانَ أوْلى أنْ تَكُونَ لَهُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ عائِشَةُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ أوْلى بِأنْ يَكُونَ لَها الطَّيِّبُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ قالَ: هاهُنا بُرِئَّتْ عائِشَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ، ولَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وعِنْدَ طَيِّبٍ، ولَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا.
النور 24:25
.
(p-١٠٠٤)قَوْلُهُ: لا يَأْتَلِ أيْ يَحْلِفُ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألْيَةِ، وهي اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَألّى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ كَأنَّهُنَّ مَفايِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
يُقالُ ائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَرْتُ، ومِنهُ لَمْ آلُ جُهْدًا أيْ: لَمْ أُقَصِّرْ، وكَذا مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ ∗∗∗ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، وهو ما سَيَأْتِي، والمُرادُ بِالفَضْلِ الغِنى والسَّعَةُ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: أنْ لا يُؤْتُوا فَحَذَفَ لا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وأوْصالِي
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ لا، والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ الجامِعِينَ لِتِلْكَ الأوْصافِ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَكُونُ المَعْنى: لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ بَيْنَهم شَحْناءُ لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( أنْ تُؤْتُوا ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
ثُمَّ عَلَّمَهم سُبْحانَهُ أدَبًا آخَرَ فَقالَ ﴿ولْيَعْفُوا﴾ عَنْ ذَنْبِهِمُ الَّذِي أذْنَبُوهُ عَلَيْهِمْ وجِنايَتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها، مِن عَفا الرَّبْعُ أيْ: دَرَسَ، والمُرادُ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتّى يَعْفُوَ كَما يَعْفُو أثَرُ الرَّبْعِ ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنِ الجانِي والإغْماضِ عَنْ جِنايَتِهِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَرْغِيبًا عَظِيمًا لِمَن عَفا وصَفَحَ فَقالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم﴾ بِسَبَبِ عَفْوِكم وصَفْحِكم عَنِ الفاعِلِينَ لِلْإساءَةِ عَلَيْكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَقْتَدِي العِبادُ بِرَبِّهِمْ في العَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيئِينَ إلَيْهِمْ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ وذَكَرَنا الإجْماعَ عَلى أنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مِنَ الرِّجالِ حُكْمُ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ في حَدِّ القَذْفِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي خاصَّةٌ فِيمَن رَمى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .
وقالَ مُقاتِلٌ: هي خاصَّةٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ هي في عائِشَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَمَن قَذَفَ إحْدى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ومِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَن رَمى إحْدى أزْواجِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن قَذَفَ غَيْرَهُنَّ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ التَّوْبَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِمَن أصَرَّ عَلى القَذْفِ ولَمْ يَتُبْ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ قاذِفٍ ومَقْذُوفٍ مِنَ المُحْصَناتِ والمُحَصَنِينَ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو المُوافِقُ لِما قَرَّرَهُ أهْلُ الأُصُولِ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمَرْأةِ إذا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ.
قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنْ كانَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ القَذَفَةِ، فالمُرادُ بِاللَّعْنَةِ الإبْعادُ وضَرْبُ الحَدِّ وهَجْرُ سائِرِ المُؤْمِنِينَ لَهم وزَوالُهم عَنْ رُتْبَةِ العَدالَةِ والبُعْدُ عَنِ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلى ألْسِنَةِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَن قَذَفَ عائِشَةَ خاصَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ في جانِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّهم مَلْعُونُونَ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والمُرادُ بِالغافِلاتِ اللّاتِي غَفَلْنَ عَنِ الفاحِشَةِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ بِبالِهِنَّ ولا يَفْطِنَّ لَها، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ وطَهارَةِ الجَيْبِ ما لَمْ يَكُنْ في المُحْصَناتِ، وقِيلَ: هُنَّ السَّلِيماتُ الصُّدُورِ النَّقِيّاتُ القُلُوبِ.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِوَقْتِ حُلُولِ ذَلِكَ العَذابِ بِهِمْ وتَعْيِينُ اليَوْمِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ حالَ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ.
والمَعْنى: تَشْهَدُ ألْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ ﴿وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِما عَمِلُوا بِها في الدُّنْيا، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، والمَشْهُودُ مَحْذُوفٌ وهو ذُنُوبُهُمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها أيْ: تَشْهَدُ هَذِهِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها ومَعاصِيهِمُ الَّتِي عَمِلُوها.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ جَزاءَهم عَلَيْها مُوَفَّرًا، فالمُرادُ بِالدِّينِ هاهُنا الجَزاءُ، وبِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ في ثُبُوتِهِ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يُوفِيهِمْ مُخَفَّفًا مَن أوْفى، وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن وفّى.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُجاهِدٌ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِدِينِهِمْ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَوْلا كَراهَةُ خِلافِ النّاسِ لَكانَ الوَجْهُ الرَّفْعَ لِيَكُونَ نَعْتًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولِتَكُونَ مُوافِقَةً لِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ قالَ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الحَقَّ دِينَهم ) . قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الكَلامُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِما هو مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا حُجَّةَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ دِينُهم بَدَلًا مِنَ الحَقِّ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيْ ويَعْلَمُونَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ ووُقُوعِهِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ العَزِيزُ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، المُبِينُ المُظْهِرُ لِلْأشْياءِ كَما هي في أنْفُسِها، وإنَّما سُمِّيَ سُبْحانَهُ (p-١٠٠٥)الحَقُّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وقِيلَ: سُمِّيَ بِالحَقِّ أيْ: المَوْجُودُ لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ.
ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآياتِ الوارِدَةَ في أهْلِ الإفْكِ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ فَقالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيِ الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لا تَتَجاوَزُهم، وكَذا الخَبِيثُونَ مُخْتَصُّونَ بِالخَبِيثاتِ لا يَتَجاوَزُونَهُنَّ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلِماتِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلِماتِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالخَبِيثاتِ إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهَذا ذَمٌّ لِلَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ بِالخَبِيثِ ومَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّءُوها.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] فالخَبِيثاتُ الزَّوانِي، والطَّيِّباتُ العَفائِفُ، وكَذا الخَبِيثُونَ والطَّيِّبُونَ، والإشارَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ إلى الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ أيْ: هم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ والخَبِيثاتُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: عائِشَةَ وصَفْوانَ فَقَطْ.
قالَ الفَرّاءُ: وجَمَعَ كَما قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ والمُرادُ أخَوانِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُبَرَّءُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو رِزْقُ الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: لا يُقْسِمُوا أنْ لا يَنْفَعُوا أحَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ مِمَّنْ تَوَلّى كِبْرَهُ مِن أهْلِ الإفْكِ، وكانَ قَرِيبًا لِأبِي بَكْرٍ وكانَ في عِيالِهِ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُنِيلَهُ خَيْرًا أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: فَأعادَهُ أبُو بَكْرٍ إلى عِيالِهِ وقالَ: لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا تَحَلَّلْتُها وأتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ رَمَوْا عائِشَةَ بِالقَبِيحِ وأفْشَوْا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا فِيها، فَأقْسَمَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم أبُو بَكْرٍ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذا ولا يَصِلُوهُ، فَقالَ: لا يُقْسِمُ أُولُوا الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم وأنْ يُعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ كالَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُغْفَرَ لَهم وأنْ يُعْفى عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ في عائِشَةَ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُجْعَلْ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ، وجُعِلَ لِمَن رَمى امْرَأةً مِنَ المُؤْمِناتِ مِن غَيْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - التَّوْبَةُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وخاصَمَ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ جِيرانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النّارَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلى العُصاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ قالَ: حِسابُهم، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ فَهو الحِسابُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ قالَ: مِنَ الكَلامِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ قالَ: مِنَ الرِّجالِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿والطَّيِّباتُ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿لِلطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الكَلامِ، نَزَلَتْ في الَّذِينَ قالُوا في زَوْجَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا مِنَ البُهْتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ حِينَ رَماها المُنافِقُونَ بِالبُهْتانِ والفِرْيَةِ فَبَرَّأها اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هو الخَبِيثُ، فَكانَ هو أوْلى بِأنْ تَكُونَ لَهُ الخَبِيثَةُ ويَكُونُ لَها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَيِّبًا، فَكانَ أوْلى أنْ تَكُونَ لَهُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ عائِشَةُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ أوْلى بِأنْ يَكُونَ لَها الطَّيِّبُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ قالَ: هاهُنا بُرِئَّتْ عائِشَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ، ولَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وعِنْدَ طَيِّبٍ، ولَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا.
النور 24:26
.
(p-١٠٠٤)قَوْلُهُ: لا يَأْتَلِ أيْ يَحْلِفُ وزْنُهُ يَفْتَعِلُ مِنَ الألْيَةِ، وهي اليَمِينُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَألّى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ كَأنَّهُنَّ مَفايِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
يُقالُ ائْتَلى يَأْتَلِي إذا حَلَفَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَرْتُ، ومِنهُ لَمْ آلُ جُهْدًا أيْ: لَمْ أُقَصِّرْ، وكَذا مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ ∗∗∗ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، وهو ما سَيَأْتِي، والمُرادُ بِالفَضْلِ الغِنى والسَّعَةُ في المالِ ﴿أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: أنْ لا يُؤْتُوا فَحَذَفَ لا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وأوْصالِي
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ لا، والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ الجامِعِينَ لِتِلْكَ الأوْصافِ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَكُونُ المَعْنى: لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ بَيْنَهم شَحْناءُ لِذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( أنْ تُؤْتُوا ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
ثُمَّ عَلَّمَهم سُبْحانَهُ أدَبًا آخَرَ فَقالَ ﴿ولْيَعْفُوا﴾ عَنْ ذَنْبِهِمُ الَّذِي أذْنَبُوهُ عَلَيْهِمْ وجِنايَتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها، مِن عَفا الرَّبْعُ أيْ: دَرَسَ، والمُرادُ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتّى يَعْفُوَ كَما يَعْفُو أثَرُ الرَّبْعِ ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ بِالإغْضاءِ عَنِ الجانِي والإغْماضِ عَنْ جِنايَتِهِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَرْغِيبًا عَظِيمًا لِمَن عَفا وصَفَحَ فَقالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم﴾ بِسَبَبِ عَفْوِكم وصَفْحِكم عَنِ الفاعِلِينَ لِلْإساءَةِ عَلَيْكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَقْتَدِي العِبادُ بِرَبِّهِمْ في العَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيئِينَ إلَيْهِمْ.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ وذَكَرَنا الإجْماعَ عَلى أنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مِنَ الرِّجالِ حُكْمُ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ في حَدِّ القَذْفِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي خاصَّةٌ فِيمَن رَمى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - .
وقالَ مُقاتِلٌ: هي خاصَّةٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ هي في عائِشَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُونَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَمَن قَذَفَ إحْدى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ومِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَن رَمى إحْدى أزْواجِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن قَذَفَ غَيْرَهُنَّ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ التَّوْبَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥] وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِمَن أصَرَّ عَلى القَذْفِ ولَمْ يَتُبْ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ قاذِفٍ ومَقْذُوفٍ مِنَ المُحْصَناتِ والمُحَصَنِينَ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو المُوافِقُ لِما قَرَّرَهُ أهْلُ الأُصُولِ مِن أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقِيلَ: إنَّها خاصَّةٌ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمَرْأةِ إذا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ.
قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنْ كانَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ القَذَفَةِ، فالمُرادُ بِاللَّعْنَةِ الإبْعادُ وضَرْبُ الحَدِّ وهَجْرُ سائِرِ المُؤْمِنِينَ لَهم وزَوالُهم عَنْ رُتْبَةِ العَدالَةِ والبُعْدُ عَنِ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلى ألْسِنَةِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَن قَذَفَ عائِشَةَ خاصَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ في جانِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّهم مَلْعُونُونَ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والمُرادُ بِالغافِلاتِ اللّاتِي غَفَلْنَ عَنِ الفاحِشَةِ بِحَيْثُ لا تَخْطُرُ بِبالِهِنَّ ولا يَفْطِنَّ لَها، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النَّزاهَةِ وطَهارَةِ الجَيْبِ ما لَمْ يَكُنْ في المُحْصَناتِ، وقِيلَ: هُنَّ السَّلِيماتُ الصُّدُورِ النَّقِيّاتُ القُلُوبِ.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِوَقْتِ حُلُولِ ذَلِكَ العَذابِ بِهِمْ وتَعْيِينُ اليَوْمِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ حالَ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ.
والمَعْنى: تَشْهَدُ ألْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ ﴿وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِما عَمِلُوا بِها في الدُّنْيا، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُنْطِقُها بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، والمَشْهُودُ مَحْذُوفٌ وهو ذُنُوبُهُمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها أيْ: تَشْهَدُ هَذِهِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها ومَعاصِيهِمُ الَّتِي عَمِلُوها.
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ جَزاءَهم عَلَيْها مُوَفَّرًا، فالمُرادُ بِالدِّينِ هاهُنا الجَزاءُ، وبِالحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ في ثُبُوتِهِ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ يُوفِيهِمْ مُخَفَّفًا مَن أوْفى، وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن وفّى.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُجاهِدٌ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِدِينِهِمْ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَوْلا كَراهَةُ خِلافِ النّاسِ لَكانَ الوَجْهُ الرَّفْعَ لِيَكُونَ نَعْتًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولِتَكُونَ مُوافِقَةً لِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ قالَ: رَأيْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الحَقَّ دِينَهم ) . قالَ النَّحّاسُ: وهَذا الكَلامُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّهُ احْتَجَّ بِما هو مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا حُجَّةَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ أنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ دِينُهم بَدَلًا مِنَ الحَقِّ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيْ ويَعْلَمُونَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ ووُقُوعِهِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ العَزِيزُ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، المُبِينُ المُظْهِرُ لِلْأشْياءِ كَما هي في أنْفُسِها، وإنَّما سُمِّيَ سُبْحانَهُ (p-١٠٠٥)الحَقُّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وقِيلَ: سُمِّيَ بِالحَقِّ أيْ: المَوْجُودُ لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ.
ثُمَّ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآياتِ الوارِدَةَ في أهْلِ الإفْكِ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ فَقالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيِ الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ أيْ: مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ لا تَتَجاوَزُهم، وكَذا الخَبِيثُونَ مُخْتَصُّونَ بِالخَبِيثاتِ لا يَتَجاوَزُونَهُنَّ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ لِلْخَبِيثِينِ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلِماتِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلِماتِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالخَبِيثاتِ إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهَذا ذَمٌّ لِلَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ بِالخَبِيثِ ومَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّءُوها.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] فالخَبِيثاتُ الزَّوانِي، والطَّيِّباتُ العَفائِفُ، وكَذا الخَبِيثُونَ والطَّيِّبُونَ، والإشارَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ إلى الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ أيْ: هم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ والخَبِيثاتُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: عائِشَةَ وصَفْوانَ فَقَطْ.
قالَ الفَرّاءُ: وجَمَعَ كَما قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ والمُرادُ أخَوانِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُبَرَّءُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو رِزْقُ الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: لا يُقْسِمُوا أنْ لا يَنْفَعُوا أحَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ مِمَّنْ تَوَلّى كِبْرَهُ مِن أهْلِ الإفْكِ، وكانَ قَرِيبًا لِأبِي بَكْرٍ وكانَ في عِيالِهِ، فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُنِيلَهُ خَيْرًا أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: فَأعادَهُ أبُو بَكْرٍ إلى عِيالِهِ وقالَ: لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا تَحَلَّلْتُها وأتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ. وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَدْ رَمَوْا عائِشَةَ بِالقَبِيحِ وأفْشَوْا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا فِيها، فَأقْسَمَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم أبُو بَكْرٍ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذا ولا يَصِلُوهُ، فَقالَ: لا يُقْسِمُ أُولُوا الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يَصِلُوا أرْحامَهم وأنْ يُعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ كالَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُغْفَرَ لَهم وأنْ يُعْفى عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ في عائِشَةَ وأزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَمْ يُجْعَلْ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ، وجُعِلَ لِمَن رَمى امْرَأةً مِنَ المُؤْمِناتِ مِن غَيْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - التَّوْبَةُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بِعَمَلِهِ فَجَحَدَ وخاصَمَ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ جِيرانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: أهْلُكَ وعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيُقالُ: احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ، ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللَّهُ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ النّارَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلى العُصاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ قالَ: حِسابُهم، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ فَهو الحِسابُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ قالَ: مِنَ الكَلامِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ قالَ: مِنَ الرِّجالِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنَ الرِّجالِ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿والطَّيِّباتُ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ مِنَ النّاسِ ﴿لِلطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الكَلامِ، نَزَلَتْ في الَّذِينَ قالُوا في زَوْجَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما قالُوا مِنَ البُهْتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عائِشَةَ حِينَ رَماها المُنافِقُونَ بِالبُهْتانِ والفِرْيَةِ فَبَرَّأها اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هو الخَبِيثُ، فَكانَ هو أوْلى بِأنْ تَكُونَ لَهُ الخَبِيثَةُ ويَكُونُ لَها، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَيِّبًا، فَكانَ أوْلى أنْ تَكُونَ لَهُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ عائِشَةُ الطَّيِّبَةُ، وكانَتْ أوْلى بِأنْ يَكُونَ لَها الطَّيِّبُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ قالَ: هاهُنا بُرِئَّتْ عائِشَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ، ولَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وعِنْدَ طَيِّبٍ، ولَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا.
النور 24:27
.
لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ الزَّجْرِ عَنِ الزِّنا والقَذْفِ شَرَعَ في ذِكْرِ الزَّجْرِ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ لِما في ذَلِكَ مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، فَرُبَّما يُؤَدِّي إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وأيْضًا إنَّ الإنْسانَ يَكُونُ في بَيْتِهِ ومَكانِ خَلْوَتِهِ (p-١٠٠٦)عَلى حالَةٍ قَدْ لا يُحِبُّ أنْ يَراهُ عَلَيْها غَيْرُهُ، فَنَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ دُخُولِ بُيُوتِ الغَيْرِ إلى غايَةٍ، هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ والِاسْتِئْناسُ الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِخْبارُ أيْ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا مَن في البَيْتِ، والمَعْنى: حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ صاحِبَ البَيْتِ قَدْ عَلِمَ بِكم وتَعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ أذِنَ بِدُخُولِكم، فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ دَخَلْتُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أيْ عَلِمْتُمْ.
قالَ الخَلِيلُ: الِاسْتِئْناسُ الِاسْتِكْشافُ، مِن أنِسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [ طه: ١٠، النَّمْلِ: ٧ ] أيْ أبْصَرْتُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ بِمَعْنى وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن أنِسَ.
ومَعْنى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ هَذا أنَّهُ مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَطْرُقُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا ؟ فَهو كالمُسْتَوْحِشِ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَإذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ دُخُولِ تِلْكَ البُيُوتِ حَتّى يُؤْذَنَ لِلدّاخِلِ.
وقِيلَ: هو مِنَ الإنْسِ، وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِئْناسِ الِاسْتِئْذانُ أيْ: لا تَدْخُلُوها حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.
قالَ الواحِدِيُّ قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، ويُؤَيِّدُهُ ما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيٍّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم قَرَءُوا ( حَتّى تَسْتَأْذِنُوا ) قالَ مالِكٌ فِيما حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ: الِاسْتِئْناسُ فِيما يَرى واللَّهُ أعْلَمُ الِاسْتِئْذانُ، وقَوْلُهُ: ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ قَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما سَيَأْتِي بِأنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم أدْخَلُ ؟ مَرَّةً أوْ ثَلاثًا كَما سَيَأْتِي.
واخْتَلَفُوا هَلْ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ عَلى السَّلامِ أوِ العَكْسَ، فَقِيلَ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَقُولُ: أدْخَلُ سَلامٌ عَلَيْكم، لِتَقْدِيمِ الِاسْتِئْناسِ في الآيَةِ عَلى السَّلامِ.
وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلامَ عَلى الِاسْتِئْذانِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم أدْخُلُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلْآيَةِ كانَ هَكَذا.
وقِيلَ: إنْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى إنْسانٍ قَدَّمَ السَّلامَ، وإلّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذانَ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الِاسْتِئْناسِ والتَّسْلِيمِ أيْ: دُخُولُكم مَعَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الدُّخُولِ بَغْتَةً ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّ الِاسْتِئْذانَ خَيْرٌ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِئْذانِ، والمُرادُ بِالتَّذَكُّرِ الِاتِّعاظُ، والعَمَلُ بِما أُمِرُوا بِهِ.
﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا في البُيُوتِ الَّتِي لِغَيْرِكم أحَدًا مِمَّنْ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِ فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم بِدُخُولِها مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا أيْ: لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ، وضَعَّفَهُ وهو حَقِيقٌ بِالضَّعْفِ، فَإنَّ المُرادَ بِالأحَدِ المَذْكُورِ أهْلُ البُيُوتِ الَّذِينَ يَأْذَنُونَ لِلْغَيْرِ بِدُخُولِها، لا مَتاعَ الدّاخِلِينَ إلَيْها ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ إنْ قالَ لَكم أهْلَ البَيْتِ ارْجِعُوا فارْجِعُوا، ولا تُعاوِدُوهم بِالِاسْتِئْذانِ مَرَّةً أُخْرى، ولا تَنْتَظِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْذَنُوا لَكم بَعْدَ أمْرِهِمْ لَكم بِالرُّجُوعِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الرُّجُوعَ أفْضَلُ مِنَ الإلْحاحِ وتَكْرارِ الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ عَلى البابِ فَقالَ: ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ أفْضَلُ وأطْهَرُ مِنَ التَّدَنُّسِ بِالمُشاحَّةِ عَلى الدُّخُولِ لِما في ذَلِكَ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ، والبُعْدِ مِنَ الرِّيبَةِ، والفِرارِ مِنَ الدَّناءَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِكم خافِيَةٌ.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم﴾ أيْ لا جُناحَ عَلَيْكم في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ إلى البُيُوتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْكُونَةٍ.
وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِهَذِهِ البُيُوتِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هي الفَنادِقُ الَّتِي في الطُّرُقِ السّابِلَةِ المَوْضُوعَةِ لِابْنِ السَّبِيلِ يَأْوِي إلَيْها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ القَيْسارِيّاتِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: لِأنَّهم جاءُوا بِبِيُوعِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها، وقالُوا لِلنّاسِ هَلُمَّ.
وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الخَرِبُ الَّتِي يَدْخُلُها النّاسُ لِلْبَوْلِ والغائِطِ، فَفي هَذا أيْضًا مَتاعٌ.
وقِيلَ: هي بُيُوتُ مَكَّةَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ النّاسَ شُرَكاءُ فِيها، ولَكِنْ قَدْ قَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ البُيُوتَ المَذْكُورَةَ هُنا بِأنَّها غَيْرُ مَسْكُونَةٍ.
والمَتاعُ: المَنفَعَةُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: فِيها مَنفَعَةٌ لَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقَوْلُهم: أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، وقَدْ فَسَّرَ الشَّعْبِيُّ المَتاعَ في كَلامِهِ المُتَقَدِّمِ بِالأعْيانِ الَّتِي تُباعُ.
قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: ولَيْسَ المُرادُ بِالمَتاعِ الجِهازَ، ولَكِنْ ما سِواهُ مِنَ الحاجَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو حَسَنٌ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ ما تُظْهِرُونَ وما تُخْفُونَ، وفِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَتَأدَّبْ بِآدابِ اللَّهِ في دُخُولِ بُيُوتِ الغَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى الحالَةِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ ولَدٌ ولا والِدٌ، فَيَأْتِينِي الأبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ فَكَيْفَ أصْنَعُ ؟» ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: «وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَندَهْ في غَرائِبِ شُعْبَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: أخْطَأ الكاتِبُ حَتّى تَسْتَأْذِنُوا ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيُّ قالَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الِاسْتِئْناسُ: الِاسْتِئْذانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ والتِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ (p-١٠٠٧)هَذا التَّسْلِيمُ قَدْ عَرَفْناهُ فَما الِاسْتِئْناسُ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ وتَكْبِيرَةٍ وتَحْمِيدَةٍ ويَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أهْلَ البَيْتِ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الِاسْتِئْناسُ أنْ يَدْعُوَ الخادِمَ حَتّى يَسْتَأْنِسَ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ كَلَدَةَ «أنَّ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ في الفَتْحِ بِلِبَأِ وضَغابِيسَ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْلى الوادِي، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ولَمْ أُسَلِّمْ ولَمْ أسْتَأْذِنْ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ رِبْعِيٍّ، قالَ: «حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في بَيْتٍ، فَقالَ: أألِجُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِخادِمِهِ: اخْرُجْ إلى هَذا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، ولَكِنَّهُ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةُ: قَوْمِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ: ما أفْزَعَكَ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ، فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ فَقُلْتُ: قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.
قالَ: لَتَأْتِيَنِي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ، فَقالُوا: لا يَقُومُ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَقامَ أبُو سَعِيدٍ مَعَهُ لِيَشْهَدَ لَهُ، فَقالَ عُمَرُ لِأبِي مُوسى: إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنَّ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَدِيدٌ» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، قالَ: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ» .
وفِي لَفْظِ: «إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن أجْلِ البَصَرِ» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَما أدْرَكْتُها أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي، فَيَقُولُ لِي ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ فَنُسِخَ، مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم﴾ .
النور 24:28
.
لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ الزَّجْرِ عَنِ الزِّنا والقَذْفِ شَرَعَ في ذِكْرِ الزَّجْرِ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ لِما في ذَلِكَ مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، فَرُبَّما يُؤَدِّي إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وأيْضًا إنَّ الإنْسانَ يَكُونُ في بَيْتِهِ ومَكانِ خَلْوَتِهِ (p-١٠٠٦)عَلى حالَةٍ قَدْ لا يُحِبُّ أنْ يَراهُ عَلَيْها غَيْرُهُ، فَنَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ دُخُولِ بُيُوتِ الغَيْرِ إلى غايَةٍ، هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ والِاسْتِئْناسُ الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِخْبارُ أيْ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا مَن في البَيْتِ، والمَعْنى: حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ صاحِبَ البَيْتِ قَدْ عَلِمَ بِكم وتَعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ أذِنَ بِدُخُولِكم، فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ دَخَلْتُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أيْ عَلِمْتُمْ.
قالَ الخَلِيلُ: الِاسْتِئْناسُ الِاسْتِكْشافُ، مِن أنِسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [ طه: ١٠، النَّمْلِ: ٧ ] أيْ أبْصَرْتُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ بِمَعْنى وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن أنِسَ.
ومَعْنى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ هَذا أنَّهُ مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَطْرُقُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا ؟ فَهو كالمُسْتَوْحِشِ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَإذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ دُخُولِ تِلْكَ البُيُوتِ حَتّى يُؤْذَنَ لِلدّاخِلِ.
وقِيلَ: هو مِنَ الإنْسِ، وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِئْناسِ الِاسْتِئْذانُ أيْ: لا تَدْخُلُوها حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.
قالَ الواحِدِيُّ قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، ويُؤَيِّدُهُ ما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيٍّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم قَرَءُوا ( حَتّى تَسْتَأْذِنُوا ) قالَ مالِكٌ فِيما حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ: الِاسْتِئْناسُ فِيما يَرى واللَّهُ أعْلَمُ الِاسْتِئْذانُ، وقَوْلُهُ: ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ قَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما سَيَأْتِي بِأنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم أدْخَلُ ؟ مَرَّةً أوْ ثَلاثًا كَما سَيَأْتِي.
واخْتَلَفُوا هَلْ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ عَلى السَّلامِ أوِ العَكْسَ، فَقِيلَ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَقُولُ: أدْخَلُ سَلامٌ عَلَيْكم، لِتَقْدِيمِ الِاسْتِئْناسِ في الآيَةِ عَلى السَّلامِ.
وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلامَ عَلى الِاسْتِئْذانِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم أدْخُلُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلْآيَةِ كانَ هَكَذا.
وقِيلَ: إنْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى إنْسانٍ قَدَّمَ السَّلامَ، وإلّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذانَ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الِاسْتِئْناسِ والتَّسْلِيمِ أيْ: دُخُولُكم مَعَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الدُّخُولِ بَغْتَةً ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّ الِاسْتِئْذانَ خَيْرٌ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِئْذانِ، والمُرادُ بِالتَّذَكُّرِ الِاتِّعاظُ، والعَمَلُ بِما أُمِرُوا بِهِ.
﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا في البُيُوتِ الَّتِي لِغَيْرِكم أحَدًا مِمَّنْ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِ فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم بِدُخُولِها مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا أيْ: لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ، وضَعَّفَهُ وهو حَقِيقٌ بِالضَّعْفِ، فَإنَّ المُرادَ بِالأحَدِ المَذْكُورِ أهْلُ البُيُوتِ الَّذِينَ يَأْذَنُونَ لِلْغَيْرِ بِدُخُولِها، لا مَتاعَ الدّاخِلِينَ إلَيْها ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ إنْ قالَ لَكم أهْلَ البَيْتِ ارْجِعُوا فارْجِعُوا، ولا تُعاوِدُوهم بِالِاسْتِئْذانِ مَرَّةً أُخْرى، ولا تَنْتَظِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْذَنُوا لَكم بَعْدَ أمْرِهِمْ لَكم بِالرُّجُوعِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الرُّجُوعَ أفْضَلُ مِنَ الإلْحاحِ وتَكْرارِ الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ عَلى البابِ فَقالَ: ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ أفْضَلُ وأطْهَرُ مِنَ التَّدَنُّسِ بِالمُشاحَّةِ عَلى الدُّخُولِ لِما في ذَلِكَ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ، والبُعْدِ مِنَ الرِّيبَةِ، والفِرارِ مِنَ الدَّناءَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِكم خافِيَةٌ.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم﴾ أيْ لا جُناحَ عَلَيْكم في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ إلى البُيُوتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْكُونَةٍ.
وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِهَذِهِ البُيُوتِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هي الفَنادِقُ الَّتِي في الطُّرُقِ السّابِلَةِ المَوْضُوعَةِ لِابْنِ السَّبِيلِ يَأْوِي إلَيْها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ القَيْسارِيّاتِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: لِأنَّهم جاءُوا بِبِيُوعِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها، وقالُوا لِلنّاسِ هَلُمَّ.
وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الخَرِبُ الَّتِي يَدْخُلُها النّاسُ لِلْبَوْلِ والغائِطِ، فَفي هَذا أيْضًا مَتاعٌ.
وقِيلَ: هي بُيُوتُ مَكَّةَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ النّاسَ شُرَكاءُ فِيها، ولَكِنْ قَدْ قَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ البُيُوتَ المَذْكُورَةَ هُنا بِأنَّها غَيْرُ مَسْكُونَةٍ.
والمَتاعُ: المَنفَعَةُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: فِيها مَنفَعَةٌ لَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقَوْلُهم: أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، وقَدْ فَسَّرَ الشَّعْبِيُّ المَتاعَ في كَلامِهِ المُتَقَدِّمِ بِالأعْيانِ الَّتِي تُباعُ.
قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: ولَيْسَ المُرادُ بِالمَتاعِ الجِهازَ، ولَكِنْ ما سِواهُ مِنَ الحاجَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو حَسَنٌ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ ما تُظْهِرُونَ وما تُخْفُونَ، وفِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَتَأدَّبْ بِآدابِ اللَّهِ في دُخُولِ بُيُوتِ الغَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى الحالَةِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ ولَدٌ ولا والِدٌ، فَيَأْتِينِي الأبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ فَكَيْفَ أصْنَعُ ؟» ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: «وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَندَهْ في غَرائِبِ شُعْبَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: أخْطَأ الكاتِبُ حَتّى تَسْتَأْذِنُوا ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيُّ قالَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الِاسْتِئْناسُ: الِاسْتِئْذانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ والتِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ (p-١٠٠٧)هَذا التَّسْلِيمُ قَدْ عَرَفْناهُ فَما الِاسْتِئْناسُ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ وتَكْبِيرَةٍ وتَحْمِيدَةٍ ويَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أهْلَ البَيْتِ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الِاسْتِئْناسُ أنْ يَدْعُوَ الخادِمَ حَتّى يَسْتَأْنِسَ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ كَلَدَةَ «أنَّ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ في الفَتْحِ بِلِبَأِ وضَغابِيسَ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْلى الوادِي، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ولَمْ أُسَلِّمْ ولَمْ أسْتَأْذِنْ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ رِبْعِيٍّ، قالَ: «حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في بَيْتٍ، فَقالَ: أألِجُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِخادِمِهِ: اخْرُجْ إلى هَذا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، ولَكِنَّهُ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةُ: قَوْمِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ: ما أفْزَعَكَ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ، فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ فَقُلْتُ: قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.
قالَ: لَتَأْتِيَنِي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ، فَقالُوا: لا يَقُومُ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَقامَ أبُو سَعِيدٍ مَعَهُ لِيَشْهَدَ لَهُ، فَقالَ عُمَرُ لِأبِي مُوسى: إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنَّ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَدِيدٌ» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، قالَ: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ» .
وفِي لَفْظِ: «إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن أجْلِ البَصَرِ» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَما أدْرَكْتُها أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي، فَيَقُولُ لِي ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ فَنُسِخَ، مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم﴾ .
النور 24:29
.
لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ الزَّجْرِ عَنِ الزِّنا والقَذْفِ شَرَعَ في ذِكْرِ الزَّجْرِ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ لِما في ذَلِكَ مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، فَرُبَّما يُؤَدِّي إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وأيْضًا إنَّ الإنْسانَ يَكُونُ في بَيْتِهِ ومَكانِ خَلْوَتِهِ (p-١٠٠٦)عَلى حالَةٍ قَدْ لا يُحِبُّ أنْ يَراهُ عَلَيْها غَيْرُهُ، فَنَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ دُخُولِ بُيُوتِ الغَيْرِ إلى غايَةٍ، هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ والِاسْتِئْناسُ الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِخْبارُ أيْ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا مَن في البَيْتِ، والمَعْنى: حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ صاحِبَ البَيْتِ قَدْ عَلِمَ بِكم وتَعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ أذِنَ بِدُخُولِكم، فَإذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ دَخَلْتُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أيْ عَلِمْتُمْ.
قالَ الخَلِيلُ: الِاسْتِئْناسُ الِاسْتِكْشافُ، مِن أنِسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [ طه: ١٠، النَّمْلِ: ٧ ] أيْ أبْصَرْتُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ بِمَعْنى وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن أنِسَ.
ومَعْنى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ هَذا أنَّهُ مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَطْرُقُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا ؟ فَهو كالمُسْتَوْحِشِ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَإذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ دُخُولِ تِلْكَ البُيُوتِ حَتّى يُؤْذَنَ لِلدّاخِلِ.
وقِيلَ: هو مِنَ الإنْسِ، وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِئْناسِ الِاسْتِئْذانُ أيْ: لا تَدْخُلُوها حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.
قالَ الواحِدِيُّ قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، ويُؤَيِّدُهُ ما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُبَيٍّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم قَرَءُوا ( حَتّى تَسْتَأْذِنُوا ) قالَ مالِكٌ فِيما حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ: الِاسْتِئْناسُ فِيما يَرى واللَّهُ أعْلَمُ الِاسْتِئْذانُ، وقَوْلُهُ: ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ قَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما سَيَأْتِي بِأنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم أدْخَلُ ؟ مَرَّةً أوْ ثَلاثًا كَما سَيَأْتِي.
واخْتَلَفُوا هَلْ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ عَلى السَّلامِ أوِ العَكْسَ، فَقِيلَ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَقُولُ: أدْخَلُ سَلامٌ عَلَيْكم، لِتَقْدِيمِ الِاسْتِئْناسِ في الآيَةِ عَلى السَّلامِ.
وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلامَ عَلى الِاسْتِئْذانِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم أدْخُلُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِلْآيَةِ كانَ هَكَذا.
وقِيلَ: إنْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى إنْسانٍ قَدَّمَ السَّلامَ، وإلّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذانَ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الِاسْتِئْناسِ والتَّسْلِيمِ أيْ: دُخُولُكم مَعَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الدُّخُولِ بَغْتَةً ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّ الِاسْتِئْذانَ خَيْرٌ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِئْذانِ، والمُرادُ بِالتَّذَكُّرِ الِاتِّعاظُ، والعَمَلُ بِما أُمِرُوا بِهِ.
﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا في البُيُوتِ الَّتِي لِغَيْرِكم أحَدًا مِمَّنْ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِ فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم بِدُخُولِها مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ.
وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا أيْ: لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ، وضَعَّفَهُ وهو حَقِيقٌ بِالضَّعْفِ، فَإنَّ المُرادَ بِالأحَدِ المَذْكُورِ أهْلُ البُيُوتِ الَّذِينَ يَأْذَنُونَ لِلْغَيْرِ بِدُخُولِها، لا مَتاعَ الدّاخِلِينَ إلَيْها ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ إنْ قالَ لَكم أهْلَ البَيْتِ ارْجِعُوا فارْجِعُوا، ولا تُعاوِدُوهم بِالِاسْتِئْذانِ مَرَّةً أُخْرى، ولا تَنْتَظِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَأْذَنُوا لَكم بَعْدَ أمْرِهِمْ لَكم بِالرُّجُوعِ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الرُّجُوعَ أفْضَلُ مِنَ الإلْحاحِ وتَكْرارِ الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ عَلى البابِ فَقالَ: ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ أفْضَلُ وأطْهَرُ مِنَ التَّدَنُّسِ بِالمُشاحَّةِ عَلى الدُّخُولِ لِما في ذَلِكَ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ، والبُعْدِ مِنَ الرِّيبَةِ، والفِرارِ مِنَ الدَّناءَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِكم خافِيَةٌ.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم﴾ أيْ لا جُناحَ عَلَيْكم في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ إلى البُيُوتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْكُونَةٍ.
وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِهَذِهِ البُيُوتِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هي الفَنادِقُ الَّتِي في الطُّرُقِ السّابِلَةِ المَوْضُوعَةِ لِابْنِ السَّبِيلِ يَأْوِي إلَيْها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ القَيْسارِيّاتِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: لِأنَّهم جاءُوا بِبِيُوعِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها، وقالُوا لِلنّاسِ هَلُمَّ.
وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الخَرِبُ الَّتِي يَدْخُلُها النّاسُ لِلْبَوْلِ والغائِطِ، فَفي هَذا أيْضًا مَتاعٌ.
وقِيلَ: هي بُيُوتُ مَكَّةَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ النّاسَ شُرَكاءُ فِيها، ولَكِنْ قَدْ قَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ البُيُوتَ المَذْكُورَةَ هُنا بِأنَّها غَيْرُ مَسْكُونَةٍ.
والمَتاعُ: المَنفَعَةُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: فِيها مَنفَعَةٌ لَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقَوْلُهم: أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، وقَدْ فَسَّرَ الشَّعْبِيُّ المَتاعَ في كَلامِهِ المُتَقَدِّمِ بِالأعْيانِ الَّتِي تُباعُ.
قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: ولَيْسَ المُرادُ بِالمَتاعِ الجِهازَ، ولَكِنْ ما سِواهُ مِنَ الحاجَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو حَسَنٌ مُوافِقٌ لِلُّغَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ ما تُظْهِرُونَ وما تُخْفُونَ، وفِيهِ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَتَأدَّبْ بِآدابِ اللَّهِ في دُخُولِ بُيُوتِ الغَيْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى الحالَةِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ ولَدٌ ولا والِدٌ، فَيَأْتِينِي الأبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ فَكَيْفَ أصْنَعُ ؟» ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: «وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَندَهْ في غَرائِبِ شُعْبَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: أخْطَأ الكاتِبُ حَتّى تَسْتَأْذِنُوا ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيُّ قالَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الِاسْتِئْناسُ: الِاسْتِئْذانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحَكِيمُ والتِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ (p-١٠٠٧)هَذا التَّسْلِيمُ قَدْ عَرَفْناهُ فَما الِاسْتِئْناسُ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ وتَكْبِيرَةٍ وتَحْمِيدَةٍ ويَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أهْلَ البَيْتِ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الِاسْتِئْناسُ أنْ يَدْعُوَ الخادِمَ حَتّى يَسْتَأْنِسَ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ كَلَدَةَ «أنَّ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ في الفَتْحِ بِلِبَأِ وضَغابِيسَ والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْلى الوادِي، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ولَمْ أُسَلِّمْ ولَمْ أسْتَأْذِنْ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ رِبْعِيٍّ، قالَ: «حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في بَيْتٍ، فَقالَ: أألِجُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِخادِمِهِ: اخْرُجْ إلى هَذا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، ولَكِنَّهُ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةُ: قَوْمِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ: ما أفْزَعَكَ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ، فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ فَقُلْتُ: قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.
قالَ: لَتَأْتِيَنِي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ، فَقالُوا: لا يَقُومُ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَقامَ أبُو سَعِيدٍ مَعَهُ لِيَشْهَدَ لَهُ، فَقالَ عُمَرُ لِأبِي مُوسى: إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنَّ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - شَدِيدٌ» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ، قالَ: لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ» .
وفِي لَفْظِ: «إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن أجْلِ البَصَرِ» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَما أدْرَكْتُها أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي، فَيَقُولُ لِي ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ وأبُو داوُدَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ فَنُسِخَ، مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم﴾ .
النور 24:30
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حُكْمَ الِاسْتِئْذانِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حُكْمِ النَّظَرِ عَلى العُمُومِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ غَضُّ البَصَرِ مِنَ المُسْتَأْذِنِ، كَما قالَ: - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن أجْلِ البَصَرِ» وخَصَّ المُؤْمِنِينَ مَعَ تَحْرِيمِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، لِكَوْنِ قِطْعِ ذَرائِعِ الزِّنا الَّتِي مِنها النَّظَرُ هم أحَقُّ مِن غَيْرِهِمْ بِها وأوْلى بِذَلِكَ مِمَّنْ سِواهم.
وقِيلَ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الكُفّارَ غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِالشَّرْعِيّاتِ كَما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ غُضُّوا ﴿يَغُضُّوا﴾ ومَعْنى غَضِّ البَصَرِ: إطْباقُ الجَفْنِ عَلى العَيْنِ بِحَيْثُ تَمْتَنِعُ الرُّؤْيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابًا
وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وأغُضُّ طَرَفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى تُوارِيَ جارَتِي مَأْواها
ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ هي التَّبْعِيضِيَّةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، وبَيَّنُوهُ بِأنَّ المَعْنى غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ. وقِيلَ: وجْهُ التَّبْعِيضِ أنَّهُ يُعْفى لِلنّاظِرِ أوَّلَ نَظْرَةٍ تَقَعُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها زائِدَةٌ وأنْكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ أبُو البَقاءِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مُبْهَمٌ يَكُونُ مُفَسَّرًا بِمَن، وقِيلَ: إنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: الغَضُّ النُّقْصانُ، يُقالُ غَضَّ فُلانٌ مِن فُلانٍ أيْ: وضَعَ مِنهُ، فالبَصَرُ إذا لَمْ يُمْكِنْ مِن عَمَلِهِ فَهو مَغْضُوضٌ مِنهُ ومَنقُوصٌ فَتَكُونُ مِن صِلَةً لِلْغَضِّ، ولَيْسَتْ لِمَعْنًى مِن تِلْكَ المَعانِي الأرْبَعَةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلى غَيْرِ مَن يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، ومَعْنى ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها عَمّا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ سَتْرُ فُرُوجِهِمْ عَنْ أنْ يَراها مَن لا تَحِلُّ لَهُ رُؤْيَتُها، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ. فالكُلُّ يَدْخُلُ تَحْتَ حِفْظِ الفَرْجِ.
قِيلَ ووَجْهُ المَجِيءِ بِمِن في الأبْصارِ دُونَ الفُرُوجِ أنَّهُ مُوَسَّعٌ في النَّظَرِ فَإنَّهُ لا يَحْرُمُ مِنهُ إلّا ما اسْتُثْنِيَ، بِخِلافِ حِفْظِ الفَرْجِ فَإنَّهُ مُضَيَّقٌ فِيهِ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ مِنهُ إلّا ما اسْتُثْنِيَ.
وقِيلَ: الوَجْهُ أنَّ غَضَّ البَصَرِ كُلِّهِ كالمُتَعَذِّرِ، بِخِلافٍ حِفْظِ الفَرْجِ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ عَلى الإطْلاقِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الغَضِّ والحِفْظِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ أطْهَرُ لَهم مِن دَنَسِ الرِّيبَةِ وأطْيَبُ مِنَ التَّلَبُّسِ بِهَذِهِ الدَّنِيئَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن صُنْعِهِمْ.
وفِي ذَلِكَ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَغُضَّ بَصَرَهُ ويَحْفَظْ فَرْجَهُ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ خَصَّ سُبْحانَهُ الإناثَ بِهَذا (p-١٠٠٨)الخِطابِ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِدُخُولِهِنَّ تَحْتَ خِطابِ المُؤْمِنِينَ تَغْلِيبًا كَما في سائِرِ الخِطاباتِ القُرْآنِيَّةِ، وظَهَرَ التَّضْعِيفُ في يَغْضُضْ ولَمْ يَظْهَرْ في يَغُضُّوا؛ لِأنَّ لامَ الفِعْلِ مِنَ الأوَّلِ مُتَحَرِّكَةٌ ومِنَ الثّانِي ساكِنَةٌ وهُما في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلْأمْرِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالغَضِّ في المَوْضِعَيْنِ قَبْلَ حِفْظِ الفَرْجِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ وسِيلَةٌ إلى عَدَمِ حِفْظِ الفَرْجِ، والوَسِيلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، ومَعْنى: يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ كَمَعْنى يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ نَظَرِ النِّساءِ إلى ما يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُ فُرُوجِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في حِفْظِ الرِّجالِ لِفُرُوجِهِمْ ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنَّ بِهِ مِنَ الحِلْيَةِ وغَيْرِها، وفي النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِها مِن أبْدانِهِنَّ بِالأوْلى.
ثُمَّ اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِن هَذا النَّهْيِ، فَقالَ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ . واخْتَلَفَ النّاسُ في ظاهِرِ الزِّينَةِ وما هو ؟ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الثِّيابُ وزادَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الوَجْهُ. وقالَ عَطاءٌ والأوْزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الكُحْلُ والسِّواكُ والخِضابُ إلى نِصْفِ السّاقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُبْدِيَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّ المَرْأةَ لا تُبْدِي شَيْئًا مِنَ الزِّينَةِ وتُخْفِي كُلَّ شَيْءٍ مِن زِينَتِها، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ فِيما يَظْهَرُ مِنها بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ ظاهَرَ النَّظْمِ القُرْآنِيَّ النَّهْيُ عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ إلّا ما ظَهَرَ مِنها كالجِلْبابِ والخِمارِ ونَحْوِهِما مِمّا عَلى الكَفِّ والقَدَمَيْنِ مِنَ الحِلْيَةِ ونَحْوِها، وإنْ كانَ المُرادُ بِالزِّينَةِ مَواضِعَها كانَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلى ما يَشُقُّ عَلى المَرْأةِ سَتْرُهُ كالكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وهَكَذا إذا كانَ النَّهْيُ عَنْ إظْهارِ الزِّينَةِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ مَواضِعِها بِفَحْوى الخِطابِ، فَإنَّهُ يُحْمَلُ الِاسْتِثْناءُ عَلى ما ذَكَرْناهُ في المَوْضِعَيْنِ، وأمّا إذا كانَتِ الزِّينَةُ تَشْمَلُ مَواضِعَ الزِّينَةِ وما تَتَزَيَّنُ بِهِ النِّساءُ فالأمْرُ واضِحٌ، والِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ الجَمِيعِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: الزِّينَةُ عَلى قِسْمَيْنِ: خِلْقِيَّةٌ، ومُكْتَسَبَةٌ، فالخِلْقِيَّةُ وجْهُها فَإنَّهُ أصْلُ الزِّينَةِ، والزِّينَةُ المُكْتَسَبَةُ ما تُحاوِلُهُ المَرْأةُ في تَحْسِينِ خَلْقِها كالثِّيابِ والحُلِيِّ والكُحْلِ والخِضابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَأْخُذْنَ زِينَتَهُنَّ أحْسَنَ ما تَرى ∗∗∗ وإذا عُطِلْنَ فَهُنَّ خَيْرُ عَواطِلِ
﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ اللّامِ الَّتِي لِلْأمْرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ أصْلَ لامِ الأمْرِ الكَسْرُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والخُمُرُ جَمْعُ خِمارٍ، وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها، ومِنهُ اخْتَمَرَتِ المَرْأةُ وتَخَمَّرَتْ.
والجُيُوبُ: جَمْعُ جَيْبٍ، وهو مَوْضِعُ القَطْعِ مِنَ الدِّرْعِ والقَمِيصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَوْبِ وهو القَطْعُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ نِساءَ الجاهِلِيَّةِ كُنَّ يُسْدِلْنَ خُمُرَهُنَّ مِن خَلْفِهِنَّ، وكانَتْ جُيُوبُهُنَّ مِن قُدّامٍ واسِعَةً، فَكانَتْ تَنْكَشِفُ نُحُورُهُنَّ وقَلائِدُهُنَّ، فَأُمِرْنَ أنْ يَضْرِبْنَ مَقانِعَهُنَّ عَلى الجُيُوبِ لِتَسْتُرَ بِذَلِكَ ما كانَ يَبْدُو، وفي لَفْظِ الضَّرْبِ مُبالَغَةٌ في الإلْقاءِ الَّذِي هو الإلْصاقُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ بِتَحْرِيكِ المِيمِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِكَسْرِها، وكَثِيرٌ مِن مُتَقَدِّمِي النَّحْوِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ هَذِهِ القِراءَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُبَدِّلَ مِنَ الضَّمَّةِ كَسْرَةً، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الضَّمِّ والكَسْرِ فَمُحالٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ إلّا عَلى الإيماءِ، وقَدْ فَسَّرَ الجُمْهُورُ الجُيُوبَ بِما قَدَّمْنا وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مَعْنى عَلى ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾: عَلى صُدُورِهِنَّ، فَيَكُونُ في الآيَةِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: عَلى مَواضِعِ جُيُوبِهِنَّ.
ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ لِأجْلِ ما سَيَذْكُرُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ البَعْلُ هو الزَّوْجُ والسَّيِّدُ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدَّمَ البُعُولَةَ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ؛ ولِأنَّ كُلَّ بَدَنِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ حَلالٌ لَهم، ومِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] ثُمَّ لَمّا اسْتَثْنى سُبْحانَهُ الزَّوْجَ أتْبَعَهُ بِاسْتِثْناءِ ذَوِي المَحارِمِ فَقالَ: ﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ، ﴿أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ فَجَوَّزَ لِلنِّساءِ أنْ يُبْدِينَ الزِّينَةَ لِهَؤُلاءِ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ وعَدَمِ خَشْيَةِ الفِتْنَةِ لِما في الطِّباعِ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ القَرائِبِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُما كانا لا يَنْظُرانِ إلى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ذَهابًا مِنهُما إلى أنَّ أبْناءَ البُعُولَةِ لَمْ يُذْكَرُوا في الآيَةِ الَّتِي في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهي قَوْلُهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] والمُرادُ بِأبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ ذُكُورُ أوْلادِ الأزْواجِ، ويَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أبْنائِهِنَّ﴾ أوْلادُ الأوْلادِ وإنْ سَفَلُوا وأوْلادُ بَناتِهِنَّ وإنْ سَفَلُوا، وكَذا آباءُ البُعُولَةِ وآباءُ الآباءِ وآباءُ الأُمَّهاتِ وإنْ عَلَوْا، وكَذَلِكَ أبْناءُ البُعُولَةِ وإنْ سَفَلُوا، وكَذَلِكَ أبْناءُ الإخْوَةِ والأخَواتِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ العَمَّ والخالَ كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ إلى ما يَجُوزُ لَهم، ولَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الرَّضاعِ، وهو كالنَّسَبِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ: لَيْسَ العَمُّ والخالُ مِنَ المَحارِمِ، ومَعْنى ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ هُنَّ المُخْتَصّاتُ بِهِنَّ المُلابِساتِ لَهُنَّ بِالخِدْمَةِ أوِ الصُّحْبَةِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإماءُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ نِساءُ الكُفّارِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ وغَيْرِهِمْ، فَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لَهُنَّ لِأنَّهُنَّ لا يَتَحَرَّجْنَ عَنْ وصْفِهِنَّ لِلرِّجالِ.
وفِي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ، وإضافَةُ النِّساءِ إلَيْهِنَّ تَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُؤْمِناتِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ ظاهِرُ الآيَةِ يَشْمَلُ العَبِيدَ والإماءَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ إنَّما عَنى بِها الإماءَ ولَمْ يَعْنِ بِها العَبِيدَ.
وكانَ الشَّعْبِيُّ يَكْرَهُ أنْ يَنْظُرَ (p-١٠٠٩)المَمْلُوكُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ جُرَيْحٍ ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ غَيْرِ بِالجَرِّ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقِيلَ: عَلى القَطْعِ، والمُرادُ بِالتّابِعِينَ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ القَوْمَ فَيُصِيبُونَ مِن طَعامِهِمْ لا هِمَّةَ لَهم إلّا ذَلِكَ ولا حاجَةَ لَهم في النِّساءِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ، ومِنَ الرِّجالِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وأصْلُ الإرْبَةِ والأرَبِ والمَأْرَبَةِ الحاجَةُ والجَمْعُ مَآرِبُ أيْ: حَوائِجُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎إذا المَرْءُ قالَ الجَهْلَ والحَوْبَ والخَنا ∗∗∗ تَقَدَّمَ يَوْمًا ثُمَّ ضاعَتْ مَآرِبُهُ
وقِيلَ: المُرادُ بِغَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ الحَمْقى الَّذِينَ لا حاجَةَ لَهم في النِّساءِ، وقِيلَ: البَلِهُ، وقِيلَ: العِنِّينُ، وقِيلَ: الخَصِيُّ، وقِيلَ: المُخَنَّثُ، وقِيلَ: الشَّيْخُ الكَبِيرُ، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ، بَلِ المُرادُ بِالآيَةِ ظاهِرُها وهم مِن يَتْبَعُ أهْلَ البَيْتِ، ولا حاجَةَ لَهُ في النِّساءِ، ولا يَحْصُلُ مِنهُ ذَلِكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَيَدْخُلُ مِن هَؤُلاءِ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ ويَخْرُجُ مَن عَداهُ ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ الطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ، أوِ المُرادِ بِهِ هُنا الجِنْسُ المَوْضُوعُ مَوْضِعَ الجَمْعِ بِدَلالَةِ وصْفِهِ بِوَصْفِ الجَمْعِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ أوِ ( الأطْفالِ ) عَلى الجَمْعِ، يُقالُ لِلْإنْسانِ طِفْلٌ ما لَمْ يُراهِقِ الحُلُمَ ومَعْنى لَمْ يَظْهَرُوا: لَمْ يَطَّلِعُوا، مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ لِلْجِماعِ، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، يُقالُ ظَهَرْتُ عَلى كَذا: إذا غَلَبَتُهُ وقَهَرَتُهُ.
والمَعْنى: لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ويَكْشِفُوا عَنْها لِلْجِماعِ، أوْ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ لِلْجِماعِ.
قِراءَةُ الجُمْهُورِ عَوْراتِ بِسُكُونِ الواوِ تَخْفِيفًا، وهي لُغَةُ جُمْهُورِ العَرَبِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ بِفَتْحِها. وقَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الَّذِي أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:
؎أخُو بَيْضاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ∗∗∗ رَفِيقٌ لِمَسْحِ المَنكِبَيْنِ سَبُوحُ
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ سَتْرِ ما عَدا الوَجْهِ والكَفَّيْنِ مِنَ الأطْفالِ، فَقِيلَ لا يَلْزَمُ؛ لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ وهو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: يَلْزَمُ؛ لِأنَّها قَدْ تَشْتَهِي المَرْأةُ.
وهَكَذا اخْتُلِفَ في عَوْرَةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ الَّذِي قَدْ سَقَطَتْ شَهْوَتُهُ، والأوْلى بَقاءُ الحُرْمَةِ كَما كانَتْ، فَلا يَحِلُّ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَكْشِفَها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ العُرْوَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ السَّوْءَتَيْنِ عَوْرَةٌ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وأنَّ المَرْأةَ كُلَّها عَوْرَةٌ إلّا وجْهَها ويَدَيْها عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ. وقالَ الأكْثَرُ: إنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مِن سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتِهِ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أيْ لا تَضْرِبُ المَرْأةُ بِرِجْلِها إذا مَشَتْ لِيُسْمَعَ صَوْتُ خَلْخالِها مَن يَسْمَعُهُ مِنَ الرِّجالِ فَيَعْلَمُونَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وسَماعُ هَذِهِ الزِّينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها.
ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى التَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِها وأنَّها فَرْضٌ مِن فَرائِضِ الدِّينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّوْبَةِ في سُورَةِ النِّساءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُرَغِّبُهم في التَّوْبَةِ، فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ تَفُوزُونَ بِسَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ هُنا هي عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما تَقَرَّرَ في السُّنَّةِ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في طَرِيقٍ مِن طُرُقاتِ المَدِينَةِ، فَنَظَرَ إلى المَرْأةِ ونَظَرَتْ إلَيْهِ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ أحَدُهُما إلى الآخَرِ إلّا إعْجابًا بِهِ، فَبَيْنَما الرَّجُلُ يَمْشِي إلى جَنْبِ حائِطٍ وهو يَنْظُرُ إلَيْها، إذِ اسْتَقْبَلَهُ الحائِطُ فَشَقَّ أنْفَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أغْسِلُ الدَّمَ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأُعْلِمُهُ أمْرِي، فَأتاهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عُقُوبَةُ ذَنْبِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي مِن شَهَواتِهِمْ مِمّا يَكْرَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّ الأُولى لَكَ ولَيْسَتْ لَكَ الأُخْرى» وفي مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ نَظْرَةِ الفَجْأةِ، فَأمَرَنِي أنْ أصْرِفَ بَصَرِي» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إيّاكم والجُلُوسَ عَلى الطُّرُقاتِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا مِن مَجالِسِنا نَتَحَدَّثُ فِيها، فَقالَ: إنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالُوا: وما حَقُّهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَوْراتُنا ما نَأْتِي مِنها وما نَذَرُ ؟ قالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلّا مِن زَوْجَتِكَ، أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إذا كانَ القَوْمُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قالَ: إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ لا يَراها أحَدٌ فَلا يَرَيَنَّها، قُلْتُ: إذا كانَ أحَدُنا خالِيًا، قالَ: فاللَّهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيا مِنهُ مِنَ النّاسِ» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَتَبَ اللَّهُ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، وزِنا الأُذُنَيْنِ السَّماعُ وزِنا اليَدَيْنِ البَطْشُ، وزِنا الرِّجْلَيْنِ الخَطْوُ، والنَّفْسُ تَتَمَنّى، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ، فَمَن تَرَكَها مِن خَوْفِ اللَّهِ أثابَهُ اللَّهُ إيمانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ في قَلْبِهِ» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.
(p-١٠١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيَّ حَدَّثَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ كانَتْ في نَخْلٍ لَها لَبَنِي حارِثَةَ، فَجَعَلَ النِّساءُ يَدْخُلْنَ عَلَيْها غَيْرَ مُتَّزِراتٍ فَيَبْدُو ما في أرْجُلِهِنَّ، يَعْنِي الخَلاخِلَ، وتَبْدُو صُدُورُهُنَّ وذَوائِبُهُنَّ، فَقالَتْ أسْماءُ: ما أقْبَحَ هَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ الآيَةَ»، وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُرْسَلًا مُقاتِلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قالَ: الزِّينَةُ السِّوارُ والدُّمْلُجُ والخَلْخالُ والقُرْطُ والقِلادَةُ ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الثِّيابُ والجِلْبابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ زِينَةٌ ظاهِرَةٌ وزِينَةٌ باطِنَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ، فَأمّا الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ فالثِّيابُ، وأمّا الزِّينَةُ الباطِنَةُ فالكُحْلُ والسِّوارُ والخاتَمُ.
ولَفْظُ ابْنُ جَرِيرٍ: فالظّاهِرَةُ مِنها الثِّيابُ، وما خَفِيَ الخَلْخالانِ والقُرْطانِ والسِّوارانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ والقُرْطُ والقِلادَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: هو خِضابُ الكَفِّ والخاتَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الوَجْهُ والكَفّانِ.
وأخْرَجا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إلّا ما ظَهَرَ مِنها وجْهُها وكَفّاها والخاتَمُ، وأخْرَجا أيْضًا عَنْهُ قالَ: رُقْعَةُ الوَجْهِ وباطِنُ الكَفِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنِ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ قالَ: القَلْبُ والفَتْخُ وضَمَّتْ طَرَفَ كُمِّها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ، فَأعْرَضَ عَنْها وقالَ: يا أسْماءُ إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفِّهِ» .
قالَ أبُو داوُدَ وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ لِأنَّهُ مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ عَنْ عائِشَةَ ولَمْ يَسْمَعْ مِنها.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ: قالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ نِساءَ المُهاجِراتِ الأُولاتِ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ أكْثَفَ مُرُوطِهِنَّ فاخْتَمَرْنَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها بِلَفْظِ: أخَذَ النِّساءُ أُزْرَهُنَّ فَشَقَقْنَها مِن قِبَلِ الحَواشِي فاخْتَمَرْنَ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ والزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوَجْهُ وكُحْلُ العَيْنَيْنِ وخِضابُ الكَفِّ والخاتَمُ، فَهَذا تُظْهِرُهُ في بَيْتِها لِمَن دَخَلَ عَلَيْها.
ثُمَّ قالَ، ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ﴾ الآيَةَ، والزِّينَةُ الَّتِي تُبْدِيها لِهَؤُلاءِ قُرْطُها وقِلادَتُها وسِوارُها، فَأمّا خَلْخالُها ومِعْضَدُها ونَحْرُها وشَعْرُها فَإنَّها لا تُبْدِيهِ إلّا لِزَوْجِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ قالَ: هُنَّ المُسْلِماتُ لا تُبْدِيهِ لِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ وهو النَّحْرُ والقُرْطُ والوِشاحُ، وما يَحْرُمُ أنْ يَراهُ إلّا مَحْرَمٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كَتَبَ إلى أبِي عُبَيْدَةَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءً مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ أهْلِ الشِّرْكِ، فانْهَ مَن قِبَلَكَ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها إلّا أهْلُ مِلَّتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا بَأْسَ أنْ يَرى العَبْدُ شَعْرَ سَيِّدَتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وُهِبَ لَها وعَلى فاطِمَةَ ثَوْبٌ إذا قُنِّعَ بِهِ رَأْسُها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وإذا غَطَّتْ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها، فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما تَلْقى قالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ» وإسْنادُهُ في سُنَنِ أبِي داوُدَ هَكَذا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى حَدَّثَنا أبُو جُمَيْعٍ سالِمُ بْنُ دِينارٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ لِإحْداكُنَّ مُكاتَبٌ، وكانَ لَهُ ما يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنهُ»، وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَبْهانَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قالَ: هَذا الَّذِي لا تَسْتَحِيِي مِنهُ النِّساءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا الرَّجُلُ يَتْبَعُ القَوْمَ وهو مُغَفَّلٌ في عَقْلِهِ، لا يَكْتَرِثُ لِلنِّساءِ ولا يَشْتَهِي النِّساءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَتْبَعُ الرَّجُلَ في الزَّمانِ الأوَّلِ لا يَغارُ عَلَيْهِ ولا تَرْهُبُ المَرْأةُ أنْ تَضَعَ خِمارَها عِنْدَهُ، وهو الأحْمَقُ الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ في النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو المُخَنَّثُ الَّذِي لا يَقُومُ زُبُّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخَنَّثٌ، فَكانُوا يَدْعُونَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا وهو عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ وهو يَنْعَتُ امْرَأةً قالَ: إذا أقْبَلَتْ أقْبَلَتْ بِأرْبَعٍ، وإذا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بِثَمانٍ، قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا أرى هَذا يَعْرِفُ ما هاهُنا لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكم فَحَجَبُوهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ وهو أنْ تَقْرَعَ الخَلْخالَ بِالآخَرِ عِنْدَ الرِّجالِ، أوْ يَكُونُ في رِجْلِها (p-١٠١١)خَلاخِلُ فَتُحَرِّكُهُنَّ عِنْدَ الرِّجالِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ.
النور 24:31
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حُكْمَ الِاسْتِئْذانِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حُكْمِ النَّظَرِ عَلى العُمُومِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ غَضُّ البَصَرِ مِنَ المُسْتَأْذِنِ، كَما قالَ: - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن أجْلِ البَصَرِ» وخَصَّ المُؤْمِنِينَ مَعَ تَحْرِيمِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، لِكَوْنِ قِطْعِ ذَرائِعِ الزِّنا الَّتِي مِنها النَّظَرُ هم أحَقُّ مِن غَيْرِهِمْ بِها وأوْلى بِذَلِكَ مِمَّنْ سِواهم.
وقِيلَ: إنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الكُفّارَ غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِالشَّرْعِيّاتِ كَما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ غُضُّوا ﴿يَغُضُّوا﴾ ومَعْنى غَضِّ البَصَرِ: إطْباقُ الجَفْنِ عَلى العَيْنِ بِحَيْثُ تَمْتَنِعُ الرُّؤْيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابًا
وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وأغُضُّ طَرَفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى تُوارِيَ جارَتِي مَأْواها
ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ هي التَّبْعِيضِيَّةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، وبَيَّنُوهُ بِأنَّ المَعْنى غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ. وقِيلَ: وجْهُ التَّبْعِيضِ أنَّهُ يُعْفى لِلنّاظِرِ أوَّلَ نَظْرَةٍ تَقَعُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها زائِدَةٌ وأنْكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ أبُو البَقاءِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مُبْهَمٌ يَكُونُ مُفَسَّرًا بِمَن، وقِيلَ: إنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: الغَضُّ النُّقْصانُ، يُقالُ غَضَّ فُلانٌ مِن فُلانٍ أيْ: وضَعَ مِنهُ، فالبَصَرُ إذا لَمْ يُمْكِنْ مِن عَمَلِهِ فَهو مَغْضُوضٌ مِنهُ ومَنقُوصٌ فَتَكُونُ مِن صِلَةً لِلْغَضِّ، ولَيْسَتْ لِمَعْنًى مِن تِلْكَ المَعانِي الأرْبَعَةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلى غَيْرِ مَن يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، ومَعْنى ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها عَمّا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ سَتْرُ فُرُوجِهِمْ عَنْ أنْ يَراها مَن لا تَحِلُّ لَهُ رُؤْيَتُها، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ. فالكُلُّ يَدْخُلُ تَحْتَ حِفْظِ الفَرْجِ.
قِيلَ ووَجْهُ المَجِيءِ بِمِن في الأبْصارِ دُونَ الفُرُوجِ أنَّهُ مُوَسَّعٌ في النَّظَرِ فَإنَّهُ لا يَحْرُمُ مِنهُ إلّا ما اسْتُثْنِيَ، بِخِلافِ حِفْظِ الفَرْجِ فَإنَّهُ مُضَيَّقٌ فِيهِ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ مِنهُ إلّا ما اسْتُثْنِيَ.
وقِيلَ: الوَجْهُ أنَّ غَضَّ البَصَرِ كُلِّهِ كالمُتَعَذِّرِ، بِخِلافٍ حِفْظِ الفَرْجِ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ عَلى الإطْلاقِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الغَضِّ والحِفْظِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ أطْهَرُ لَهم مِن دَنَسِ الرِّيبَةِ وأطْيَبُ مِنَ التَّلَبُّسِ بِهَذِهِ الدَّنِيئَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن صُنْعِهِمْ.
وفِي ذَلِكَ وعِيدٌ لِمَن لَمْ يَغُضَّ بَصَرَهُ ويَحْفَظْ فَرْجَهُ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ خَصَّ سُبْحانَهُ الإناثَ بِهَذا (p-١٠٠٨)الخِطابِ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِدُخُولِهِنَّ تَحْتَ خِطابِ المُؤْمِنِينَ تَغْلِيبًا كَما في سائِرِ الخِطاباتِ القُرْآنِيَّةِ، وظَهَرَ التَّضْعِيفُ في يَغْضُضْ ولَمْ يَظْهَرْ في يَغُضُّوا؛ لِأنَّ لامَ الفِعْلِ مِنَ الأوَّلِ مُتَحَرِّكَةٌ ومِنَ الثّانِي ساكِنَةٌ وهُما في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلْأمْرِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالغَضِّ في المَوْضِعَيْنِ قَبْلَ حِفْظِ الفَرْجِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ وسِيلَةٌ إلى عَدَمِ حِفْظِ الفَرْجِ، والوَسِيلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، ومَعْنى: يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ كَمَعْنى يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ نَظَرِ النِّساءِ إلى ما يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُ فُرُوجِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في حِفْظِ الرِّجالِ لِفُرُوجِهِمْ ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنَّ بِهِ مِنَ الحِلْيَةِ وغَيْرِها، وفي النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِها مِن أبْدانِهِنَّ بِالأوْلى.
ثُمَّ اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِن هَذا النَّهْيِ، فَقالَ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ . واخْتَلَفَ النّاسُ في ظاهِرِ الزِّينَةِ وما هو ؟ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الثِّيابُ وزادَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الوَجْهُ. وقالَ عَطاءٌ والأوْزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِّينَةِ هو الكُحْلُ والسِّواكُ والخِضابُ إلى نِصْفِ السّاقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُبْدِيَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّ المَرْأةَ لا تُبْدِي شَيْئًا مِنَ الزِّينَةِ وتُخْفِي كُلَّ شَيْءٍ مِن زِينَتِها، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ فِيما يَظْهَرُ مِنها بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ ظاهَرَ النَّظْمِ القُرْآنِيَّ النَّهْيُ عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ إلّا ما ظَهَرَ مِنها كالجِلْبابِ والخِمارِ ونَحْوِهِما مِمّا عَلى الكَفِّ والقَدَمَيْنِ مِنَ الحِلْيَةِ ونَحْوِها، وإنْ كانَ المُرادُ بِالزِّينَةِ مَواضِعَها كانَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلى ما يَشُقُّ عَلى المَرْأةِ سَتْرُهُ كالكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وهَكَذا إذا كانَ النَّهْيُ عَنْ إظْهارِ الزِّينَةِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ مَواضِعِها بِفَحْوى الخِطابِ، فَإنَّهُ يُحْمَلُ الِاسْتِثْناءُ عَلى ما ذَكَرْناهُ في المَوْضِعَيْنِ، وأمّا إذا كانَتِ الزِّينَةُ تَشْمَلُ مَواضِعَ الزِّينَةِ وما تَتَزَيَّنُ بِهِ النِّساءُ فالأمْرُ واضِحٌ، والِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ الجَمِيعِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: الزِّينَةُ عَلى قِسْمَيْنِ: خِلْقِيَّةٌ، ومُكْتَسَبَةٌ، فالخِلْقِيَّةُ وجْهُها فَإنَّهُ أصْلُ الزِّينَةِ، والزِّينَةُ المُكْتَسَبَةُ ما تُحاوِلُهُ المَرْأةُ في تَحْسِينِ خَلْقِها كالثِّيابِ والحُلِيِّ والكُحْلِ والخِضابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَأْخُذْنَ زِينَتَهُنَّ أحْسَنَ ما تَرى ∗∗∗ وإذا عُطِلْنَ فَهُنَّ خَيْرُ عَواطِلِ
﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ اللّامِ الَّتِي لِلْأمْرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ أصْلَ لامِ الأمْرِ الكَسْرُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والخُمُرُ جَمْعُ خِمارٍ، وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها، ومِنهُ اخْتَمَرَتِ المَرْأةُ وتَخَمَّرَتْ.
والجُيُوبُ: جَمْعُ جَيْبٍ، وهو مَوْضِعُ القَطْعِ مِنَ الدِّرْعِ والقَمِيصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَوْبِ وهو القَطْعُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ نِساءَ الجاهِلِيَّةِ كُنَّ يُسْدِلْنَ خُمُرَهُنَّ مِن خَلْفِهِنَّ، وكانَتْ جُيُوبُهُنَّ مِن قُدّامٍ واسِعَةً، فَكانَتْ تَنْكَشِفُ نُحُورُهُنَّ وقَلائِدُهُنَّ، فَأُمِرْنَ أنْ يَضْرِبْنَ مَقانِعَهُنَّ عَلى الجُيُوبِ لِتَسْتُرَ بِذَلِكَ ما كانَ يَبْدُو، وفي لَفْظِ الضَّرْبِ مُبالَغَةٌ في الإلْقاءِ الَّذِي هو الإلْصاقُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ بِتَحْرِيكِ المِيمِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِكَسْرِها، وكَثِيرٌ مِن مُتَقَدِّمِي النَّحْوِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ هَذِهِ القِراءَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُبَدِّلَ مِنَ الضَّمَّةِ كَسْرَةً، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الضَّمِّ والكَسْرِ فَمُحالٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ إلّا عَلى الإيماءِ، وقَدْ فَسَّرَ الجُمْهُورُ الجُيُوبَ بِما قَدَّمْنا وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مَعْنى عَلى ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾: عَلى صُدُورِهِنَّ، فَيَكُونُ في الآيَةِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: عَلى مَواضِعِ جُيُوبِهِنَّ.
ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ لِأجْلِ ما سَيَذْكُرُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ البَعْلُ هو الزَّوْجُ والسَّيِّدُ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدَّمَ البُعُولَةَ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ؛ ولِأنَّ كُلَّ بَدَنِ الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ حَلالٌ لَهم، ومِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] ثُمَّ لَمّا اسْتَثْنى سُبْحانَهُ الزَّوْجَ أتْبَعَهُ بِاسْتِثْناءِ ذَوِي المَحارِمِ فَقالَ: ﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ، ﴿أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ فَجَوَّزَ لِلنِّساءِ أنْ يُبْدِينَ الزِّينَةَ لِهَؤُلاءِ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ وعَدَمِ خَشْيَةِ الفِتْنَةِ لِما في الطِّباعِ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ القَرائِبِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُما كانا لا يَنْظُرانِ إلى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ذَهابًا مِنهُما إلى أنَّ أبْناءَ البُعُولَةِ لَمْ يُذْكَرُوا في الآيَةِ الَّتِي في أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهي قَوْلُهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] والمُرادُ بِأبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ ذُكُورُ أوْلادِ الأزْواجِ، ويَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أبْنائِهِنَّ﴾ أوْلادُ الأوْلادِ وإنْ سَفَلُوا وأوْلادُ بَناتِهِنَّ وإنْ سَفَلُوا، وكَذا آباءُ البُعُولَةِ وآباءُ الآباءِ وآباءُ الأُمَّهاتِ وإنْ عَلَوْا، وكَذَلِكَ أبْناءُ البُعُولَةِ وإنْ سَفَلُوا، وكَذَلِكَ أبْناءُ الإخْوَةِ والأخَواتِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ العَمَّ والخالَ كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ إلى ما يَجُوزُ لَهم، ولَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الرَّضاعِ، وهو كالنَّسَبِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ: لَيْسَ العَمُّ والخالُ مِنَ المَحارِمِ، ومَعْنى ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ هُنَّ المُخْتَصّاتُ بِهِنَّ المُلابِساتِ لَهُنَّ بِالخِدْمَةِ أوِ الصُّحْبَةِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإماءُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ نِساءُ الكُفّارِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ وغَيْرِهِمْ، فَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لَهُنَّ لِأنَّهُنَّ لا يَتَحَرَّجْنَ عَنْ وصْفِهِنَّ لِلرِّجالِ.
وفِي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ، وإضافَةُ النِّساءِ إلَيْهِنَّ تَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُؤْمِناتِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ ظاهِرُ الآيَةِ يَشْمَلُ العَبِيدَ والإماءَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ إنَّما عَنى بِها الإماءَ ولَمْ يَعْنِ بِها العَبِيدَ.
وكانَ الشَّعْبِيُّ يَكْرَهُ أنْ يَنْظُرَ (p-١٠٠٩)المَمْلُوكُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ جُرَيْحٍ ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ غَيْرِ بِالجَرِّ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقِيلَ: عَلى القَطْعِ، والمُرادُ بِالتّابِعِينَ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ القَوْمَ فَيُصِيبُونَ مِن طَعامِهِمْ لا هِمَّةَ لَهم إلّا ذَلِكَ ولا حاجَةَ لَهم في النِّساءِ قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ، ومِنَ الرِّجالِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وأصْلُ الإرْبَةِ والأرَبِ والمَأْرَبَةِ الحاجَةُ والجَمْعُ مَآرِبُ أيْ: حَوائِجُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎إذا المَرْءُ قالَ الجَهْلَ والحَوْبَ والخَنا ∗∗∗ تَقَدَّمَ يَوْمًا ثُمَّ ضاعَتْ مَآرِبُهُ
وقِيلَ: المُرادُ بِغَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ الحَمْقى الَّذِينَ لا حاجَةَ لَهم في النِّساءِ، وقِيلَ: البَلِهُ، وقِيلَ: العِنِّينُ، وقِيلَ: الخَصِيُّ، وقِيلَ: المُخَنَّثُ، وقِيلَ: الشَّيْخُ الكَبِيرُ، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ، بَلِ المُرادُ بِالآيَةِ ظاهِرُها وهم مِن يَتْبَعُ أهْلَ البَيْتِ، ولا حاجَةَ لَهُ في النِّساءِ، ولا يَحْصُلُ مِنهُ ذَلِكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَيَدْخُلُ مِن هَؤُلاءِ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ ويَخْرُجُ مَن عَداهُ ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ الطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ، أوِ المُرادِ بِهِ هُنا الجِنْسُ المَوْضُوعُ مَوْضِعَ الجَمْعِ بِدَلالَةِ وصْفِهِ بِوَصْفِ الجَمْعِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ أوِ ( الأطْفالِ ) عَلى الجَمْعِ، يُقالُ لِلْإنْسانِ طِفْلٌ ما لَمْ يُراهِقِ الحُلُمَ ومَعْنى لَمْ يَظْهَرُوا: لَمْ يَطَّلِعُوا، مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ لِلْجِماعِ، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، يُقالُ ظَهَرْتُ عَلى كَذا: إذا غَلَبَتُهُ وقَهَرَتُهُ.
والمَعْنى: لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ويَكْشِفُوا عَنْها لِلْجِماعِ، أوْ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ لِلْجِماعِ.
قِراءَةُ الجُمْهُورِ عَوْراتِ بِسُكُونِ الواوِ تَخْفِيفًا، وهي لُغَةُ جُمْهُورِ العَرَبِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ بِفَتْحِها. وقَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الَّذِي أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:
؎أخُو بَيْضاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ∗∗∗ رَفِيقٌ لِمَسْحِ المَنكِبَيْنِ سَبُوحُ
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ سَتْرِ ما عَدا الوَجْهِ والكَفَّيْنِ مِنَ الأطْفالِ، فَقِيلَ لا يَلْزَمُ؛ لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ وهو الصَّحِيحُ، وقِيلَ: يَلْزَمُ؛ لِأنَّها قَدْ تَشْتَهِي المَرْأةُ.
وهَكَذا اخْتُلِفَ في عَوْرَةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ الَّذِي قَدْ سَقَطَتْ شَهْوَتُهُ، والأوْلى بَقاءُ الحُرْمَةِ كَما كانَتْ، فَلا يَحِلُّ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَكْشِفَها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ العُرْوَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ السَّوْءَتَيْنِ عَوْرَةٌ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وأنَّ المَرْأةَ كُلَّها عَوْرَةٌ إلّا وجْهَها ويَدَيْها عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ. وقالَ الأكْثَرُ: إنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مِن سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتِهِ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أيْ لا تَضْرِبُ المَرْأةُ بِرِجْلِها إذا مَشَتْ لِيُسْمَعَ صَوْتُ خَلْخالِها مَن يَسْمَعُهُ مِنَ الرِّجالِ فَيَعْلَمُونَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وسَماعُ هَذِهِ الزِّينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها.
ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى التَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِها وأنَّها فَرْضٌ مِن فَرائِضِ الدِّينِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّوْبَةِ في سُورَةِ النِّساءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُرَغِّبُهم في التَّوْبَةِ، فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ تَفُوزُونَ بِسَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ هُنا هي عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، والأوَّلُ أوْلى لِما تَقَرَّرَ في السُّنَّةِ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في طَرِيقٍ مِن طُرُقاتِ المَدِينَةِ، فَنَظَرَ إلى المَرْأةِ ونَظَرَتْ إلَيْهِ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ أحَدُهُما إلى الآخَرِ إلّا إعْجابًا بِهِ، فَبَيْنَما الرَّجُلُ يَمْشِي إلى جَنْبِ حائِطٍ وهو يَنْظُرُ إلَيْها، إذِ اسْتَقْبَلَهُ الحائِطُ فَشَقَّ أنْفَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أغْسِلُ الدَّمَ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأُعْلِمُهُ أمْرِي، فَأتاهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا عُقُوبَةُ ذَنْبِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي مِن شَهَواتِهِمْ مِمّا يَكْرَهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّ الأُولى لَكَ ولَيْسَتْ لَكَ الأُخْرى» وفي مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ نَظْرَةِ الفَجْأةِ، فَأمَرَنِي أنْ أصْرِفَ بَصَرِي» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إيّاكم والجُلُوسَ عَلى الطُّرُقاتِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا مِن مَجالِسِنا نَتَحَدَّثُ فِيها، فَقالَ: إنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالُوا: وما حَقُّهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَوْراتُنا ما نَأْتِي مِنها وما نَذَرُ ؟ قالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلّا مِن زَوْجَتِكَ، أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إذا كانَ القَوْمُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قالَ: إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ لا يَراها أحَدٌ فَلا يَرَيَنَّها، قُلْتُ: إذا كانَ أحَدُنا خالِيًا، قالَ: فاللَّهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيا مِنهُ مِنَ النّاسِ» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَتَبَ اللَّهُ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، وزِنا الأُذُنَيْنِ السَّماعُ وزِنا اليَدَيْنِ البَطْشُ، وزِنا الرِّجْلَيْنِ الخَطْوُ، والنَّفْسُ تَتَمَنّى، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ، فَمَن تَرَكَها مِن خَوْفِ اللَّهِ أثابَهُ اللَّهُ إيمانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ في قَلْبِهِ» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.
(p-١٠١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيَّ حَدَّثَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ كانَتْ في نَخْلٍ لَها لَبَنِي حارِثَةَ، فَجَعَلَ النِّساءُ يَدْخُلْنَ عَلَيْها غَيْرَ مُتَّزِراتٍ فَيَبْدُو ما في أرْجُلِهِنَّ، يَعْنِي الخَلاخِلَ، وتَبْدُو صُدُورُهُنَّ وذَوائِبُهُنَّ، فَقالَتْ أسْماءُ: ما أقْبَحَ هَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ الآيَةَ»، وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُرْسَلًا مُقاتِلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيٌّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قالَ: الزِّينَةُ السِّوارُ والدُّمْلُجُ والخَلْخالُ والقُرْطُ والقِلادَةُ ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الثِّيابُ والجِلْبابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ زِينَةٌ ظاهِرَةٌ وزِينَةٌ باطِنَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ، فَأمّا الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ فالثِّيابُ، وأمّا الزِّينَةُ الباطِنَةُ فالكُحْلُ والسِّوارُ والخاتَمُ.
ولَفْظُ ابْنُ جَرِيرٍ: فالظّاهِرَةُ مِنها الثِّيابُ، وما خَفِيَ الخَلْخالانِ والقُرْطانِ والسِّوارانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ والقُرْطُ والقِلادَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: هو خِضابُ الكَفِّ والخاتَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الوَجْهُ والكَفّانِ.
وأخْرَجا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إلّا ما ظَهَرَ مِنها وجْهُها وكَفّاها والخاتَمُ، وأخْرَجا أيْضًا عَنْهُ قالَ: رُقْعَةُ الوَجْهِ وباطِنُ الكَفِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنِ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ قالَ: القَلْبُ والفَتْخُ وضَمَّتْ طَرَفَ كُمِّها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ، فَأعْرَضَ عَنْها وقالَ: يا أسْماءُ إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفِّهِ» .
قالَ أبُو داوُدَ وأبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ لِأنَّهُ مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ عَنْ عائِشَةَ ولَمْ يَسْمَعْ مِنها.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ: قالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ نِساءَ المُهاجِراتِ الأُولاتِ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ أكْثَفَ مُرُوطِهِنَّ فاخْتَمَرْنَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها بِلَفْظِ: أخَذَ النِّساءُ أُزْرَهُنَّ فَشَقَقْنَها مِن قِبَلِ الحَواشِي فاخْتَمَرْنَ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ والزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوَجْهُ وكُحْلُ العَيْنَيْنِ وخِضابُ الكَفِّ والخاتَمُ، فَهَذا تُظْهِرُهُ في بَيْتِها لِمَن دَخَلَ عَلَيْها.
ثُمَّ قالَ، ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ﴾ الآيَةَ، والزِّينَةُ الَّتِي تُبْدِيها لِهَؤُلاءِ قُرْطُها وقِلادَتُها وسِوارُها، فَأمّا خَلْخالُها ومِعْضَدُها ونَحْرُها وشَعْرُها فَإنَّها لا تُبْدِيهِ إلّا لِزَوْجِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ قالَ: هُنَّ المُسْلِماتُ لا تُبْدِيهِ لِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ وهو النَّحْرُ والقُرْطُ والوِشاحُ، وما يَحْرُمُ أنْ يَراهُ إلّا مَحْرَمٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كَتَبَ إلى أبِي عُبَيْدَةَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءً مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ أهْلِ الشِّرْكِ، فانْهَ مَن قِبَلَكَ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها إلّا أهْلُ مِلَّتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا بَأْسَ أنْ يَرى العَبْدُ شَعْرَ سَيِّدَتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وُهِبَ لَها وعَلى فاطِمَةَ ثَوْبٌ إذا قُنِّعَ بِهِ رَأْسُها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وإذا غَطَّتْ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها، فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما تَلْقى قالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ» وإسْنادُهُ في سُنَنِ أبِي داوُدَ هَكَذا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى حَدَّثَنا أبُو جُمَيْعٍ سالِمُ بْنُ دِينارٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا كانَ لِإحْداكُنَّ مُكاتَبٌ، وكانَ لَهُ ما يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنهُ»، وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَبْهانَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قالَ: هَذا الَّذِي لا تَسْتَحِيِي مِنهُ النِّساءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا الرَّجُلُ يَتْبَعُ القَوْمَ وهو مُغَفَّلٌ في عَقْلِهِ، لا يَكْتَرِثُ لِلنِّساءِ ولا يَشْتَهِي النِّساءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَتْبَعُ الرَّجُلَ في الزَّمانِ الأوَّلِ لا يَغارُ عَلَيْهِ ولا تَرْهُبُ المَرْأةُ أنْ تَضَعَ خِمارَها عِنْدَهُ، وهو الأحْمَقُ الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ في النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: هو المُخَنَّثُ الَّذِي لا يَقُومُ زُبُّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخَنَّثٌ، فَكانُوا يَدْعُونَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا وهو عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ وهو يَنْعَتُ امْرَأةً قالَ: إذا أقْبَلَتْ أقْبَلَتْ بِأرْبَعٍ، وإذا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بِثَمانٍ، قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ألا أرى هَذا يَعْرِفُ ما هاهُنا لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكم فَحَجَبُوهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ وهو أنْ تَقْرَعَ الخَلْخالَ بِالآخَرِ عِنْدَ الرِّجالِ، أوْ يَكُونُ في رِجْلِها (p-١٠١١)خَلاخِلُ فَتُحَرِّكُهُنَّ عِنْدَ الرِّجالِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ.
النور 24:32
.
لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِغَضِّ الأبْصارِ وحِفْظِ الفُرُوجِ أرْشَدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما يَحِلُّ لِلْعِبادِ مِنَ النِّكاحِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ قَضاءُ الشَّهْوَةِ وسُكُونُ دَواعِي الزِّنا ويَسْهُلُ بَعْدَهُ غَضُّ البَصَرِ عَنِ المُحَرَّماتِ وحِفْظِ الفَرْجِ عَمّا لا يَحِلُّ، فَقالَ ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الأيِّمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، والجَمْعُ أيامى والأصْلُ أيّايِمُ، بِتَشْدِيدِ الياءِ، ويَشْمَلُ الرَّجُلَ والمَرْأةَ.
قالَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: اتَّفَقَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الأيِّمَ في الأصْلِ هي المَرْأةُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ رَجُلٌ أيِّمٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ في النِّساءِ، وهو كالمُسْتَعارِ في الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ أيِّمٍ مِنهم وناكِحِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎لَقَدْ إمْتُ حَتّى لامَنِي كُلُّ صاحِبٍ ∗∗∗ رَجاءَ سُلَيْمى أنْ تَأيَّمَ كَما إمْتُ
والخِطابُ في الآيَةِ لِلْأوْلِياءِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تُنْكِحُ نَفْسَها، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في النِّكاحِ هَلْ مُباحٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ، أوْ واجِبٌ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وإلى الثّانِي مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، وإلى الثّالِثِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَفْصِيلٍ لَهم في ذَلِكَ، فَقالُوا: إنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ الوُقُوعَ في المَعْصِيَةِ وجَبَ عَلَيْهِ وإلّا فَلا.
والظّاهِرُ أنَّ القائِلِينَ بِالإباحَةِ والِاسْتِحْبابِ لا يُخالِفُونَ في الوُجُوبِ مَعَ تِلْكَ الخَشْيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو مَعَ عَدَمِها سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَعْدَ تَرْغِيبِهِ في النِّكاحِ: «ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ولَكِنْ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وعَلى مُؤَنِهِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمُرادُ بِالأيامى هُنا الأحْرارُ والحَرائِرُ، وأمّا المَمالِيكُ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عِبادِكُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ ( عَبِيدِكم ) قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ ( وإماءَكم ) بِالنَّصْبِ بِرَدِّهِ عَلى الصّالِحِينَ، والصَّلاحُ هو الإيمانُ.
وذَكَرَ سُبْحانَهُ الصَّلاحَ في المَمالِيكِ دُونَ الأحْرارِ لِأنَّ الغالِبَ في الأحْرارِ الصَّلاحُ بِخِلافِ المَمالِيكِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يُزَوِّجُ نَفْسَهُ، وإنَّما يُزَوِّجُهُ مالِكُهُ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أنْ يُكْرِهَ عَبْدَهُ وأمَتَهُ عَلى النِّكاحِ. وقالَ مالِكٌ: لا يَجُوزُ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى الكَلامِ في الأحْرارِ فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا تَمْتَنِعُوا مِن تَزْوِيجِ الأحْرارِ بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ أوْ أحَدِهِما، فَإنَّهم إنْ يَكُونُوا فَقُرّاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ويَتَفَضَّلْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: حَثَّ اللَّهُ عَلى النِّكاحِ وأعْلَمَ أنَّهُ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا حاصِلًا لِكُلِّ فَقِيرٍ إذا تَزَوَّجَ فَإنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، وقَدْ يُوجَدُ في الخارِجِ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَراءِ لا يَحْصُلُ لَهُمُ الغِنى إذا تَزَوَّجُوا.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُغْنِيهِ بِغِنى النَّفْسِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنْ يَكُونُوا فَقُراءَ إلى النِّكاحِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ بِالحَلالِ لِيَتَعَفَّفُوا عَنِ الزِّنا.
والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ هُنا عَلى المُقَيَّدِ هُناكَ، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها ومُقَرِّرَةٌ لَها، والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذُو سَعَةٍ لا يَنْقُصُ مِن سَعَةِ مُلْكِهِ غِنى مَن يُغْنِيهِ مِن عِبادِهِ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ خَلْقِهِ، يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ العاجِزِينَ عَنِ النِّكاحِ بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ إرْشادًا لَهم إلى ما هو الأوْلى فَقالَ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ اسْتَعَفَّ طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا أيْ: لِيَطْلُبَ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ نِكاحًا أيْ سَبَبَ نِكاحٍ، وهو المالُ.
وقِيلَ: النِّكاحُ هُنا ما تُنْكَحُ بِهِ المَرْأةُ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ كاللِّحافِ اسْمٌ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ، واللِّباسِ اسْمٌ لِما يُلْبَسُ، وقَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِتِلْكَ الغايَةِ، وهي ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يَرْزُقَهم رِزْقًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ ويَتَمَكَّنُونَ بِسَبَبِهِ مِنَ النِّكاحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى: وهي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِالمَشِيئَةِ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ لَوْ كانَ وعْدًا حَتْمًا لا مَحالَةَ في حُصُولِهِ لَكانَ الغِنى والزَّواجُ مُتَلازِمَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعْفافِ مَعَ الفَقْرِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ سَيُغْنى عِنْدَ تَزَوُّجِهِ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ في تَزَوُّجِهِ مَعَ فَقْرِهِ تَحْصِيلٌ لِلْغِنى، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ لِلْعاجِزِ عَنْ تَحْصِيلِ مَبادِئِ النِّكاحِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ وُقُوعُ الغِنى لَهُ مِن بَعْدِ أنْ يَنْكِحَ، فَإنَّهُ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ نِكاحًا إذا كانَ غَيْرَ واجِدٍ لِأسْبابِهِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ بِها، وأعْظَمُها المالُ.
ثُمَّ لَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، أرْشَدَ المالِكِينَ إلى طَرِيقَةٍ يَصِيرُ بِها المَمْلُوكُ مِن جُمْلَةِ الأحْرارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ وكاتِبُوا الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ، والكِتابُ مَصْدَرُ كاتَبَ كالمُكاتَبَةِ، يُقالُ: كاتَبَ يُكاتِبُ كِتابًا ومُكاتَبَةً، كَما يُقالُ قاتَلَ يُقاتِلُ قِتالًا ومُقاتَلَةً.
وقِيلَ: الكِتابُ هاهُنا اسْمُ عَيْنٍ لِلْكِتابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الشَّيْءُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا إذا كاتَبُوا العَبْدَ كَتَبُوا عَلَيْهِ وعَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ كِتابًا، فَيَكُونُ المَعْنى الَّذِينَ يَطْلُبُونَ كِتابَ المُكاتَبَةِ.
ومَعْنى المُكاتَبَةِ في الشَّرْعِ: أنْ يُكاتِبَ الرَّجُلُ (p-١٠١٢)عَبْدَهُ عَلى مالٍ يُؤَدِّيهِ مُنَجَّمًا، فَإذا أدّاهُ فَهو حُرٌّ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أنَّ العَبْدَ إذا طَلَبَ الكِتابَةَ مِن سَيِّدِهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُكاتِبَهُ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، وهو ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ هو القُدْرَةُ عَلى أداءِ ما كُوتِبَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ، وقِيلَ: هو المالُ فَقَطْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ وطاوُسٌ ومُقاتِلٌ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ إنْ رَجَوْتُمْ عِنْدَهم وفاءً وتَأْدِيَةً لِلْمالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا قالَ فِيهِمْ كانَ الأظْهَرُ الِاكْتِسابَ والوَفاءَ وأداءَ الأمانَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: إنَّ الخَيْرَ الدِّينُ والأمانَةُ. ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ الحَسَنِ. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: إقامَةُ الصَّلاةِ.
قالَ الطَّحاوِيُّ: وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ المالُ لا يَصِحُّ عِنْدَنا؛ لِأنَّ العَبْدَ مالٌ لِمَوْلاهُ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مالٌ ؟ قالَ: والمَعْنى عِنْدَنا إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمُ الدِّينَ والصِّدْقَ.
قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَن لَمْ يَقُلْ إنَّ الخَيْرَ هُنا المالُ أنْكَرَ أنْ يُقالَ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ مالًا، وإنَّما يُقالُ عَلِمْتُ فِيهِ الخَيْرَ والصَّلاحَ والأمانَةَ، ولا يُقالُ عَلِمْتُ فِيهِ المالَ.
هَذا حاصِلُ ما وقَعَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في الخَيْرِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مِنَ الوُجُوبِ، عِكْرِمَةُ ومَسْرُوقٌ وعُمَرُ بْنُ دِينارٍ والضَّحّاكُ: وأهْلُ الظّاهِرِ، فَقالُوا: يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ أنْ يُكاتِبَ مَمْلُوكَهُ إذا طَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ وعَلِمَ فِيهِ خَيْرًا.
وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَجِبُ ذَلِكَ، وتَمَسَّكُوا بِالإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَوْ سَألَ العَبْدُ سَيِّدَهُ أنْ يَبِيعَهُ مِن غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، فَكَذا الكِتابَةُ؛ لِأنَّها مُعاوَضَةٌ.
ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ واهِيَةٌ وشُبْهَةٌ داحِضَةٌ، والحَقُّ ما قالَهُ الأوَّلُونَ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المَوالِيَ بِالإحْسانِ إلى المُكاتَبِينَ، فَقالَ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم﴾ فَفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ لِلْمالِكِينَ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ عَلى مالِ الكِتابَةِ، إمّا بِأنْ يُعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المالِ وبِأنْ يَحُطُّوا عَنْهم مِمّا كُوتِبُوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَدَمُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِمِقْدارٍ، وقِيلَ: الثُّلُثُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: العُشْرُ، ولَعَلَّ وجْهَ تَخْصِيصِ المَوالِي بِهَذا الأمْرِ هو كَوْنُ الكَلامِ فِيهِمْ، وسِياقُ الكَلامِ مَعَهم فَإنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالكِتابَةِ.
وقالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وبُرَيْدَةُ: إنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: وآتُوهم لِجَمِيعِ النّاسِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّ الخِطابَ لِلْوُلاةِ بِأنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ حَظَّهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾، ولِلْمُكاتَبِ أحْكامٌ مَعْرُوفَةٌ إذا وفّى بِبَعْضِ مالِ الكِتابَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أرْشَدَ المَوالِيَ إلى نِكاحِ الصّالِحِينَ مِنَ المَمالِيكِ، نَهى المُسْلِمِينَ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن إكْراهِ إمائِهِمْ عَلى الزِّنا فَقالَ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ والمُرادُ بِالفَتَياتِ هُنا الإماءُ وإنْ كانَ الفَتى والفَتاةُ قَدْ يُطْلَقانِ عَلى الأحْرارِ في مَواضِعَ أُخَرَ.
والبِغاءُ: الزِّنا، مَصْدَرُ بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا زَنَتْ، وهَذا مُخْتَصٌّ بِزِنا النِّساءِ، فَلا يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا زَنا إنَّهُ بَغِيٌّ، وشَرَطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عِنْدَ إرادَتِهِمْ لِلتَّحَصُّنِ، فَإنَّ مَن لَمْ تُرِدِ التَّحَصُّنَ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَها مُكْرَهَةٌ عَلى الزِّنا، والمُرادُ بِالتَّحَصُّنِ هُنا: التَّعَفُّفُ والتَّزَوُّجُ. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ إلى الأيامى.
قالَ الزَّجّاجُ والحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: وأنْكِحُوا الأيامى والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا. وقِيلَ: هَذا الشَّرْطُ مُلْغًى. وقِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ بِاعْتِبارِ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإنَّهم كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ، ولَيْسَ لِتَخَصُّصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الإكْراهَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، فَلا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ الإكْراهِ عِنْدَ عَدَمِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، وهَذا الوَجْهُ أقْوى هَذِهِ الوُجُوهِ، فَإنَّ الأمَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُرِيدَةٍ لِلْحَلالِ ولا لِلْحَرامِ كَما فِيمَن لا رَغْبَةَ لَها في النِّكاحِ والصَّغِيرَةِ؛ فَتُوصَفُ بِأنَّها مُكْرَهَةٌ عَلى الزِّنا مَعَ عَدَمِ إرادَتِها لِلتَّحَصُّنِ، فَلا يَتِمُّ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّحَصُّنِ هُنا مُجَرَّدُ التَّعَفُّفِ، وأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلى مَن كانَتْ تُرِيدُ الزَّواجَ أنَّها مُرِيدَةٌ لِلتَّحَصُّنِ وهو بَعِيدٌ، فَقَدْ قالَ الحَبْرُ ابْنُ العَبّاسِ: إنَّ المُرادَ بِالتَّحَصُّنِ التَّعَفُّفُ والتَّزَوُّجُ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما تَكْسِبُهُ الأمَةُ بِفَرْجِها، وهَذا التَّعْلِيلُ أيْضًا خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا العَرَضَ هو الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى إكْراهِ الإماءِ عَلى البِغاءِ في الغالِبِ؛ لِأنَّ إكْراهَ الرَّجُلِ لِأمَتِهِ عَلى البِغاءِ لا لِفائِدَةٍ لَهُ أصْلًا لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنِ العُقَلاءِ، فَلا يَدُلُّ هَذا التَّعْلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُكْرِهَها، إذا لَمْ يَكُنْ مُبْتَغِيًا بِإكْراهِها عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعْلِيلَ لِلْإكْراهِ هو بِاعْتِبارِ أنَّ عادَتَهم كانَتْ كَذَلِكَ، لا أنَّهُ مَدارٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإكْراهِ لَهُنَّ، وهَذا يُلاقِي المَعْنى الأوَّلَ ولا يُخالِفُهُ ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُؤَكِّدٌ لَهُ، والمَعْنى أنَّ عُقُوبَةَ الإكْراهِ راجِعَةٌ إلى المُكْرِهِينَ لا إلى المُكْرَهاتِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لَهُنَّ. قِيلَ وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا غَيْرُ آثِمَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّها وإنْ كانَتْ مُكْرَهَةً، فَرُبَّما لا تَخْلُو في تَضاعِيفِ الزِّنا عَنْ شائِبَةٍ مُطاوَعَةٍ إمّا بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ يَكُونُ الإكْراهُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم: إمّا مُطْلَقًا، أوْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ تِلْكَ الأحْكامِ، شَرَعَ في وصْفِ القُرْآنِ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى أنَّهُ ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتٍ في أنْفُسِهِنَّ أوْ مُوَضَّحاتٍ، فَتَدْخُلُ الآياتُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ كَوْنُهُ مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ أيْ: مَثَلًا (p-١٠١٣)كائِنًا مِن جِهَةِ أمْثالِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ القَصَصِ العَجِيبَةِ، والأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لَهم في الكُتُبِ السّابِقَةِ، فَإنَّ العَجَبَ مِن قِصَّةِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، هو كالعَجَبِ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ وما اتُّهِما بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ وبَراءَتُهُما سَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ كَوْنُهُ مَوْعِظَةً يَنْتَفِعُ بِها المُتَّقُونَ خاصَّةً، فَيَقْتَدُونَ بِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ، ويَنْزَجِرُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ النَّواهِي.
وأمّا غَيْرُ المُتَّقِينَ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً عَنْ سَماعِ المَواعِظِ والِاعْتِبارِ بِقَصَصِ الَّذِينَ خَلَوْا، وفَهْمِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الآياتُ البَيِّناتُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالنِّكاحِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وأمَرَهم أنْ يُزَوِّجُوا أحْرارَهم وعَبِيدَهم، ووَعَدَهم في ذَلِكَ الغِنى فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزُ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى، قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما رَأيْتُ كَرَجُلٍ لَمْ يَلْتَمِسِ الغِنى في الباءَةِ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ فِيها ما وعَدَ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُّ في العِلَلِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنْكِحُوا النِّساءَ، فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَكم بِالمالِ» .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهم: النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ، والمُكاتَبُ يُرِيدُ الأداءَ، والغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ» وقَدْ ورَدَ في التَّرْغِيبِ في مُطْلَقِ النِّكاحِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ قالَ: لِيَتَزَوَّجْ مَن لا يَجِدُ فَإنَّ اللَّهَ سَيُغْنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السَّكَنِ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، فَسَألْتُهُ الكِتابَةَ فَأبى، فَنَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: سَألَنِي سِيرِينُ المُكاتَبَةَ فَأبَيْتُ عَلَيْهِ، فَأتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَأقْبَلَ عَلَيَّ بِالدِّرَّةِ وقالَ: كاتِبْهُ وتَلا ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكاتَبْتُهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، ولا تُرْسِلُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: المالُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أمانَةٌ ووَفاءٌ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنْ عَلِمْتَ مُكاتَبَكَ يَقْضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، ولا تُلْقُوا مُؤْنَتَهم عَلى المُسْلِمِينَ ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ يَعْنِي ضَعُوا عَنْهم في مُكاتَبَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يُكاتِبَ عَبْدَهُ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ ويَقُولُ: يُطْعِمُنِي مِن أوْساخِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُعَيِّنُوا في الرِّقابِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أمَرَ اللَّهُ السَّيِّدَ أنْ يَدَعَ لِلْمُكاتَبِ الرُّبُعَ مِن ثَمَنِهِ. وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ، ولَكِنْ فِيهِ أجْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والرُّويانِيُّ في مُسْنَدِهِ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ عَنْ بُرَيْدَةَ في الآيَةِ قالَ: حَثَّ النّاسَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطُوهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي سُفْيانَ «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، وكانَتْ كارِهَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» هَكَذا كانَ يَقْرَأُها، وذَكَرَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ جابِرٍ أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، فَكانَ يُرِيدُهُما عَلى الزِّنا، فَشَكَتا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَبْغِينَ إماءَهم، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكْرِهُونَ إماءَهم عَلى الزِّنا، يَأْخُذُونَ أُجُورَهُنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ وكَسْبِ الحَجّامِ وحُلْوانِ الكاهِنِ.
النور 24:33
.
لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِغَضِّ الأبْصارِ وحِفْظِ الفُرُوجِ أرْشَدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما يَحِلُّ لِلْعِبادِ مِنَ النِّكاحِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ قَضاءُ الشَّهْوَةِ وسُكُونُ دَواعِي الزِّنا ويَسْهُلُ بَعْدَهُ غَضُّ البَصَرِ عَنِ المُحَرَّماتِ وحِفْظِ الفَرْجِ عَمّا لا يَحِلُّ، فَقالَ ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الأيِّمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، والجَمْعُ أيامى والأصْلُ أيّايِمُ، بِتَشْدِيدِ الياءِ، ويَشْمَلُ الرَّجُلَ والمَرْأةَ.
قالَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: اتَّفَقَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الأيِّمَ في الأصْلِ هي المَرْأةُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ رَجُلٌ أيِّمٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ في النِّساءِ، وهو كالمُسْتَعارِ في الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ أيِّمٍ مِنهم وناكِحِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎لَقَدْ إمْتُ حَتّى لامَنِي كُلُّ صاحِبٍ ∗∗∗ رَجاءَ سُلَيْمى أنْ تَأيَّمَ كَما إمْتُ
والخِطابُ في الآيَةِ لِلْأوْلِياءِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تُنْكِحُ نَفْسَها، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في النِّكاحِ هَلْ مُباحٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ، أوْ واجِبٌ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وإلى الثّانِي مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، وإلى الثّالِثِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَفْصِيلٍ لَهم في ذَلِكَ، فَقالُوا: إنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ الوُقُوعَ في المَعْصِيَةِ وجَبَ عَلَيْهِ وإلّا فَلا.
والظّاهِرُ أنَّ القائِلِينَ بِالإباحَةِ والِاسْتِحْبابِ لا يُخالِفُونَ في الوُجُوبِ مَعَ تِلْكَ الخَشْيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو مَعَ عَدَمِها سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَعْدَ تَرْغِيبِهِ في النِّكاحِ: «ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ولَكِنْ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وعَلى مُؤَنِهِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمُرادُ بِالأيامى هُنا الأحْرارُ والحَرائِرُ، وأمّا المَمالِيكُ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عِبادِكُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ ( عَبِيدِكم ) قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ ( وإماءَكم ) بِالنَّصْبِ بِرَدِّهِ عَلى الصّالِحِينَ، والصَّلاحُ هو الإيمانُ.
وذَكَرَ سُبْحانَهُ الصَّلاحَ في المَمالِيكِ دُونَ الأحْرارِ لِأنَّ الغالِبَ في الأحْرارِ الصَّلاحُ بِخِلافِ المَمالِيكِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يُزَوِّجُ نَفْسَهُ، وإنَّما يُزَوِّجُهُ مالِكُهُ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أنْ يُكْرِهَ عَبْدَهُ وأمَتَهُ عَلى النِّكاحِ. وقالَ مالِكٌ: لا يَجُوزُ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى الكَلامِ في الأحْرارِ فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا تَمْتَنِعُوا مِن تَزْوِيجِ الأحْرارِ بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ أوْ أحَدِهِما، فَإنَّهم إنْ يَكُونُوا فَقُرّاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ويَتَفَضَّلْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: حَثَّ اللَّهُ عَلى النِّكاحِ وأعْلَمَ أنَّهُ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا حاصِلًا لِكُلِّ فَقِيرٍ إذا تَزَوَّجَ فَإنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، وقَدْ يُوجَدُ في الخارِجِ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَراءِ لا يَحْصُلُ لَهُمُ الغِنى إذا تَزَوَّجُوا.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُغْنِيهِ بِغِنى النَّفْسِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنْ يَكُونُوا فَقُراءَ إلى النِّكاحِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ بِالحَلالِ لِيَتَعَفَّفُوا عَنِ الزِّنا.
والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ هُنا عَلى المُقَيَّدِ هُناكَ، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها ومُقَرِّرَةٌ لَها، والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذُو سَعَةٍ لا يَنْقُصُ مِن سَعَةِ مُلْكِهِ غِنى مَن يُغْنِيهِ مِن عِبادِهِ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ خَلْقِهِ، يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ العاجِزِينَ عَنِ النِّكاحِ بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ إرْشادًا لَهم إلى ما هو الأوْلى فَقالَ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ اسْتَعَفَّ طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا أيْ: لِيَطْلُبَ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ نِكاحًا أيْ سَبَبَ نِكاحٍ، وهو المالُ.
وقِيلَ: النِّكاحُ هُنا ما تُنْكَحُ بِهِ المَرْأةُ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ كاللِّحافِ اسْمٌ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ، واللِّباسِ اسْمٌ لِما يُلْبَسُ، وقَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِتِلْكَ الغايَةِ، وهي ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يَرْزُقَهم رِزْقًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ ويَتَمَكَّنُونَ بِسَبَبِهِ مِنَ النِّكاحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى: وهي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِالمَشِيئَةِ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ لَوْ كانَ وعْدًا حَتْمًا لا مَحالَةَ في حُصُولِهِ لَكانَ الغِنى والزَّواجُ مُتَلازِمَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعْفافِ مَعَ الفَقْرِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ سَيُغْنى عِنْدَ تَزَوُّجِهِ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ في تَزَوُّجِهِ مَعَ فَقْرِهِ تَحْصِيلٌ لِلْغِنى، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ لِلْعاجِزِ عَنْ تَحْصِيلِ مَبادِئِ النِّكاحِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ وُقُوعُ الغِنى لَهُ مِن بَعْدِ أنْ يَنْكِحَ، فَإنَّهُ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ نِكاحًا إذا كانَ غَيْرَ واجِدٍ لِأسْبابِهِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ بِها، وأعْظَمُها المالُ.
ثُمَّ لَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، أرْشَدَ المالِكِينَ إلى طَرِيقَةٍ يَصِيرُ بِها المَمْلُوكُ مِن جُمْلَةِ الأحْرارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ وكاتِبُوا الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ، والكِتابُ مَصْدَرُ كاتَبَ كالمُكاتَبَةِ، يُقالُ: كاتَبَ يُكاتِبُ كِتابًا ومُكاتَبَةً، كَما يُقالُ قاتَلَ يُقاتِلُ قِتالًا ومُقاتَلَةً.
وقِيلَ: الكِتابُ هاهُنا اسْمُ عَيْنٍ لِلْكِتابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الشَّيْءُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا إذا كاتَبُوا العَبْدَ كَتَبُوا عَلَيْهِ وعَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ كِتابًا، فَيَكُونُ المَعْنى الَّذِينَ يَطْلُبُونَ كِتابَ المُكاتَبَةِ.
ومَعْنى المُكاتَبَةِ في الشَّرْعِ: أنْ يُكاتِبَ الرَّجُلُ (p-١٠١٢)عَبْدَهُ عَلى مالٍ يُؤَدِّيهِ مُنَجَّمًا، فَإذا أدّاهُ فَهو حُرٌّ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أنَّ العَبْدَ إذا طَلَبَ الكِتابَةَ مِن سَيِّدِهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُكاتِبَهُ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، وهو ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ هو القُدْرَةُ عَلى أداءِ ما كُوتِبَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ، وقِيلَ: هو المالُ فَقَطْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ وطاوُسٌ ومُقاتِلٌ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ إنْ رَجَوْتُمْ عِنْدَهم وفاءً وتَأْدِيَةً لِلْمالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا قالَ فِيهِمْ كانَ الأظْهَرُ الِاكْتِسابَ والوَفاءَ وأداءَ الأمانَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: إنَّ الخَيْرَ الدِّينُ والأمانَةُ. ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ الحَسَنِ. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: إقامَةُ الصَّلاةِ.
قالَ الطَّحاوِيُّ: وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ المالُ لا يَصِحُّ عِنْدَنا؛ لِأنَّ العَبْدَ مالٌ لِمَوْلاهُ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مالٌ ؟ قالَ: والمَعْنى عِنْدَنا إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمُ الدِّينَ والصِّدْقَ.
قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَن لَمْ يَقُلْ إنَّ الخَيْرَ هُنا المالُ أنْكَرَ أنْ يُقالَ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ مالًا، وإنَّما يُقالُ عَلِمْتُ فِيهِ الخَيْرَ والصَّلاحَ والأمانَةَ، ولا يُقالُ عَلِمْتُ فِيهِ المالَ.
هَذا حاصِلُ ما وقَعَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في الخَيْرِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مِنَ الوُجُوبِ، عِكْرِمَةُ ومَسْرُوقٌ وعُمَرُ بْنُ دِينارٍ والضَّحّاكُ: وأهْلُ الظّاهِرِ، فَقالُوا: يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ أنْ يُكاتِبَ مَمْلُوكَهُ إذا طَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ وعَلِمَ فِيهِ خَيْرًا.
وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَجِبُ ذَلِكَ، وتَمَسَّكُوا بِالإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَوْ سَألَ العَبْدُ سَيِّدَهُ أنْ يَبِيعَهُ مِن غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، فَكَذا الكِتابَةُ؛ لِأنَّها مُعاوَضَةٌ.
ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ واهِيَةٌ وشُبْهَةٌ داحِضَةٌ، والحَقُّ ما قالَهُ الأوَّلُونَ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المَوالِيَ بِالإحْسانِ إلى المُكاتَبِينَ، فَقالَ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم﴾ فَفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ لِلْمالِكِينَ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ عَلى مالِ الكِتابَةِ، إمّا بِأنْ يُعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المالِ وبِأنْ يَحُطُّوا عَنْهم مِمّا كُوتِبُوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَدَمُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِمِقْدارٍ، وقِيلَ: الثُّلُثُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: العُشْرُ، ولَعَلَّ وجْهَ تَخْصِيصِ المَوالِي بِهَذا الأمْرِ هو كَوْنُ الكَلامِ فِيهِمْ، وسِياقُ الكَلامِ مَعَهم فَإنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالكِتابَةِ.
وقالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وبُرَيْدَةُ: إنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: وآتُوهم لِجَمِيعِ النّاسِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّ الخِطابَ لِلْوُلاةِ بِأنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ حَظَّهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾، ولِلْمُكاتَبِ أحْكامٌ مَعْرُوفَةٌ إذا وفّى بِبَعْضِ مالِ الكِتابَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أرْشَدَ المَوالِيَ إلى نِكاحِ الصّالِحِينَ مِنَ المَمالِيكِ، نَهى المُسْلِمِينَ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن إكْراهِ إمائِهِمْ عَلى الزِّنا فَقالَ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ والمُرادُ بِالفَتَياتِ هُنا الإماءُ وإنْ كانَ الفَتى والفَتاةُ قَدْ يُطْلَقانِ عَلى الأحْرارِ في مَواضِعَ أُخَرَ.
والبِغاءُ: الزِّنا، مَصْدَرُ بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا زَنَتْ، وهَذا مُخْتَصٌّ بِزِنا النِّساءِ، فَلا يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا زَنا إنَّهُ بَغِيٌّ، وشَرَطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عِنْدَ إرادَتِهِمْ لِلتَّحَصُّنِ، فَإنَّ مَن لَمْ تُرِدِ التَّحَصُّنَ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَها مُكْرَهَةٌ عَلى الزِّنا، والمُرادُ بِالتَّحَصُّنِ هُنا: التَّعَفُّفُ والتَّزَوُّجُ. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ إلى الأيامى.
قالَ الزَّجّاجُ والحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: وأنْكِحُوا الأيامى والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا. وقِيلَ: هَذا الشَّرْطُ مُلْغًى. وقِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ بِاعْتِبارِ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإنَّهم كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ، ولَيْسَ لِتَخَصُّصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الإكْراهَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، فَلا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ الإكْراهِ عِنْدَ عَدَمِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، وهَذا الوَجْهُ أقْوى هَذِهِ الوُجُوهِ، فَإنَّ الأمَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُرِيدَةٍ لِلْحَلالِ ولا لِلْحَرامِ كَما فِيمَن لا رَغْبَةَ لَها في النِّكاحِ والصَّغِيرَةِ؛ فَتُوصَفُ بِأنَّها مُكْرَهَةٌ عَلى الزِّنا مَعَ عَدَمِ إرادَتِها لِلتَّحَصُّنِ، فَلا يَتِمُّ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّحَصُّنِ هُنا مُجَرَّدُ التَّعَفُّفِ، وأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلى مَن كانَتْ تُرِيدُ الزَّواجَ أنَّها مُرِيدَةٌ لِلتَّحَصُّنِ وهو بَعِيدٌ، فَقَدْ قالَ الحَبْرُ ابْنُ العَبّاسِ: إنَّ المُرادَ بِالتَّحَصُّنِ التَّعَفُّفُ والتَّزَوُّجُ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما تَكْسِبُهُ الأمَةُ بِفَرْجِها، وهَذا التَّعْلِيلُ أيْضًا خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا العَرَضَ هو الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى إكْراهِ الإماءِ عَلى البِغاءِ في الغالِبِ؛ لِأنَّ إكْراهَ الرَّجُلِ لِأمَتِهِ عَلى البِغاءِ لا لِفائِدَةٍ لَهُ أصْلًا لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنِ العُقَلاءِ، فَلا يَدُلُّ هَذا التَّعْلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُكْرِهَها، إذا لَمْ يَكُنْ مُبْتَغِيًا بِإكْراهِها عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعْلِيلَ لِلْإكْراهِ هو بِاعْتِبارِ أنَّ عادَتَهم كانَتْ كَذَلِكَ، لا أنَّهُ مَدارٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإكْراهِ لَهُنَّ، وهَذا يُلاقِي المَعْنى الأوَّلَ ولا يُخالِفُهُ ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُؤَكِّدٌ لَهُ، والمَعْنى أنَّ عُقُوبَةَ الإكْراهِ راجِعَةٌ إلى المُكْرِهِينَ لا إلى المُكْرَهاتِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لَهُنَّ. قِيلَ وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا غَيْرُ آثِمَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّها وإنْ كانَتْ مُكْرَهَةً، فَرُبَّما لا تَخْلُو في تَضاعِيفِ الزِّنا عَنْ شائِبَةٍ مُطاوَعَةٍ إمّا بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ يَكُونُ الإكْراهُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم: إمّا مُطْلَقًا، أوْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ تِلْكَ الأحْكامِ، شَرَعَ في وصْفِ القُرْآنِ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى أنَّهُ ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتٍ في أنْفُسِهِنَّ أوْ مُوَضَّحاتٍ، فَتَدْخُلُ الآياتُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ كَوْنُهُ مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ أيْ: مَثَلًا (p-١٠١٣)كائِنًا مِن جِهَةِ أمْثالِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ القَصَصِ العَجِيبَةِ، والأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لَهم في الكُتُبِ السّابِقَةِ، فَإنَّ العَجَبَ مِن قِصَّةِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، هو كالعَجَبِ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ وما اتُّهِما بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ وبَراءَتُهُما سَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ كَوْنُهُ مَوْعِظَةً يَنْتَفِعُ بِها المُتَّقُونَ خاصَّةً، فَيَقْتَدُونَ بِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ، ويَنْزَجِرُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ النَّواهِي.
وأمّا غَيْرُ المُتَّقِينَ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً عَنْ سَماعِ المَواعِظِ والِاعْتِبارِ بِقَصَصِ الَّذِينَ خَلَوْا، وفَهْمِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الآياتُ البَيِّناتُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالنِّكاحِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وأمَرَهم أنْ يُزَوِّجُوا أحْرارَهم وعَبِيدَهم، ووَعَدَهم في ذَلِكَ الغِنى فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزُ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى، قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما رَأيْتُ كَرَجُلٍ لَمْ يَلْتَمِسِ الغِنى في الباءَةِ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ فِيها ما وعَدَ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُّ في العِلَلِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنْكِحُوا النِّساءَ، فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَكم بِالمالِ» .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهم: النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ، والمُكاتَبُ يُرِيدُ الأداءَ، والغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ» وقَدْ ورَدَ في التَّرْغِيبِ في مُطْلَقِ النِّكاحِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ قالَ: لِيَتَزَوَّجْ مَن لا يَجِدُ فَإنَّ اللَّهَ سَيُغْنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السَّكَنِ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، فَسَألْتُهُ الكِتابَةَ فَأبى، فَنَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: سَألَنِي سِيرِينُ المُكاتَبَةَ فَأبَيْتُ عَلَيْهِ، فَأتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَأقْبَلَ عَلَيَّ بِالدِّرَّةِ وقالَ: كاتِبْهُ وتَلا ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكاتَبْتُهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، ولا تُرْسِلُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: المالُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أمانَةٌ ووَفاءٌ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنْ عَلِمْتَ مُكاتَبَكَ يَقْضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، ولا تُلْقُوا مُؤْنَتَهم عَلى المُسْلِمِينَ ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ يَعْنِي ضَعُوا عَنْهم في مُكاتَبَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يُكاتِبَ عَبْدَهُ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ ويَقُولُ: يُطْعِمُنِي مِن أوْساخِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُعَيِّنُوا في الرِّقابِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أمَرَ اللَّهُ السَّيِّدَ أنْ يَدَعَ لِلْمُكاتَبِ الرُّبُعَ مِن ثَمَنِهِ. وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ، ولَكِنْ فِيهِ أجْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والرُّويانِيُّ في مُسْنَدِهِ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ عَنْ بُرَيْدَةَ في الآيَةِ قالَ: حَثَّ النّاسَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطُوهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي سُفْيانَ «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، وكانَتْ كارِهَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» هَكَذا كانَ يَقْرَأُها، وذَكَرَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ جابِرٍ أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، فَكانَ يُرِيدُهُما عَلى الزِّنا، فَشَكَتا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَبْغِينَ إماءَهم، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكْرِهُونَ إماءَهم عَلى الزِّنا، يَأْخُذُونَ أُجُورَهُنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ وكَسْبِ الحَجّامِ وحُلْوانِ الكاهِنِ.
النور 24:34
.
لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِغَضِّ الأبْصارِ وحِفْظِ الفُرُوجِ أرْشَدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ما يَحِلُّ لِلْعِبادِ مِنَ النِّكاحِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ قَضاءُ الشَّهْوَةِ وسُكُونُ دَواعِي الزِّنا ويَسْهُلُ بَعْدَهُ غَضُّ البَصَرِ عَنِ المُحَرَّماتِ وحِفْظِ الفَرْجِ عَمّا لا يَحِلُّ، فَقالَ ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الأيِّمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، والجَمْعُ أيامى والأصْلُ أيّايِمُ، بِتَشْدِيدِ الياءِ، ويَشْمَلُ الرَّجُلَ والمَرْأةَ.
قالَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: اتَّفَقَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الأيِّمَ في الأصْلِ هي المَرْأةُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ رَجُلٌ أيِّمٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ في النِّساءِ، وهو كالمُسْتَعارِ في الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ أيِّمٍ مِنهم وناكِحِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎لَقَدْ إمْتُ حَتّى لامَنِي كُلُّ صاحِبٍ ∗∗∗ رَجاءَ سُلَيْمى أنْ تَأيَّمَ كَما إمْتُ
والخِطابُ في الآيَةِ لِلْأوْلِياءِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تُنْكِحُ نَفْسَها، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في النِّكاحِ هَلْ مُباحٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ، أوْ واجِبٌ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وإلى الثّانِي مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، وإلى الثّالِثِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَفْصِيلٍ لَهم في ذَلِكَ، فَقالُوا: إنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ الوُقُوعَ في المَعْصِيَةِ وجَبَ عَلَيْهِ وإلّا فَلا.
والظّاهِرُ أنَّ القائِلِينَ بِالإباحَةِ والِاسْتِحْبابِ لا يُخالِفُونَ في الوُجُوبِ مَعَ تِلْكَ الخَشْيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو مَعَ عَدَمِها سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَعْدَ تَرْغِيبِهِ في النِّكاحِ: «ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ولَكِنْ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وعَلى مُؤَنِهِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمُرادُ بِالأيامى هُنا الأحْرارُ والحَرائِرُ، وأمّا المَمالِيكُ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عِبادِكُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ ( عَبِيدِكم ) قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ ( وإماءَكم ) بِالنَّصْبِ بِرَدِّهِ عَلى الصّالِحِينَ، والصَّلاحُ هو الإيمانُ.
وذَكَرَ سُبْحانَهُ الصَّلاحَ في المَمالِيكِ دُونَ الأحْرارِ لِأنَّ الغالِبَ في الأحْرارِ الصَّلاحُ بِخِلافِ المَمالِيكِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يُزَوِّجُ نَفْسَهُ، وإنَّما يُزَوِّجُهُ مالِكُهُ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أنْ يُكْرِهَ عَبْدَهُ وأمَتَهُ عَلى النِّكاحِ. وقالَ مالِكٌ: لا يَجُوزُ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى الكَلامِ في الأحْرارِ فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ لا تَمْتَنِعُوا مِن تَزْوِيجِ الأحْرارِ بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ أوْ أحَدِهِما، فَإنَّهم إنْ يَكُونُوا فَقُرّاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ويَتَفَضَّلْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: حَثَّ اللَّهُ عَلى النِّكاحِ وأعْلَمَ أنَّهُ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا حاصِلًا لِكُلِّ فَقِيرٍ إذا تَزَوَّجَ فَإنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَشِيئَةِ، وقَدْ يُوجَدُ في الخارِجِ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَراءِ لا يَحْصُلُ لَهُمُ الغِنى إذا تَزَوَّجُوا.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ يُغْنِيهِ بِغِنى النَّفْسِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنْ يَكُونُوا فَقُراءَ إلى النِّكاحِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مَن فَضْلِهِ بِالحَلالِ لِيَتَعَفَّفُوا عَنِ الزِّنا.
والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ هُنا عَلى المُقَيَّدِ هُناكَ، وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها ومُقَرِّرَةٌ لَها، والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذُو سَعَةٍ لا يَنْقُصُ مِن سَعَةِ مُلْكِهِ غِنى مَن يُغْنِيهِ مِن عِبادِهِ عَلِيمٌ بِمَصالِحِ خَلْقِهِ، يُغْنِي مَن يَشاءُ ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ العاجِزِينَ عَنِ النِّكاحِ بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ إرْشادًا لَهم إلى ما هو الأوْلى فَقالَ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ اسْتَعَفَّ طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا أيْ: لِيَطْلُبَ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ نِكاحًا أيْ سَبَبَ نِكاحٍ، وهو المالُ.
وقِيلَ: النِّكاحُ هُنا ما تُنْكَحُ بِهِ المَرْأةُ مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ كاللِّحافِ اسْمٌ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ، واللِّباسِ اسْمٌ لِما يُلْبَسُ، وقَيَّدَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِتِلْكَ الغايَةِ، وهي ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يَرْزُقَهم رِزْقًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ ويَتَمَكَّنُونَ بِسَبَبِهِ مِنَ النِّكاحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى: وهي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِالمَشِيئَةِ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ لَوْ كانَ وعْدًا حَتْمًا لا مَحالَةَ في حُصُولِهِ لَكانَ الغِنى والزَّواجُ مُتَلازِمَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعْفافِ مَعَ الفَقْرِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ سَيُغْنى عِنْدَ تَزَوُّجِهِ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ في تَزَوُّجِهِ مَعَ فَقْرِهِ تَحْصِيلٌ لِلْغِنى، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ لِلْعاجِزِ عَنْ تَحْصِيلِ مَبادِئِ النِّكاحِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ وُقُوعُ الغِنى لَهُ مِن بَعْدِ أنْ يَنْكِحَ، فَإنَّهُ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ نِكاحًا إذا كانَ غَيْرَ واجِدٍ لِأسْبابِهِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ بِها، وأعْظَمُها المالُ.
ثُمَّ لَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، أرْشَدَ المالِكِينَ إلى طَرِيقَةٍ يَصِيرُ بِها المَمْلُوكُ مِن جُمْلَةِ الأحْرارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ: أيْ وكاتِبُوا الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ، والكِتابُ مَصْدَرُ كاتَبَ كالمُكاتَبَةِ، يُقالُ: كاتَبَ يُكاتِبُ كِتابًا ومُكاتَبَةً، كَما يُقالُ قاتَلَ يُقاتِلُ قِتالًا ومُقاتَلَةً.
وقِيلَ: الكِتابُ هاهُنا اسْمُ عَيْنٍ لِلْكِتابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الشَّيْءُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا إذا كاتَبُوا العَبْدَ كَتَبُوا عَلَيْهِ وعَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ كِتابًا، فَيَكُونُ المَعْنى الَّذِينَ يَطْلُبُونَ كِتابَ المُكاتَبَةِ.
ومَعْنى المُكاتَبَةِ في الشَّرْعِ: أنْ يُكاتِبَ الرَّجُلُ (p-١٠١٢)عَبْدَهُ عَلى مالٍ يُؤَدِّيهِ مُنَجَّمًا، فَإذا أدّاهُ فَهو حُرٌّ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أنَّ العَبْدَ إذا طَلَبَ الكِتابَةَ مِن سَيِّدِهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُكاتِبَهُ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، وهو ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ هو القُدْرَةُ عَلى أداءِ ما كُوتِبَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ، وقِيلَ: هو المالُ فَقَطْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ وطاوُسٌ ومُقاتِلٌ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ إنْ رَجَوْتُمْ عِنْدَهم وفاءً وتَأْدِيَةً لِلْمالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا قالَ فِيهِمْ كانَ الأظْهَرُ الِاكْتِسابَ والوَفاءَ وأداءَ الأمانَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: إنَّ الخَيْرَ الدِّينُ والأمانَةُ. ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ الحَسَنِ. وقالَ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: إقامَةُ الصَّلاةِ.
قالَ الطَّحاوِيُّ: وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ المالُ لا يَصِحُّ عِنْدَنا؛ لِأنَّ العَبْدَ مالٌ لِمَوْلاهُ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مالٌ ؟ قالَ: والمَعْنى عِنْدَنا إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمُ الدِّينَ والصِّدْقَ.
قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: مَن لَمْ يَقُلْ إنَّ الخَيْرَ هُنا المالُ أنْكَرَ أنْ يُقالَ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ مالًا، وإنَّما يُقالُ عَلِمْتُ فِيهِ الخَيْرَ والصَّلاحَ والأمانَةَ، ولا يُقالُ عَلِمْتُ فِيهِ المالَ.
هَذا حاصِلُ ما وقَعَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في الخَيْرِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وإذا تَقَرَّرَ لَكَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مِنَ الوُجُوبِ، عِكْرِمَةُ ومَسْرُوقٌ وعُمَرُ بْنُ دِينارٍ والضَّحّاكُ: وأهْلُ الظّاهِرِ، فَقالُوا: يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ أنْ يُكاتِبَ مَمْلُوكَهُ إذا طَلَبَ مِنهُ ذَلِكَ وعَلِمَ فِيهِ خَيْرًا.
وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَجِبُ ذَلِكَ، وتَمَسَّكُوا بِالإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَوْ سَألَ العَبْدُ سَيِّدَهُ أنْ يَبِيعَهُ مِن غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، فَكَذا الكِتابَةُ؛ لِأنَّها مُعاوَضَةٌ.
ولا يَخْفاكَ أنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ واهِيَةٌ وشُبْهَةٌ داحِضَةٌ، والحَقُّ ما قالَهُ الأوَّلُونَ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ المَوالِيَ بِالإحْسانِ إلى المُكاتَبِينَ، فَقالَ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم﴾ فَفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ لِلْمالِكِينَ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ عَلى مالِ الكِتابَةِ، إمّا بِأنْ يُعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المالِ وبِأنْ يَحُطُّوا عَنْهم مِمّا كُوتِبُوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَدَمُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِمِقْدارٍ، وقِيلَ: الثُّلُثُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: العُشْرُ، ولَعَلَّ وجْهَ تَخْصِيصِ المَوالِي بِهَذا الأمْرِ هو كَوْنُ الكَلامِ فِيهِمْ، وسِياقُ الكَلامِ مَعَهم فَإنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالكِتابَةِ.
وقالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وبُرَيْدَةُ: إنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ: وآتُوهم لِجَمِيعِ النّاسِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّ الخِطابَ لِلْوُلاةِ بِأنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ حَظَّهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾، ولِلْمُكاتَبِ أحْكامٌ مَعْرُوفَةٌ إذا وفّى بِبَعْضِ مالِ الكِتابَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أرْشَدَ المَوالِيَ إلى نِكاحِ الصّالِحِينَ مِنَ المَمالِيكِ، نَهى المُسْلِمِينَ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن إكْراهِ إمائِهِمْ عَلى الزِّنا فَقالَ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ والمُرادُ بِالفَتَياتِ هُنا الإماءُ وإنْ كانَ الفَتى والفَتاةُ قَدْ يُطْلَقانِ عَلى الأحْرارِ في مَواضِعَ أُخَرَ.
والبِغاءُ: الزِّنا، مَصْدَرُ بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا زَنَتْ، وهَذا مُخْتَصٌّ بِزِنا النِّساءِ، فَلا يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا زَنا إنَّهُ بَغِيٌّ، وشَرَطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عِنْدَ إرادَتِهِمْ لِلتَّحَصُّنِ، فَإنَّ مَن لَمْ تُرِدِ التَّحَصُّنَ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَها مُكْرَهَةٌ عَلى الزِّنا، والمُرادُ بِالتَّحَصُّنِ هُنا: التَّعَفُّفُ والتَّزَوُّجُ. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ إلى الأيامى.
قالَ الزَّجّاجُ والحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: وأنْكِحُوا الأيامى والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا. وقِيلَ: هَذا الشَّرْطُ مُلْغًى. وقِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ بِاعْتِبارِ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإنَّهم كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ، ولَيْسَ لِتَخَصُّصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الإكْراهَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، فَلا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ الإكْراهِ عِنْدَ عَدَمِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، وهَذا الوَجْهُ أقْوى هَذِهِ الوُجُوهِ، فَإنَّ الأمَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُرِيدَةٍ لِلْحَلالِ ولا لِلْحَرامِ كَما فِيمَن لا رَغْبَةَ لَها في النِّكاحِ والصَّغِيرَةِ؛ فَتُوصَفُ بِأنَّها مُكْرَهَةٌ عَلى الزِّنا مَعَ عَدَمِ إرادَتِها لِلتَّحَصُّنِ، فَلا يَتِمُّ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّحَصُّنِ هُنا مُجَرَّدُ التَّعَفُّفِ، وأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلى مَن كانَتْ تُرِيدُ الزَّواجَ أنَّها مُرِيدَةٌ لِلتَّحَصُّنِ وهو بَعِيدٌ، فَقَدْ قالَ الحَبْرُ ابْنُ العَبّاسِ: إنَّ المُرادَ بِالتَّحَصُّنِ التَّعَفُّفُ والتَّزَوُّجُ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما تَكْسِبُهُ الأمَةُ بِفَرْجِها، وهَذا التَّعْلِيلُ أيْضًا خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا العَرَضَ هو الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى إكْراهِ الإماءِ عَلى البِغاءِ في الغالِبِ؛ لِأنَّ إكْراهَ الرَّجُلِ لِأمَتِهِ عَلى البِغاءِ لا لِفائِدَةٍ لَهُ أصْلًا لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنِ العُقَلاءِ، فَلا يَدُلُّ هَذا التَّعْلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُكْرِهَها، إذا لَمْ يَكُنْ مُبْتَغِيًا بِإكْراهِها عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا.
وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعْلِيلَ لِلْإكْراهِ هو بِاعْتِبارِ أنَّ عادَتَهم كانَتْ كَذَلِكَ، لا أنَّهُ مَدارٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإكْراهِ لَهُنَّ، وهَذا يُلاقِي المَعْنى الأوَّلَ ولا يُخالِفُهُ ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُؤَكِّدٌ لَهُ، والمَعْنى أنَّ عُقُوبَةَ الإكْراهِ راجِعَةٌ إلى المُكْرِهِينَ لا إلى المُكْرَهاتِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لَهُنَّ. قِيلَ وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا غَيْرُ آثِمَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّها وإنْ كانَتْ مُكْرَهَةً، فَرُبَّما لا تَخْلُو في تَضاعِيفِ الزِّنا عَنْ شائِبَةٍ مُطاوَعَةٍ إمّا بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ يَكُونُ الإكْراهُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم: إمّا مُطْلَقًا، أوْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ تِلْكَ الأحْكامِ، شَرَعَ في وصْفِ القُرْآنِ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى أنَّهُ ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: واضِحاتٍ في أنْفُسِهِنَّ أوْ مُوَضَّحاتٍ، فَتَدْخُلُ الآياتُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الصُّورَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ كَوْنُهُ مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ أيْ: مَثَلًا (p-١٠١٣)كائِنًا مِن جِهَةِ أمْثالِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ القَصَصِ العَجِيبَةِ، والأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لَهم في الكُتُبِ السّابِقَةِ، فَإنَّ العَجَبَ مِن قِصَّةِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، هو كالعَجَبِ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ وما اتُّهِما بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ وبَراءَتُهُما سَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ كَوْنُهُ مَوْعِظَةً يَنْتَفِعُ بِها المُتَّقُونَ خاصَّةً، فَيَقْتَدُونَ بِما فِيهِ مِنَ الأوامِرِ، ويَنْزَجِرُونَ عَمّا فِيهِ مِنَ النَّواهِي.
وأمّا غَيْرُ المُتَّقِينَ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً عَنْ سَماعِ المَواعِظِ والِاعْتِبارِ بِقَصَصِ الَّذِينَ خَلَوْا، وفَهْمِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الآياتُ البَيِّناتُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ الآيَةَ قالَ: أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالنِّكاحِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وأمَرَهم أنْ يُزَوِّجُوا أحْرارَهم وعَبِيدَهم، ووَعَدَهم في ذَلِكَ الغِنى فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزُ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى، قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ ما رَأيْتُ كَرَجُلٍ لَمْ يَلْتَمِسِ الغِنى في الباءَةِ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ فِيها ما وعَدَ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُّ في العِلَلِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنْكِحُوا النِّساءَ، فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَكم بِالمالِ» .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهم: النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ، والمُكاتَبُ يُرِيدُ الأداءَ، والغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ» وقَدْ ورَدَ في التَّرْغِيبِ في مُطْلَقِ النِّكاحِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ قالَ: لِيَتَزَوَّجْ مَن لا يَجِدُ فَإنَّ اللَّهَ سَيُغْنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السَّكَنِ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، فَسَألْتُهُ الكِتابَةَ فَأبى، فَنَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: سَألَنِي سِيرِينُ المُكاتَبَةَ فَأبَيْتُ عَلَيْهِ، فَأتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَأقْبَلَ عَلَيَّ بِالدِّرَّةِ وقالَ: كاتِبْهُ وتَلا ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكاتَبْتُهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً، ولا تُرْسِلُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: المالُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أمانَةٌ ووَفاءٌ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنْ عَلِمْتَ مُكاتَبَكَ يَقْضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، ولا تُلْقُوا مُؤْنَتَهم عَلى المُسْلِمِينَ ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ يَعْنِي ضَعُوا عَنْهم في مُكاتَبَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يُكاتِبَ عَبْدَهُ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ ويَقُولُ: يُطْعِمُنِي مِن أوْساخِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُعَيِّنُوا في الرِّقابِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أمَرَ اللَّهُ السَّيِّدَ أنْ يَدَعَ لِلْمُكاتَبِ الرُّبُعَ مِن ثَمَنِهِ. وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ، ولَكِنْ فِيهِ أجْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والرُّويانِيُّ في مُسْنَدِهِ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ عَنْ بُرَيْدَةَ في الآيَةِ قالَ: حَثَّ النّاسَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطُوهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُسْلِمٌ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي سُفْيانَ «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، وكانَتْ كارِهَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ ( ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» هَكَذا كانَ يَقْرَأُها، وذَكَرَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ جابِرٍ أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، فَكانَ يُرِيدُهُما عَلى الزِّنا، فَشَكَتا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَبْغِينَ إماءَهم، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكْرِهُونَ إماءَهم عَلى الزِّنا، يَأْخُذُونَ أُجُورَهُنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ وكَسْبِ الحَجّامِ وحُلْوانِ الكاهِنِ.
النور 24:35
.
(p-١٠١٤)لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْكامِ ما بَيَّنَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الكَمالِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، والِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ، ونُورُ السَّماواتِ والأرْضِ خَبَرُهُ، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذُو نُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ لِكَوْنِ المُرادِ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ نُورٌ لِكَمالِ جَلالِهِ وظُهُورِ عَدْلِهِ وبَسْطِهِ أحْكامَهُ، كَما يُقالُ فُلانٌ نُورُ البَلَدِ وقَمَرُ الزَّمَنِ وشَمْسُ العَصْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎فَإنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبُ إذا ظَهَرَتْ لَمْ يَبْقَ فِيهِنَّ كَوْكَبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎هَلّا قَصَدْتَ مِنَ البِلادِ لِمُفَضَّلٍ ∗∗∗ قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوِ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها نُورُها وجِمالُها
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى ∗∗∗ نُورًا ومِن فَلَقَ الصَّباحِ عَمُودا
ومَعْنى النُّورِ في اللُّغَةِ: الضِّياءُ، وهو الَّذِي يُبَيِّنُ الأشْياءَ ويُرِيَ الأبْصارَ حَقِيقَةَ ما تَراهُ، فَيَجُوزُ إطْلاقُ النُّورِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ، ولِكَوْنِهِ أوْجَدَ الأشْياءِ المُنَوَّرَةِ وأوْجَدَ أنْوارَها ونُورَها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وأبِي جَعْفَرٍ وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ ( اللَّهُ نَوَّرَ السَّماواتِ والأرْضَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وفاعِلِهِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ والسَّماواتُ مَفْعُولُهُ فَمَعْنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ صَيَّرَهُما مُنِيرَتَيْنِ بِاسْتِقامَةِ أحْوالِ أهْلِهِما وكَمالِ تَدْبِيرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن فِيهِما، كَما يُقالُ المَلِكُ نُورُ البَلَدِ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والأزْهَرِيُّ والضَّحّاكُ والقُرَظِيُّ وابْنُ عَرَفَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرِهِمْ، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأنْتَ لَنا نُورٌ وغَيْثٌ وعِصْمَةٌ ∗∗∗ ونَبْتٌ لِمَن يَرْجُو نَداكَ ورِيفُ
وقالَ هِشامٌ الجَوالِيقِيُّ وطائِفَةٌ مِنَ المُجَسِّمَةِ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نُورٌ لا كالأنْوارِ، وجِسْمٌ لا كالأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كَمِشْكاةٍ أيْ صِفَةُ نُورِهِ الفائِضِ عَنْهُ، الظّاهِرُ عَلى الأشْياءِ كَمِشْكاةِ، والمِشْكاةُ الكُوَّةُ في الحائِطِ غَيْرُ النّافِذَةِ، كَذا حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنْ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ جُمْهُورِهِمْ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ المِشْكاةِ أنَّها أجْمَعُ لِلضَّوْءِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِن مِصْباحٍ أوْ غَيْرِهِ، وأصْلُ المِشْكاةِ الوِعاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ. وقِيلَ: المِشْكاةُ عَمُودُ القِنْدِيلِ الَّذِي فِيهِ الفَتِيلَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ هي القِنْدِيلُ. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّ عَيْنَيْهِ مِشْكاتانِ في جُحْرٍ
ثُمَّ قالَ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ وهو السِّراجُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: النُّورُ في الزُّجاجِ وضَوْءُ النّارِ أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ شَيْءٍ وضَوْءُهُ يَزِيدُ في الزُّجاجِ، ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّ الزُّجاجَ جِسْمٌ شَفّافٌ يَظْهَرُ فِيهِ النُّورُ أكْمَلَ ظُهُورٍ.
ثُمَّ وصَفَ الزُّجاجَةَ فَقالَ: ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ مَنسُوبٌ إلى الدُّرِّ لِكَوْنِ فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ والحُسْنِ ما يُشابِهُ الدُّرَّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ الزُّهْرَةُ.
قَرَأ أبُو عُمَرَ ( دِرِّيٌّ ) بِكَسْرِ الدّالِّ.
قالَ أبُو عَمْرٍو: لَمْ أسْمَعْ أعْرابِيًّا يَقُولُ: إلّا كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دِرِّيٌّ بِكَسْرِ الدّالِّ، أخَذُوهُ مَن دَرَأتِ النُّجُومُ تَدْرَأُ إذا انْدَفَعَتْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الدّالِّ مَهْمُوزًا، وأنْكَرُهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنْ ضَمَمْتَ الدّالَّ وجَبَ أنْ لا تَهْمِزَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ.
والدَّرارِيُّ هي المَشْهُورَةُ مِنَ الكَواكِبِ كالمُشْتَرِي والزُّهْرَةِ والمِرِّيخِ وما يُضاهِيها مِنَ الثَّوابِتِ.
ثُمَّ وصَفَ المِصْباحَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ومِن هَذِهِ هي الِابْتِدائِيَّةُ أيْ: ابْتِداءُ إيقادِ المِصْباحِ مِنها، وقِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: يُوقَدُ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، والمُبارَكَةُ الكَثِيرَةُ المَنافِعِ. وقِيلَ: المُنَمّاةُ، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الثِّمارِ نَماءً، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ يَرْثِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ:
؎لَيْتَ شِعْرِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرٍو
؎ولَيْتَ يَقُولُها المَحْزُونُ ∗∗∗ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُورِكَ نَبْعُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ
قِيلَ ومِن بَرَكَتِها أنَّ أغْصانَها تُورِقُ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها، وهي إدامٌ ودِهانٌ ودِباغٌ ووَقُودٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ إلّا وفِيهِ مَنفَعَةٌ، ثُمَّ وصَفَها بِأنَّها ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذا الوَصْفِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: إنَّ الشَّرْقِيَّةَ هي الَّتِي تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا شَرَقَتْ. ولا تُصِيبُها إذا غَرَبَتْ. والغَرْبِيَّةُ هي الَّتِي تُصِيبُها إذا غَرَبَتْ، ولا تُصِيبُها إذا شَرَقَتْ.
وهَذِهِ الزَّيْتُونَةُ هي في صَحْراءَ بِحَيْثُ لا يَسْتُرُها عَنِ الشَّمْسِ شَيْءٌ لا في حالِ شُرُوقِها ولا في حالِ غُرُوبِها، وما كانَتْ مِنَ الزَّيْتُونِ هَكَذا فَثَمَرُها أجْوَدُ.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنَّها شَجَرَةٌ في دَوْحَةٍ قَدْ أحاطَتْ بِها، فَهي غَيْرُ مُنْكَشِفَةٍ مِن جِهَةِ الشَّرْقِ، ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، حَكى هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَفْسُدُ جَناها، وذَلِكَ مُشاهَدٌ في الوُجُودِ. ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ مِن شَجَرِ الدُّنْيا، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ ولَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً وإمّا غَرْبِيَّةً.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: قَدْ أفْصَحَ القُرْآنُ بِأنَّها مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ زَيْتُونَةٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ شَجَرَةٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّها مِن شَجَرِ الشّامِ، فَإنَّ الشّامَ لا شَرْقِيٌّ ولا غَرْبِيٌّ، والشّامُ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ.
وقَدْ قُرِئَ تُوقَدُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الزُّجاجَةِ دُونَ المِصْباحِ، وبِها قَرَأ الكُوفِيُّونَ.
وقَرَأ شَيْبَةُ ونافِعٌ وأيُّوبٌ وسَلامٌ وابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ وحَفْصٌ ( يُوقَدُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً وتَخْفِيفِ القافِ وضَمِّ الدّالِّ.
وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وأبُو عُمَرَ بْنُ العَلاءِ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَوَقَّدَ ) بِالفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ القافِ وفَتْحِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مِن تَوَقَّدَ يَتَوَقَّدُ، والضَّمِيرُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ راجِعٌ إلى المِصْباحِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهاتانِ القِراءَتانِ مُتَقارِبَتانِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا لِلْمِصْباحِ، وهو أشْبَهُ بِهَذا الوَصْفِ (p-١٠١٥)لِأنَّهُ الَّذِي يُنِيرُ ويُضِيءُ، وإنَّما الزُّجاجَةُ وِعاءٌ لَهُ.
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَقِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن مَعَهُ إلّا أنَّهُ ضَمَّ الدّالَّ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ.
ثُمَّ وصَفَ الزَّيْتُونَةَ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَمْسَسْهُ بِالفَوْقِيَّةِ؛ لِأنَّ النّارَ مُؤَنَّثَةٌ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّهُ لا يَعْرِفُ إلّا هَذِهِ القِراءَةَ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ السُّدِّيَّ رَوى عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ( يَمْسَسْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِ النّارِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.
والمَعْنى: أنَّ هَذا الزَّيْتَ في صَفائِهِ وإنارَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ أصْلًا، وارْتِفاعُ نُورٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نُورٌ، و﴿عَلى نُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِنُورٍ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والمَعْنى: هو نُورٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ. قالَ مُجاهِدٌ: والمُرادُ النّارُ عَلى الزَّيْتِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المِصْباحُ نُورٌ، والزُّجاجَةُ نُورٌ وقالَ السُّدِّيُّ: نُورُ الإيمانِ ونُورُ القُرْآنِ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أيْ: هِدايَةً خاصَّةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالهِدايَةِ هُنا مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيْ يُبَيِّنُ الأشْياءَ بِأشْباهِها ونَظائِرِها تَقْرِيبًا لَها إلى الأفْهامِ وتَسْهِيلًا لِإدْراكِها؛ لِأنَّ إبْرازَ المَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرَهُ بِصُورَتِهِ يَزِيدُهُ وُضُوحًا وبَيانًا ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا، ظاهِرًا أوْ باطِنًا.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ بِما هو مُتَعَلِّقٌ، فَقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أيْ: كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ وهي المَساجِدُ، كَأنَّهُ قِيلَ مَثَلُ نُورِهِ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورُ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمِصْباحٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَمِعْتُ أبا العَبّاسِ يَقُولُ: هو حالٌ لِلْمِصْباحِ والزُّجاجَةِ والكَوْكَبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهي في بُيُوتٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ تُوقَدُ، أيْ تُوقَدُ في بُيُوتٍ، وقَدْ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهو يُسَبِّحُ أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ في بُيُوتٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: فِيها تَكْرِيرًا كَقَوْلِكَ، زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها.
وقِيلَ: إنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قالَ اللَّهُ: في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
قالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وبِذَلِكَ جاءَتِ الأخْبارُ أنَّهُ مَن جَلَسَ في المَساجِدِ فَإنَّما يُجالِسُ رَبَّهُ.
وقَدْ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِمِشْكاةٍ أوْ مِصْباحٍ أوْ بِـ تُوقَدُ ما الوَجْهُ في تَوْحِيدِ المِصْباحِ والمِشْكاةِ وجَمْعِ البَيْتِ ؟ ولا تَكُونُ المِشْكاةُ الواحِدَةُ ولا المِصْباحُ الواحِدُ إلّا في بَيْتٍ واحِدٍ. وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا مِنَ الخِطابِ الَّذِي يُفْتَحُ أوَّلُهُ بِالتَّوْحِيدِ، ويُخْتَمُ بِالجَمْعِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ونَحْوِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى في بُيُوتٍ: في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: في كُلِّ بَيْتٍ، أوْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في البُيُوتِ، عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها المَساجِدُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما.
الثّانِي أنَّ المُرادَ بِها بُيُوتُ بَيْتِ المَقْدِسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.
الثّالِثُ أنَّها بُيُوتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ هي البُيُوتُ كُلُّها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الخامِسُ أنَّها المَساجِدُ الأرْبَعَةُ: الكَعْبَةُ، ومَسْجِدُ قُباءٍ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ، ومَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ والباءُ مِن بَيْتٍ تُضَمُّ وتُكْسَرُ كُلُّ ذَلِكَ ثابِتٌ في اللُّغَةِ، ومَعْنى أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ: أمَرَ وقَضى، ومَعْنى تُرْفَعُ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْنى تُرْفَعُ تُعَظَّمُ ويُرْفَعُ شَأْنُها وتُطَهَّرُ مِنَ الأنْجاسِ والأقْذارِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّفْعِ هُنا مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، ومَعْنى ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ كُلُّ ذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَّوْحِيدُ، وقِيلَ: المُرادُ تِلاوَةُ القُرْآنِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( يُسَبَّحُ ) بِفَتْحِ الباءِ المُوَحِّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ إلّا ابْنَ وثّابٍ وأبا حَيْوَةَ فَإنَّهُما قَرَآ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ أحَدَ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ، ويَكُونُ رِجالٌ مَرْفُوعًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ مَن يُسَبِّحُهُ ؟ فَقِيلَ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ.
الثّانِي أنَّ ( رِجالٌ ) مُرْتَفَعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ رِجالٌ فاعِلُ يُسَبِّحُ وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ يَكُونُ الفاعِلُ أيْضًا رِجالٌ، وإنَّما أُنِّثَ الفِعْلُ لِكَوْنِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ في بَعْضِ الأحْوالِ.
واخْتُلِفَ في هَذا التَّسْبِيحِ ما هو ؟ فالأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، قالُوا: الغُدُوُّ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والعِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ اسْمَ الآصالِ يَشْمَلُها، ومَعْنى بِالغُدُوِّ والآصالِ: بِالغَداةِ والعَشِيِّ وقِيلَ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ذِكْرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ بَعْدَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ؛ لِكَوْنِهِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مَعَ وُجُودِ دَلِيلٍ عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ. وهو ما ذَكَرْناهُ.
﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرِجالٍ أيْ: لا تَشْغَلُهُمُ التِّجارَةُ والبَيْعُ عَنِ الذِّكْرِ، وخَصَّ التِّجارَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمَ ما يَشْتَغِلُ بِهِ الإنْسانُ عَنِ الذِّكْرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: التِّجارَةُ لِأهْلِ الجَلَبِ، والبَيْعُ ما باعَهُ الرَّجُلُ عَلى بَدَنِهِ، وخَصَّ قَوْمٌ التِّجارَةَ هاهُنا بِالشِّراءِ لِذِكْرِ البَيْعِ بَعْدَها، وبِمِثْلِ قَوْلِ الفَرّاءِ قالَ الواقِدِيُّ فَقالَ: التُّجّارُ هُمُ الجُلّابُ المُسافِرُونَ والباعَةُ هُمُ المُقِيمُونَ، ومَعْنى ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: هو ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ وقِيلَ: المُرادُ الأذانُ، وقِيلَ: عَنْ ذِكْرِهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى أيْ: يُوَحِّدُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ عَنِ الصَّلاةِ، ويَرُدُّهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ بَعْدَ الذِّكْرِ هُنا. والمُرادُ بِإقامِ الصَّلاةِ إقامَتُها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وحُذِفَتِ التّاءُ لِأنَّ الإضافَةَ تَقُومُ مَقامَها في ثَلاثِ كَلِماتٍ جَمَعَها الشّاعِرُ في قَوْلِهِ: (p-١٠١٦)
؎ثَلاثَةٌ تُحْذَفُ تاءاتُها ∗∗∗ مَضافَةً عِنْدَ جَمِيعِ النُّحاةِ
؎وهْيَ إذا شِئْتَ أبُو عُذْرِها ∗∗∗ ولَيْتَ شِعْرِي وإقامُ الصَّلاةِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ في الِاسْتِشْهادِ لِلْحَذْفِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا
أيْ عِدَةَ الأمْرِ، وفي هَذا البَيْتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَذْفَ مَعَ الإضافَةِ لا يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما حُذِفَتِ الهاءُ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أقَمْتَ الصَّلاةَ إقامَةً، وكانَ الأصْلُ إقْوامًا، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ ألْفًا فاجْتَمَعَتْ ألْفانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَ أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامًا فَأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ وقامَتِ الإضافَةُ هاهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ انْتَهى.
وقَدِ احْتاجَ مَن حَمَلَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ أنْ يَحْمِلَ إقامَ الصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَتِها في أوْقاتِها فِرارًا مِنَ التَّكْرارِ ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، بَلْ يُحْمَلُ الذِّكْرُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما قَدَّمْنا.
والمُرادُ بِالزَّكاةِ المَذْكُورَةِ هي المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكاةِ طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ، إذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مالٌ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ لا ظَرْفٌ لَهُ، ثُمَّ وصَفَ هَذا اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ وتَتَحَوَّلُ، قِيلَ المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ انْتِزاعُها مِن أماكِنِها إلى الحَناجِرِ فَلا تَرْجِعُ إلى أماكِنِها ولا تَخْرُجُ، والمُرادُ بِتَقَلُّبِ الأبْصارِ هو أنْ تَصِيرَ عَمْياءَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُبْصِرَةً.
وقِيلَ: المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ أنَّها تَكُونُ مُتَقَلِّبَةٌ بَيْنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ والخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ، وأمّا تَقَلُّبُ الأبْصارِ فَهو نَظَرُها مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُونَ، وإلى أيِّ ناحِيَةٍ يَصِيرُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ تَحَوُّلُ قُلُوبِهِمْ وأبْصارِهِمْ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فَما كانَ يَراهُ في الدُّنْيا غَيًّا يَراهُ في الآخِرَةِ رُشْدًا. وقِيلَ: المُرادُ التَّقَلُّبُ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ حَسْبَما وعَدَهم مِن تَضْعِيفِ ذَلِكَ إلى عَشَرَةِ أمْثالِهِ وإلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِما في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَفَضَّلُ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ التَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ بِما فَوْقَ الجَزاءِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يُحاسِبَهُ عَلى ما أعْطاهُ، أوْ أنَّ عَطاءَهُ سُبْحانَهُ لا نِهايَةَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ فِيهِما نُجُومَهُما وشَمْسَهُما وقَمَرَهُما. وأخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الَّذِي أعْطاهُ المُؤْمِنُ كَمِشْكاةٍ وقالَ في تَفْسِيرِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ إنَّها الَّتِي في سَفْحِ جَبَلٍ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فَذَلِكَ مَثَلُ قَلْبِ المُؤْمِنِ نُورٌ عَلى نُورٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ( مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كَمِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هي خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مَثَلُ نُورِهِ المِشْكاةَ، قالَ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ أيْضًا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ يَقُولُ مَوْضِعُ الفَتِيلَةِ كَما يَكادُ الزَّيْتُ الصّافِي يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ النّارُ ازْدادَ ضَوْءًا عَلى ضَوْئِهِ، كَذَلِكَ يَكُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ هُدًى عَلى هُدًى ونُورًا عَلى نُورٍ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، وفِيهِ مَقالٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هو المُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ، فَقالَ: ﴿نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ فَبَدَأ بِنُورِ نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نُورَ المُؤْمِنُ، فَقالَ مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ، فَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُها ( مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ ) فَهو المُؤْمِنُ، جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ كَمِشْكاةٍ قالَ: فَصَدْرُ المُؤْمِنَ المِشْكاةُ ﴿فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ﴾ النُّورُ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ الَّذِي جُعِلَ في صَدْرِهِ ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يَقُولُ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ: أصْلُ المُبارَكِ الإخْلاصُ لِلَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتُهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ التَفَّتْ بِها الشَّجَرُ، فَهي خَضْراءُ ناعِمَةٌ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ، لا إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، فَكَذَلِكَ هَذا المُؤْمِنُ قَدْ أُجِيرَ مِن أنْ يُضِلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ: كَيْفَ يَخْلُصُ نُورُ اللَّهِ مِن دُونِ السَّماءِ ؟ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ ذَلِكَ لِنُورِهِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾» المِشْكاةُ كُوَّةُ البَيْتِ فِيها مِصْباحٌ، وهو السِّراجُ يَكُونُ في الزُّجاجَةِ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ، فَسَمّى طاعَتَهُ نُورًا، ثُمَّ سَمّاها أنْواعًا شَتّى ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: وهي وسَطُ الشَّجَرِ لا تَنالُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، وذَلِكَ أجْوَدُ الزَّيْتِ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ بِغَيْرِ نارٍ ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ إيمانَ العَبْدِ وعِلْمَهُ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ وهو مَثَلُ (p-١٠١٧)المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ قالَ: المِشْكاةُ جَوْفُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي في قَلْبِهِ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ الشَّجَرَةُ إبْراهِيمُ ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ شَمَرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: جاءَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى كَعْبٍ الأحْبارِ، فَقالَ حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَمِشْكاةٍ قالَ: المِشْكاةُ الكُوَّةُ ضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِقِمَّةٍ فِيها مِصْباحٌ، والمِصْباحُ قَلْبُهُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ صَدْرُهُ ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ شَبَّهَ صَدْرَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، ثُمَّ رَجَعَ المِصْباحُ إلى قَلْبِهِ فَقالَ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قالَ: يَكادُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُبَيِّنُ لِلنّاسِ ولَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، كَما يَكادُ الزَّيْتُ أنْ يُضِيءَ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.
وأقُولُ: إنَّ تَفْسِيرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ بِهَذا ونَحْوِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَيْسَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ، ولا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ المَعْنى العَرَبِيِّ إلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي هي شَبِيهَةٌ بِالألْغازِ والتَّعْمِيَةِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الصَّحابَةَ ومَن وافَقَهم مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمُ اسْتَبْعَدُوا تَمْثِيلَ نُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنُورِ المِصْباحِ في المِشْكاةِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ نُورُهُ مِثْلَ نُورٍ المِشْكاةِ كَما قَدَّمْنا عَنْهُ، ولا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِبْعادِ. فَإنّا قَدْ قَدَّمَنا في أوَّلِ البَحْثِ ما يَرْفَعُ الإشْكالَ ويُوَضِّحُ ما هو المُرادُ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأبْلَغِ أُسْلُوبٍ، وعَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ ويُفِيدُهُ كَلامُ الفُصَحاءِ، فَلا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، لا مِن كِتابٍ ولا مِن سُنَّةٍ ولا مِن لُغَةٍ.
وأمّا ما حُكِيَ عَنْ كَعْبٍ الأحْبارِ في هَذا كَما قَدَّمْنا، فَإنْ كانَ هو سَبَبَ عُدُولِ أُولَئِكَ الصَّحابَةِ الأجِلّاءِ عَنِ الظّاهِرِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَلَيْسَ مِثْلُ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في مِثْلِ هَذا. وقَدْ نَبَّهْناكَ فِيما سَبَقَ أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ إذا كانَ مُسْتَنَدُهُ الرِّوايَةَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ كَما يَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا، فَلا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ ولا يَسُوغُ لِأجْلِهِ العُدُولُ عَنِ التَّفْسِيرِ العَرَبِيِّ، نَعَمْ إنْ صَحَّتْ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كانَتْ هي المُسْتَنَدَ لِهَذِهِ التَّفاسِيرِ المُخالِفَةِ لِلظّاهِرِ، وتَكُونُ كالزِّيادَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْمُرادِ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ فالوُقُوفُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَبْلَهم ومِمَّنْ بَعْدَهم هو المُتَعَيَّنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: هي المَساجِدُ تُكْرَمُ ويُنْهى عَنِ اللَّغْوِ فِيها، ويُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ، يُتْلى فِيها كِتابُهُ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ، وهُما أوَّلُ ما فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ فَأحَبَّ أنْ يَذْكُرَهُما ويُذَكِّرَ بِهِما عِبادَهُ.
وقَدْ ورَدَ في تَعْظِيمِ المَساجِدِ وتَنْزِيهِها عَنِ القَذَرِ واللَّغْوِ وتَنْظِيفِها وتَطْيِيبِها أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِي يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: كانُوا رِجالًا يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ يَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ بِالصَّلاةِ ألْقَوْا ما في أيْدِيهِمْ وقامُوا إلى المَسْجِدِ فَصَلَّوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ، قالَ: ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ قَوْلَهُ: كَمِشْكاةٍ لِأُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وكانُوا أتْجَرَ النّاسِ وأبْيَعَهم، ولَكِنْ لَمْ تَكُنْ تُلْهِيهِمْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قالَ: عَنْ شُهُودِ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم، ثُمَّ دَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَأى ناسًا مِن أهْلِ السُّوقِ سَمِعُوا الأذانَ فَتَرَكُوا أمْتِعَتَهم، فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدّاعِيَ يُنْفِذُهُمُ البَصَرَ، فَيَقُومُ مُنادٍ فَيُنادِي أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانُوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَقُومُ سائِرُ النّاسِ فَيُحاسَبُونَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
النور 24:36
.
(p-١٠١٤)لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْكامِ ما بَيَّنَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الكَمالِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، والِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ، ونُورُ السَّماواتِ والأرْضِ خَبَرُهُ، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذُو نُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ لِكَوْنِ المُرادِ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ نُورٌ لِكَمالِ جَلالِهِ وظُهُورِ عَدْلِهِ وبَسْطِهِ أحْكامَهُ، كَما يُقالُ فُلانٌ نُورُ البَلَدِ وقَمَرُ الزَّمَنِ وشَمْسُ العَصْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎فَإنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبُ إذا ظَهَرَتْ لَمْ يَبْقَ فِيهِنَّ كَوْكَبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎هَلّا قَصَدْتَ مِنَ البِلادِ لِمُفَضَّلٍ ∗∗∗ قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوِ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها نُورُها وجِمالُها
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى ∗∗∗ نُورًا ومِن فَلَقَ الصَّباحِ عَمُودا
ومَعْنى النُّورِ في اللُّغَةِ: الضِّياءُ، وهو الَّذِي يُبَيِّنُ الأشْياءَ ويُرِيَ الأبْصارَ حَقِيقَةَ ما تَراهُ، فَيَجُوزُ إطْلاقُ النُّورِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ، ولِكَوْنِهِ أوْجَدَ الأشْياءِ المُنَوَّرَةِ وأوْجَدَ أنْوارَها ونُورَها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وأبِي جَعْفَرٍ وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ ( اللَّهُ نَوَّرَ السَّماواتِ والأرْضَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وفاعِلِهِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ والسَّماواتُ مَفْعُولُهُ فَمَعْنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ صَيَّرَهُما مُنِيرَتَيْنِ بِاسْتِقامَةِ أحْوالِ أهْلِهِما وكَمالِ تَدْبِيرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن فِيهِما، كَما يُقالُ المَلِكُ نُورُ البَلَدِ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والأزْهَرِيُّ والضَّحّاكُ والقُرَظِيُّ وابْنُ عَرَفَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرِهِمْ، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأنْتَ لَنا نُورٌ وغَيْثٌ وعِصْمَةٌ ∗∗∗ ونَبْتٌ لِمَن يَرْجُو نَداكَ ورِيفُ
وقالَ هِشامٌ الجَوالِيقِيُّ وطائِفَةٌ مِنَ المُجَسِّمَةِ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نُورٌ لا كالأنْوارِ، وجِسْمٌ لا كالأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كَمِشْكاةٍ أيْ صِفَةُ نُورِهِ الفائِضِ عَنْهُ، الظّاهِرُ عَلى الأشْياءِ كَمِشْكاةِ، والمِشْكاةُ الكُوَّةُ في الحائِطِ غَيْرُ النّافِذَةِ، كَذا حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنْ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ جُمْهُورِهِمْ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ المِشْكاةِ أنَّها أجْمَعُ لِلضَّوْءِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِن مِصْباحٍ أوْ غَيْرِهِ، وأصْلُ المِشْكاةِ الوِعاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ. وقِيلَ: المِشْكاةُ عَمُودُ القِنْدِيلِ الَّذِي فِيهِ الفَتِيلَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ هي القِنْدِيلُ. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّ عَيْنَيْهِ مِشْكاتانِ في جُحْرٍ
ثُمَّ قالَ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ وهو السِّراجُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: النُّورُ في الزُّجاجِ وضَوْءُ النّارِ أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ شَيْءٍ وضَوْءُهُ يَزِيدُ في الزُّجاجِ، ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّ الزُّجاجَ جِسْمٌ شَفّافٌ يَظْهَرُ فِيهِ النُّورُ أكْمَلَ ظُهُورٍ.
ثُمَّ وصَفَ الزُّجاجَةَ فَقالَ: ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ مَنسُوبٌ إلى الدُّرِّ لِكَوْنِ فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ والحُسْنِ ما يُشابِهُ الدُّرَّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ الزُّهْرَةُ.
قَرَأ أبُو عُمَرَ ( دِرِّيٌّ ) بِكَسْرِ الدّالِّ.
قالَ أبُو عَمْرٍو: لَمْ أسْمَعْ أعْرابِيًّا يَقُولُ: إلّا كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دِرِّيٌّ بِكَسْرِ الدّالِّ، أخَذُوهُ مَن دَرَأتِ النُّجُومُ تَدْرَأُ إذا انْدَفَعَتْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الدّالِّ مَهْمُوزًا، وأنْكَرُهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنْ ضَمَمْتَ الدّالَّ وجَبَ أنْ لا تَهْمِزَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ.
والدَّرارِيُّ هي المَشْهُورَةُ مِنَ الكَواكِبِ كالمُشْتَرِي والزُّهْرَةِ والمِرِّيخِ وما يُضاهِيها مِنَ الثَّوابِتِ.
ثُمَّ وصَفَ المِصْباحَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ومِن هَذِهِ هي الِابْتِدائِيَّةُ أيْ: ابْتِداءُ إيقادِ المِصْباحِ مِنها، وقِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: يُوقَدُ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، والمُبارَكَةُ الكَثِيرَةُ المَنافِعِ. وقِيلَ: المُنَمّاةُ، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الثِّمارِ نَماءً، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ يَرْثِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ:
؎لَيْتَ شِعْرِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرٍو
؎ولَيْتَ يَقُولُها المَحْزُونُ ∗∗∗ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُورِكَ نَبْعُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ
قِيلَ ومِن بَرَكَتِها أنَّ أغْصانَها تُورِقُ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها، وهي إدامٌ ودِهانٌ ودِباغٌ ووَقُودٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ إلّا وفِيهِ مَنفَعَةٌ، ثُمَّ وصَفَها بِأنَّها ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذا الوَصْفِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: إنَّ الشَّرْقِيَّةَ هي الَّتِي تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا شَرَقَتْ. ولا تُصِيبُها إذا غَرَبَتْ. والغَرْبِيَّةُ هي الَّتِي تُصِيبُها إذا غَرَبَتْ، ولا تُصِيبُها إذا شَرَقَتْ.
وهَذِهِ الزَّيْتُونَةُ هي في صَحْراءَ بِحَيْثُ لا يَسْتُرُها عَنِ الشَّمْسِ شَيْءٌ لا في حالِ شُرُوقِها ولا في حالِ غُرُوبِها، وما كانَتْ مِنَ الزَّيْتُونِ هَكَذا فَثَمَرُها أجْوَدُ.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنَّها شَجَرَةٌ في دَوْحَةٍ قَدْ أحاطَتْ بِها، فَهي غَيْرُ مُنْكَشِفَةٍ مِن جِهَةِ الشَّرْقِ، ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، حَكى هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَفْسُدُ جَناها، وذَلِكَ مُشاهَدٌ في الوُجُودِ. ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ مِن شَجَرِ الدُّنْيا، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ ولَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً وإمّا غَرْبِيَّةً.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: قَدْ أفْصَحَ القُرْآنُ بِأنَّها مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ زَيْتُونَةٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ شَجَرَةٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّها مِن شَجَرِ الشّامِ، فَإنَّ الشّامَ لا شَرْقِيٌّ ولا غَرْبِيٌّ، والشّامُ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ.
وقَدْ قُرِئَ تُوقَدُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الزُّجاجَةِ دُونَ المِصْباحِ، وبِها قَرَأ الكُوفِيُّونَ.
وقَرَأ شَيْبَةُ ونافِعٌ وأيُّوبٌ وسَلامٌ وابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ وحَفْصٌ ( يُوقَدُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً وتَخْفِيفِ القافِ وضَمِّ الدّالِّ.
وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وأبُو عُمَرَ بْنُ العَلاءِ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَوَقَّدَ ) بِالفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ القافِ وفَتْحِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مِن تَوَقَّدَ يَتَوَقَّدُ، والضَّمِيرُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ راجِعٌ إلى المِصْباحِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهاتانِ القِراءَتانِ مُتَقارِبَتانِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا لِلْمِصْباحِ، وهو أشْبَهُ بِهَذا الوَصْفِ (p-١٠١٥)لِأنَّهُ الَّذِي يُنِيرُ ويُضِيءُ، وإنَّما الزُّجاجَةُ وِعاءٌ لَهُ.
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَقِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن مَعَهُ إلّا أنَّهُ ضَمَّ الدّالَّ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ.
ثُمَّ وصَفَ الزَّيْتُونَةَ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَمْسَسْهُ بِالفَوْقِيَّةِ؛ لِأنَّ النّارَ مُؤَنَّثَةٌ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّهُ لا يَعْرِفُ إلّا هَذِهِ القِراءَةَ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ السُّدِّيَّ رَوى عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ( يَمْسَسْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِ النّارِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.
والمَعْنى: أنَّ هَذا الزَّيْتَ في صَفائِهِ وإنارَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ أصْلًا، وارْتِفاعُ نُورٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نُورٌ، و﴿عَلى نُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِنُورٍ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والمَعْنى: هو نُورٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ. قالَ مُجاهِدٌ: والمُرادُ النّارُ عَلى الزَّيْتِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المِصْباحُ نُورٌ، والزُّجاجَةُ نُورٌ وقالَ السُّدِّيُّ: نُورُ الإيمانِ ونُورُ القُرْآنِ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أيْ: هِدايَةً خاصَّةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالهِدايَةِ هُنا مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيْ يُبَيِّنُ الأشْياءَ بِأشْباهِها ونَظائِرِها تَقْرِيبًا لَها إلى الأفْهامِ وتَسْهِيلًا لِإدْراكِها؛ لِأنَّ إبْرازَ المَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرَهُ بِصُورَتِهِ يَزِيدُهُ وُضُوحًا وبَيانًا ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا، ظاهِرًا أوْ باطِنًا.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ بِما هو مُتَعَلِّقٌ، فَقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أيْ: كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ وهي المَساجِدُ، كَأنَّهُ قِيلَ مَثَلُ نُورِهِ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورُ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمِصْباحٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَمِعْتُ أبا العَبّاسِ يَقُولُ: هو حالٌ لِلْمِصْباحِ والزُّجاجَةِ والكَوْكَبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهي في بُيُوتٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ تُوقَدُ، أيْ تُوقَدُ في بُيُوتٍ، وقَدْ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهو يُسَبِّحُ أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ في بُيُوتٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: فِيها تَكْرِيرًا كَقَوْلِكَ، زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها.
وقِيلَ: إنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قالَ اللَّهُ: في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
قالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وبِذَلِكَ جاءَتِ الأخْبارُ أنَّهُ مَن جَلَسَ في المَساجِدِ فَإنَّما يُجالِسُ رَبَّهُ.
وقَدْ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِمِشْكاةٍ أوْ مِصْباحٍ أوْ بِـ تُوقَدُ ما الوَجْهُ في تَوْحِيدِ المِصْباحِ والمِشْكاةِ وجَمْعِ البَيْتِ ؟ ولا تَكُونُ المِشْكاةُ الواحِدَةُ ولا المِصْباحُ الواحِدُ إلّا في بَيْتٍ واحِدٍ. وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا مِنَ الخِطابِ الَّذِي يُفْتَحُ أوَّلُهُ بِالتَّوْحِيدِ، ويُخْتَمُ بِالجَمْعِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ونَحْوِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى في بُيُوتٍ: في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: في كُلِّ بَيْتٍ، أوْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في البُيُوتِ، عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها المَساجِدُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما.
الثّانِي أنَّ المُرادَ بِها بُيُوتُ بَيْتِ المَقْدِسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.
الثّالِثُ أنَّها بُيُوتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ هي البُيُوتُ كُلُّها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الخامِسُ أنَّها المَساجِدُ الأرْبَعَةُ: الكَعْبَةُ، ومَسْجِدُ قُباءٍ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ، ومَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ والباءُ مِن بَيْتٍ تُضَمُّ وتُكْسَرُ كُلُّ ذَلِكَ ثابِتٌ في اللُّغَةِ، ومَعْنى أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ: أمَرَ وقَضى، ومَعْنى تُرْفَعُ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْنى تُرْفَعُ تُعَظَّمُ ويُرْفَعُ شَأْنُها وتُطَهَّرُ مِنَ الأنْجاسِ والأقْذارِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّفْعِ هُنا مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، ومَعْنى ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ كُلُّ ذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَّوْحِيدُ، وقِيلَ: المُرادُ تِلاوَةُ القُرْآنِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( يُسَبَّحُ ) بِفَتْحِ الباءِ المُوَحِّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ إلّا ابْنَ وثّابٍ وأبا حَيْوَةَ فَإنَّهُما قَرَآ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ أحَدَ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ، ويَكُونُ رِجالٌ مَرْفُوعًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ مَن يُسَبِّحُهُ ؟ فَقِيلَ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ.
الثّانِي أنَّ ( رِجالٌ ) مُرْتَفَعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ رِجالٌ فاعِلُ يُسَبِّحُ وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ يَكُونُ الفاعِلُ أيْضًا رِجالٌ، وإنَّما أُنِّثَ الفِعْلُ لِكَوْنِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ في بَعْضِ الأحْوالِ.
واخْتُلِفَ في هَذا التَّسْبِيحِ ما هو ؟ فالأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، قالُوا: الغُدُوُّ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والعِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ اسْمَ الآصالِ يَشْمَلُها، ومَعْنى بِالغُدُوِّ والآصالِ: بِالغَداةِ والعَشِيِّ وقِيلَ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ذِكْرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ بَعْدَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ؛ لِكَوْنِهِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مَعَ وُجُودِ دَلِيلٍ عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ. وهو ما ذَكَرْناهُ.
﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرِجالٍ أيْ: لا تَشْغَلُهُمُ التِّجارَةُ والبَيْعُ عَنِ الذِّكْرِ، وخَصَّ التِّجارَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمَ ما يَشْتَغِلُ بِهِ الإنْسانُ عَنِ الذِّكْرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: التِّجارَةُ لِأهْلِ الجَلَبِ، والبَيْعُ ما باعَهُ الرَّجُلُ عَلى بَدَنِهِ، وخَصَّ قَوْمٌ التِّجارَةَ هاهُنا بِالشِّراءِ لِذِكْرِ البَيْعِ بَعْدَها، وبِمِثْلِ قَوْلِ الفَرّاءِ قالَ الواقِدِيُّ فَقالَ: التُّجّارُ هُمُ الجُلّابُ المُسافِرُونَ والباعَةُ هُمُ المُقِيمُونَ، ومَعْنى ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: هو ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ وقِيلَ: المُرادُ الأذانُ، وقِيلَ: عَنْ ذِكْرِهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى أيْ: يُوَحِّدُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ عَنِ الصَّلاةِ، ويَرُدُّهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ بَعْدَ الذِّكْرِ هُنا. والمُرادُ بِإقامِ الصَّلاةِ إقامَتُها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وحُذِفَتِ التّاءُ لِأنَّ الإضافَةَ تَقُومُ مَقامَها في ثَلاثِ كَلِماتٍ جَمَعَها الشّاعِرُ في قَوْلِهِ: (p-١٠١٦)
؎ثَلاثَةٌ تُحْذَفُ تاءاتُها ∗∗∗ مَضافَةً عِنْدَ جَمِيعِ النُّحاةِ
؎وهْيَ إذا شِئْتَ أبُو عُذْرِها ∗∗∗ ولَيْتَ شِعْرِي وإقامُ الصَّلاةِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ في الِاسْتِشْهادِ لِلْحَذْفِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا
أيْ عِدَةَ الأمْرِ، وفي هَذا البَيْتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَذْفَ مَعَ الإضافَةِ لا يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما حُذِفَتِ الهاءُ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أقَمْتَ الصَّلاةَ إقامَةً، وكانَ الأصْلُ إقْوامًا، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ ألْفًا فاجْتَمَعَتْ ألْفانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَ أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامًا فَأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ وقامَتِ الإضافَةُ هاهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ انْتَهى.
وقَدِ احْتاجَ مَن حَمَلَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ أنْ يَحْمِلَ إقامَ الصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَتِها في أوْقاتِها فِرارًا مِنَ التَّكْرارِ ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، بَلْ يُحْمَلُ الذِّكْرُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما قَدَّمْنا.
والمُرادُ بِالزَّكاةِ المَذْكُورَةِ هي المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكاةِ طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ، إذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مالٌ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ لا ظَرْفٌ لَهُ، ثُمَّ وصَفَ هَذا اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ وتَتَحَوَّلُ، قِيلَ المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ انْتِزاعُها مِن أماكِنِها إلى الحَناجِرِ فَلا تَرْجِعُ إلى أماكِنِها ولا تَخْرُجُ، والمُرادُ بِتَقَلُّبِ الأبْصارِ هو أنْ تَصِيرَ عَمْياءَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُبْصِرَةً.
وقِيلَ: المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ أنَّها تَكُونُ مُتَقَلِّبَةٌ بَيْنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ والخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ، وأمّا تَقَلُّبُ الأبْصارِ فَهو نَظَرُها مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُونَ، وإلى أيِّ ناحِيَةٍ يَصِيرُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ تَحَوُّلُ قُلُوبِهِمْ وأبْصارِهِمْ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فَما كانَ يَراهُ في الدُّنْيا غَيًّا يَراهُ في الآخِرَةِ رُشْدًا. وقِيلَ: المُرادُ التَّقَلُّبُ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ حَسْبَما وعَدَهم مِن تَضْعِيفِ ذَلِكَ إلى عَشَرَةِ أمْثالِهِ وإلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِما في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَفَضَّلُ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ التَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ بِما فَوْقَ الجَزاءِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يُحاسِبَهُ عَلى ما أعْطاهُ، أوْ أنَّ عَطاءَهُ سُبْحانَهُ لا نِهايَةَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ فِيهِما نُجُومَهُما وشَمْسَهُما وقَمَرَهُما. وأخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الَّذِي أعْطاهُ المُؤْمِنُ كَمِشْكاةٍ وقالَ في تَفْسِيرِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ إنَّها الَّتِي في سَفْحِ جَبَلٍ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فَذَلِكَ مَثَلُ قَلْبِ المُؤْمِنِ نُورٌ عَلى نُورٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ( مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كَمِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هي خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مَثَلُ نُورِهِ المِشْكاةَ، قالَ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ أيْضًا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ يَقُولُ مَوْضِعُ الفَتِيلَةِ كَما يَكادُ الزَّيْتُ الصّافِي يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ النّارُ ازْدادَ ضَوْءًا عَلى ضَوْئِهِ، كَذَلِكَ يَكُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ هُدًى عَلى هُدًى ونُورًا عَلى نُورٍ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، وفِيهِ مَقالٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هو المُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ، فَقالَ: ﴿نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ فَبَدَأ بِنُورِ نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نُورَ المُؤْمِنُ، فَقالَ مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ، فَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُها ( مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ ) فَهو المُؤْمِنُ، جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ كَمِشْكاةٍ قالَ: فَصَدْرُ المُؤْمِنَ المِشْكاةُ ﴿فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ﴾ النُّورُ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ الَّذِي جُعِلَ في صَدْرِهِ ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يَقُولُ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ: أصْلُ المُبارَكِ الإخْلاصُ لِلَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتُهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ التَفَّتْ بِها الشَّجَرُ، فَهي خَضْراءُ ناعِمَةٌ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ، لا إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، فَكَذَلِكَ هَذا المُؤْمِنُ قَدْ أُجِيرَ مِن أنْ يُضِلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ: كَيْفَ يَخْلُصُ نُورُ اللَّهِ مِن دُونِ السَّماءِ ؟ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ ذَلِكَ لِنُورِهِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾» المِشْكاةُ كُوَّةُ البَيْتِ فِيها مِصْباحٌ، وهو السِّراجُ يَكُونُ في الزُّجاجَةِ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ، فَسَمّى طاعَتَهُ نُورًا، ثُمَّ سَمّاها أنْواعًا شَتّى ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: وهي وسَطُ الشَّجَرِ لا تَنالُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، وذَلِكَ أجْوَدُ الزَّيْتِ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ بِغَيْرِ نارٍ ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ إيمانَ العَبْدِ وعِلْمَهُ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ وهو مَثَلُ (p-١٠١٧)المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ قالَ: المِشْكاةُ جَوْفُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي في قَلْبِهِ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ الشَّجَرَةُ إبْراهِيمُ ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ شَمَرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: جاءَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى كَعْبٍ الأحْبارِ، فَقالَ حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَمِشْكاةٍ قالَ: المِشْكاةُ الكُوَّةُ ضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِقِمَّةٍ فِيها مِصْباحٌ، والمِصْباحُ قَلْبُهُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ صَدْرُهُ ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ شَبَّهَ صَدْرَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، ثُمَّ رَجَعَ المِصْباحُ إلى قَلْبِهِ فَقالَ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قالَ: يَكادُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُبَيِّنُ لِلنّاسِ ولَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، كَما يَكادُ الزَّيْتُ أنْ يُضِيءَ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.
وأقُولُ: إنَّ تَفْسِيرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ بِهَذا ونَحْوِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَيْسَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ، ولا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ المَعْنى العَرَبِيِّ إلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي هي شَبِيهَةٌ بِالألْغازِ والتَّعْمِيَةِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الصَّحابَةَ ومَن وافَقَهم مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمُ اسْتَبْعَدُوا تَمْثِيلَ نُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنُورِ المِصْباحِ في المِشْكاةِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ نُورُهُ مِثْلَ نُورٍ المِشْكاةِ كَما قَدَّمْنا عَنْهُ، ولا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِبْعادِ. فَإنّا قَدْ قَدَّمَنا في أوَّلِ البَحْثِ ما يَرْفَعُ الإشْكالَ ويُوَضِّحُ ما هو المُرادُ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأبْلَغِ أُسْلُوبٍ، وعَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ ويُفِيدُهُ كَلامُ الفُصَحاءِ، فَلا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، لا مِن كِتابٍ ولا مِن سُنَّةٍ ولا مِن لُغَةٍ.
وأمّا ما حُكِيَ عَنْ كَعْبٍ الأحْبارِ في هَذا كَما قَدَّمْنا، فَإنْ كانَ هو سَبَبَ عُدُولِ أُولَئِكَ الصَّحابَةِ الأجِلّاءِ عَنِ الظّاهِرِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَلَيْسَ مِثْلُ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في مِثْلِ هَذا. وقَدْ نَبَّهْناكَ فِيما سَبَقَ أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ إذا كانَ مُسْتَنَدُهُ الرِّوايَةَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ كَما يَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا، فَلا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ ولا يَسُوغُ لِأجْلِهِ العُدُولُ عَنِ التَّفْسِيرِ العَرَبِيِّ، نَعَمْ إنْ صَحَّتْ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كانَتْ هي المُسْتَنَدَ لِهَذِهِ التَّفاسِيرِ المُخالِفَةِ لِلظّاهِرِ، وتَكُونُ كالزِّيادَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْمُرادِ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ فالوُقُوفُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَبْلَهم ومِمَّنْ بَعْدَهم هو المُتَعَيَّنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: هي المَساجِدُ تُكْرَمُ ويُنْهى عَنِ اللَّغْوِ فِيها، ويُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ، يُتْلى فِيها كِتابُهُ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ، وهُما أوَّلُ ما فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ فَأحَبَّ أنْ يَذْكُرَهُما ويُذَكِّرَ بِهِما عِبادَهُ.
وقَدْ ورَدَ في تَعْظِيمِ المَساجِدِ وتَنْزِيهِها عَنِ القَذَرِ واللَّغْوِ وتَنْظِيفِها وتَطْيِيبِها أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِي يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: كانُوا رِجالًا يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ يَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ بِالصَّلاةِ ألْقَوْا ما في أيْدِيهِمْ وقامُوا إلى المَسْجِدِ فَصَلَّوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ، قالَ: ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ قَوْلَهُ: كَمِشْكاةٍ لِأُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وكانُوا أتْجَرَ النّاسِ وأبْيَعَهم، ولَكِنْ لَمْ تَكُنْ تُلْهِيهِمْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قالَ: عَنْ شُهُودِ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم، ثُمَّ دَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَأى ناسًا مِن أهْلِ السُّوقِ سَمِعُوا الأذانَ فَتَرَكُوا أمْتِعَتَهم، فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدّاعِيَ يُنْفِذُهُمُ البَصَرَ، فَيَقُومُ مُنادٍ فَيُنادِي أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانُوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَقُومُ سائِرُ النّاسِ فَيُحاسَبُونَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
النور 24:37
.
(p-١٠١٤)لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْكامِ ما بَيَّنَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الكَمالِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، والِاسْمُ الشَّرِيفُ مُبْتَدَأٌ، ونُورُ السَّماواتِ والأرْضِ خَبَرُهُ، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذُو نُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ لِكَوْنِ المُرادِ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ نُورٌ لِكَمالِ جَلالِهِ وظُهُورِ عَدْلِهِ وبَسْطِهِ أحْكامَهُ، كَما يُقالُ فُلانٌ نُورُ البَلَدِ وقَمَرُ الزَّمَنِ وشَمْسُ العَصْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎فَإنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبُ إذا ظَهَرَتْ لَمْ يَبْقَ فِيهِنَّ كَوْكَبُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎هَلّا قَصَدْتَ مِنَ البِلادِ لِمُفَضَّلٍ ∗∗∗ قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوِ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها نُورُها وجِمالُها
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى ∗∗∗ نُورًا ومِن فَلَقَ الصَّباحِ عَمُودا
ومَعْنى النُّورِ في اللُّغَةِ: الضِّياءُ، وهو الَّذِي يُبَيِّنُ الأشْياءَ ويُرِيَ الأبْصارَ حَقِيقَةَ ما تَراهُ، فَيَجُوزُ إطْلاقُ النُّورِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ، ولِكَوْنِهِ أوْجَدَ الأشْياءِ المُنَوَّرَةِ وأوْجَدَ أنْوارَها ونُورَها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وأبِي جَعْفَرٍ وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ ( اللَّهُ نَوَّرَ السَّماواتِ والأرْضَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وفاعِلِهِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ والسَّماواتُ مَفْعُولُهُ فَمَعْنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ صَيَّرَهُما مُنِيرَتَيْنِ بِاسْتِقامَةِ أحْوالِ أهْلِهِما وكَمالِ تَدْبِيرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن فِيهِما، كَما يُقالُ المَلِكُ نُورُ البَلَدِ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والأزْهَرِيُّ والضَّحّاكُ والقُرَظِيُّ وابْنُ عَرَفَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرِهِمْ، ومَثَلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأنْتَ لَنا نُورٌ وغَيْثٌ وعِصْمَةٌ ∗∗∗ ونَبْتٌ لِمَن يَرْجُو نَداكَ ورِيفُ
وقالَ هِشامٌ الجَوالِيقِيُّ وطائِفَةٌ مِنَ المُجَسِّمَةِ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نُورٌ لا كالأنْوارِ، وجِسْمٌ لا كالأجْسامِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كَمِشْكاةٍ أيْ صِفَةُ نُورِهِ الفائِضِ عَنْهُ، الظّاهِرُ عَلى الأشْياءِ كَمِشْكاةِ، والمِشْكاةُ الكُوَّةُ في الحائِطِ غَيْرُ النّافِذَةِ، كَذا حَكاهُ الواحِدِيُّ عَنْ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ جُمْهُورِهِمْ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ المِشْكاةِ أنَّها أجْمَعُ لِلضَّوْءِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِن مِصْباحٍ أوْ غَيْرِهِ، وأصْلُ المِشْكاةِ الوِعاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْءُ. وقِيلَ: المِشْكاةُ عَمُودُ القِنْدِيلِ الَّذِي فِيهِ الفَتِيلَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ هي القِنْدِيلُ. والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَأنَّ عَيْنَيْهِ مِشْكاتانِ في جُحْرٍ
ثُمَّ قالَ: ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ وهو السِّراجُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: النُّورُ في الزُّجاجِ وضَوْءُ النّارِ أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ شَيْءٍ وضَوْءُهُ يَزِيدُ في الزُّجاجِ، ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّ الزُّجاجَ جِسْمٌ شَفّافٌ يَظْهَرُ فِيهِ النُّورُ أكْمَلَ ظُهُورٍ.
ثُمَّ وصَفَ الزُّجاجَةَ فَقالَ: ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أيْ مَنسُوبٌ إلى الدُّرِّ لِكَوْنِ فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ والحُسْنِ ما يُشابِهُ الدُّرَّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ الزُّهْرَةُ.
قَرَأ أبُو عُمَرَ ( دِرِّيٌّ ) بِكَسْرِ الدّالِّ.
قالَ أبُو عَمْرٍو: لَمْ أسْمَعْ أعْرابِيًّا يَقُولُ: إلّا كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دِرِّيٌّ بِكَسْرِ الدّالِّ، أخَذُوهُ مَن دَرَأتِ النُّجُومُ تَدْرَأُ إذا انْدَفَعَتْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الدّالِّ مَهْمُوزًا، وأنْكَرُهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والمُبَرِّدُ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنْ ضَمَمْتَ الدّالَّ وجَبَ أنْ لا تَهْمِزَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ.
والدَّرارِيُّ هي المَشْهُورَةُ مِنَ الكَواكِبِ كالمُشْتَرِي والزُّهْرَةِ والمِرِّيخِ وما يُضاهِيها مِنَ الثَّوابِتِ.
ثُمَّ وصَفَ المِصْباحَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ومِن هَذِهِ هي الِابْتِدائِيَّةُ أيْ: ابْتِداءُ إيقادِ المِصْباحِ مِنها، وقِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: يُوقَدُ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، والمُبارَكَةُ الكَثِيرَةُ المَنافِعِ. وقِيلَ: المُنَمّاةُ، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الثِّمارِ نَماءً، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ يَرْثِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ:
؎لَيْتَ شِعْرِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرٍو
؎ولَيْتَ يَقُولُها المَحْزُونُ ∗∗∗ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُورِكَ نَبْعُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ
قِيلَ ومِن بَرَكَتِها أنَّ أغْصانَها تُورِقُ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها، وهي إدامٌ ودِهانٌ ودِباغٌ ووَقُودٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ إلّا وفِيهِ مَنفَعَةٌ، ثُمَّ وصَفَها بِأنَّها ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذا الوَصْفِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: إنَّ الشَّرْقِيَّةَ هي الَّتِي تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا شَرَقَتْ. ولا تُصِيبُها إذا غَرَبَتْ. والغَرْبِيَّةُ هي الَّتِي تُصِيبُها إذا غَرَبَتْ، ولا تُصِيبُها إذا شَرَقَتْ.
وهَذِهِ الزَّيْتُونَةُ هي في صَحْراءَ بِحَيْثُ لا يَسْتُرُها عَنِ الشَّمْسِ شَيْءٌ لا في حالِ شُرُوقِها ولا في حالِ غُرُوبِها، وما كانَتْ مِنَ الزَّيْتُونِ هَكَذا فَثَمَرُها أجْوَدُ.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنَّها شَجَرَةٌ في دَوْحَةٍ قَدْ أحاطَتْ بِها، فَهي غَيْرُ مُنْكَشِفَةٍ مِن جِهَةِ الشَّرْقِ، ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، حَكى هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الثَّمَرَةَ الَّتِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَفْسُدُ جَناها، وذَلِكَ مُشاهَدٌ في الوُجُودِ. ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ مِن شَجَرِ الدُّنْيا، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ ولَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً وإمّا غَرْبِيَّةً.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: قَدْ أفْصَحَ القُرْآنُ بِأنَّها مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ زَيْتُونَةٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ شَجَرَةٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّها مِن شَجَرِ الشّامِ، فَإنَّ الشّامَ لا شَرْقِيٌّ ولا غَرْبِيٌّ، والشّامُ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ.
وقَدْ قُرِئَ تُوقَدُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الزُّجاجَةِ دُونَ المِصْباحِ، وبِها قَرَأ الكُوفِيُّونَ.
وقَرَأ شَيْبَةُ ونافِعٌ وأيُّوبٌ وسَلامٌ وابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ وحَفْصٌ ( يُوقَدُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً وتَخْفِيفِ القافِ وضَمِّ الدّالِّ.
وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وأبُو عُمَرَ بْنُ العَلاءِ وأبُو جَعْفَرٍ ( تَوَقَّدَ ) بِالفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ القافِ وفَتْحِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مِن تَوَقَّدَ يَتَوَقَّدُ، والضَّمِيرُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ راجِعٌ إلى المِصْباحِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهاتانِ القِراءَتانِ مُتَقارِبَتانِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا لِلْمِصْباحِ، وهو أشْبَهُ بِهَذا الوَصْفِ (p-١٠١٥)لِأنَّهُ الَّذِي يُنِيرُ ويُضِيءُ، وإنَّما الزُّجاجَةُ وِعاءٌ لَهُ.
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَقِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن مَعَهُ إلّا أنَّهُ ضَمَّ الدّالَّ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ.
ثُمَّ وصَفَ الزَّيْتُونَةَ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَمْسَسْهُ بِالفَوْقِيَّةِ؛ لِأنَّ النّارَ مُؤَنَّثَةٌ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّهُ لا يَعْرِفُ إلّا هَذِهِ القِراءَةَ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ السُّدِّيَّ رَوى عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ( يَمْسَسْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِكَوْنِ تَأْنِيثِ النّارِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.
والمَعْنى: أنَّ هَذا الزَّيْتَ في صَفائِهِ وإنارَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ أصْلًا، وارْتِفاعُ نُورٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نُورٌ، و﴿عَلى نُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِنُورٍ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، والمَعْنى: هو نُورٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ. قالَ مُجاهِدٌ: والمُرادُ النّارُ عَلى الزَّيْتِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المِصْباحُ نُورٌ، والزُّجاجَةُ نُورٌ وقالَ السُّدِّيُّ: نُورُ الإيمانِ ونُورُ القُرْآنِ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أيْ: هِدايَةً خاصَّةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالهِدايَةِ هُنا مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيْ يُبَيِّنُ الأشْياءَ بِأشْباهِها ونَظائِرِها تَقْرِيبًا لَها إلى الأفْهامِ وتَسْهِيلًا لِإدْراكِها؛ لِأنَّ إبْرازَ المَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرَهُ بِصُورَتِهِ يَزِيدُهُ وُضُوحًا وبَيانًا ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا، ظاهِرًا أوْ باطِنًا.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ بِما هو مُتَعَلِّقٌ، فَقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أيْ: كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ وهي المَساجِدُ، كَأنَّهُ قِيلَ مَثَلُ نُورِهِ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورُ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمِصْباحٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَمِعْتُ أبا العَبّاسِ يَقُولُ: هو حالٌ لِلْمِصْباحِ والزُّجاجَةِ والكَوْكَبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهي في بُيُوتٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ تُوقَدُ، أيْ تُوقَدُ في بُيُوتٍ، وقَدْ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهو يُسَبِّحُ أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ في بُيُوتٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: فِيها تَكْرِيرًا كَقَوْلِكَ، زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها.
وقِيلَ: إنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قالَ اللَّهُ: في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ.
قالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: وبِذَلِكَ جاءَتِ الأخْبارُ أنَّهُ مَن جَلَسَ في المَساجِدِ فَإنَّما يُجالِسُ رَبَّهُ.
وقَدْ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِمِشْكاةٍ أوْ مِصْباحٍ أوْ بِـ تُوقَدُ ما الوَجْهُ في تَوْحِيدِ المِصْباحِ والمِشْكاةِ وجَمْعِ البَيْتِ ؟ ولا تَكُونُ المِشْكاةُ الواحِدَةُ ولا المِصْباحُ الواحِدُ إلّا في بَيْتٍ واحِدٍ. وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا مِنَ الخِطابِ الَّذِي يُفْتَحُ أوَّلُهُ بِالتَّوْحِيدِ، ويُخْتَمُ بِالجَمْعِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ونَحْوِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى في بُيُوتٍ: في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: في كُلِّ بَيْتٍ، أوْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في البُيُوتِ، عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها المَساجِدُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما.
الثّانِي أنَّ المُرادَ بِها بُيُوتُ بَيْتِ المَقْدِسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.
الثّالِثُ أنَّها بُيُوتُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
الرّابِعُ هي البُيُوتُ كُلُّها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الخامِسُ أنَّها المَساجِدُ الأرْبَعَةُ: الكَعْبَةُ، ومَسْجِدُ قُباءٍ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ، ومَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ والباءُ مِن بَيْتٍ تُضَمُّ وتُكْسَرُ كُلُّ ذَلِكَ ثابِتٌ في اللُّغَةِ، ومَعْنى أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ: أمَرَ وقَضى، ومَعْنى تُرْفَعُ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْنى تُرْفَعُ تُعَظَّمُ ويُرْفَعُ شَأْنُها وتُطَهَّرُ مِنَ الأنْجاسِ والأقْذارِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّفْعِ هُنا مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ، ومَعْنى ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ كُلُّ ذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَّوْحِيدُ، وقِيلَ: المُرادُ تِلاوَةُ القُرْآنِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( يُسَبَّحُ ) بِفَتْحِ الباءِ المُوَحِّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ إلّا ابْنَ وثّابٍ وأبا حَيْوَةَ فَإنَّهُما قَرَآ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ أحَدَ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ، ويَكُونُ رِجالٌ مَرْفُوعًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ مَن يُسَبِّحُهُ ؟ فَقِيلَ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ.
الثّانِي أنَّ ( رِجالٌ ) مُرْتَفَعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ رِجالٌ فاعِلُ يُسَبِّحُ وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ يَكُونُ الفاعِلُ أيْضًا رِجالٌ، وإنَّما أُنِّثَ الفِعْلُ لِكَوْنِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ في بَعْضِ الأحْوالِ.
واخْتُلِفَ في هَذا التَّسْبِيحِ ما هو ؟ فالأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، قالُوا: الغُدُوُّ صَلاةُ الصُّبْحِ، والآصالُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والعِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ اسْمَ الآصالِ يَشْمَلُها، ومَعْنى بِالغُدُوِّ والآصالِ: بِالغَداةِ والعَشِيِّ وقِيلَ: صَلاةُ الصُّبْحِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هُنا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ذِكْرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ بَعْدَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ؛ لِكَوْنِهِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مَعَ وُجُودِ دَلِيلٍ عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ. وهو ما ذَكَرْناهُ.
﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرِجالٍ أيْ: لا تَشْغَلُهُمُ التِّجارَةُ والبَيْعُ عَنِ الذِّكْرِ، وخَصَّ التِّجارَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمَ ما يَشْتَغِلُ بِهِ الإنْسانُ عَنِ الذِّكْرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: التِّجارَةُ لِأهْلِ الجَلَبِ، والبَيْعُ ما باعَهُ الرَّجُلُ عَلى بَدَنِهِ، وخَصَّ قَوْمٌ التِّجارَةَ هاهُنا بِالشِّراءِ لِذِكْرِ البَيْعِ بَعْدَها، وبِمِثْلِ قَوْلِ الفَرّاءِ قالَ الواقِدِيُّ فَقالَ: التُّجّارُ هُمُ الجُلّابُ المُسافِرُونَ والباعَةُ هُمُ المُقِيمُونَ، ومَعْنى ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: هو ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ وقِيلَ: المُرادُ الأذانُ، وقِيلَ: عَنْ ذِكْرِهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى أيْ: يُوَحِّدُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ عَنِ الصَّلاةِ، ويَرُدُّهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ بَعْدَ الذِّكْرِ هُنا. والمُرادُ بِإقامِ الصَّلاةِ إقامَتُها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وحُذِفَتِ التّاءُ لِأنَّ الإضافَةَ تَقُومُ مَقامَها في ثَلاثِ كَلِماتٍ جَمَعَها الشّاعِرُ في قَوْلِهِ: (p-١٠١٦)
؎ثَلاثَةٌ تُحْذَفُ تاءاتُها ∗∗∗ مَضافَةً عِنْدَ جَمِيعِ النُّحاةِ
؎وهْيَ إذا شِئْتَ أبُو عُذْرِها ∗∗∗ ولَيْتَ شِعْرِي وإقامُ الصَّلاةِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ في الِاسْتِشْهادِ لِلْحَذْفِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا
أيْ عِدَةَ الأمْرِ، وفي هَذا البَيْتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَذْفَ مَعَ الإضافَةِ لا يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ المَواضِعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما حُذِفَتِ الهاءُ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أقَمْتَ الصَّلاةَ إقامَةً، وكانَ الأصْلُ إقْوامًا، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ ألْفًا فاجْتَمَعَتْ ألْفانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَ أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامًا فَأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ وقامَتِ الإضافَةُ هاهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ انْتَهى.
وقَدِ احْتاجَ مَن حَمَلَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ أنْ يَحْمِلَ إقامَ الصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَتِها في أوْقاتِها فِرارًا مِنَ التَّكْرارِ ولا مُلْجِئَ إلى ذَلِكَ، بَلْ يُحْمَلُ الذِّكْرُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما قَدَّمْنا.
والمُرادُ بِالزَّكاةِ المَذْكُورَةِ هي المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكاةِ طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ، إذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مالٌ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ لا ظَرْفٌ لَهُ، ثُمَّ وصَفَ هَذا اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ أيْ تَضْطَرِبُ وتَتَحَوَّلُ، قِيلَ المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ انْتِزاعُها مِن أماكِنِها إلى الحَناجِرِ فَلا تَرْجِعُ إلى أماكِنِها ولا تَخْرُجُ، والمُرادُ بِتَقَلُّبِ الأبْصارِ هو أنْ تَصِيرَ عَمْياءَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُبْصِرَةً.
وقِيلَ: المُرادُ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ أنَّها تَكُونُ مُتَقَلِّبَةٌ بَيْنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ والخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ، وأمّا تَقَلُّبُ الأبْصارِ فَهو نَظَرُها مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُونَ، وإلى أيِّ ناحِيَةٍ يَصِيرُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ تَحَوُّلُ قُلُوبِهِمْ وأبْصارِهِمْ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فَما كانَ يَراهُ في الدُّنْيا غَيًّا يَراهُ في الآخِرَةِ رُشْدًا. وقِيلَ: المُرادُ التَّقَلُّبُ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ حَسْبَما وعَدَهم مِن تَضْعِيفِ ذَلِكَ إلى عَشَرَةِ أمْثالِهِ وإلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِما في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَفَضَّلُ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ التَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ بِما فَوْقَ الجَزاءِ المَوْعُودِ بِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يُحاسِبَهُ عَلى ما أعْطاهُ، أوْ أنَّ عَطاءَهُ سُبْحانَهُ لا نِهايَةَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ فِيهِما نُجُومَهُما وشَمْسَهُما وقَمَرَهُما. وأخْرَجَ الفِرْيابِيٌّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الَّذِي أعْطاهُ المُؤْمِنُ كَمِشْكاةٍ وقالَ في تَفْسِيرِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ إنَّها الَّتِي في سَفْحِ جَبَلٍ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فَذَلِكَ مَثَلُ قَلْبِ المُؤْمِنِ نُورٌ عَلى نُورٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ( مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كَمِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هي خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مَثَلُ نُورِهِ المِشْكاةَ، قالَ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ أيْضًا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ يَقُولُ مَوْضِعُ الفَتِيلَةِ كَما يَكادُ الزَّيْتُ الصّافِي يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ النّارُ ازْدادَ ضَوْءًا عَلى ضَوْئِهِ، كَذَلِكَ يَكُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ هُدًى عَلى هُدًى ونُورًا عَلى نُورٍ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، وفِيهِ مَقالٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هو المُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ، فَقالَ: ﴿نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ فَبَدَأ بِنُورِ نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نُورَ المُؤْمِنُ، فَقالَ مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ، فَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُها ( مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ ) فَهو المُؤْمِنُ، جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ كَمِشْكاةٍ قالَ: فَصَدْرُ المُؤْمِنَ المِشْكاةُ ﴿فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ﴾ النُّورُ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ الَّذِي جُعِلَ في صَدْرِهِ ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يَقُولُ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ: أصْلُ المُبارَكِ الإخْلاصُ لِلَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتُهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ التَفَّتْ بِها الشَّجَرُ، فَهي خَضْراءُ ناعِمَةٌ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ، لا إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، فَكَذَلِكَ هَذا المُؤْمِنُ قَدْ أُجِيرَ مِن أنْ يُضِلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ: كَيْفَ يَخْلُصُ نُورُ اللَّهِ مِن دُونِ السَّماءِ ؟ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ ذَلِكَ لِنُورِهِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾» المِشْكاةُ كُوَّةُ البَيْتِ فِيها مِصْباحٌ، وهو السِّراجُ يَكُونُ في الزُّجاجَةِ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ، فَسَمّى طاعَتَهُ نُورًا، ثُمَّ سَمّاها أنْواعًا شَتّى ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: وهي وسَطُ الشَّجَرِ لا تَنالُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، وذَلِكَ أجْوَدُ الزَّيْتِ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ بِغَيْرِ نارٍ ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ إيمانَ العَبْدِ وعِلْمَهُ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ وهو مَثَلُ (p-١٠١٧)المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ قالَ: المِشْكاةُ جَوْفُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي في قَلْبِهِ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ الشَّجَرَةُ إبْراهِيمُ ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ شَمَرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: جاءَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى كَعْبٍ الأحْبارِ، فَقالَ حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَمِشْكاةٍ قالَ: المِشْكاةُ الكُوَّةُ ضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِقِمَّةٍ فِيها مِصْباحٌ، والمِصْباحُ قَلْبُهُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ صَدْرُهُ ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ شَبَّهَ صَدْرَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، ثُمَّ رَجَعَ المِصْباحُ إلى قَلْبِهِ فَقالَ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قالَ: يَكادُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُبَيِّنُ لِلنّاسِ ولَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، كَما يَكادُ الزَّيْتُ أنْ يُضِيءَ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.
وأقُولُ: إنَّ تَفْسِيرَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ بِهَذا ونَحْوِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَيْسَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ، ولا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ المَعْنى العَرَبِيِّ إلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي هي شَبِيهَةٌ بِالألْغازِ والتَّعْمِيَةِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الصَّحابَةَ ومَن وافَقَهم مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمُ اسْتَبْعَدُوا تَمْثِيلَ نُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِنُورِ المِصْباحِ في المِشْكاةِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ نُورُهُ مِثْلَ نُورٍ المِشْكاةِ كَما قَدَّمْنا عَنْهُ، ولا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِبْعادِ. فَإنّا قَدْ قَدَّمَنا في أوَّلِ البَحْثِ ما يَرْفَعُ الإشْكالَ ويُوَضِّحُ ما هو المُرادُ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأبْلَغِ أُسْلُوبٍ، وعَلى ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ ويُفِيدُهُ كَلامُ الفُصَحاءِ، فَلا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، لا مِن كِتابٍ ولا مِن سُنَّةٍ ولا مِن لُغَةٍ.
وأمّا ما حُكِيَ عَنْ كَعْبٍ الأحْبارِ في هَذا كَما قَدَّمْنا، فَإنْ كانَ هو سَبَبَ عُدُولِ أُولَئِكَ الصَّحابَةِ الأجِلّاءِ عَنِ الظّاهِرِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَلَيْسَ مِثْلُ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في مِثْلِ هَذا. وقَدْ نَبَّهْناكَ فِيما سَبَقَ أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ إذا كانَ مُسْتَنَدُهُ الرِّوايَةَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ كَما يَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا، فَلا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ ولا يَسُوغُ لِأجْلِهِ العُدُولُ عَنِ التَّفْسِيرِ العَرَبِيِّ، نَعَمْ إنْ صَحَّتْ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كانَتْ هي المُسْتَنَدَ لِهَذِهِ التَّفاسِيرِ المُخالِفَةِ لِلظّاهِرِ، وتَكُونُ كالزِّيادَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْمُرادِ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ فالوُقُوفُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَبْلَهم ومِمَّنْ بَعْدَهم هو المُتَعَيَّنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: هي المَساجِدُ تُكْرَمُ ويُنْهى عَنِ اللَّغْوِ فِيها، ويُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ، يُتْلى فِيها كِتابُهُ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ، وهُما أوَّلُ ما فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ فَأحَبَّ أنْ يَذْكُرَهُما ويُذَكِّرَ بِهِما عِبادَهُ.
وقَدْ ورَدَ في تَعْظِيمِ المَساجِدِ وتَنْزِيهِها عَنِ القَذَرِ واللَّغْوِ وتَنْظِيفِها وتَطْيِيبِها أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِي يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: كانُوا رِجالًا يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ يَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ بِالصَّلاةِ ألْقَوْا ما في أيْدِيهِمْ وقامُوا إلى المَسْجِدِ فَصَلَّوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ، قالَ: ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ قَوْلَهُ: كَمِشْكاةٍ لِأُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وكانُوا أتْجَرَ النّاسِ وأبْيَعَهم، ولَكِنْ لَمْ تَكُنْ تُلْهِيهِمْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قالَ: عَنْ شُهُودِ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم، ثُمَّ دَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ رَأى ناسًا مِن أهْلِ السُّوقِ سَمِعُوا الأذانَ فَتَرَكُوا أمْتِعَتَهم، فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في الصَّلاةِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ النّاسَ في صَعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدّاعِيَ يُنْفِذُهُمُ البَصَرَ، فَيَقُومُ مُنادٍ فَيُنادِي أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانُوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَقُومُ سائِرُ النّاسِ فَيُحاسَبُونَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.