Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الشعراء 26:1 – الشعراء 26:23
المحتويات
الشعراء 26:1
.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ إتْيانِهِمْ بِالطّاعاتِ شَرَعَ في بَيانِ اجْتِنابِهِمْ لِلْمَعاصِي فَقالَ: والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَبًّا مِنَ الأرْبابِ.
والمَعْنى: لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بَلْ يُوَحِّدُونَهُ ويُخْلِصُونَ لَهُ العِبادَةَ والدَّعْوَةَ ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها إلّا بِالحَقِّ أيْ بِما يَحِقُّ أنْ تُقْتَلَ بِهِ النُّفُوسُ مِن كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ أيْ يَسْتَحِلُّونَ الفُرُوجَ المُحَرَّمَةَ بِغَيْرِ نِكاحٍ، ولا مِلْكِ يَمِينٍ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ يَلْقَ في الآخِرَةِ أثامًا والأثامُ في كَلامِ العَرَبِ: العِقابُ. قالَ الفَرّاءُ: آثَمَهُ اللَّهُ يُؤْثِمُهُ أثامًا وآثامًا أيْ: جازاهُ جَزاءَ الإثْمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إنَّ ( أثامًا ) وادٍ في جَهَنَّمَ جَعَلَهُ اللَّهُ عِقابًا لِلْكَفَرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: جَبَلٌ فِيها. وقُرِئَ ( يُلَقَّ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ القافِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والأثامُ والإثْمُ واحِدٌ، والمُرادُ هُنا جَزاءُ الآثامِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ الشَّيْءِ عَلى جَزائِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( يَلْقَ أيّامًا ) جَمْعُ يَوْمٍ: يَعْنِي شَدائِدَ، والعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِالأيّامِ، وما أظُنُّ هَذِهِ القِراءَةَ تَصِحُّ عَنْهُ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُضاعَفْ ويَخْلُدْ بِالجَزْمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( يُضَعَّفْ ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وطَرْحِ الألْفِ والجَزْمِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( نُضَعِّفُ ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ والجَزْمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( وتَخْلُدْ ) بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْكافِرِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ ( ويُخْلَدْ ) بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ اللّامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهي غَلَطٌ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، ووَجْهُ الجَزْمِ في ( يُضاعَفْ ) أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( يَلْقَ ) لِاتِّحادِهِما في المَعْنى، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ عَلَيَّ اللَّهَ أنْ تُبايِعا تُؤْخَذْ كَرْهًا أوْ تَجِئْ طائِعا
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: يَخْلُدْ فِيهِ راجِعٌ إلى العَذابِ المُضاعَفِ أيْ: يَخْلُدْ في العَذابِ المُضاعَفِ مُهانًا ذَلِيلًا حَقِيرًا.
﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ قِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَظْهَرُ الِاتِّصالُ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلا يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ، ولا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ التَّضْعِيفِ انْتِفاءُ العَذابِ غَيْرِ المُضَعَّفِ.
قالَ: والأوْلى عِنْدِي أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ: لَكِنْ مَن تابَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عامٌّ في الكافِرِ والزّانِي.
واخْتَلَفُوا في القاتِلِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في النِّساءِ والمائِدَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ إلى المَذْكُورِينَ سابِقًا، ومَعْنى تَبْدِيلِ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ أنَّهُ يَمْحُو عَنْهُمُ المَعاصِيَ ويُثْبِتُ لَهم مَكانَها طاعاتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في ذَلِكَ أنَّهُ يُكْتَبَ مَوْضِعَ كافِرٍ مُؤْمِنٌ، ومَوْضِعَ عاصٍ مُطِيعٌ. قالَ الحَسَنُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما التَّبْدِيلُ في الدُّنْيا يُبَدِّلُ اللَّهُ لَهم إيمانًا مَكانَ الشِّرْكِ، وإخْلاصًا مِنَ الشَّكِّ، وإحْصانًا مِنَ الفُجُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ، ولَكِنْ يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئَةِ التَّوْبَةَ والحَسَنَةَ مَعَ التَّوْبَةِ.
وقِيلَ: إنَّ السَّيِّئاتِ تُبَدَّلُ بِحَسَناتٍ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهَمْ.
وقِيلَ: التَّبْدِيلُ عِبارَةٌ عَنِ الغُفْرانِ أيْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم تِلْكَ السَّيِّئاتِ، لا أنْ يُبَدِّلَها حَسَناتٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّبْدِيلِ: أنْ يُوَفِّقَهُ لِأضْدادِ ما سَلَفَ مِنهُ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ التَّبْدِيلِ.
﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ أيْ: مِن تابَ عَمّا اقْتَرَفَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَتُوبُ بِذَلِكَ إلى اللَّهِ مَتابًا أيْ: يَرْجِعُ إلَيْهِ رُجُوعًا صَحِيحًا قَوِيًّا.
قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الأُولى فِيمَن تابَ مِنَ المُشْرِكِينَ، ولِهَذا قالَ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ مَن تابَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأتْبَعُ تَوْبَتَهُ عَمَلًا صالِحًا، فَلَهُ حُكْمُ التّائِبِينَ أيْضًا.
وقِيلَ: أيْ: (p-١٠٥٠)مَن تابَ بِلِسانِهِ ولَمْ يُحَقِّقِ التَّوْبَةَ بِفِعْلِهِ، فَلَيْسَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ نافِعَةً، بَلْ مَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَحَقَّقَ تَوْبَتَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهو الَّذِي تابَ إلى اللَّهِ مَتابًا أيْ: تابَ حَقَّ التَّوْبَةِ، وهي النَّصُوحُ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ، ومَعْنى الآيَةِ: مَن أرادَ التَّوْبَةَ وعَزَمَ عَلَيْها فَلْيَتُبْ إلى اللَّهِ، فالخَبَرُ في مَعْنى الأمْرِ كَذا قِيلَ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ والجَزاءُ فَإنَّهُ لا يُقالُ مِمَّنْ تابَ فَإنَّهُ يَتُوبُ، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ التّائِبِينَ العامِلِينَ لِلصّالِحاتِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أيْ لا يَشْهَدُونَ الشَّهادَةَ الكاذِبَةَ، أوْ لا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، والزُّورَ: هو الكَذِبُ والباطِلُ ولا يُشاهِدُونَهُ. وإلى الثّانِي ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: الزُّورُ في اللُّغَةِ الكَذِبُ ولا كَذِبَ فَوْقَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الزُّورَ هاهُنا بِمَعْنى الشِّرْكِ.
والحاصِلُ أنَّ ( يَشْهَدُونَ ) إنْ كانَ مِنَ الشَّهادَةِ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: لا يَشْهَدُونَ شَهادَةَ الزُّورِ وإنْ كانَ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقالَ قَتادَةُ: لا يُساعِدُونَ أهْلَ الباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ لا يَحْضُرُونَ اللَّهْوَ والغِناءَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الكَذِبَ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا والأوْلى عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الزُّورِ، بَلِ المُرادُ الَّذِينَ لا يَحْضُرُونَ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزُّورِ كائِنًا مَن كانَ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ أيْ: مُعْرِضِينَ عَنْهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ، واللَّغْوُ كُلُّ ساقِطٍ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
قالَ الحَسَنُ: اللَّغْوُ المَعاصِي كُلُّها، وقِيلَ: المُرادُ مَرُّوا بِذَوِي اللَّغْوِ، يُقالُ: فُلانٌ يُكْرَمُ عَمّا يَشِينُهُ، أيْ: يَتَنَزَّهُ ويُكْرِمُ نَفْسَهُ عَنِ الدُّخُولِ في اللَّغْوِ والِاخْتِلاطِ بِأهْلِهِ.
﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، أوْ بِما فِيهِ مَوْعِظَةٌ وعِبْرَةٌ ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ أيْ: لَمْ يَقَعُوا عَلَيْها حالَ كَوْنِهِمْ صُمًّا وعُمْيانًا، ولَكِنَّهم أكَبُّوا عَلَيْها سامِعِينَ مُبْصِرِينَ وانْتَفَعُوا بِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى لَمْ يَتَغافَلُوا عَنْها، كَأنَّهم صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوها، وعُمْيٌ لَمْ يُبْصِرُوها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَيْسَ ثَمَّ خُرُورٌ، بَلْ كَما يُقالُ قَعَدَ يَبْكِي، وإنْ كانَ غَيْرَ قاعِدٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَأنَّ المُسْتَمِعَ لِلذِّكْرِ قائِمٌ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ خُرُورًا، وهو السُّقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ.
قِيلَ المَعْنى: إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُ اللَّهِ وجِلَتْ قُلُوبُهم، فَخَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا، ولَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: لَمْ يَقْعُدُوا عَلى حالِهِمُ الأوَّلِ كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا.
قالَ في الكَشّافِ: لَيْسَ بِنَفْيٍ لِلْخُرُورِ، وإنَّما هو إثْباتٌ لَهُ ونَفْيٌ لِلصَّمَمِ والعَمى، وأرادَ أنَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ لا إلى المُقَيَّدِ.
﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ ( مِنِ ) ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ بَيانِيَّةٌ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ﴿وذُرِّيّاتِنا﴾ بِالجَمْعِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ وعِيسى ( وذُرِّيَّتِنا ) بِالإفْرادِ، والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الجَمْعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] وتَقَعُ عَلى الفَرْدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وانْتِصابُ قُرَّةَ أعْيُنٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، يُقالُ: قَرَّتْ عَيْنُهُ قُرَّةً.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ أيْ: صادَفَ فُؤادُكَ ما يُحِبُّهُ.
وقالَ المُفَضَّلُ: في قُرَّةِ العَيْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها بَرْدُ دَمْعِها، لِأنَّهُ دَلِيلُ السُّرُورِ والضَّحِكِ، كَما أنَّ حَرَّهُ دَلِيلُ الحُزْنِ والغَمِّ.
والثّانِي نَوْمُها، لِأنَّهُ يَكُونُ مَعَ فَراغِ الخاطِرِ وذَهابِ الحُزْنِ.
والثّالِثُ حُصُولُ الرِّضى ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ أيْ: قُدْوَةً يُقْتَدى بِنا في الخَيْرِ، وإنَّما قالَ: إمامًا، ولَمْ يَقُلْ أئِمَّةً، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] قالَ الفَرّاءُ: قالَ إمامًا، ولَمْ يَقُلْ أئِمَّةً، كَما قالَ لِلِاثْنَيْنِ ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] يَعْنِي أنَّهُ مِنَ الواحِدِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإمامُ جَمْعُ أمٍّ مِن أمَّ يَأمُّ، جَمْعٌ عَلى فِعالٍ، نَحْوَ صاحِبٍ وصِحابٍ، وقائِمٍ وقِيامٍ.
وقِيلَ: إنَّ إمامًا مَصْدَرٌ، يُقالُ أمَّ فُلانٌ فُلانًا إمامًا، مِثْلَ الصِّيامِ والقِيامِ.
وقِيلَ: أرادُوا: اجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا، وقِيلَ: أرادُوا اجْعَلْنا إمامًا واحِدًا لِاتِّحادِ كَلِمَتِنا، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، وأنَّ المَعْنى: واجْعَلِ المُتَّقِينَ لَنا إمامًا، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ صادِرٌ عَنْهم بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ، وأنَّ عِبارَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ الدُّعاءِ: واجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إمامًا، ولَكِنَّها حُكِيَتْ عِباراتُ الكُلِّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِقَصْدِ الإيجازِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وفي هَذا إبْقاءُ ( إمامًا ) عَلى حالِهِ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا عاذِلاتِي لا تَزِدْنَ مَلامَتِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَيْسَ لِي بِأمِينِ
أيْ: أُمَناءَ. قالَ القَفّالُ: وعِنْدِي أنَّ الإمامَ إذا ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبُ الِاسْمِ وُحِّدَ كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْنا حُجَّةً لِلْمُتَّقِينَ، ومِثْلُهُ البَيِّنَةُ: يُقالُ هَؤُلاءِ بَيِّنَةُ فُلانٍ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قِيلَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرِّياسَةَ الدِّينِيَّةَ مِمّا يَجِبُ أنْ تُطْلَبَ ويُرَغَّبَ فِيها، والأقْرَبُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ أنْ يُبَلِّغَهم في الطّاعَةِ المَبْلَغَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِمْ ويُقْتَدى بِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ إلى المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمَلُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وقِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والغُرْفَةُ: الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ، وهي أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ وأفْضَلُها، وهي في الأصْلِ لِكُلِّ بِناءٍ مُرْتَفِعٍ، والجَمْعُ غُرَفٌ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الغُرْفَةُ الجَنَّةُ، والباءُ في ﴿بِما صَبَرُوا﴾ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( يَلْقُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ يُلْقِي بِالسَّلامِ والتَّحِيَّةِ والخَيْرِ، وقَلَّ ما يَقُولُونَ يُلْقِي. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا، ويُرْسِلُ إلَيْهِمُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِالسَّلامِ، قِيلَ التَّحِيَّةُ البَقاءُ الدّائِمُ والمُلْكُ العَظِيمُ، وقِيلَ: هي (p-١٠٥١)بِمَعْنى السَّلامِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تُحَيِّيهِمْ وتُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّحِيَّةَ والسَّلامَ هي مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقِيلَ: مَعْنى التَّحِيَّةِ: الدُّعاءُ لَهم بِطُولِ الحَياةِ.
ومَعْنى السَّلامِ: الدُّعاءُ لَهم بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ.
وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ أيْ: مُقِيمِينَ فِيها مِن غَيْرِ مَوْتٍ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ حَسُنَتِ الغُرْفَةُ مُسْتَقَرًّا يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، ومُقامًا يُقِيمُونَ بِهِ، وهَذا في مُقابِلِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .
﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم﴾ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ طاعَةِ الكُلِّ، وإنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِالتَّكْلِيفِ، يُقالُ ما عَبَأْتُ بِفُلانٍ أيْ: ما بالَيْتُ بِهِ ولا لَهُ عِنْدِي قَدْرٌ، وأصْلُ يَعْبَأُ مِنَ العِبْءِ، وهو الثِّقَلُ.
قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، ويَدَّعِي أنَّ وُجُودَهُ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي﴾ يُرِيدُ: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ. والعِبْءُ: الثِّقَلُ، و( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ أوْ نافِيَةٌ وصَرَّحَ الفَرّاءُ: بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ. قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: وحَقِيقَةُ القَوْلِ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ ( ما ) نَصْبٌ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم أيْ: أيُّ مُبالاةٍ يُبالِي بِكم ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ لِتَعْبُدُوهُ، وعَلى هَذا فالمَصْدَرُ الَّذِي هو الدُّعاءُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا دُعاؤُكم لَمْ يَعْبَأْ بِكم، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ، ثُمَّ خَصَّ الكُفّارَ مِنهم فَقالَ ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ ( فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ ) وفي هَذِهِ القِراءَةِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ النّاسِ.
وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ: لَوْلا اسْتِغاثَتُكم إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: ما يَعْبَأُ بِكم أيْ: بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِكم لَوْلا دُعاؤُكُمُ الآلِهَةَ مَعَهُ.
وحَكى ابْنُ جِنِّي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ كَقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والنَّحّاسُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ كَقِراءَتِهِما، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ القُتَيْبِيُّ والفارِسِيُّ قالا: والأصْلُ لَوْلا دُعاؤُكُمُ الآلِهَةَ مَعَهُ.
وحَكى ابْنُ جِنِّي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ كَقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والنَّحّاسُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ كَقِراءَتِهِما، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الدُّعاءَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ: لَوْلا دُعاؤُكم لَمْ يُعَذِّبْكم، ويَكُونُ مَعْنى فَقَدْ كَذَبْتُمْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِما دُعِيتُمْ إلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِالتَّوْحِيدِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ أيْ فَسَوْفَ يَكُونُ جَزاءُ التَّكْذِيبِ لازِمًا لَكم، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللِّزامِ هُنا: ما لَزِمَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو عَذابُ الآخِرَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( لِزامًا ) فَيْصَلًا أيْ: فَسَوْفَ يَكُونُ فَيْصَلًا بَيْنَكم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكم لِزامًا يَلْزَمُكم فَلا تُعْطَوْنَ التَّوْبَةَ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ اللّامِ مِن ( لِزامًا )، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِصَخْرٍ:
؎فَإمّا يَنْجُوا مِن خَسْفِ أرْضٍ ∗∗∗ فَقَدْ لَقِيا حُتُوفَهُما لِزامًا
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لِزامًا: عَذابًا دائِمًا وهَلاكًا مُفْنِيًا يُلْحِقُ بَعْضَكم بِبَعْضٍ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَفاجَأهُ بِعادِيَةٍ لِزامٍ ∗∗∗ كَما يَتَفَجَّرُ الحَوْضُ اللَّفِيفُ
يَعْنِي ( بِاللِّزامِ ) الَّذِي يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبِاللَّفِيفِ المُتَساقِطَ مِنَ الحِجارَةِ المُنْهَدِمَةِ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا السِّماكِ يَقْرَأُ ( لِزامًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ: يَكُونُ مَصْدَرَ ( لَزِمَ )، والكَسْرُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ .
وأخْرَجا وغَيْرُهُما أيْضًا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾» [الزمر: ٥٣] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما مِنّا أحَدٌ إلّا أشْرَكَ وقَتَلَ وزَنى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أصابُوا هَذا في الشِّرْكِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالكُفْرِ الإسْلامَ، وبِالمَعْصِيَةِ الطّاعَةَ، وبِالإنْكارِ المَعْرِفَةَ، وبِالجَهالَةِ العِلْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سِنِينَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ثُمَّ نَزَلَتْ إلّا مَن تابَ وآمَنَ فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِها، وفَرَحَهُ بِـ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِ إيمانِهِمْ عَلى السَّيِّئاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهم إلى الحَسَناتِ، فَأبْدَلَهم مَكانَ السَّيِّئاتِ الحَسَناتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يُؤْتى الرَّجُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُها ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا كَذا، وهو يُقِرُّ، لَيْسَ يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكَبائِرِ أنْ تَجِيءَ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَها حَسَنَةً» والأحادِيثُ في تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وتَبْدِيلِها بِالحَسَناتِ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (p-١٠٥٢)قالَ: إنَّ الزُّورَ كانَ صَنَمًا بِالمَدِينَةِ يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ كُلَّ سَبْعَةِ أيّامٍ، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا مَرُّوا بِهِ مَرُّوا كِرامًا لا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مَن يَعْمَلُ بِالطّاعَةِ فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا ولا تَجْعَلْنا أئِمَّةَ ضَلالَةٍ، لِأنَّهُ قالَ لِأهْلِ السَّعادَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣] ولِأهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ قالَ: الغُرْفَةُ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، أوْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، أوْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ، لَيْسَ فِيها فَصْمٌ ولا وصْمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم﴾ يَقُولُ: لَوْلا إيمانُكم، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهُ بِهِمْ إذا لَمْ يَخْلُقْهم مُؤْمِنِينَ.
ولَوْ كانَتْ لَهُ بِهِمْ حاجَةٌ لَحَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ كَما حَبَّبَهُ إلى المُؤْمِنِينَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: مَوْتًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ ) وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ والقَمَرُ واللُّزُومُ والبَطْشَةُ واللِّزامُ.
الشعراء 26:2
.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ إتْيانِهِمْ بِالطّاعاتِ شَرَعَ في بَيانِ اجْتِنابِهِمْ لِلْمَعاصِي فَقالَ: والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَبًّا مِنَ الأرْبابِ.
والمَعْنى: لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، بَلْ يُوَحِّدُونَهُ ويُخْلِصُونَ لَهُ العِبادَةَ والدَّعْوَةَ ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها إلّا بِالحَقِّ أيْ بِما يَحِقُّ أنْ تُقْتَلَ بِهِ النُّفُوسُ مِن كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ أيْ يَسْتَحِلُّونَ الفُرُوجَ المُحَرَّمَةَ بِغَيْرِ نِكاحٍ، ولا مِلْكِ يَمِينٍ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ يَلْقَ في الآخِرَةِ أثامًا والأثامُ في كَلامِ العَرَبِ: العِقابُ. قالَ الفَرّاءُ: آثَمَهُ اللَّهُ يُؤْثِمُهُ أثامًا وآثامًا أيْ: جازاهُ جَزاءَ الإثْمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إنَّ ( أثامًا ) وادٍ في جَهَنَّمَ جَعَلَهُ اللَّهُ عِقابًا لِلْكَفَرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: جَبَلٌ فِيها. وقُرِئَ ( يُلَقَّ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ القافِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والأثامُ والإثْمُ واحِدٌ، والمُرادُ هُنا جَزاءُ الآثامِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ الشَّيْءِ عَلى جَزائِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( يَلْقَ أيّامًا ) جَمْعُ يَوْمٍ: يَعْنِي شَدائِدَ، والعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِالأيّامِ، وما أظُنُّ هَذِهِ القِراءَةَ تَصِحُّ عَنْهُ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُضاعَفْ ويَخْلُدْ بِالجَزْمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( يُضَعَّفْ ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وطَرْحِ الألْفِ والجَزْمِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( نُضَعِّفُ ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ والجَزْمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( وتَخْلُدْ ) بِالفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلْكافِرِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ ( ويُخْلَدْ ) بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ اللّامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وهي غَلَطٌ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، ووَجْهُ الجَزْمِ في ( يُضاعَفْ ) أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( يَلْقَ ) لِاتِّحادِهِما في المَعْنى، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ عَلَيَّ اللَّهَ أنْ تُبايِعا تُؤْخَذْ كَرْهًا أوْ تَجِئْ طائِعا
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: يَخْلُدْ فِيهِ راجِعٌ إلى العَذابِ المُضاعَفِ أيْ: يَخْلُدْ في العَذابِ المُضاعَفِ مُهانًا ذَلِيلًا حَقِيرًا.
﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ قِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ.
قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَظْهَرُ الِاتِّصالُ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلا يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ، ولا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ التَّضْعِيفِ انْتِفاءُ العَذابِ غَيْرِ المُضَعَّفِ.
قالَ: والأوْلى عِنْدِي أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ: لَكِنْ مَن تابَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عامٌّ في الكافِرِ والزّانِي.
واخْتَلَفُوا في القاتِلِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في النِّساءِ والمائِدَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ إلى المَذْكُورِينَ سابِقًا، ومَعْنى تَبْدِيلِ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ أنَّهُ يَمْحُو عَنْهُمُ المَعاصِيَ ويُثْبِتُ لَهم مَكانَها طاعاتٍ.
قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في ذَلِكَ أنَّهُ يُكْتَبَ مَوْضِعَ كافِرٍ مُؤْمِنٌ، ومَوْضِعَ عاصٍ مُطِيعٌ. قالَ الحَسَنُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما التَّبْدِيلُ في الدُّنْيا يُبَدِّلُ اللَّهُ لَهم إيمانًا مَكانَ الشِّرْكِ، وإخْلاصًا مِنَ الشَّكِّ، وإحْصانًا مِنَ الفُجُورِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ، ولَكِنْ يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئَةِ التَّوْبَةَ والحَسَنَةَ مَعَ التَّوْبَةِ.
وقِيلَ: إنَّ السَّيِّئاتِ تُبَدَّلُ بِحَسَناتٍ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهَمْ.
وقِيلَ: التَّبْدِيلُ عِبارَةٌ عَنِ الغُفْرانِ أيْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم تِلْكَ السَّيِّئاتِ، لا أنْ يُبَدِّلَها حَسَناتٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّبْدِيلِ: أنْ يُوَفِّقَهُ لِأضْدادِ ما سَلَفَ مِنهُ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ التَّبْدِيلِ.
﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ أيْ: مِن تابَ عَمّا اقْتَرَفَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَتُوبُ بِذَلِكَ إلى اللَّهِ مَتابًا أيْ: يَرْجِعُ إلَيْهِ رُجُوعًا صَحِيحًا قَوِيًّا.
قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الأُولى فِيمَن تابَ مِنَ المُشْرِكِينَ، ولِهَذا قالَ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ مَن تابَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأتْبَعُ تَوْبَتَهُ عَمَلًا صالِحًا، فَلَهُ حُكْمُ التّائِبِينَ أيْضًا.
وقِيلَ: أيْ: (p-١٠٥٠)مَن تابَ بِلِسانِهِ ولَمْ يُحَقِّقِ التَّوْبَةَ بِفِعْلِهِ، فَلَيْسَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ نافِعَةً، بَلْ مَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَحَقَّقَ تَوْبَتَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهو الَّذِي تابَ إلى اللَّهِ مَتابًا أيْ: تابَ حَقَّ التَّوْبَةِ، وهي النَّصُوحُ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ، ومَعْنى الآيَةِ: مَن أرادَ التَّوْبَةَ وعَزَمَ عَلَيْها فَلْيَتُبْ إلى اللَّهِ، فالخَبَرُ في مَعْنى الأمْرِ كَذا قِيلَ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ والجَزاءُ فَإنَّهُ لا يُقالُ مِمَّنْ تابَ فَإنَّهُ يَتُوبُ، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ التّائِبِينَ العامِلِينَ لِلصّالِحاتِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أيْ لا يَشْهَدُونَ الشَّهادَةَ الكاذِبَةَ، أوْ لا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، والزُّورَ: هو الكَذِبُ والباطِلُ ولا يُشاهِدُونَهُ. وإلى الثّانِي ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: الزُّورُ في اللُّغَةِ الكَذِبُ ولا كَذِبَ فَوْقَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الزُّورَ هاهُنا بِمَعْنى الشِّرْكِ.
والحاصِلُ أنَّ ( يَشْهَدُونَ ) إنْ كانَ مِنَ الشَّهادَةِ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: لا يَشْهَدُونَ شَهادَةَ الزُّورِ وإنْ كانَ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقالَ قَتادَةُ: لا يُساعِدُونَ أهْلَ الباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ لا يَحْضُرُونَ اللَّهْوَ والغِناءَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الكَذِبَ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا والأوْلى عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الزُّورِ، بَلِ المُرادُ الَّذِينَ لا يَحْضُرُونَ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزُّورِ كائِنًا مَن كانَ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ أيْ: مُعْرِضِينَ عَنْهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ، واللَّغْوُ كُلُّ ساقِطٍ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
قالَ الحَسَنُ: اللَّغْوُ المَعاصِي كُلُّها، وقِيلَ: المُرادُ مَرُّوا بِذَوِي اللَّغْوِ، يُقالُ: فُلانٌ يُكْرَمُ عَمّا يَشِينُهُ، أيْ: يَتَنَزَّهُ ويُكْرِمُ نَفْسَهُ عَنِ الدُّخُولِ في اللَّغْوِ والِاخْتِلاطِ بِأهْلِهِ.
﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، أوْ بِما فِيهِ مَوْعِظَةٌ وعِبْرَةٌ ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ أيْ: لَمْ يَقَعُوا عَلَيْها حالَ كَوْنِهِمْ صُمًّا وعُمْيانًا، ولَكِنَّهم أكَبُّوا عَلَيْها سامِعِينَ مُبْصِرِينَ وانْتَفَعُوا بِها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى لَمْ يَتَغافَلُوا عَنْها، كَأنَّهم صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوها، وعُمْيٌ لَمْ يُبْصِرُوها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَيْسَ ثَمَّ خُرُورٌ، بَلْ كَما يُقالُ قَعَدَ يَبْكِي، وإنْ كانَ غَيْرَ قاعِدٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَأنَّ المُسْتَمِعَ لِلذِّكْرِ قائِمٌ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ خُرُورًا، وهو السُّقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ.
قِيلَ المَعْنى: إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُ اللَّهِ وجِلَتْ قُلُوبُهم، فَخَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا، ولَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: لَمْ يَقْعُدُوا عَلى حالِهِمُ الأوَّلِ كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا.
قالَ في الكَشّافِ: لَيْسَ بِنَفْيٍ لِلْخُرُورِ، وإنَّما هو إثْباتٌ لَهُ ونَفْيٌ لِلصَّمَمِ والعَمى، وأرادَ أنَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ لا إلى المُقَيَّدِ.
﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ ( مِنِ ) ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ بَيانِيَّةٌ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ﴿وذُرِّيّاتِنا﴾ بِالجَمْعِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ وعِيسى ( وذُرِّيَّتِنا ) بِالإفْرادِ، والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الجَمْعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] وتَقَعُ عَلى الفَرْدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وانْتِصابُ قُرَّةَ أعْيُنٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، يُقالُ: قَرَّتْ عَيْنُهُ قُرَّةً.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ أيْ: صادَفَ فُؤادُكَ ما يُحِبُّهُ.
وقالَ المُفَضَّلُ: في قُرَّةِ العَيْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها بَرْدُ دَمْعِها، لِأنَّهُ دَلِيلُ السُّرُورِ والضَّحِكِ، كَما أنَّ حَرَّهُ دَلِيلُ الحُزْنِ والغَمِّ.
والثّانِي نَوْمُها، لِأنَّهُ يَكُونُ مَعَ فَراغِ الخاطِرِ وذَهابِ الحُزْنِ.
والثّالِثُ حُصُولُ الرِّضى ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ أيْ: قُدْوَةً يُقْتَدى بِنا في الخَيْرِ، وإنَّما قالَ: إمامًا، ولَمْ يَقُلْ أئِمَّةً، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ: كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] قالَ الفَرّاءُ: قالَ إمامًا، ولَمْ يَقُلْ أئِمَّةً، كَما قالَ لِلِاثْنَيْنِ ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] يَعْنِي أنَّهُ مِنَ الواحِدِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإمامُ جَمْعُ أمٍّ مِن أمَّ يَأمُّ، جَمْعٌ عَلى فِعالٍ، نَحْوَ صاحِبٍ وصِحابٍ، وقائِمٍ وقِيامٍ.
وقِيلَ: إنَّ إمامًا مَصْدَرٌ، يُقالُ أمَّ فُلانٌ فُلانًا إمامًا، مِثْلَ الصِّيامِ والقِيامِ.
وقِيلَ: أرادُوا: اجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا، وقِيلَ: أرادُوا اجْعَلْنا إمامًا واحِدًا لِاتِّحادِ كَلِمَتِنا، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الكَلامِ المَقْلُوبِ، وأنَّ المَعْنى: واجْعَلِ المُتَّقِينَ لَنا إمامًا، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ صادِرٌ عَنْهم بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ، وأنَّ عِبارَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ الدُّعاءِ: واجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إمامًا، ولَكِنَّها حُكِيَتْ عِباراتُ الكُلِّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِقَصْدِ الإيجازِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وفي هَذا إبْقاءُ ( إمامًا ) عَلى حالِهِ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا عاذِلاتِي لا تَزِدْنَ مَلامَتِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَيْسَ لِي بِأمِينِ
أيْ: أُمَناءَ. قالَ القَفّالُ: وعِنْدِي أنَّ الإمامَ إذا ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبُ الِاسْمِ وُحِّدَ كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْنا حُجَّةً لِلْمُتَّقِينَ، ومِثْلُهُ البَيِّنَةُ: يُقالُ هَؤُلاءِ بَيِّنَةُ فُلانٍ. قالَ النَّيْسابُورِيُّ: قِيلَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرِّياسَةَ الدِّينِيَّةَ مِمّا يَجِبُ أنْ تُطْلَبَ ويُرَغَّبَ فِيها، والأقْرَبُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ أنْ يُبَلِّغَهم في الطّاعَةِ المَبْلَغَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِمْ ويُقْتَدى بِهِمْ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ إلى المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمَلُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وقِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والغُرْفَةُ: الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ، وهي أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ وأفْضَلُها، وهي في الأصْلِ لِكُلِّ بِناءٍ مُرْتَفِعٍ، والجَمْعُ غُرَفٌ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الغُرْفَةُ الجَنَّةُ، والباءُ في ﴿بِما صَبَرُوا﴾ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى مَشاقِّ التَّكْلِيفِ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ( يَلْقُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: فُلانٌ يُلْقِي بِالسَّلامِ والتَّحِيَّةِ والخَيْرِ، وقَلَّ ما يَقُولُونَ يُلْقِي. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا، ويُرْسِلُ إلَيْهِمُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِالسَّلامِ، قِيلَ التَّحِيَّةُ البَقاءُ الدّائِمُ والمُلْكُ العَظِيمُ، وقِيلَ: هي (p-١٠٥١)بِمَعْنى السَّلامِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تُحَيِّيهِمْ وتُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّحِيَّةَ والسَّلامَ هي مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقِيلَ: مَعْنى التَّحِيَّةِ: الدُّعاءُ لَهم بِطُولِ الحَياةِ.
ومَعْنى السَّلامِ: الدُّعاءُ لَهم بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ.
وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ أيْ: مُقِيمِينَ فِيها مِن غَيْرِ مَوْتٍ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ حَسُنَتِ الغُرْفَةُ مُسْتَقَرًّا يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، ومُقامًا يُقِيمُونَ بِهِ، وهَذا في مُقابِلِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .
﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم﴾ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ طاعَةِ الكُلِّ، وإنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِالتَّكْلِيفِ، يُقالُ ما عَبَأْتُ بِفُلانٍ أيْ: ما بالَيْتُ بِهِ ولا لَهُ عِنْدِي قَدْرٌ، وأصْلُ يَعْبَأُ مِنَ العِبْءِ، وهو الثِّقَلُ.
قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، ويَدَّعِي أنَّ وُجُودَهُ وعَدَمَهُ سَواءٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي﴾ يُرِيدُ: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ. والعِبْءُ: الثِّقَلُ، و( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ أوْ نافِيَةٌ وصَرَّحَ الفَرّاءُ: بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ. قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: وحَقِيقَةُ القَوْلِ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ ( ما ) نَصْبٌ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم أيْ: أيُّ مُبالاةٍ يُبالِي بِكم ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أيْ: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ لِتَعْبُدُوهُ، وعَلى هَذا فالمَصْدَرُ الَّذِي هو الدُّعاءُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا دُعاؤُكم لَمْ يَعْبَأْ بِكم، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ، ثُمَّ خَصَّ الكُفّارَ مِنهم فَقالَ ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ ( فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ ) وفي هَذِهِ القِراءَةِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ النّاسِ.
وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ: لَوْلا اسْتِغاثَتُكم إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: ما يَعْبَأُ بِكم أيْ: بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِكم لَوْلا دُعاؤُكُمُ الآلِهَةَ مَعَهُ.
وحَكى ابْنُ جِنِّي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ كَقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والنَّحّاسُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ كَقِراءَتِهِما، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ القُتَيْبِيُّ والفارِسِيُّ قالا: والأصْلُ لَوْلا دُعاؤُكُمُ الآلِهَةَ مَعَهُ.
وحَكى ابْنُ جِنِّي أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ كَقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والنَّحّاسُ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ كَقِراءَتِهِما، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الدُّعاءَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ: لَوْلا دُعاؤُكم لَمْ يُعَذِّبْكم، ويَكُونُ مَعْنى فَقَدْ كَذَبْتُمْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِما دُعِيتُمْ إلَيْهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بِالتَّوْحِيدِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ أيْ فَسَوْفَ يَكُونُ جَزاءُ التَّكْذِيبِ لازِمًا لَكم، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللِّزامِ هُنا: ما لَزِمَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو عَذابُ الآخِرَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( لِزامًا ) فَيْصَلًا أيْ: فَسَوْفَ يَكُونُ فَيْصَلًا بَيْنَكم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكم لِزامًا يَلْزَمُكم فَلا تُعْطَوْنَ التَّوْبَةَ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ اللّامِ مِن ( لِزامًا )، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِصَخْرٍ:
؎فَإمّا يَنْجُوا مِن خَسْفِ أرْضٍ ∗∗∗ فَقَدْ لَقِيا حُتُوفَهُما لِزامًا
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لِزامًا: عَذابًا دائِمًا وهَلاكًا مُفْنِيًا يُلْحِقُ بَعْضَكم بِبَعْضٍ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَفاجَأهُ بِعادِيَةٍ لِزامٍ ∗∗∗ كَما يَتَفَجَّرُ الحَوْضُ اللَّفِيفُ
يَعْنِي ( بِاللِّزامِ ) الَّذِي يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبِاللَّفِيفِ المُتَساقِطَ مِنَ الحِجارَةِ المُنْهَدِمَةِ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا السِّماكِ يَقْرَأُ ( لِزامًا ) بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ: يَكُونُ مَصْدَرَ ( لَزِمَ )، والكَسْرُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ .
وأخْرَجا وغَيْرُهُما أيْضًا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾» [الزمر: ٥٣] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما مِنّا أحَدٌ إلّا أشْرَكَ وقَتَلَ وزَنى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أصابُوا هَذا في الشِّرْكِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالكُفْرِ الإسْلامَ، وبِالمَعْصِيَةِ الطّاعَةَ، وبِالإنْكارِ المَعْرِفَةَ، وبِالجَهالَةِ العِلْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سِنِينَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ثُمَّ نَزَلَتْ إلّا مَن تابَ وآمَنَ فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِها، وفَرَحَهُ بِـ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِ إيمانِهِمْ عَلى السَّيِّئاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهم إلى الحَسَناتِ، فَأبْدَلَهم مَكانَ السَّيِّئاتِ الحَسَناتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يُؤْتى الرَّجُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُها ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا كَذا، وهو يُقِرُّ، لَيْسَ يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكَبائِرِ أنْ تَجِيءَ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَها حَسَنَةً» والأحادِيثُ في تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وتَبْدِيلِها بِالحَسَناتِ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (p-١٠٥٢)قالَ: إنَّ الزُّورَ كانَ صَنَمًا بِالمَدِينَةِ يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ كُلَّ سَبْعَةِ أيّامٍ، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا مَرُّوا بِهِ مَرُّوا كِرامًا لا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مَن يَعْمَلُ بِالطّاعَةِ فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا ولا تَجْعَلْنا أئِمَّةَ ضَلالَةٍ، لِأنَّهُ قالَ لِأهْلِ السَّعادَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣] ولِأهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ قالَ: الغُرْفَةُ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، أوْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، أوْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ، لَيْسَ فِيها فَصْمٌ ولا وصْمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم﴾ يَقُولُ: لَوْلا إيمانُكم، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهُ بِهِمْ إذا لَمْ يَخْلُقْهم مُؤْمِنِينَ.
ولَوْ كانَتْ لَهُ بِهِمْ حاجَةٌ لَحَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ كَما حَبَّبَهُ إلى المُؤْمِنِينَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: مَوْتًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ ) وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ والقَمَرُ واللُّزُومُ والبَطْشَةُ واللِّزامُ.
الشعراء 26:3
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:4
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:5
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:6
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:7
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:8
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:9
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:10
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:11
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:12
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:13
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:14
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:15
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:16
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:17
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:18
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:19
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:20
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:21
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:22
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.
الشعراء 26:23
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ الشُّعَراءِ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ البَراءِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِيَ السَّبْعَ الطِّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي الطَّواسِينَ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ السُّورَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ووَقَعَ في تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجُمُعَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ١ " طسم " قَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإمالَةِ الطّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ مُشَبَّعًا.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإدْغامِ النُّونِ مِن: " طسن " في المِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِإظْهارِها.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الإدْغامُ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى الزَّجّاجُ في كِتابِهِ فِيما يَجْرِي وما لا يَجْرِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( طا سِينَ مِيمُ ) بِفَتْحِ النُّونِ، وضَمِّ المِيمِ، كَما يُقالُ: هَذا مَعْدِي كَرْبُ.
وقَرَأ عِيسى ويُرْوى عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى البِناءِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( ط س م ) هَكَذا حُرُوفًا مُقَطَّعَةً فَيُوقَفُ عَلى كُلِّ حَرْفٍ وقْفَةً يَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ أوِ اقْرَأْ.
وأمّا إذا كانَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى السُّورَةِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها وما بَعْدَها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ إنْ جَعَلْنا ( طسم ) مُبْتَدَأً، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن ( طسم )، والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ، والمُبِينُ: المُبِينُ المُظْهِرُ، أوِ البَيِّنُ الظّاهِرُ إنْ كانَ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: قاتِلٌ نَفْسَكَ ومُهْلِكُها ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ، والبَخْعُ في الأصْلِ أنْ يُبْلَغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعُ بِالنُّونِ قامُوسٌ، وهو عِرْقٌ في القَفا، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَرَأ قَتادَةُ " باخِعُ نَفْسِكَ " بِالإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَطْعِ قالَ: الفَرّاءُ ( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّها جَزاءٌ، قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما يُقالُ: ( إنْ ) مَكْسُورَةٌ لِأنَّها جُزْءٌ، هَكَذا التَّعارُفُ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ (p-١٠٥٣)الزَّجّاجُ في كِتابِهِ في القُرْآنِ إنَّها في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، والمَعْنى لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِأنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الأسَفِ لِما يَراهُ مِن إعْراضِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ التَّسْلِيَةِ، والمَعْنى: إنْ نَشَأْ نَنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً تُلْجِئُهم إلى الإيمانِ، ولَكِنْ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنّا لا نَنْزِلُ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أنَّهم صارُوا مُنْقادِينَ لَها: أيْ: فَتَظَلُّ أعْناقُهم إلَخْ، قِيلَ: وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّصْوِيرِ؛ لِأنَّ الأعْناقَ مَوْضِعُ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا وُضِعَتِ الأعْناقُ مَوْضِعَ الخُضُوعِ، وقِيلَ: إنَّها لِما وُضِعَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم ووُصِفَتْ بِما يُوصَفُونَ بِهِ.
قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ( خاضِعِينَ )، و( خاضِعَةً ) هُنا سَواءٌ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والمَعْنى: أنَّها إذا ذَلَّتْ رِقابُهم ذُلُّوا، فالإخْبارُ عَنِ الرِّقابِ إخْبارٌ عَنْ أصْحابِها، ويَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُتْرَكَ الخَبَرُ عَنِ الأوَّلِ، ويُخْبَرَ عَنِ الثّانِي، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎طُولَ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي
فَأخْبَرَ عَنِ اللَّيالِي وتَرَكَ الطُّولَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ: إنَّ المَعْنى خاضِعِيها هم، وضَعَّفَهُ النَّحّاسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أعْناقُهم كُبَراؤُهم.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ: رُؤَساءٌ مِنهم.
وقالَ أبُو زَيْدٍ والأخْفَشُ: أعْناقُهم جَماعاتُهم، يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ: أيْ: جَماعَةٌ.
﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهم مُلْجَئِينَ إلى الإيمانِ يَأْتِيهِمْ بِالقُرْآنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأنْ لا يُجَدِّدَ لَهم مَوْعِظَةً وتَذْكِيرًا إلّا جَدَّدُوا ما هو نَقِيضُ المَقْصُودِ، وهو الإعْراضُ والتَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، و" مِن " في مِن ذِكْرٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ومِن في مِن رَبِّهِمْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ )، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ تَكْذِيبًا صَرِيحًا ولَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الإعْراضِ، وقِيلَ: إنَّ الإعْراضَ بِمَعْنى التَّكْذِيبِ، لِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ ولَمْ يَقْبَلْهُ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ التَّكْذِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، والأوَّلُ أوْلى، فالإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ هَذا إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو التَّصْرِيحُ بِالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنِ التَّكْذِيبِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ، وهو الِاسْتِهْزاءُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والأنْباءُ هي ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العُقُوبَةِ آجِلًا وعاجِلًا، وسُمِّيَتْ أنْباءَ لِكَوْنِها مِمّا أنْبَأ عَنْهُ القُرْآنُ وقالَ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ ما كانُوا عَنْهُ مُعَرِضِينَ، أوْ ما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ أشَدُّ مِنهُما ومُسْتَلْزِمٌ لَهُما، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها لِلْمُتَأمِّلِ فِيها والنّاظِرِ إلَيْها والمُسْتَدِلِّ بِها أعْظَمُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ بُرِهانٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ، فَنَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى عَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَعَلِمُوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، والمُرادُ بِالزَّوْجِ هُنا الصِّنْفُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو اللَّوْنُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى زَوْجٍ: نَوْعٌ، وكَرِيمٍ: مَحْمُودٌ، والمَعْنى: مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ، والكَرِيمُ في الأصْلِ: الحَسَنُ الشَّرِيفُ، يُقالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ: أيْ: كَثِيرَةُ الثَّمَرَةِ، ورَجُلٌ كَرِيمٌ: شَرِيفٌ فاضِلٌ، وكِتابٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ مُرْضِيًا في مَعانِيهِ، والنَّباتُ الكَرِيمُ هو المُرْضِي في مَنافِعِهِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: النّاسُ مِثْلُ نَباتِ الأرْضِ فَمَن صارَ مِنهم إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ مِنهم إلى النّارِ فَهو لَئِيمٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ: أيْ: إنَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الإنْباتِ في الأرْضِ لَدِلالَةٌ بَيِّنَةٌ، وعَلامَةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وبَدِيعِ صَنْعَتِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّ أكْثَرَ هَؤُلاءِ مُسْتَمِرٌّ عَلى ضَلالَتِهِ مُصَمِّمٌ عَلى جُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ واسْتِهْزائِهِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: سَبْقٌ عِلْمِيٌّ فِيهِمْ أنَّهم سَيَكُونُونَ هَكَذا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( كانَ ) هُنا صِلَةٌ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ لِهَؤُلاءِ بِالِانْتِقامِ مِنهم مَعَ كَوْنِهِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِن أعْدائِهِ رَحِيمٌ بِأوْلِيائِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِنَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: واتْلُ إذْ نادى أوِ اذْكُرْ، والنِّداءُ، الدُّعاءُ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي ظَلَمُوا بِها غَيْرَهم كاسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ.
وانْتِصابُ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، ومَعْنى ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَخافُونَ عِقابَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَيَصْرِفُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: قُلْ لَهم ألا تَتَّقُونَ، وجاءَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّهم غُيَّبٌ وقْتَ الخِطابِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو حازِمٍ " ألا تَتَّقُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِي في الرِّسالَةِ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أخافُ أيْ: يَضِيقُ صَدْرِي لِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ﴿يَضِيقُ﴾ ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ بِالعَطْفِ عَلى أخافُ (p-١٠٥٤)كَما ذَكَرْنا، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما عَطَفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) قالَ الفَرّاءُ: كِلا القِراءَتَيْنِ لَهُ وجْهٌ، قالَ النَّحّاسُ الوَجْهُ: الرَّفْعُ، لِأنَّ النَّصْبَ عَطْفٌ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) وهَذا بَعِيدٌ.
﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ أيْ: أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ لِيَكُونَ مَعِيَ رَسُولًا مُوازِرًا مُظاهِرًا مُعاوِنًا، ولَمْ يَذْكُرِ المُوازَرَةَ هُنا لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في طه ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾ [طه: ٢٩]، وفي القِصَصِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]، وهَذا مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ طَلَبِ المُعاوَنَةِ لَهُ بِإرْسالِ أخِيهِ، لا مِن بابِ الِاسْتِعْفاءِ مِنَ الرِّسالَةِ، ولا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ المُسارَعَةِ بِالِامْتِثالِ.
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ الذَّنْبُ هو قَتْلُهُ لِلْقِبْطِيِّ، وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ، فَخافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ الأنْبِياءِ فَضْلًا عَنِ الفُضَلاءِ، ثُمَّ أجابَهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَشْتَمِلُ عَلى نَوْعٍ مِنَ الرَّدْعِ وطَرَفٍ مِنَ الزَّجْرِ.
﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ وفي ضِمْنِ هَذا الجَوابِ إجابَةُ مُوسى إلى ما طَلَبَهُ مِن ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَنْ ذَلِكَ واذْهَبْ أنْتَ ومَنِ اسْتَدْعَيْتَهُ ولا تَخَفْ مِنَ القِبْطِ ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ وفي هَذا تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، وهو كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأرادَ بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَقْوِيَةَ قُلُوبِهِما وأنَّهُ مُتَوَلٍّ لِحِفْظِهِما وكَلاءَتِهِما وأجْراهُما مَجْرى الجَمْعِ، فَقالَ: مَعَكم لَكِنَّ الِاثْنَيْنِ أقَلُّ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ أوْ لِكَوْنِهِ أرادَ مُوسى وهارُونَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُما مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعَكم ومُسْتَمِعُونَ خَبَرانِ لِإنَّ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، ومَعَكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولا يَخْفى ما في المَعِيَّةِ مِنَ المَجازِ: لِأنَّ المُصاحِبَةَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فالمُرادُ مَعِيَّةُ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ووَحَّدَ الرَّسُولُ هُنا ولَمْ يُثَنِّهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، وأمّا إذا كانَ بِمَعْنى المُرْسَلِ فَإنَّهُ يُثَنّى مَعَ المُثَنّى ويُجْمَعُ مَعَ الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( رَسُولُ ) بِمَعْنى رِسالَةٍ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: إنّا ذَوا رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أبْلِغْ أبا عَمْرٍو رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
أيْ: رِسالَةً.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎ألا مَن مُبَلِّغٌ عَنِّي خُفافًا ∗∗∗ رَسُولًا بَيْتُ أهْلِكِ مُنْتَهاها
أيْ: رِسالَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ - أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: هَذا رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَذانِ رَسُولِي ووَكِيلِي، وهَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كانا مُتَعاضِدِينَ ومُتَسانِدِينَ في الرِّسالَةِ كانا بِمَنزِلَةِ رَسُولٍ واحِدٍ.
و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ أنْ أتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ، ومَعْنى فِينا أيْ: في حِجْرِنا ومَنازِلِنا، أرادَ بِذَلِكَ المَنَّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارَ لَهُ، أيْ: رَبَّيْناكَ لَدَيْنا صَغِيرًا ولَمْ نَقْتُلْكَ فِيمَن قَتَلْنا مِنَ الأطْفالِ ﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ ؟ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَتْلِ القِبْطِيِّ، فَقالَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الفَعْلَةُ بِفَتْحِ الفاءِ: المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ " فِعْلَتَكَ " بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أوْلى لِأنَّها لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ لا لِلنَّوْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ النِّعَمَ ذَكَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأرادَ بِالفِعْلِ قَتْلَ القِبْطِيِّ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكافِرِينَ لِلنِّعْمَةِ حَيْثُ قَتَلْتَ رَجُلًا مِن أصْحابِي، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الكافِرِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ إلَهٌ، وقِيلَ: مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ في زَعْمِهِ لِأنَّهُ كانَ مَعَهم عَلى دِينِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ: قالَ مُوسى مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ هَذِهِ الفَعْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ، وهي قَتْلُ القِبْطِيِّ وأنا إذْ ذاكَ مِنَ الضّالِّينَ أيِ: الجاهِلِينَ، فَنَفى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ الكُفْرَ، وأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلى الجَهْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: مِنَ الجاهِلِينَ أنَّ تِلْكَ الوَكْزَةَ تَبْلُغُ القَتْلَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ.
﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم﴾ أيْ: خَرَجْتُ مِن بَيْنِكم إلى مِدْيَنَ كَما في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً أوْ عِلْمًا وفَهْمًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالحُكْمِ تَعْلِيمُهُ التَّوْراةَ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنِّعْمَةِ كَأنَّهُ قالَ نَعَمْ تِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي، وبِهَذا قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
وقِيلَ: هو مِن مُوسى عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أيْ: أتَمُنُّ عَلَيَّ بِأنْ رَبَّيْتَنِي ولِيدًا وأنْتَ قَدِ اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم وهم قَوْمِي ؟
قالَ الزَّجّاجُ: المُفَسِّرُونَ أخْرَجُوا هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ: بِأنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ فِرْعَوْنُ نِعْمَةً عَلى مُوسى، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى مَعْنى: أنَّكَ لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكانَتْ أُمِّي مُسْتَغْنِيَةً عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ ما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الأزْهَرِيُّ بِأبْسَطَ مِنهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: يَقُولُ التَّرْبِيَةُ كانَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْبِيدِ: أيْ: تَرْبِيَتُكَ إيّايَ كانَتْ لِأجْلِ التَّمَلُّكِ والقَهْرِ لِقَوْمِي.
وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْكَرَهُ النَّحّاسُ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن قالَ إنَّ الكَلامَ إنْكارٌ قالَ مَعْناهُ: أوَ تِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومَعْنى ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنِ اتَّخَذْتَهم عُبَيْدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُهُ وأعْبَدْتُهُ بِمَعْنًى، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَدَلٌ مِن نِعْمَةٍ، والجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ، والنَّصْبُ بِحَذْفِها.
(p-١٠٥٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَعْلَمَ ما الكُفْرُ ؟، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم.