Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الشعراء 26:59 – الشعراء 26:86

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الشعراء 26:59
  2. الشعراء 26:60
  3. الشعراء 26:61
  4. الشعراء 26:62
  5. الشعراء 26:63
  6. الشعراء 26:64
  7. الشعراء 26:65
  8. الشعراء 26:66
  9. الشعراء 26:67
  10. الشعراء 26:68
  11. الشعراء 26:69
  12. الشعراء 26:70
  13. الشعراء 26:71
  14. الشعراء 26:72
  15. الشعراء 26:73
  16. الشعراء 26:74
  17. الشعراء 26:75
  18. الشعراء 26:76
  19. الشعراء 26:77
  20. الشعراء 26:78
  21. الشعراء 26:79
  22. الشعراء 26:80
  23. الشعراء 26:81
  24. الشعراء 26:82
  25. الشعراء 26:83
  26. الشعراء 26:84
  27. الشعراء 26:85
  28. الشعراء 26:86

الشعراء 26:59

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:60

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:61

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:62

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:63

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:64

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:65

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:66

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:67

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:68

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:69

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:70

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، وسَمّاهم عِبادَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُتَقَدِّمِ: أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكم. و﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ مَسِيرَهم، والمُرادُ بِالحاشِرِينَ: الجامِعُونَ لِلْجَيْشِ مِنَ الأمْكِنَةِ الَّتِي فِيها أتْباعُ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ لَدَيْهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والشِّرْذِمَةُ الجَمْعُ الحَقِيرُ القَلِيلُ، والجَمْعُ شَراذِمُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وثَوْبٌ شَراذِمُ: أيْ: قِطَعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها الخَلّاقْ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عُصْبَةٌ قَلِيلَةٌ وقَلِيلُونَ وكَثِيرَةٌ وكَثِيرُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: الشِّرْذِمَةُ القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ غَيْرُ الكَثِيرِ، وجَمْعُها الشَّراذِمُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ الشِّرْذِمَةُ الَّذِينَ قَلَّلَهم فِرْعَوْنُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ يُقالُ:، غاظَنِي كَذا وأغاظَنِي، والغَيْظُ الغَضَبُ، ومِنهُ التَّغَيُّظُ والِاغْتِياظُ: أيْ: غاظُونا بِخُرُوجِهِمْ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنِّي. ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قُرِئَ " حَذِرُونَ " و" حاذِرُونَ " و" حَذُرُونَ " بِضَمِّ الذّالِ، حَكى ذَلِكَ الأخْفَشُ. قالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ المَخْلُوقُ كَذَلِكَ لا تَلْقاهُ إلّا حَذِرًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الحاذِرُ المُسْتَعِدُّ، والحَذِرُ المُتَيَقِّظُ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. قالَ النَّحّاسُ: " حَذِرُونَ " قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو، و" حاذِرُونَ " قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، قالَ: وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَعْنى حَذِرُونَ وحاذِرُونَ واحِدٌ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وحاذِرٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وقَوْمَهَ أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أرْضِ مِصْرَ وفِيها الجَنّاتُ والعُيُونُ والكُنُوزُ، وهي جَمْعُ جَنَّةٍ وعَيْنٍ وكَنْزٍ، والمُرادُ بِالكُنُوزِ الخَزائِنُ، وقِيلَ: الدَّفائِنُ، وقِيلَ: الأنْهارُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ العُيُونَ المُرادُ بِها عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عُيُونُ الماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها الأنْهارُ. واخْتُلِفَ في المَقامِ الكَرِيمِ، فَقِيلَ: المَنازِلُ الحِسانُ، وقِيلَ: المَنابِرُ، وقِيلَ: مَجالِسُ الرُّؤَساءِ والأُمَراءِ، وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ: أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى الوَصْفِيَّةِ أيْ: مَقامٌ كَرِيمٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، ويُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ: ومَعْنى ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ جَعَلْناها مِلْكًا لَهم، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ( فَأخْرَجْناهم ) . ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ والحارِثُ الدِّينارِيُّ بِوَصْلِها وتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ: فَلَحِقُوهم حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا إذا طَلَعَتْ كَأصْبَحَ وأمْسى: أيْ: دَخَلَ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وقِيلَ: داخِلِينَ نَحْوَ المَشْرِقِ كَأنْجَدَ وأتْهَمَ، وقِيلَ: مَعْنى مُشْرِقِينَ مُضِيئِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " تَراءى " بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: تَقابَلا بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وقُرِئَ ﴿تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أدْرَكَ، ومِنهُ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدَّدَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الحُذّاقُ، إنَّما يَقُولُونَ مُدْرَكُونَ بِالتَّخْفِيفِ مُلْحَقُونَ، وبِالتَّشْدِيدِ مُجْتَهِدُونَ في لِحاقِهِمْ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ. ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قالَ مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ (p-١٠٥٨)زَجْرًا لَهم ورَدْعًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَكم، وذَكَّرَهم وعَدَ اللَّهِ بِالهِدايَةِ والظَّفَرِ، والمَعْنى: إنَّ مَعِيَ رَبِّي بِالنَّصْرِ والهِدايَةِ سَيَهْدِينِ: أيْ: يَدُلُّنِي عَلى طَرِيقِ النَّجاةِ، فَلَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ورَأوْا مِنَ الجُيُوشِ ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وأمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُوسى أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِعَصاهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ لَمّا قالَ مُوسى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ طَرِيقَ الهِدايَةِ فَأمَرَهُ بِضَرْبِ البَحْرِ، وبِهِ نَجا بَنُو إسْرائِيلَ وهَلَكَ عَدُوُّهم، والفاءُ في فانْفَلَقَ فَصِيحَةٌ: أيْ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ فَصارَ اثَّنَيْ عَشَرَ فَلْقًا بِعَدَدِ الأسْباطِ، وقامَ الماءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وعَنْ يَسارِهِ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ والفِرْقُ القِطْعَةُ مِنَ البَحْرِ، وقُرِئَ " فِلْقٍ " بِلامٍ بَدَلَ الرّاءِ، والطَّوْدُ الجَبَلُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَبَيْنا المَرْءُ في الأحْياءِ طَوْدٌ ∗∗∗ رَماهُ النّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمالا وقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎حَلُّوا بِأنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ مِن أطْوادِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أيْ: قَرَّبْناهم إلى البَحْرِ: يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وكُلُّ يَوْمٍ مَضى أوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ∗∗∗ فِيها النُّفُوسُ إلى الآجالِ تَزْدَلِفُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا: جَمَعْنا، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّيْلَةِ المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ، و( ثَمَّ ) ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وأزْلَفْنا قَرَبَّنا مِنَ النَّجاةِ، والمُرادُ بِالآخَرِينَ مُوسى وأصْحابَهُ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ " وزَلَفْنا " ثُلاثِيًّا، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ " وأزْلَقْنا " بِالقافِ أيْ: أزْلَلْنا وأهْلَكْنا مِن قَوْلِهِمْ: أزْلَقَتِ الفَرَسُ إذا ألْقَتْ ولَدَها. ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ بِمُرُورِهِمْ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ طُرُقًا يَمْشُونَ فِيها. ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِإطْباقِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ دَخَلُوا فِيهِ مُتَّبِعِينَ مُوسى وقَوْمَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا صَدَرَ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الغايَةِ، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقُدْرَةٌ باهِرَةٌ مِن أدَلِّ العَلاماتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم فِيما بَعْدُ إلّا القَلِيلُ كَحِزْقِيلَ: وابْنَتِهِ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ، ولَيْسَ المُرادُ أكْثَرَ مَن كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عِنْدَ لَحاقِهِ بِمُوسى فَإنَّهم هَلَكُوا في البَحْرِ جَمِيعًا بَلِ المُرادُ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الأصْلِ ومَن كانَ مُتابِعًا لَهُ ومُنْتَسِبًا إلَيْهِ، هَذا غايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: إنَّ " كانَ " زائِدَةٌ، وأنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما سَمِعُوا المَوْعِظَةَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جازُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ» . وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا بِسَنَدٍ. قالَ السُّيُوطِيُّ: واهٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابُهُ في سَبْعِينَ قائِدًا مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حَيْثُ عَبَرُوا البَحْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ» . وأقُولُ: هَذِهِ الرِّواياتُ المُضْطَرِبَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ما يُماثِلُها في الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافِ، ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا ؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا أنْ لا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا، فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ ؟ فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قالَ: وما حُكْمُكِ ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ، فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَهُ أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: أنْضِبُوا عَنْها الماءَ فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفُرُوا فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ» .

الشعراء 26:71

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:72

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:73

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:74

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:75

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:76

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:77

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:78

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:79

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:80

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:81

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:82

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:83

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:84

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:85

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.

الشعراء 26:86

(p-١٠٥٩)قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ خَبَرُهُ: أيِ: اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يا مُحَمَّدُ خَبَرَ إبْراهِيمَ وحَدِيثَهُ. ووَإذْ قالَ مَنصُوبٌ بِنَبَأِ إبْراهِيمَ: أيْ: وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: إذْ: بَدَلٌ مِن نَبَأٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ اتْلُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى ما تَعْبُدُونَ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ولَكِنَّهُ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: فَنُقِيمُ عَلى عِبادَتِها مُسْتَمِرًّا لا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ نَهارًا، وباتَ يَفْعَلُ كَذا، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا، فَظاهِرُهُ أنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِها نَهارًا لا لَيْلًا، والمُرادُ مِنَ العُكُوفِ لَها الإقامَةُ عَلى عِبادَتِها، وإنَّما قالَ لَها لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العُكُوفَ لِأجْلِها، فَلَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قالَ إبْراهِيمُ مُنَبِّهًا عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنكم، أوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم. وقَرَأ قَتادَةُ " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ أيْ: هَلْ يُسْمِعُونَكم أصْواتَهم وقْتَ دُعائِكم لَهم. ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم إذا تَرَكْتُمْ عِبادَتَهم، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّها إذا كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ فَلا وجْهَ لِعِبادَتِها، فَإذا قالُوا نَعَمْ هي كَذَلِكَ أقَرُّوا بِأنَّ عِبادَتَهم لَها مِن بابِ اللَّعِبِ والعَبَثِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الخَلِيلُ هَذِهِ الحُجَّةَ الباهِرَةَ لَمْ يَجِدُوا لَها جَوابًا إلّا رُجُوعَهم إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ وهو أنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: أيْ: يَفْعَلُونَ لِهَذِهِ العِبادَةِ لِهَذِهِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي سَلْبُ السَّمْعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ عَنْها، وهَذا الجَوابُ هو العَصا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها كُلُّ عاجِزٍ، ويَمْشِي بِها كُلُّ أعْرَجَ ويَغْتَرُّ بِها كُلُّ مَغْرُورٍ، ويَنْخَدِعُ لَها كُلُّ مَخْدُوعٍ، فَإنَّكَ لَوْ سَألْتَ الآنَ هَذِهِ المُقَلِّدَةَ لِلرِّجالِ الَّتِي طَبَّقَتِ الأرْضَ بِطُولِها، والعَرْضِ، وقُلْتَ لَهم: ما الحُجَّةُ لَهم عَلى تَقْلِيدِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العُلَماءِ والأخْذِ بِكُلِّ ما يَقُولُهُ في الدِّينِ ويَبْتَدِعُهُ مِنَ الرَّأْيِ المُخالِفِ لِلدَّلِيلِ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذا الجَوابِ ولا فاهُوا بِسِواهُ، وأخَذُوا يُعَدِّدُونَ عَلَيْكَ مَن سَبَقَهم إلى تَقْلِيدِ هَذا مِن سَلَفِهِمْ واقْتِداءٍ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهم قَدْ مَلَئُوا صُدُورَهم هَيْبَةً، وضاقَتْ أذْهانُهم عَنْ تَصَوُّرِهِمْ، وظَنُّوا أنَّهم خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وأعْلَمُهم وأرْوَعُهم، فَلَمْ يَسْمَعُوا لِناصِحٍ نُصْحًا ولا لِداعٍ إلى الحَقِّ دُعاءً، ولَوْ فَطَنُوا لَوَجَدُوا أنْفُسَهم في غُرُورٍ عَظِيمٍ وجَهْلٍ شَنِيعٍ وإنَّهم كالبَهِيمَةِ العَمْياءِ، وأُولَئِكَ الأسْلافُ كالعُمْيِ الَّذِينَ يَقُودُونَ البَهائِمَ العَمِينَ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَبَهِيمَةٍ عَمْياءَ قادَ زِمامَها أعْمى عَلى عِوَجِ الطَّرِيقِ الحائِرِ فَعَلَيْكَ أيُّها العامِلُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ المُبَرَّأِ مِنَ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ أنْ تُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَجَ اللَّهِ، وتُقِيمَ عَلَيْهِمْ بَراهِينَهُ، فَإنَّهُ رُبَّما انْقادَ لَكَ مِنهم مَن لَمْ يَسْتَحْكِمْ داءُ التَّقْلِيدِ في قَلْبِهِ، وأمّا مَن قَدِ اسْتَحْكَمَ في قَلْبِهِ هَذا الدّاءُ، فَلَوْ أوْرَدْتَ عَلَيْهِ كُلَّ حُجَّةٍ وأقَمْتَ عَلَيْهِ كُلَّ بُرْهانٍ لَما أعارَكَ إلّا أُذُنًا صَمّاءَ وعَيْنًا عَمْياءَ، ولَكِنَّكَ قَدْ قُمْتَ بِواجِبِ البَيانِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ القُرْآنُ، والهِدايَةُ بِيَدِ الخَلّاقِ العَلِيمِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ولَمّا قالَ هَؤُلاءِ المُقَلِّدَةُ هَذِهِ المَقالَةَ. قالَ الخَلِيلُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أبْصَرْتُمْ وتَفَكَّرْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّكم عَلى ضَلالَةٍ وجَهالَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِالبَراءَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها. فَقالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ ومَعْنى كَوْنِهِمْ عَدُوًّا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا أنَّهُ إنْ عَبَدَهم كانُوا لَهُ عَدُوًّا يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ الفَرّاءُ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ: أيْ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، والعَدُوُّ كالصَّدِيقِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَن قالَ: عَدُوَّةُ اللَّهِ، فَأثْبَتَ الهاءَ، قالَ هي بِمَعْنى المُعادِيَةِ، ومَن قالَ عَدُوٌّ، لِلْمُؤَنَّثِ والجَمْعِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى النَّسَبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ آباؤُهُمُ الأقْدَمُونَ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، ورَدَّ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ فِيما عَبَدُوهُ لا في العابِدِينَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأوَّلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ. قالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، فَجَعَلَهُ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وجَعَلَ إلّا بِمَعْنى دُونَ وسِوى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: دُونَ المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ المَعْنى إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالَمِينَ. ثُمَّ وصَفَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ أيْ: فَهو يُرْشِدُنِي إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ أوْلى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِن رَبِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) أوْ ( أمْدَحُ )، وقَدْ وصَفَ الخَلِيلُ رَبَّهُ بِما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأجْلِهِ. فَإنَّ الخَلْقَ والهِدايَةَ والرِّزْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ودَفْعُ ضُرِّ المَرَضِ، وجَلْبُ نَفْعِ الشِّفاءِ، والإماتَةُ والإحْياءُ، والمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ، كُلُّها نِعَمٌ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِبَعْضِها فَضْلًا عَنْ كُلِّها أنْ يَشْكُرَ المُنْعِمَ بِجَمِيعِ أنْواعِ الشُّكْرِ الَّتِي أعْلاها وأوْلاها العِبادَةُ، ودُخُولُ هَذِهِ الضَّمائِرِ في صُدُورِ هَذِهِ الجُمَلِ (p-١٠٦٠)لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ رِعايَةً لِلْأدَبِ مَعَ الرَّبِّ، وإلّا فالمَرَضُ وغَيْرُهُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ البَعْثُ، وحَذْفُ الياءِ مِن هَذِهِ الأفْعالِ لِكَوْنِها رُءُوسَ الآيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها بِإثْباتِ الياءِ. وإنَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّمَعَ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ في حَقِّهِ، وبِمَعْنى الرَّجاءِ في حَقِّ سِواهُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " خَطايايَ ": قالا: لَيْسَتْ خَطِيئَتُهُ واحِدَةٌ. قالَ النَّحّاسُ: خَطِيئَةٌ بِمَعْنى خَطايا في كَلامِ العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، [الأنبياء: ٦٣] وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: إنَّ سارَةَ أُخْتُهُ، زادَ الحَسَنُ: وقَوْلَهُ لِلْكَوْكَبِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨] وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم فَسَّرُوا الخَطايا بِما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الأنْبِياءُ بَشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ إلّا أنَّهم لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، والمُرادُ بِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ لِلْعِبادِ بِأعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الخَطايا بِما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ ومَن مَعَهُ ضَعِيفٌ، فَإنَّ تِلْكَ مَعارِيضُ، وهي أيْضًا إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ثُمَّ لَمّا فَرَغَ الخَلِيلُ مِنَ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِالدُّعاءِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ والمُرادُ بِالحُكْمِ العِلْمُ والفَهْمُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وقِيلَ: المَعْرِفَةُ بِحُدُودِ اللَّهِ وأحْكامِهِ إلى آخِرِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي، وقِيلَ: بِأهْلِ الجَنَّةِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا في الآخِرِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسانُ مَوْضِعَ القَوْلِ عَلى الِاسْتِعارَةِ. لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِهِ. وقَدْ تُكَنِّي العَرَبُ بِها عَنِ الكَلِمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها وقَدْ أعْطى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إبْراهِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] فَإنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ. وقالَ مَكِّيٌّ: قِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ في مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أرادَ الدُّعاءَ الحَسَنَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولا وجْهَ لِهَذا أيْضًا، فَإنَّ لِسانَ الصِّدْقِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ( مِن ورَثَةِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ الثّانِي: أيْ: وارِثًا مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، لَمّا طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّعْوَةِ الأُولى سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وجَعَلَها مِمّا يُورَثُ تَشْبِيهًا لِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوِراثَةِ في سُورَةِ مَرْيَمَ. ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كانَ أبُوهُ قَدْ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤَمِنُ بِهِ، فاسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوُّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، ومَعْنى مِنَ الضّالِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا تَفْضَحْنِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِمُعاتَبَتِي، أوْ لا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ لا تُخْزِنِي بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في جُمْلَةِ الضّالِّينَ، والإخْزاءُ يُطْلَقُ عَلى الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وعَلى الخِزايَةِ وهي الحَياءُ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَبْعَثُونَ: أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ فِيهِ المالُ والبَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ، والِابْنُ هو أخَصُّ القَرابَةِ وأوْلاهم بِالحِمايَةِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مِنَ القُرابَةِ والأعْوانِ بِالأوْلى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذا وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو ضَعِيفٌ. والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قالَ في الكَشّافِ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، إذِ التَّقْدِيرُ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن فاعِلِ يَنْفَعُ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قالَ أبُو البَقاءِ: فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا مالُ مَن أوْ بَنُو مَن فَإنَّهُ يَنْفَعُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى القَلْبِ السَّلِيمِ، فَقِيلَ: السَّلِيمُ مِنَ الشِّرْكِ، فَأمّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: القَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ، وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، لِأنَّ قَلْبَ الكافِرِ والمُنافِقِ مَرِيضٌ، وقِيلَ: هو القَلْبُ الخالِي عَنِ البِدْعَةِ المُطْمَئِنُّ إلى السُّنَةِ، وقِيلَ: السّالِمُ مِن آفَةِ المالِ والبَنِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّلِيمُ الخالِصُ. وقالَ الجُنَيْدُ السَّلِيمُ في اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ قُلِبَ كاللَّدِيغِ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا تَحْرِيفٌ وتَعْكِيسٌ لِمَعْنى القُرْآنِ. قالَ الرّازِّيُّ: أصَحُّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ مِنهُ سَلامَةُ النَّفْسِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ. ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ لَهم لِيَدْخُلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها ونَظَرِهِمْ إلَيْها. ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم، والمُرادُ بِالغاوِينَ الكافِرُونَ، والمَعْنى: أنَّها أُظْهِرَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ لِيَشْتَدَّ حُزْنُ الكافِرِينَ، ويَكْثُرَ سُرُورُ المُؤْمِنِينَ. ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأنْدادِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ العَذابَ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ " وبَرَزَتْ " بِفَتْحِ الباءِ والرّاءِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ أيْ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ هم: يَعْنِي المَعْبُودِينَ، والغاوُونَ: يَعْنِي العابِدِينَ لَهم. وقِيلَ: مَعْنى كُبْكِبُوا: قُلِبُوا عَلى رُءُوسِهِمْ، وقِيلَ: أُلْقِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: جُمِعُوا، مَأْخُوذٌ مِنَ الكَبْكَبَةِ وهي الجَماعَةُ قالَ الهَرَوِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مُشْتَقٌّ مِن كَوْكَبِ الشَّيْءِ أيْ: مُعْظَمُهُ، والجَماعَةُ (p-١٠٦١)مِنَ الخَيْلِ كَوْكَبٌ وكَبْكَبَةٌ، وقِيلَ: دُهْدِهُوا، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، وأصْلُهُ كُبِّبُوا بِباءَيْنِ، الأُولى مُشَدَّدَةٌ مِن حَرْفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الوُسْطى الكافُ. وقَدْ رَجَّحَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: طَرْحُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ورَجَّحَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: أُلْقُوا عَلى رُءُوسِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كُبْكِبُوا لِقُرَيْشٍ، والغاوُونَ الآلِهَةُ، والمُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ شَياطِينُهُ الَّذِينَ يُغْوُونَ العِبادَ، وقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وأجْمَعُونَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في كُبْكِبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ. ومَقُولُ القَوْلِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ: قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ حالَ كَوْنِهِمْ في جَهَنَّمَ مُخْتَصِمِينَ، و" إنْ " في إنْ كُنّا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، أيْ: قالُوا تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كَوْنُنا في ضَلالٍ واضِحٍ ظاهِرٍ، والمُرادُ بِالضَّلالِ هُنا الخَسارُ والتَّبارُ والحَيْرَةُ عَنِ الحَقِّ، والعامِلُ في الظَّرْفِ. أعْنِي ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ هو كَوْنُهم في الضَّلالِ المُبِينِ. وقِيلَ: العامِلُ هو الضَّلالُ، وقِيلَ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضَلَلْنا وقْتَ تَسْوِيَتِنا لَكم بِرَبِّ العالَمِينَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ " إنْ " في إنْ كُنّا نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، والأوَّلُ أوْلى، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ يَشْفَعُونَ لَنا مِنَ العَذابِ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أيْ: ذِي قَرابَةٍ، والحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي تَوَدُّهُ ويَوَدُّكَ، ووَحَّدَ الصَّدِيقَ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والحَمِيمُ مَأْخُوذٌ مِن حامَّةِ الرَّجُلِ، أيْ: أقْرِبائِهِ، ويُقالُ: حَمَّ الشَّيْءُ وأحَمَّ إذا قَرُبَ مِنهُ، ومِنهُ الحُمّى لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِنَ الأجَلِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّما سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِأنَّهُ يَحْمى لِغَضَبِ صاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الحَمِيَّةِ. ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّمَنِّي الدّالِّ عَلى كَمالِ التَّحَسُّرِ كَأنَّهم قالُوا: فَلَيْتَ لَنا كَرَةً أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، وجَوابُ التَّمَنِّي ( ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: نَصِيرَ مِن جُمْلَتِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ، والآيَةُ العِبْرَةُ والعَلامَةُ، والتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَبَأ إبْراهِيمَ، وهم قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ. وقِيلَ: وما كانَ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِمُؤْمِنِينَ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهم كُلَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ: هو القاهِرُ لِأعْدائِهِ الرَّحِيمُ بِأوْلِيائِهِ، أوِ الرَّحِيمُ لِلْأعْداءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ وتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي بِأهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا واغْفِرْ لِأبِي قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِنِي، فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ، فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تَخِزِيَنِي يَوْمَ يَبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ» والذِّيخُ هو الذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ، فَكَأنَّهُ حَوَّلَ آزَرَ إلى صُورَةِ ذِيخٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ قالَ: جُمِعُوا فِيها ﴿هم والغاوُونَ﴾ قالَ: مُشْرِكُو العَرَبِ والآلِهَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حَتّى تَحِلَّ لَنا الشَّفاعَةُ كَما حَلَّتْ لِهَؤُلاءِ.