Fath Al-Qadir Al-Shawkani — القصص 28:81 – العنكبوت 29:10
المحتويات
القصص 28:81
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:82
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:83
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:84
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:85
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:86
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:87
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
القصص 28:88
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
العنكبوت 29:1
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ السَّرْمَدُ الدّائِمُ المُسْتَمِرُّ، مِنَ السَّرْدِ، وهو (p-١١٠٩)المُتابَعَةُ فالمِيمُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيْكَ بِغُمَّةٍ نَهارِيَ ولا لَيْلِي عَلَيْكَ بِسَرْمَدِ
وقِيلَ: إنَّ مِيمَهُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلٌ لا فَعْمَلٌ، وهو الظّاهِرُ، بَيَّنَ لَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ مَهَّدَ لَهم أسْبابَ المَعِيشَةِ لِيَقُومُوا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الدَّهْرُ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ لَيْلًا دائِمًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَكَةِ فِيهِ وطَلَبِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِمّا يَقُومُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: هَلْ لَكم إلَهٌ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها يَقْدِرُ عَلى أنْ يَرْفَعَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ الدّائِمَةَ عَنْكم بِضِياءٍ: أيْ: بِنُورٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ وتُبْصِرُونَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ وتَصْلُحُ بِهِ ثِمارُكم وتَنْمُو عِنْدَهُ زَرائِعُكم وتَعِيشُ فِيهِ دَوابُّكم أفَلا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ النَّهارِ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: جَعَلَ جَمِيعَ الدَّهْرِ الَّذِي تَعِيشُونَ فِيهِ نَهارًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وتَسْتَرِيحُونَ مِمّا تُزاوِلُونَ مِن طَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ أفَلا تُبْصِرُونَ هَذِهِ المَنفَعَةَ العَظِيمَةَ إبْصارَ مُتَّعِظٍ مُتَيَقِّظٍ حَتّى تَنْزَجِرُوا عَمّا أنْتُمْ فِيهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وإذا أقَرُّوا بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وبَطَلَ ما يَتَمَسَّكُونَ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ السّاقِطَةِ، وإنَّما قَرَنَ - سُبْحانَهُ - بِالضِّياءِ قَوْلَهُ: أفَلا تَسْمَعُونَ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ قَوْلَهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ لِأنَّ البَصَرَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ السَّمْعُ مِن ذَلِكَ.
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: في اللَّيْلِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ بِالسَّعْيِ في المَكاسِبِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ: ولِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ السُّكُونُ في النَّهارِ مُمْكِنًا، وطَلَبُ الرِّزْقِ في اللَّيْلِ مُمْكِنًا وذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ القَمَرِ عَلى الأرْضِ، أوْ عِنْدَ الِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ بِما لَهُ نُورٌ كالسِّراجِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ مُخالِفٌ لِما يَأْلَفُهُ العِبادُ فَلا اعْتِبارَ بِهِ.
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذا لِاخْتِلافِ الحالَتَيْنِ لِأنَّهم يُنادَوْنَ مَرَّةً فَيَدْعُونَ الأصْنامَ، ويُنادَوْنَ أُخْرى فَيَسْكُتُونَ، وفي هَذا التَّكْرِيرِ أيْضًا تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٌ بَعْدَ تَوْبِيخٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِي، وجاءَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والمَعْنى: وأخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شَهِيدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: عُدُولُ كُلِّ أُمَّةٍ، والأوَّلُ أوْلى.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما يَقُولُهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: حُجَّتَكم ودَلِيلَكم بِأنَّ مَعِي شُرَكاءَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَرَفُوا وخَرِسُوا عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ، ولِذا قالَ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: غابَ عَنْهم وبَطَلَ وذَهَبَ ما كانُوا يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ في الدُّنْيا بِأنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ.
ثُمَّ عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - حَدِيثَ أهْلِ الضَّلالِ بِقِصَّةِ قارُونَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن بَدِيعِ القُدْرَةِ وعَجِيبِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قارُونُ عَلى وزْنِ فاعُولِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُمْتَنِعٌ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مُشْتَقٍّ مِن قَرَنْتُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ قارُونُ مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ لانْصَرَفَ.
قالَ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى وهو قارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ومُوسى هو ابْنُ عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ عَمَّ مُوسى لِأبٍ وأُمٍّ فَجَعَلَهُ أخًا لِعِمْرانَ، وهُما ابْنا قاهِثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ في بَنِي إسْرائِيلَ أقْرَأُ لِلتَّوْراةِ مِنهُ، فَنافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ عَنْ طاعَةِ مُوسى وكَفَرَ بِاللَّهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: بَغْيُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ اسْتِخْفافُهُ بِهِمْ لِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: بَغْيُهُ بِنِسْبَتِهِ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ إلى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ وحِيلَتِهِ.
وقِيلَ: كانَ عامِلًا لِفِرْعَوْنَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وظَلَمَهم، وقِيلَ: كانَ بَغْيُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ﴾ جَمْعُ كَنْزٍ وهو المالُ المُدَّخَرُ.
قالَ عَطاءٌ: أصابَ كَنْزًا مِن كُنُوزِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، و" ما " في قَوْلِهِ ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها إنَّ وما في حَيِّزِها، ولِهَذا كُسِرَتْ.
ونَقَلَ الأخْفَشُ الصَّغِيرُ عَنِ الكُوفِيِّينَ مَنعَ جَعْلِ المَكْسُورَةِ وما في حَيِّزِها صِلَةَ الَّذِي، واسْتَقْبَحَ ذَلِكَ مِنهم لِوُرُودِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ في هَذا المَوْضِعِ، والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِالكَسْرِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَفاتِحِ: الخَزائِنُ، فَيَكُونُ واحِدُها مَفْتَحَ بِفَتْحِ المِيمِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ المَفاتِحَ الخَزائِنُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قالَ: وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ فَإنَّهُ قالَ: الأشْبَهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ خَزائِنُ مالِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: هي جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهو ما يُفْتَحُ بِهِ البابُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ.﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وهي واسْمُها وخَبَرُها صِلَةُ ما المَوْصُولَةُ، يُقالُ: ناءَ بِحِمْلِهِ: إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا، ويُقالُ: ناءَ بِي الحِمْلُ: إذا أثْقَلَنِي، والمَعْنى: يُثْقِلُهم حَمْلُ المَفاتِحِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: لَتَنُوءُ بِها العُصْبَةُ أيْ: تَنْهَضُ بِها.
قالَ أبُو زَيْدٍ: نُؤْتُ بِالحِمْلِ: إذا نَهَضْتَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ: تُمِيلُهم بِثِقْلِها كَما يُقالُ: (p-١١١٠)يَذْهَبُ بِالبُؤْسِ ويَذْهَبُ البُؤْسُ وذَهَبْتُ بِهِ وأذْهَبْتُهُ وجِئْتُ بِهِ وأجَأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ وأنَأْتُهُ، واخْتارَ هَذا النَّحاسُ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ.
وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّأْيِ، وهو البُعْدُ وهو بَعِيدٌ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ " لِيَنُوءَ " بِالياءِ أيْ: لِيَنُوءَ الواحِدُ مِنها أوِ المَذْكُورُ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى والمُرادُ بِالعُصْبَةِ الجَماعَةُ الَّتِي يَتَعَصَّبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
قِيلَ: هي مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الخَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى العِشْرِينَ، وقِيلَ: مِنَ الخَمْسَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِتَنُوءُ، وقِيلَ: بِآتَيْناهُ، وقِيلَ: بِبَغى.
ورَدَّهُما أبُو حَيّانَ بِأنَّ الإيتاءَ والبَغْيَ لَمْ يَكُونا ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهو اذْكُرْ، والمُرادُ بِقَوْمِهِ هُنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مُوسى وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، ومَعْنى لا تَفْرَحْ: لا تَبْطَرْ ولا تَأْشَرْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ البَطِرِينَ الأشِرِينَ الَّذِينَ لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى ما أعْطاهم.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَفْرَحْ بِالمالِ، فَإنَّ الفَرِحَ بِالمالِ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُفْسِدْ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ
أيْ: أفْسَدَتْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: الفَرِحِينَ والفارِحِينَ سَواءٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الفَرِحِينَ الَّذِينَ هم في حالِ الفَرَحِ، والفارِحِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ في المُسْتَقْبَلِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى لا تَفْرَحْ لا تَبْغِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ الباغِينَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الباخِلِينَ.
﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ أيْ: واطْلُبْ فِيما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الأمْوالِ الدّارَ الآخِرَةَ فَأنْفِقْهُ فِيما يَرْضاهُ اللَّهُ لا في التَّجَبُّرِ والبَغْيِ.
وقُرِئَ " واتَّبِعْ " .
﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: وهو أنْ يَعْمَلَ في دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ونَصِيبُ الإنْسانِ عُمْرُهُ وعَمَلُهُ الصّالِحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ لا تُضِّيعْ حَظَّكَ مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، وهَذا ألْصَقُ بِمَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: أحْسِنْ إلى عِبادِ اللَّهِ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أطِعِ اللَّهَ واعْبُدْهُ كَما أنْعَمَ عَلَيْكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ جِبْرِيلَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الإحْسانِ فَقالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا تَعْمَلْ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ في الأرْضِ.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قالَ قارُونُ: هَذِهِ المَقالَةُ رَدًّا عَلى مَن نَصَحَهُ بِما تَقَدَّمَ: أيْ: إنَّما أُعْطِيتُ ما أُعْطِيتُ مِنَ المالِ لِأجْلِ عِلْمِي، فَقَوْلُهُ عَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وعِنْدِي إمّا ظَرْفٌ لِأُوتِيتُهُ، وإمّا صِلَةٌ لِلْعِلْمِ، وهَذا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما نالَهُ مِنَ الدُّنْيا.
قِيلَ: هو عِلْمُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ، وقِيلَ: مَعْرِفَةُ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وقِيلَ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ آتانِي هَذِهِ الكُنُوزَ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِي إيّاها لِفَضْلِ عِلْمِهِ مِنِّي.
واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ وأنْكَرَ ما عَداهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ هَذا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ المُرادُ بِالقُرُونِ الأُمَمُ الخالِيَةُ، ومَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا: أكْثَرُ مِنهُ جَمْعًا لِلْمالِ، ولَوْ كانَ المالُ أوِ القُوَّةُ يَدُلّانِ عَلى فَضِيلَةٍ لَما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وقِيلَ: القُوَّةُ الآلاتُ، والجَمْعُ الأعْوانُ.
وهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِقارُونَ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ، وعَلِمَ عِلْمَ القُرُونِ الأُولى وإهْلاكَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يُسْألُونَ سُؤالَ اسْتِعْتابٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٤، الرُّومِ: ٥٧ ] ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] وإنَّما يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ غَدًا عَنِ المُجْرِمِينَ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم، فَإنَّهم يُحْشَرُونَ سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ.
وقالَ قَتادَةُ: لا يُسْألُ المُجْرِمُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ.
وقِيلَ: لا يُسْألُ مُجْرِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ ذُنُوبِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " قالَ " وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، و﴿فِي زِينَتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَرَجَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَجَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيها رِواياتٍ مُخْتَلِفَةً، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ في زِينَةٍ انْبَهَرَ لَها مَن رَآها، ولِهَذا تَمَنّى النّاظِرُونَ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ لَهم مِثْلُها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وزِينَتَها ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وافِرٍ مِنَ الدُّنْيا.
واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ: هم مِن مُؤْمِنِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ وهم أحْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِلَّذِينَ تَمَنَّوْا ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا تَمَنَّوْنَهُ ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ فَلا تَمَنَّوْا عَرَضَ الدُّنْيا الزّائِلَ الَّذِي لا يَدُومُ ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها الأحْبارُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ ﴿إلّا الصّابِرُونَ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والمُصَبِّرُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ يُقالُ: خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ في الأرْضِ، وخَسَفَ بِهِ الأرْضَ خَسَفًا أيْ: غابَ فِيها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - غَيَّبَهُ وغَيَّبَ دارَهُ في الأرْضِ ﴿فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ جَماعَةٌ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ وما كانَ هو في نَفْسِهِ ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ.
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾ أيْ: مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُتَنَدِّمًا عَلى ما (p-١١١١)فَرَطَ مِنهُ مِنَ التَّمَنِّي.
قالَ النَّحاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ: في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ويُونُسُ والكِسائِيُّ أنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ويْ. والمُتَنَدِّمُ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ في خِلالِ نَدَمِهِ ويْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: ويْ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، ويُقالُ: ويْكَ، وقَدْ تَدْخُلُ ويْ عَلى " كَأنْ " المُخَفَّفَةِ والمُشَدَّدَةِ ويْكَأنَّ اللَّهَ.
قالَ الخَلِيلُ: هي مَفْصُولَةٌ تَقُولُ ويْ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَيَقُولُ كَأنَّ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةُ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِكَ: أما تَرى صُنْعَ اللَّهِ وإحْسانَهُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ بِمَنزِلَةِ ألا. وقالَ قُطْرُبٌ: إنَّما وهو ويْلُكَ فَأُسْقِطَتْ لامُهُ، ومِنهُ قَوْلٌ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفا نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها ∗∗∗ قَوْلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرُ أقْدِمِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْنى ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْناها بِلُغَةِ حِمْيَرَ رَحْمَةٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِرَحْمَتِهِ وعَصَمَنا مِن مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ قارُونُ مِنَ البَطَرِ والبَغْيِ ولَمْ يُؤاخِذْنا بِما وقَعَ مِنّا مِن ذَلِكَ التَّمَنِّي و﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كَما خَسَفَ بِهِ.
قَرَأ حَفْصٌ " لَخَسَفَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الباقُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِن مَطالِبِهِمْ.
﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ، والإشارَةُ إلَيْها لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِخَبَرِها وبَلَغَكَ شَأْنُها ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ: رِفْعَةً وتَكَبُّرًا عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ: عَمَلًا بِمَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فِيها، وذِكْرُ العُلُوِّ والفَسادِ مُنْكَرَيْنِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى شُمُولِهِما لِكُلِّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ عُلُوٌّ وأنَّهُ فَسادٌ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ، أمّا الفَسادُ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ كائِنًا ما كانَ، وأمّا العُلُوُّ فالمَمْنُوعُ مِنهُ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التَّكَبُّرِ عَلى الغَيْرِ والتَّطاوُلِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَ مِنهُ طَلَبُ العُلُوِّ في الحَقِّ والرِّئاسَةِ في الدِّينِ ولا مَحَبَّةُ اللِّباسِ الحَسَنِ والمَرْكُوبِ الحَسَنِ والمَنزِلِ الحَسَنِ.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وهو أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَّمْلِ.
﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: أنْزَلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ وفَرائِضَهُ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أيْ: إلى مَكَّةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والزَّهْرِيُّ، والحَسَنُ: إنَّ المَعْنى: لَرادُّكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ المَعادُ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ النّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ أحْياءً.
وقالَ أبُو مالِكٍ وأبُو صالِحٍ: لَرادُّكَ إلى مَعادٍ إلى الجَنَّةِ.
وبِهِ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.وقِيلَ: ﴿إلى مَعادٍ﴾ إلى المَوْتِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إنَّكَ في ضَلالٍ، والمُرادُ مَن جاءَ بِالهُدى هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ المُشْرِكُونَ: والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْلَمُ حالَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ ويُجازِيها بِما تَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ﴾ أيْ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنّا نُرْسِلُكَ إلى العِبادِ ونُنَزِّلُ عَلَيْكَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: ما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ بِرَدِّكَ إلى مَعادِكَ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إلْقاؤُهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أُلْقِيَ إلَيْكَ الكِتابُ إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ مِن رَبِّكَ.
والأوَّلُ أوْلى وبِهِ جَزَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَوْنًا لَهم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ لا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لَهم بِمُداراتِهِمْ.
﴿ولا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ﴾ أيْ: لا يَصُدُّنَّكَ يا مُحَمَّدُ الكافِرُونَ وأقْوالُهم وكَذِبُهم وأذاهم عَنْ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ والعَمَلِ بِها بَعْدَ إذْ أنْزَلَها اللَّهُ إلَيْكَ وفُرِضَتْ عَلَيْكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الصّادِ مِن صَدَّهُ، يَصُدُّهُ وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ، مِن أصَدَّهُ بِمَعْنى صَدَّهَ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ: ادْعُ النّاسَ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ، والعَمَلِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ وحَّدَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ ووَصَفَها بِالبَقاءِ والدَّوامِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كائِنًا ما كانَ ﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ أيْ: إلّا ذاتَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجْهَهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ كانَ مَرْفُوعًا بِمَعْنى كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ وجْهِهِ هالِكٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
والمَعْنى كُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، لَهُ الحُكْمُ أيِ: القَضاءُ النّافِذُ يَقْضِي بِما شاءَ ويَحْكُمُ بِما أرادَ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عِنْدَ البَعْثِ لِيَجْزِيَ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَرْمَدًا﴾ قالَ: دائِمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾ قالَ: كانَ ابْنُ عَمِّهِ وكانَ يَتَّبِعُ العِلْمَ حَتّى جَمَعَ عِلْمًا فَلَمْ يَزَلْ في أمْرِهِ ذَلِكَ حَتّى بَغى عَلى مُوسى وحَسَدَهُ فَقالَ لَهُ مُوسى إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آخُذَ الزَّكاةَ، فَأبى فَقالَ إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ أمْوالَكم (p-١١١٢)جاءَكم بِالصَّلاةِ وجاءَكم بِأشْياءَ فاحْتَمَلْتُمُوها فَتَحْتَمِلُونَ أنْ تُعْطُوهُ أمْوالَكم ؟ فَقالُوا لا نَحْتَمِلُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: أرى أنْ أُرْسِلَ إلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنُرْسِلُها إلَيْهِ فَتَرْمِيهِ بِأنَّهُ أرادَها عَلى نَفْسِها، فَأرْسَلُوا إلَيْها فَقالُوا لَها: نُعْطِيكِ حُكْمَكِ عَلى أنْ تَشْهَدِي عَلى مُوسى أنَّهُ فَجَرَ بِكِ، قالَتْ: نَعَمْ، فَجاءَ قارُونُ إلى مُوسى فَقالَ: اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخْبِرْهم بِما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَهم فَقالُوا لَهُ: ما أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تَصِلُوا الرَّحِمَ كَذا وكَذا، وأمَرَنِي إذا زَنا وقَدْ أُحْصِنَ أنْ يُرْجَمَ، قالُوا: وإنْ كُنْتَ أنْتَ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَإنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
قالَ أنا ؟ فَأرْسَلُوا لِلْمَرْأةِ فَجاءَتْ، فَقالُوا: ما تَشْهَدِينَ عَلى مُوسى ؟ فَقالَ لَها مُوسى: أنْشُدُكِ بِاللَّهِ إلّا ما صَدَقْتِ.
قالَتْ: أمّا إذا نَشَدَتَّنِي بِاللَّهِ فَإنَّهم دَعَوْنِي وجَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي وأنا أشْهَدُ أنَّكَ بَرِئٌ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ما يُبْكِيكَ ؟ قَدْ سَلَّطْناكَ عَلى الأرْضِ فَمُرْها فَتُطِيعُكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى أعْقابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم إلى رَكْبِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى أعْناقِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ يا مُوسى يا مُوسى، فَقالَ خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم فَغَشِيَتْهم، فَأوْحى اللَّهُ يا مُوسى: سَألَكَ عِبادِي وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ فَلَمْ تُجِبْهم وعِزَّتِي لَوْ أنَّهم دَعَوْنِي لَأجَبْتُهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ خُسِفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَتْ مَفاتِيحُ كُنُوزِ قارُونَ مِن جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، كُلُّ مِفْتاحٍ عَلى خِزانَةٍ عَلى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا أغَرَّ مُحَجَّلًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ أنَّ بِغالَ مَفاتِيحِ خَزائِنِ قارُونَ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ لا يَزِيدُ مِفْتاحٌ مِنها عَلى إصْبَعٍ لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ.
قُلْتُ: لَمْ أجِدْ في الإنْجِيلِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ خَيْثَمَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ قالَ: تُثْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: لا يَرْفَعُها العُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ أُولُو القُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: العُصْبَةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ قالَ المَرِحِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قالَ: أنْ تَعْمَلَ فِيها لِآخِرَتِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ «فِي أرْبَعَةِ آلافِ بَغْلٍ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ أقْوالٌ في بَيانِ ما خَرَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الزِّينَةِ ولا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ هي مِن أخْبارِ أهْلِ الكِتابِ كَما عَرَّفْناكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا أدْرِي كَيْفَ إسْنادُ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي رَفَعَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَمَن ظَفَرَ بِكِتابِهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ قالَ: خَسَفَ بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى.
وأخْرَجَ المَحامِلِيُّ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ: «التَّجَبُّرُ في الأرْضِ والأخْذُ بِغَيْرِ الحَقِّ» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ وابْنِ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ قالَ: بَغْيًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو الشَّرَفُ والعُلُوُّ عِنْدَ ذَوِي سُلْطانِهِمْ.
وأقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الحَقِّ، فَهو مِن خِصالِ الخَيْرِ لا مِن خِصالِ الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أفْضَلَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ، فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن أحَبَّ ذَلِكَ لا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ، فَهَذا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ «أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا ونَعْلِي حَسَنَةً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ في أهْلِ العَدْلِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً، فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا فَأسْلَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ، «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالجُحْفَةِ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: إلى مَكَّةَ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ كَما أخْرَجَكَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ قالَ: مَعادُهُ الجَنَّةُ، وفي لَفْظٍ مَعادُهُ آخِرَتُهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأرْضِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ كُلُّ نَفْسٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ (p-١١١٣)﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ قالَ: إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ.
العنكبوت 29:2
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:3
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:4
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:5
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:6
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:7
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:8
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:9
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.
العنكبوت 29:10
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً، أوْ بَعْضِها مَكِّيًّا وبَعْضِها مَدَنِيًّا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، أخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
وحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلٌ رابِعٌ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّي في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى العَنْكَبُوتَ أوِ الرُّومَ، وفي الثّانِيَةِ يس» .
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأنْ يُتْرَكُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِحَسِبَ، وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ قائِمَةٌ مَقامَ المَفْعُولَيْنِ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وأنْ يَقُولُوا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: لِأنْ يَقُولُوا، أوْ بِأنْ يَقُولُوا، أوْ عَلى أنْ يَقُولُوا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن أنْ يُتْرَكُوا، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ النّاسَ لا يُتْرَكُونَ بِغَيْرِ اخْتِبارٍ ولا ابْتِلاءٍ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: وهم لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَخْتَبِرَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واسْتِبْعادِهِ، وبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ بِأنْواعِ التَّكالِيفِ وغَيْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ فَقَطْ ولا يُمْتَحَنُونَ بِما تَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ أيْ: لا يُبْتَلَوْنَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ما يُوَضِّحُ مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وظاهِرُها شُمُولُ كُلِّ النّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما قَرَّرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ نازِلَةً في سَبَبٍ خاصٍّ فَهي باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَّهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللَّهِ باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ وأنَّهُ يَخْتَبِرُ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَما اخْتَبَرَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وما وقَعَ مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المِحَنِ وما اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ أتْباعَهم ومَن آمَنَ بِهِمْ مِن تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ مِنهم في ذَلِكَ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَلَيَعْلَمَنَّ " بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ في المَوْضِعَيْنِ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الصّادِقَ والكاذِبَ في قَوْلِهِمْ ويُمَيِّزُ بَيْنَهم، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
والمَعْنى أيْ: يُعْلِمُ الطّائِفَتَيْنِ في الآخِرَةِ بِمَنازِلِهِمْ، أوْ يُعْلِمُ النّاسَ بِصِدْقِ مِن صَدَقَ ويَفْضَحُ الكاذِبِينَ بِكَذِبِهِمْ، أوْ يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلامَةً تَشْتَهِرُ بِها وتَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِها.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا قَبْلَ أنْ نُؤاخِذَهم بِما يَعْمَلُونَ، وهو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمَهم ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَعْنى ساءَ شَيْئًا أوْ حُكْمًا يَحْكُمُونَ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى ساءَ الشَّيْءُ أوِ الحُكْمُ حُكْمُهم، وجَعَلَها ابْنُ كَيْسانَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ساءَ حُكْمُهم.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ يَطْمَعُ، والرَّجاءُ بِمَعْنى الطَّمَعِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَخافُ المَوْتَ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ: مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ أيْ: ثَوابَ المَصِيرِ إلَيْهِ، فالرَّجاءُ عَلى هَذا (p-١١١٤)مَعْناهُ الأمَلُ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ أيِ: الأجَلُ المَضْرُوبُ لِلْبَعْثِ آتٍ لا مَحالَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ومَن في الآيَةِ الَّتِي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ودَخَلَتِ الفاءُ في جَوابِها تَشْبِيهًا لَها بِالشَّرْطِيَّةِ.
وفِي الآيَةِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ ما لا يَخْفى وهو السَّمِيعُ لِأقْوالِ عِبادِهِ العَلِيمُ بِما يُسِرُّونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ.
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَن جاهَدَ الكُفّارَ وجاهَدَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى الطّاعاتِ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أيْ: ثَوابُ ذَلِكَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ ولا يَرْجِعُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن نَفْعِ ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى طاعَتِهِمْ كَما لا تَضُرُّهُ مَعاصِيهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: ومَن جاهَدَ عَدُوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ لِجِهادِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: لِنُغَطِّيَنَّها عَنْهم بِالمَغْفِرَةِ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: بِجَزاءِ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ بِأحْسَنَ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ لِئَلّا يَكُونَ جَزاؤُهم بِالحُسْنِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وقِيلَ: يُعْطِيهِمْ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا وأحْسَنَ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ انْتِصابُ حُسْنًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيصاءً حَسَنًا عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: ذا حُسْنٍ.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ حَسَنًا، فَهو مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا
؎ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها كَأنَّما خافُونا
أيْ: يُوصِينا أنْ نَفْعَلَ بِها خَيْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
؎أوْصَيْتُ مِن بَرَّةَ قَلْبًا حُرًّا ∗∗∗ بِالكَلْبِ خَيْرًا والحَماةِ شَرًّا
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ: أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ووَصَّيْناهُ أمْرًا ذا حُسْنٍ، وقِيلَ: هو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ أيْ: ألْزَمْناهُ حُسْنًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: ووَصَّيْناهُ بِحُسْنٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَحْسُنُ حُسْنًا، ومَعْنى الآيَةِ: التَّوْصِيَةُ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ بِالبِرِّ بِهِما والعَطْفِ عَلَيْهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ " حُسْنًا " بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ بِفَتْحِهِما، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " إحْسانًا " وكَذا في مُصْحَفٍ أُبَيٍّ.
﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ: طَلَبا مِنكَ وألْزَماكَ أنْ تُشْرِكَ بِي إلَهًا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بِكَوْنِهِ إلَهًا فَلا تُطِعْهُما، فَإنَّهُ «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»، وعَبَّرَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الإلَهِ لِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ ؟ وإذا لَمْ تَجُزْ طاعَةُ الأبَوَيْنِ في هَذا المَطْلَبِ مَعَ المُجاهَدَةِ مِنهُما لَهُ فَعَدَمُ جَوازِها مَعَ مُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِدُونِ مُجاهَدَةٍ مِنهُما أوْلى، ويُلْحَقُ بِطَلَبِ الشِّرْكِ مِنهُما سائِرُ مَعاصِي اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، فَلا طاعَةَ لَهُما فِيما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِصالِحِ أعْمالِكم وطالِحِها، فَأُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاشْتِغالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنُدْخِلَنَّهم في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ كَذا قِيلَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ اللَّهِ ولِأجْلِهِ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكُفْرِ مَعَ أهْلِ الإيمانِ، وكَما يَفْعَلُهُ أهْلُ المَعاصِي مَعَ أهْلِ الطّاعاتِ مِن إيقاعِ الأذى عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِما أمَرَ بِهِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ الَّتِي هي ما يُوقِعُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأذى ﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَزِعَ مِن أذاهم، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ في الشِّدَّةِ والعِظَمِ كَعَذابِ اللَّهِ فَأطاعَ النّاسَ كَما يُطِيعُ اللَّهَ، وقِيلَ: هو المُنافِقُ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ رَجَعَ عَنِ الدِّينِ فَكَفَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَتْحٌ وغَلَبَةٌ لِلْأعْداءِ وغَنِيمَةٌ يَغْنَمُونَها مِنهم ﴿لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: داخِلُونَ مَعَكم في دِينِكم ومُعاوِنُونَ لَكم عَلى عَدُوِّكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما في صُدُورِهِمْ مِنهم مَن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ.
وهَؤُلاءِ هم قَوْمٌ مِمَّنْ كانَ في إيمانِهِمْ ضَعْفٌ، كانُوا إذا مَسَّهُمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهم.
وإذا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ ونَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ قالُوا إنّا كُنّا مَعَكم وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ المُنافِقُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِألْسِنَتِهِمْ.
فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ افْتَتَنُوا.
وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يُؤْمِنُونَ فَإذا أُوذُوا رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا النَّظْمَ مِن قَوْلِهِ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إلى قَوْلِهِ: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا نازِلٌ في المُنافِقِينَ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ.
ولِقَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ فَإنَّها لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ أيْ: لَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ويَظْهَرُ إخْلاصُ المُخْلِصِينَ ونِفاقُ المُنافِقِينَ، فالمُخْلِصُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى ويَصْبِرُ في اللَّهِ حَقَّ الصَّبْرِ، ولا يَجْعَلُ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
والمُنافِقُ الَّذِي يَمِيلُ هَكَذا وهَكَذا، فَإنْ أصابَهُ أذًى مِنَ الكافِرِينَ وافَقَهم وتابَعَهم وكَفَرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وإنْ خَفَقَتْ رِيحُ الإسْلامِ وطَلَعَ نَصْرُهُ ولاحَ فَتْحُهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
(p-١١١٥)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ اللّامُ في لِلَّذِينَ آمَنُوا هي لامُ التَّبْلِيغِ أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم كَما سَبَقَ بَيانُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أيْ: قالُوا لَهُمُ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا وادْخُلُوا في دِينِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اتِّباعُ سَبِيلِنا خَطِيئَةً تُؤاخَذُونَ بِها عِنْدَ البَعْثِ والنُّشُورِ كَما تَقُولُونَ فَلْنَحْمِلْ ذَلِكَ عَنْكم فَنُؤاخِذْ بِهِ دُونَكم، واللّامُ في لِنَحْمِلْ لامُ الأمْرِ كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.
وقالَ الفَرّاءُ والزُّجاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى بَيانِيَّةٌ.
والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي التَزَمُوا بِها وضَمِنُوا لَهم حَمْلَها، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالكَذِبِ في هَذا التَّحَمُّلِ فَقالَ: إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمِنُوا بِهِ مِن حَمْلِ خَطاياكم.
قالَ الَمَهَدَوِيُّ: هَذا التَّكْذِيبُ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُمِلَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم، فَلَمّا كانَ الأمْرُ يَرْجِعُ في المَعْنى إلى الخَبَرِ أُوقِعَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَما يُوقَعُ عَلى الخَبَرِ.
﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أوْزارَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأثْقالِ لِلْإيذانِ بِأنَّها ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ ﴿وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ. وهي أوْزارُ مَن أضَلُّوهم وأخْرَجُوهم عَنِ الهُدى إلى الضَّلالَةِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
﴿ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الأكاذِيبَ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها في الدُّنْيا.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي قَوْلُهم: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، في قَوْلِهِ: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَدِينَةِ لَمّا أُنْزِلَتْ آيَةُ الهِجْرَةِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إقْرارُ ولا إسْلامٌ حَتّى تُهاجِرُوا، قالَ: فَخَرَجُوا عامِدِينَ إلى المَدِينَةِ فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيكم كَذا وكَذا، فَقالُوا: نَخْرُجُ فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قَتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ اللَّهُ إسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وأبُو بَكْرٍ، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارٍ، وعَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ.
فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وأمّا سائِرُهم فَأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَألْبَسُوهم أدْرُعَ الحَدِيدِ وصَهَرُوهم في الشَّمْسِ، فَما مِنهم مِن أحِدٍ إلّا وقَدْ أتاهم عَلى ما أرادُوا إلّا بِلالٌ، فَإنَّهُ هانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ وهانَ عَلى قَوْمِهِ، فَأخَذُوهُ فَأعْطَوْهُ الوِلْدانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ في شِعابِ مَكَّةَ وهو يَقُولُ أحَدٌ أحَدٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أنْ يَسْبِقُونا قالَ: أنْ يُعْجِزُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَتْ أُمِّي لا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ فامْتَنَعَتْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ حَتّى جَعَلُوا يَشْجُرُونَ فاها بِالعَصا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ .
وأخْرَجَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ وذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ أيْضًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ وما يُؤْذى أحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحَدٌ، ولَقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثالِثَةٌ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلّا ما وارى إبِطُ بِلالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ إذا أُوذِيَ في اللَّهِ.