Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأحزاب 33:67 – سبأ 34:19
المحتويات
الأحزاب 33:67
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِنَ الزَّجْرِ لِمَن يُؤْذِي رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن عِبادِهِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ بَعْضَ مَن نالَهُ الأذى بِبَعْضِ ما يَدْفَعُ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنهُ فَقالَ: (p-١١٨٤)﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، والجَلابِيبُ جَمْعُ جِلْبابٍ، وهو ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ الجِلْبابُ المِلْحَفَةُ، وقِيلَ: القِناعُ، وقِيلَ: هو ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِ المَرْأةِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إحْدانا لا يَكُونُ لَها جِلْبابٌ، فَقالَ: لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِن جِلْبابِها»، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ ورُءُوسَهُنَّ إلّا عَيْنًا واحِدَةً، فَيُعْلَمُ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يُعْرَضُ لَهُنَّ بِأذًى.
وقالَ الحَسَنُ: تُغَطِّي نِصْفَ وجْهِها.
وقالَ قَتادَةُ: تَلْوِيهِ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدُّهُ ثُمَّ تَعْطِفُهُ عَلى الأنْفِ وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى إدْناءِ الجَلابِيبِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ أيْ: أقْرَبُ أنْ يُعْرَفْنَ فَيَتَمَيَّزْنَ عَنِ الإماءِ ويَظْهَرَ لِلنّاسِ أنَّهُنَّ حَرائِرُ ﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ مِن جِهَةِ أهْلِ الرِّيبَةِ بِالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ مُراقَبَةً لَهُنَّ ولِأهْلِهِنَّ، ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ أنْ تُعْرَفَ الواحِدَةُ مِنهُنَّ مَن هي، بَلِ المُرادُ أنْ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ لا إماءٌ؛ لِأنَّهُنَّ قَدْ لَبِسْنَ لُبْسَةً تَخْتَصُّ بِالحَرائِرِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سَلَفَ مِنهُنَّ مِن تَرْكِ إدْناءِ الجَلابِيبِ رَحِيمًا بِهِنَّ أوْ غَفُورًا لِذُنُوبِ المُذْنِبِينَ رَحِيمًا بِهِمْ فَيَدْخُلْنَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
ثُمَّ تَوَعَّدَ - سُبْحانَهُ - أهْلَ النِّفاقِ والإرْجافِ، فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ ورِيبَةٌ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الإرْجافِ بِذِكْرِ الأخْبارِ الكاذِبَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِتَوْهِينِ جانِبِ المُسْلِمِينَ وظُهُورِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ لِشَيْءٍ واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النِّفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ والإرْجافِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَهو عَلى هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
؎إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
أيْ: إلى المَلِكِ القَرِمِ بْنِ الهُمامِ لَيْثِ الكَتِيبَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ الزُّناةُ.
والإرْجافُ في اللُّغَةِ: إشاعَةُ الكَذِبِ والباطِلِ، يُقالُ: أرْجَفَ بِكَذا: إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَةٍ لِكَوْنِهِ خَبَرًا مُتَزَلْزِلًا غَيْرَ ثابِتٍ، مِنَ الرَّجْفَةِ وهي الزَّلْزَلَةُ.
يُقالُ: رَجَفَتِ الأرْضُ أيْ: تَحَرَّكَتْ وتَزَلْزَلَتْ تَرْجُفُ رَجْفًا، والرَّجَفانُ: الِاضْطِرابُ الشَّدِيدُ، وسُمِّيَ البَحْرُ رَجّافًا لِاضْطِرابِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎المُطْعِمُونَ اللَّحْمَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ حَتّى تَغِيبَ الشَّمْسُ في الرَّجّافِ
والإرْجافُ واحِدُ الأراجِيفِ، وأرْجَفُوا في الشَّيْءِ: خاضُوا فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ شاعِرٍ:
؎فَإنّا وإنْ عَيَّرْتُمُونا بِقِلَّةٍ ∗∗∗ وأرْجَفَ بِالإسْلامِ باغٍ وحاسِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎أبِالأراجِيفِ يا ابْنَ اللُّؤْمِ تُوعِدُنِي ∗∗∗ وفي الأراجِيفِ خِلْتُ اللُّؤْمَ والخَوْرَ
وذَلِكَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُرْجِفِينَ كانُوا يُخْبِرُونَ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ بِأنَّهم هُزِمُوا، وتارَةً بِأنَّهم قُتِلُوا، وتارَةً بِأنَّهم غُلِبُوا ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَنْكَسِرُ لَهُ قُلُوبُ المُسْلِمِينَ مِنَ الأخْبارِ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والتَّشْرِيدِ بِأمْرِنا لَكَ بِذَلِكَ.
قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ أغْراهُ اللَّهُ بِهِمْ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فَهَذا فِيهِ مَعْنى الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ وأخْذِهِمْ أيْ: هَذا حُكْمُهم إذا كانُوا مُقِيمِينَ عَلى النِّفاقِ والإرْجافِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: في الآيَةِ.
وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِحَسَنٍ ولا أحْسَنَ، فَإنَّ قَوْلَهُ مَلْعُونِينَ إلَخْ، إنَّما هو لِمُجَرَّدِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقِتالِهِمْ ولا تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُمُ انْتَهَوْا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الإرْجافِ فَلَمْ يُغْرِهِ اللَّهُ بِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا جِوارًا قَلِيلًا حَتّى يَهْلِكُوا، وانْتِصابُ مَلْعُونِينَ عَلى الحالِ كَما قالَ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ، والمَعْنى مَطْرُودِينَ أيْنَما وُجِدُوا وأُدْرِكُوا ﴿أُخِذُوا وقُتِّلُوا﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُؤْخَذُوا ويُقَتَّلُوا تَقْتِيلًا وقِيلَ: إنَّ هَذا هو الحُكْمُ فِيهِمْ ولَيْسَ بِدُعاءٍ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ لَمْ يَكُنْ لَهم مُقامٌ بِالمَدِينَةِ إلّا وهم مَطْرُودُونَ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وهو لَعْنُ المُنافِقِينَ وأخْذُهم وتَقْتِيلُهم، وكَذا حُكْمُ المُرْجِفِينَ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ ويُرْجِفُونَ بِهِمْ أنْ يُقَتَّلُوا حَيْثُما ثُقِفُوا ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أيْ: تَحْوِيلًا وتَغْيِيرًا، بَلْ هي ثابِتَةٌ دائِمَةٌ في أمْثالِ هَؤُلاءِ في الخَلَفِ والسَّلَفِ.
﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ: عَنْ وقْتِ قِيامِها وحُصُولِها، قِيلَ: السّائِلُونَ عَنِ السّاعَةِ هم أُولَئِكَ المُنافِقُونَ والمُرْجِفُونَ لَمّا تُوُعِّدُوا بِالعَذابِ سَألُوا عَنِ السّاعَةِ اسْتِبْعادًا وتَكْذِيبًا ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ يا مُحَمَّدُ أيْ: ما يُعْلِمُكَ ويُخْبِرُكَ ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، وانْتِصابُ قَرِيبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّذْكِيرُ لِكَوْنِ السّاعَةِ في مَعْنى اليَوْمِ أوِ الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ تَأْنِيثِ السّاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَيانِ أنَّها إذا كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهُ لا يَعْلَمُ وقْتَها، وهو رَسُولُ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ النّاسِ ؟ وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم عَظِيمٌ.
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿وأعَدَّ لَهم﴾ في الآخِرَةِ مَعَ ذَلِكَ اللَّعْنِ مِنهُ لَهم في الدُّنْيا سَعِيرًا أيْ: نارًا شَدِيدَةَ التَّسَعُّرِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ بِلا انْقِطاعٍ ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَحْفَظُهم مِن عَذابِها ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِنها.
ويَوْمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ لا يَجِدُونَ، وقِيلَ: لِ خالِدِينَ، وقِيلَ: لِ نَصِيرًا، وقِيلَ: لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو اذْكُرْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُقَلَّبُ " بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " نُقَلِّبُ " بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ (p-١١٨٥)عِيسى أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى تُقَلِّبُ السَّعِيرُ وُجُوهَهم.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ عَلى مَعْنى تَتَقَلَّبُ، ومَعْنى هَذا التَّقَلُّبِ المَذْكُورِ في الآيَةِ: هو تَقَلُّبُها تارَةً عَلى جِهَةٍ مِنها، وتارَةً عَلى جِهَةٍ أُخْرى ظَهْرًا لِبَطْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ بِلَفْحِ النّارِ فَتَسْوَدُّ تارَةً وتَخْضَرُّ أُخْرى، أوْ تَبْدِيلُ جُلُودِهِمْ بِجُلُودٍ أُخْرى، فَحِينَئِذٍ ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما حالُهم ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى يَقُولُونَ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يا لَيْتَنا إلَخْ.
تَمَنَّوْا أنَّهم أطاعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وآمَنُوا بِما جاءَ بِهِ لِيَنْجُوا مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ كَما نَجا المُؤْمِنُونَ.
وهَذِهِ الألِفُ في الرَّسُولا، والألِفُ الَّتِي سَتَأْتِي في " السَّبِيلا " هي الألِفُ الَّتِي تَقَعُ في الفَواصِلِ ويُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، والمُرادُ بِالسّادَةِ والكُبَراءِ هُمُ الرُّؤَساءُ والقادَةُ الَّذِينَ كانُوا يَمْتَثِلُونَ أمْرَهم في الدُّنْيا ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وفي هَذا زَجْرٌ عَنِ التَّقْلِيدِ شَدِيدٌ، وكَمْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى هَذا والتَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ، ولَكِنْ لِمَن يَفْهَمُ مَعْنى كَلامِ اللَّهِ ويَقْتَدِي بِهِ ويُنْصِفُ مِن نَفْسِهِ، لا لِمَن هو مِن جِنْسِ الأنْعامِ، في سُوءِ الفَهْمِ ومَزِيدِ البَلادَةِ وشِدَّةِ التَّعَصُّبِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ " ساداتِنا " بِكَسْرِ التّاءِ جَمْعُ سادَةٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُطْعِمُونَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، والأوَّلُ أوْلى، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ أيْ: عَنِ السَّبِيلِ بِما زَيَّنُوا لَنا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والسَّبِيلُ هو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مِثْلَ عَذابِنا مَرَّتَيْنِ.
وقالَ قَتادَةُ: عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ الكُفْرِ وعَذابُ الإضْلالِ ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " كَثِيرًا " بِالمُثَلَّثَةِ أيْ: لَعْنًا كَثِيرَ العَدَدِ عَظِيمَ القَدْرِ شَدِيدَ المَوْقِعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وأبُو عُبَيْدٍ والنَّحّاسُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ أيْ: كَبِيرًا في نَفْسِهِ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ ثَقِيلَ المَوْقِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَ: «خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها، وكانَتِ امْرَأةً جَسِيمَةً لا تَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُها، فَرَآها عُمَرُ فَقالَ: يا سَوْدَةُ أما واللَّهِ ما تَخْفَيْنَ عَلَيْنا فانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ ؟ قالَ: فانْكَفَأتْ راجِعَةً ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في بَيْتِي وإنَّهُ لَيَتَعَشّى وفي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي، فَقالَ لِي عُمَرُ كَذا وكَذا، فَأُوحِيَ إلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وإنَّ العَرْقَ في يَدِهِ ما وضَعَهُ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: كانَ نِساءُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ لِحاجَتِهِنَّ، وكانَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُنَّ فَيُؤْذَيْنَ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلْمُنافِقِينَ، فَقالُوا: إنَّما نَفْعَلُهُ بِالإماءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَتَعَرَّضُ لِنِساءِ المُؤْمِنِينَ ويُؤْذِيهِنَّ، فَإذا قِيلَ لَهُ، قالَ كُنْتُ أحْسَبُها أمَةً، فَأمَرَهُنَّ اللَّهُ أنْ يُخالِفْنَ زِيَّ الإماءِ ويُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ تُخَمِّرُ وجْهَها إلّا إحْدى عَيْنَيْها ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يُعْرَفْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نِساءَ المُؤْمِناتِ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في حاجَةٍ أنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِنَّ بِالجَلابِيبِ ويُبْدِينَ عَيْنًا واحِدَةً.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ خَرَجَ نِساءُ الأنْصارِ كَأنَّ رُءُوسَهُنَّ الغِرْبانُ مِنَ السَّكِينَةِ وعَلَيْهِنَّ أكْسِيَةٌ سُودٌ يَلْبَسْنَها، هَكَذا في الزَّوائِدِ بِلَفْظِ مِنَ السَّكِينَةِ، ولَيْسَ لَها مَعْنًى، فَإنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ الأكْسِيَةِ السُّودِ بِالغِرْبانِ، لا أنَّ المُرادَ وصْفُهُنَّ بِالسِّكِينَةِ كَما يُقالُ: كَأنَّ عَلى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ نِساءَ الأنْصارِ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ، فاعْتَجَرْنَ بِها وصَلَّيْنَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّما عَلى رُءُوسِهِنَّ الغِرْبانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الحُرَّةُ تَلْبَسُ لِباسَ الأمَةِ فَأمَرَ اللَّهُ نِساءَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ، وإدْناءُ الجِلْبابِ أنْ تَقَنَّعَ وتَشُدَّهُ عَلى جَبِينِها.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ بِأعْيانِهِمْ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ أيْضًا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ هُمُ المُنافِقُونَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قالَ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ.
الأحزاب 33:68
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِنَ الزَّجْرِ لِمَن يُؤْذِي رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن عِبادِهِ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَأْمُرَ بَعْضَ مَن نالَهُ الأذى بِبَعْضِ ما يَدْفَعُ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنهُ فَقالَ: (p-١١٨٤)﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، والجَلابِيبُ جَمْعُ جِلْبابٍ، وهو ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ الجِلْبابُ المِلْحَفَةُ، وقِيلَ: القِناعُ، وقِيلَ: هو ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِ المَرْأةِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إحْدانا لا يَكُونُ لَها جِلْبابٌ، فَقالَ: لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِن جِلْبابِها»، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ ورُءُوسَهُنَّ إلّا عَيْنًا واحِدَةً، فَيُعْلَمُ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يُعْرَضُ لَهُنَّ بِأذًى.
وقالَ الحَسَنُ: تُغَطِّي نِصْفَ وجْهِها.
وقالَ قَتادَةُ: تَلْوِيهِ فَوْقَ الجَبِينِ وتَشُدُّهُ ثُمَّ تَعْطِفُهُ عَلى الأنْفِ وإنْ ظَهَرَتْ عَيْناها لَكِنَّهُ يَسْتُرُ الصَّدْرَ ومُعْظَمَ الوَجْهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى إدْناءِ الجَلابِيبِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ أيْ: أقْرَبُ أنْ يُعْرَفْنَ فَيَتَمَيَّزْنَ عَنِ الإماءِ ويَظْهَرَ لِلنّاسِ أنَّهُنَّ حَرائِرُ ﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ مِن جِهَةِ أهْلِ الرِّيبَةِ بِالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ مُراقَبَةً لَهُنَّ ولِأهْلِهِنَّ، ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ أنْ تُعْرَفَ الواحِدَةُ مِنهُنَّ مَن هي، بَلِ المُرادُ أنْ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ لا إماءٌ؛ لِأنَّهُنَّ قَدْ لَبِسْنَ لُبْسَةً تَخْتَصُّ بِالحَرائِرِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سَلَفَ مِنهُنَّ مِن تَرْكِ إدْناءِ الجَلابِيبِ رَحِيمًا بِهِنَّ أوْ غَفُورًا لِذُنُوبِ المُذْنِبِينَ رَحِيمًا بِهِمْ فَيَدْخُلْنَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
ثُمَّ تَوَعَّدَ - سُبْحانَهُ - أهْلَ النِّفاقِ والإرْجافِ، فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ ورِيبَةٌ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الإرْجافِ بِذِكْرِ الأخْبارِ الكاذِبَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِتَوْهِينِ جانِبِ المُسْلِمِينَ وظُهُورِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ لِشَيْءٍ واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النِّفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ والإرْجافِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَهو عَلى هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
؎إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
أيْ: إلى المَلِكِ القَرِمِ بْنِ الهُمامِ لَيْثِ الكَتِيبَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ الزُّناةُ.
والإرْجافُ في اللُّغَةِ: إشاعَةُ الكَذِبِ والباطِلِ، يُقالُ: أرْجَفَ بِكَذا: إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَةٍ لِكَوْنِهِ خَبَرًا مُتَزَلْزِلًا غَيْرَ ثابِتٍ، مِنَ الرَّجْفَةِ وهي الزَّلْزَلَةُ.
يُقالُ: رَجَفَتِ الأرْضُ أيْ: تَحَرَّكَتْ وتَزَلْزَلَتْ تَرْجُفُ رَجْفًا، والرَّجَفانُ: الِاضْطِرابُ الشَّدِيدُ، وسُمِّيَ البَحْرُ رَجّافًا لِاضْطِرابِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎المُطْعِمُونَ اللَّحْمَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ حَتّى تَغِيبَ الشَّمْسُ في الرَّجّافِ
والإرْجافُ واحِدُ الأراجِيفِ، وأرْجَفُوا في الشَّيْءِ: خاضُوا فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ شاعِرٍ:
؎فَإنّا وإنْ عَيَّرْتُمُونا بِقِلَّةٍ ∗∗∗ وأرْجَفَ بِالإسْلامِ باغٍ وحاسِدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎أبِالأراجِيفِ يا ابْنَ اللُّؤْمِ تُوعِدُنِي ∗∗∗ وفي الأراجِيفِ خِلْتُ اللُّؤْمَ والخَوْرَ
وذَلِكَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُرْجِفِينَ كانُوا يُخْبِرُونَ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ بِأنَّهم هُزِمُوا، وتارَةً بِأنَّهم قُتِلُوا، وتارَةً بِأنَّهم غُلِبُوا ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَنْكَسِرُ لَهُ قُلُوبُ المُسْلِمِينَ مِنَ الأخْبارِ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والتَّشْرِيدِ بِأمْرِنا لَكَ بِذَلِكَ.
قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ أغْراهُ اللَّهُ بِهِمْ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فَهَذا فِيهِ مَعْنى الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ وأخْذِهِمْ أيْ: هَذا حُكْمُهم إذا كانُوا مُقِيمِينَ عَلى النِّفاقِ والإرْجافِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: في الآيَةِ.
وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِحَسَنٍ ولا أحْسَنَ، فَإنَّ قَوْلَهُ مَلْعُونِينَ إلَخْ، إنَّما هو لِمُجَرَّدِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقِتالِهِمْ ولا تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُمُ انْتَهَوْا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الإرْجافِ فَلَمْ يُغْرِهِ اللَّهُ بِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ أيْ: لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا جِوارًا قَلِيلًا حَتّى يَهْلِكُوا، وانْتِصابُ مَلْعُونِينَ عَلى الحالِ كَما قالَ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ، والمَعْنى مَطْرُودِينَ أيْنَما وُجِدُوا وأُدْرِكُوا ﴿أُخِذُوا وقُتِّلُوا﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُؤْخَذُوا ويُقَتَّلُوا تَقْتِيلًا وقِيلَ: إنَّ هَذا هو الحُكْمُ فِيهِمْ ولَيْسَ بِدُعاءٍ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ لَمْ يَكُنْ لَهم مُقامٌ بِالمَدِينَةِ إلّا وهم مَطْرُودُونَ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وهو لَعْنُ المُنافِقِينَ وأخْذُهم وتَقْتِيلُهم، وكَذا حُكْمُ المُرْجِفِينَ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ اللَّهُ في الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ ويُرْجِفُونَ بِهِمْ أنْ يُقَتَّلُوا حَيْثُما ثُقِفُوا ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أيْ: تَحْوِيلًا وتَغْيِيرًا، بَلْ هي ثابِتَةٌ دائِمَةٌ في أمْثالِ هَؤُلاءِ في الخَلَفِ والسَّلَفِ.
﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ: عَنْ وقْتِ قِيامِها وحُصُولِها، قِيلَ: السّائِلُونَ عَنِ السّاعَةِ هم أُولَئِكَ المُنافِقُونَ والمُرْجِفُونَ لَمّا تُوُعِّدُوا بِالعَذابِ سَألُوا عَنِ السّاعَةِ اسْتِبْعادًا وتَكْذِيبًا ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ يا مُحَمَّدُ أيْ: ما يُعْلِمُكَ ويُخْبِرُكَ ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أيْ: في زَمانٍ قَرِيبٍ، وانْتِصابُ قَرِيبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّذْكِيرُ لِكَوْنِ السّاعَةِ في مَعْنى اليَوْمِ أوِ الوَقْتِ مَعَ كَوْنِ تَأْنِيثِ السّاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لِبَيانِ أنَّها إذا كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهُ لا يَعْلَمُ وقْتَها، وهو رَسُولُ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ النّاسِ ؟ وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم عَظِيمٌ.
﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿وأعَدَّ لَهم﴾ في الآخِرَةِ مَعَ ذَلِكَ اللَّعْنِ مِنهُ لَهم في الدُّنْيا سَعِيرًا أيْ: نارًا شَدِيدَةَ التَّسَعُّرِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ بِلا انْقِطاعٍ ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ ويَحْفَظُهم مِن عَذابِها ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِنها.
ويَوْمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ لا يَجِدُونَ، وقِيلَ: لِ خالِدِينَ، وقِيلَ: لِ نَصِيرًا، وقِيلَ: لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو اذْكُرْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُقَلَّبُ " بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " نُقَلِّبُ " بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - .
وقَرَأ (p-١١٨٥)عِيسى أيْضًا بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى تُقَلِّبُ السَّعِيرُ وُجُوهَهم.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ عَلى مَعْنى تَتَقَلَّبُ، ومَعْنى هَذا التَّقَلُّبِ المَذْكُورِ في الآيَةِ: هو تَقَلُّبُها تارَةً عَلى جِهَةٍ مِنها، وتارَةً عَلى جِهَةٍ أُخْرى ظَهْرًا لِبَطْنٍ، أوْ تَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ بِلَفْحِ النّارِ فَتَسْوَدُّ تارَةً وتَخْضَرُّ أُخْرى، أوْ تَبْدِيلُ جُلُودِهِمْ بِجُلُودٍ أُخْرى، فَحِينَئِذٍ ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما حالُهم ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى يَقُولُونَ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يا لَيْتَنا إلَخْ.
تَمَنَّوْا أنَّهم أطاعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وآمَنُوا بِما جاءَ بِهِ لِيَنْجُوا مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ كَما نَجا المُؤْمِنُونَ.
وهَذِهِ الألِفُ في الرَّسُولا، والألِفُ الَّتِي سَتَأْتِي في " السَّبِيلا " هي الألِفُ الَّتِي تَقَعُ في الفَواصِلِ ويُسَمِّيها النُّحاةُ ألِفَ الإطْلاقِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، والمُرادُ بِالسّادَةِ والكُبَراءِ هُمُ الرُّؤَساءُ والقادَةُ الَّذِينَ كانُوا يَمْتَثِلُونَ أمْرَهم في الدُّنْيا ويَقْتَدُونَ بِهِمْ، وفي هَذا زَجْرٌ عَنِ التَّقْلِيدِ شَدِيدٌ، وكَمْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى هَذا والتَّحْذِيرِ مِنهُ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ، ولَكِنْ لِمَن يَفْهَمُ مَعْنى كَلامِ اللَّهِ ويَقْتَدِي بِهِ ويُنْصِفُ مِن نَفْسِهِ، لا لِمَن هو مِن جِنْسِ الأنْعامِ، في سُوءِ الفَهْمِ ومَزِيدِ البَلادَةِ وشِدَّةِ التَّعَصُّبِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ " ساداتِنا " بِكَسْرِ التّاءِ جَمْعُ سادَةٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُطْعِمُونَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، والأوَّلُ أوْلى، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ أيْ: عَنِ السَّبِيلِ بِما زَيَّنُوا لَنا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والسَّبِيلُ هو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ: مِثْلَ عَذابِنا مَرَّتَيْنِ.
وقالَ قَتادَةُ: عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ الكُفْرِ وعَذابُ الإضْلالِ ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " كَثِيرًا " بِالمُثَلَّثَةِ أيْ: لَعْنًا كَثِيرَ العَدَدِ عَظِيمَ القَدْرِ شَدِيدَ المَوْقِعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وأبُو عُبَيْدٍ والنَّحّاسُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ أيْ: كَبِيرًا في نَفْسِهِ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ ثَقِيلَ المَوْقِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَ: «خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها، وكانَتِ امْرَأةً جَسِيمَةً لا تَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُها، فَرَآها عُمَرُ فَقالَ: يا سَوْدَةُ أما واللَّهِ ما تَخْفَيْنَ عَلَيْنا فانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ ؟ قالَ: فانْكَفَأتْ راجِعَةً ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في بَيْتِي وإنَّهُ لَيَتَعَشّى وفي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي، فَقالَ لِي عُمَرُ كَذا وكَذا، فَأُوحِيَ إلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وإنَّ العَرْقَ في يَدِهِ ما وضَعَهُ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: كانَ نِساءُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ لِحاجَتِهِنَّ، وكانَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُنَّ فَيُؤْذَيْنَ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلْمُنافِقِينَ، فَقالُوا: إنَّما نَفْعَلُهُ بِالإماءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَتَعَرَّضُ لِنِساءِ المُؤْمِنِينَ ويُؤْذِيهِنَّ، فَإذا قِيلَ لَهُ، قالَ كُنْتُ أحْسَبُها أمَةً، فَأمَرَهُنَّ اللَّهُ أنْ يُخالِفْنَ زِيَّ الإماءِ ويُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ تُخَمِّرُ وجْهَها إلّا إحْدى عَيْنَيْها ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يُعْرَفْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نِساءَ المُؤْمِناتِ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في حاجَةٍ أنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِنَّ بِالجَلابِيبِ ويُبْدِينَ عَيْنًا واحِدَةً.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ خَرَجَ نِساءُ الأنْصارِ كَأنَّ رُءُوسَهُنَّ الغِرْبانُ مِنَ السَّكِينَةِ وعَلَيْهِنَّ أكْسِيَةٌ سُودٌ يَلْبَسْنَها، هَكَذا في الزَّوائِدِ بِلَفْظِ مِنَ السَّكِينَةِ، ولَيْسَ لَها مَعْنًى، فَإنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ الأكْسِيَةِ السُّودِ بِالغِرْبانِ، لا أنَّ المُرادَ وصْفُهُنَّ بِالسِّكِينَةِ كَما يُقالُ: كَأنَّ عَلى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ نِساءَ الأنْصارِ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ، فاعْتَجَرْنَ بِها وصَلَّيْنَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَأنَّما عَلى رُءُوسِهِنَّ الغِرْبانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الحُرَّةُ تَلْبَسُ لِباسَ الأمَةِ فَأمَرَ اللَّهُ نِساءَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ، وإدْناءُ الجِلْبابِ أنْ تَقَنَّعَ وتَشُدَّهُ عَلى جَبِينِها.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ بِأعْيانِهِمْ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ أيْضًا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ هُمُ المُنافِقُونَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قالَ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ.
الأحزاب 33:69
قَوْلُهُ: ٦٩ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ هو قَوْلُهم: إنَّ بِهِ أُدْرَةً أوْ بَرَصًا أوْ عَيْبًا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وزَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَ اللَّهُ (p-١١٨٦)المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُؤْذُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما آذى بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما أُوذِيَ بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أذِيَّتَهم مُحَمَّدًا قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: «إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَسَمَ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وما سَمِعَ فِيها مِن قالَةِ النّاسِ، ومَعْنى ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ وكانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ذا وجاهَةٍ، والوَجِيهُ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمُ القَدْرِ الرَّفِيعُ المَنزِلَةِ، وقِيلَ: في تَفْسِيرِ الوَجاهَةِ إنَّهُ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بِالنُّونِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ " عَبْدُ اللَّهِ " بِالباءِ المُوَحَّدَةِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ هي المَوْصُولَةُ أوِ المَصْدَرِيَّةُ أيْ: مِنَ الَّذِي قالُوهُ.
أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أيْ: قَوْلًا صَوابًا وحَقًّا.
قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ولا تَنْسُبُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى ما لا يَحِلُّ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ القَوْلَ السَّدِيدَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقِيلَ: هو الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: هو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ.
والسَّدِيدُ مَأْخُوذٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصابَ بِهِ الغَرَضُ، والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في جَمِيعِ ما يَأْتُونَهُ ويَذَرُونَهُ فَلا يَخُصُّ ذَلِكَ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِي العُمُومَ فالمَقامُ يُفِيدُ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ أرْشَدَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ إلى أنْ يَقُولُوا قَوْلًا يُخالِفُ قَوْلَ أهْلِ الأذى.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا الأمْرَ بِالتَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ: ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها صالِحَةً لا فاسِدَةً بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ويُوَفِّقُهم فِيهِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها مُكَفَّرَةً مَغْفُورَةً ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في فِعْلِ ما هو طاعَةٌ واجْتِنابِ ما هو مَعْصِيَةٌ ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ظَفِرَ بِالخَيْرِ ظَفَرًا عَظِيمًا، ونالَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ ما لِأهْلِ الطّاعَةِ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ بَيانِ ما لِأهْلِ المَعْصِيَةِ مِنَ العَذابِ بَيَّنَ عِظَمَ شَأْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ .
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأمانَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَقالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الأمانَةِ هاهُنا في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ الطّاعَةُ والفَرائِضُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِأدائِها الثَّوابُ وبِتَضْيِيعِها العِقابُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأمانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وصائِفِ الدِّينِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفاصِيلِ بَعْضِها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي في أمانَةِ الأمْوالِ كالوَدائِعِ وغَيْرِها، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.
وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ ائْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمَنِ ابْنَ آدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن دِينِهِ غَيْرُها.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الإنْسانِ فَرْجَهُ، وقالَ: هَذِهِ أمانَةٌ أسْتَوْدِعُكَها فَلا تُلْبِسْها إلّا بِحَقٍّ، فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ.
فالفَرْجُ أمانَةٌ والأُذُنُ أمانَةٌ والعَيْنُ أمانَةٌ واللِّسانُ أمانَةٌ والبَطْنُ أمانَةٌ واليَدُ أمانَةٌ والرِّجْلُ أمانَةٌ، ولا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هي ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى ولَدِهِ هابِيلَ وخِيانَتُهُ إيّاهُ في قَتْلِهِ.
وما أبْعَدَ هَذا القَوْلَ، ولَيْتَ شِعْرِي ما هو الَّذِي سَوَّغَ لِلسُّدِّيِّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلِيلَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الماضِينَ مِنَ العِبادِ حَتّى يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ أبْعَدُ مِن كُلِّ بَعِيدٍ وأوْهَنُ مِن بُيُوتِ العَنْكَبُوتِ، وإنْ كانَ تَفْسِيرُ هَذا عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَلَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي هَذا ويُوجِبُ حَمْلَ هَذِهِ الأمانَةِ المُطْلَقَةِ عَلى شَيْءٍ كانَ في أوَّلِ هَذا العالَمِ، وإنْ كانَ هَذا تَفْسِيرًا مِنهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الكِتابُ العَزِيزُ عُرْضَةً لِتَلاعُبِ آراءِ الرِّجالِ بِهِ، ولِهَذا ورَدَ الوَعِيدُ عَلى مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، فاحْذَرْ أيُّها الطّالِبُ لِلْحَقِّ عَنْ قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ واشْدُدْ يَدَيْكَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ كَما وصَفَهُ اللَّهُ، فَإنْ جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العَرَبِ ومِن أهْلِ اللُّغَةِ ومِمَّنْ جَمَعَ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العِلْمَ بِالِاصْطِلاحاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَكِنْ إذا كانَ مَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعَ مِمّا فَسَّرُوهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَعَلَيْكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَهُ الصَّحابِيُّ ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وأسْرارُها، فَخُذْ هَذِهِ كُلِّيَّةً تَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ ذَكَرْنا في خُطْبَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما يُرْشِدُكَ إلى هَذا.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأمانَةَ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَقالَتْ: وما فِيها ؟ فَقالَ لَها: إنْ أحْسَنْتِ آجَرْتُكِ وإنْ أسَأْتِ عَذَّبْتُكِ، فَقالَتْ: لا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُها.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِ حَسَنٍ ومُجاهِدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
وقِيلَ: هَذِهِ الأمانَةُ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُوها فَأظْهَرُوها، إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها.
كَذا قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مُفَسِّرًا لِلْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ الزّائِفِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى عَرَضْنا: أظْهَرْنا.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمادَ لا يَفْهَمُ ولا يُجِيبُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الحَياةِ فِيها، وهَذا العَرْضُ في الآيَةِ هو عَرْضُ تَخْيِيرٍ لا عَرْضَ إلْزامٍ.
وقالَ القَفّالُ وغَيْرُهُ: العَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى كِبَرِ أجْرامِها لَوْ كانَتْ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَكْلِيفُها لَثَقُلَ عَلَيْها تَقَلُّدُ الشَّرائِعِ لِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ أيْ أنَّ التَّكْلِيفَ أمْرٌ عَظِيمٌ حَقُّهُ أنْ تَعْجِزَ عَنْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، (p-١١٨٧)والجِبالُ، وقَدْ كُلِّفَهُ الإنْسانُ وهو ظَلُومٌ جَهُولٌ لَوْ عَقَلَ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] وقِيلَ: إنَّ عَرَضْنا بِمَعْنى عارَضْنا أيْ: عارَضْنا الأمانَةَ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَضَعُفَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنِ الأمانَةِ ورَجَحَتِ الأمانَةُ بِثِقَلِها عَلَيْها.
وقِيلَ: إنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنَّما كانَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْها، وهَذا أيْضًا تَحْرِيفٌ لا تَفْسِيرٌ، ومَعْنى ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيِ: التَزَمَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ لِما يَلْزَمُهُ، أوْ جَهُولٌ لِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ جَهُولٌ بِرَبِّهِ كَما قالَ الحَسَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى حَمَلَها خانَ فِيها، وجَعَلَ الآيَةَ في الكُفّارِ والفُسّاقِ والعُصاةِ، وقِيلَ: مَعْنى حَمَلَها: كُلِّفَها وأُلْزِمَها، أوْ صارَ مُسْتَعِدًّا لَها بِالفِطْرَةِ، أوْ حَمَلَها عِنْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ في عالَمِ الذَّرِّ عِنْدَ خُرُوجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ وأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ.
واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَمَلَها أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ العاصِيَ، ويُثِيبَ المُطِيعَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وغايَتِها لِلْإيذانِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحْمِلُهُ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ ومُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: لِيُعَذِّبَهم بِما خانُوا مِنَ الأمانَةِ وكَذَّبُوا مِنَ الرُّسُلِ ونَقَضُوا مِنَ المِيثاقِ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هَؤُلاءِ المُعَذَّبُونَ هُمُ الَّذِينَ خانُوها، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ أدَّوْها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبُهُما اللَّهُ ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إنْ حَصَلَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في بَعْضِ الطّاعاتِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ خارِجٌ مِنَ العَذابِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ إذا قَصَّرُوا في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأمانَةِ العَقْلُ، والرّاجِحُ ما قَدَّمْنا عَنِ الجُمْهُورِ، وما عَداهُ فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلى المَعْنى العَرَبِيِّ ولا انْطِباقِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ ولا مُوافَقَتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الأمانَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْياءً مِنهُ، فَأذاهُ مَن أذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا ما تَسَتَّرَ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ، وإمّا أُدْرَةٌ، وإمّا آفَةٌ، وإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَ مُوسى مِمّا قالُوا، فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وإنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ فَطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ وأبْرَأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ، فَواللَّهِ إنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا أوْ خَمْسًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قالَ: قالَ لَهُ قَوْمُهُ إنَّهُ آدَرُ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَتِ الصَّخْرَةُ تَشْتَدُّ بِثِيابِهِ، فَخَرَجَ مُوسى يَتْبَعُها عُرْيانًا حَتّى انْتَهَتْ بِهِ إلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ ولَيْسَ بِآدَرَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذا وكَذا، فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَإذا هم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ ورِيحٌ طَيِّبٌ، فَلَمّا نَظَرَهارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ قالَ: يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ، قالَ: نَمْ عَلَيْهِ، قالَ: نَمْ مَعِي، فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ، فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ وحَسَدَهُ حُبَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ، وكانَ هارُونُ أأْلَفَ بِهِمْ وألْيَنَ، وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويْحَكم إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ ؟ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاحْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةَ الظُّهْرِ، ثُمَّ قالَ: عَلى مَكانِكُمُ اثْبُتُوا، ثُمَّ أتى الرِّجالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ تَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، ثُمَّ أتى النِّساءَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكُنَّ أنْ تَتَّقِينَ اللَّهَ وأنْ تَقُلْنَ قَوْلًا سَدِيدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ الآيَةَ قالَ: الأمانَةُ الفَرائِضُ عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنْ أدَّوْها أثابَهم، وإنْ ضَيَّعُوها عَذَّبَهم، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وأشْفَقُوا مِن غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ولَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّهِ أنْ لا يَقُومُوا بِها، ثُمَّ عَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، وهو قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يَعْنِي: غِرًّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، فَقِيلَ: خُذْها بِما فِيها فَإنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، قالَ: قَبِلْتُها بِما (p-١١٨٨)فِيها، فَما كانَ إلّا ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ.
الأحزاب 33:70
قَوْلُهُ: ٦٩ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ هو قَوْلُهم: إنَّ بِهِ أُدْرَةً أوْ بَرَصًا أوْ عَيْبًا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وزَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَ اللَّهُ (p-١١٨٦)المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُؤْذُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما آذى بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما أُوذِيَ بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أذِيَّتَهم مُحَمَّدًا قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: «إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَسَمَ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وما سَمِعَ فِيها مِن قالَةِ النّاسِ، ومَعْنى ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ وكانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ذا وجاهَةٍ، والوَجِيهُ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمُ القَدْرِ الرَّفِيعُ المَنزِلَةِ، وقِيلَ: في تَفْسِيرِ الوَجاهَةِ إنَّهُ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بِالنُّونِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ " عَبْدُ اللَّهِ " بِالباءِ المُوَحَّدَةِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ هي المَوْصُولَةُ أوِ المَصْدَرِيَّةُ أيْ: مِنَ الَّذِي قالُوهُ.
أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أيْ: قَوْلًا صَوابًا وحَقًّا.
قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ولا تَنْسُبُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى ما لا يَحِلُّ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ القَوْلَ السَّدِيدَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقِيلَ: هو الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: هو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ.
والسَّدِيدُ مَأْخُوذٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصابَ بِهِ الغَرَضُ، والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في جَمِيعِ ما يَأْتُونَهُ ويَذَرُونَهُ فَلا يَخُصُّ ذَلِكَ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِي العُمُومَ فالمَقامُ يُفِيدُ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ أرْشَدَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ إلى أنْ يَقُولُوا قَوْلًا يُخالِفُ قَوْلَ أهْلِ الأذى.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا الأمْرَ بِالتَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ: ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها صالِحَةً لا فاسِدَةً بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ويُوَفِّقُهم فِيهِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها مُكَفَّرَةً مَغْفُورَةً ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في فِعْلِ ما هو طاعَةٌ واجْتِنابِ ما هو مَعْصِيَةٌ ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ظَفِرَ بِالخَيْرِ ظَفَرًا عَظِيمًا، ونالَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ ما لِأهْلِ الطّاعَةِ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ بَيانِ ما لِأهْلِ المَعْصِيَةِ مِنَ العَذابِ بَيَّنَ عِظَمَ شَأْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ .
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأمانَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَقالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الأمانَةِ هاهُنا في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ الطّاعَةُ والفَرائِضُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِأدائِها الثَّوابُ وبِتَضْيِيعِها العِقابُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأمانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وصائِفِ الدِّينِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفاصِيلِ بَعْضِها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي في أمانَةِ الأمْوالِ كالوَدائِعِ وغَيْرِها، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.
وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ ائْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمَنِ ابْنَ آدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن دِينِهِ غَيْرُها.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الإنْسانِ فَرْجَهُ، وقالَ: هَذِهِ أمانَةٌ أسْتَوْدِعُكَها فَلا تُلْبِسْها إلّا بِحَقٍّ، فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ.
فالفَرْجُ أمانَةٌ والأُذُنُ أمانَةٌ والعَيْنُ أمانَةٌ واللِّسانُ أمانَةٌ والبَطْنُ أمانَةٌ واليَدُ أمانَةٌ والرِّجْلُ أمانَةٌ، ولا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هي ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى ولَدِهِ هابِيلَ وخِيانَتُهُ إيّاهُ في قَتْلِهِ.
وما أبْعَدَ هَذا القَوْلَ، ولَيْتَ شِعْرِي ما هو الَّذِي سَوَّغَ لِلسُّدِّيِّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلِيلَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الماضِينَ مِنَ العِبادِ حَتّى يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ أبْعَدُ مِن كُلِّ بَعِيدٍ وأوْهَنُ مِن بُيُوتِ العَنْكَبُوتِ، وإنْ كانَ تَفْسِيرُ هَذا عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَلَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي هَذا ويُوجِبُ حَمْلَ هَذِهِ الأمانَةِ المُطْلَقَةِ عَلى شَيْءٍ كانَ في أوَّلِ هَذا العالَمِ، وإنْ كانَ هَذا تَفْسِيرًا مِنهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الكِتابُ العَزِيزُ عُرْضَةً لِتَلاعُبِ آراءِ الرِّجالِ بِهِ، ولِهَذا ورَدَ الوَعِيدُ عَلى مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، فاحْذَرْ أيُّها الطّالِبُ لِلْحَقِّ عَنْ قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ واشْدُدْ يَدَيْكَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ كَما وصَفَهُ اللَّهُ، فَإنْ جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العَرَبِ ومِن أهْلِ اللُّغَةِ ومِمَّنْ جَمَعَ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العِلْمَ بِالِاصْطِلاحاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَكِنْ إذا كانَ مَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعَ مِمّا فَسَّرُوهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَعَلَيْكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَهُ الصَّحابِيُّ ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وأسْرارُها، فَخُذْ هَذِهِ كُلِّيَّةً تَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ ذَكَرْنا في خُطْبَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما يُرْشِدُكَ إلى هَذا.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأمانَةَ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَقالَتْ: وما فِيها ؟ فَقالَ لَها: إنْ أحْسَنْتِ آجَرْتُكِ وإنْ أسَأْتِ عَذَّبْتُكِ، فَقالَتْ: لا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُها.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِ حَسَنٍ ومُجاهِدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
وقِيلَ: هَذِهِ الأمانَةُ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُوها فَأظْهَرُوها، إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها.
كَذا قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مُفَسِّرًا لِلْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ الزّائِفِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى عَرَضْنا: أظْهَرْنا.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمادَ لا يَفْهَمُ ولا يُجِيبُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الحَياةِ فِيها، وهَذا العَرْضُ في الآيَةِ هو عَرْضُ تَخْيِيرٍ لا عَرْضَ إلْزامٍ.
وقالَ القَفّالُ وغَيْرُهُ: العَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى كِبَرِ أجْرامِها لَوْ كانَتْ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَكْلِيفُها لَثَقُلَ عَلَيْها تَقَلُّدُ الشَّرائِعِ لِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ أيْ أنَّ التَّكْلِيفَ أمْرٌ عَظِيمٌ حَقُّهُ أنْ تَعْجِزَ عَنْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، (p-١١٨٧)والجِبالُ، وقَدْ كُلِّفَهُ الإنْسانُ وهو ظَلُومٌ جَهُولٌ لَوْ عَقَلَ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] وقِيلَ: إنَّ عَرَضْنا بِمَعْنى عارَضْنا أيْ: عارَضْنا الأمانَةَ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَضَعُفَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنِ الأمانَةِ ورَجَحَتِ الأمانَةُ بِثِقَلِها عَلَيْها.
وقِيلَ: إنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنَّما كانَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْها، وهَذا أيْضًا تَحْرِيفٌ لا تَفْسِيرٌ، ومَعْنى ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيِ: التَزَمَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ لِما يَلْزَمُهُ، أوْ جَهُولٌ لِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ جَهُولٌ بِرَبِّهِ كَما قالَ الحَسَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى حَمَلَها خانَ فِيها، وجَعَلَ الآيَةَ في الكُفّارِ والفُسّاقِ والعُصاةِ، وقِيلَ: مَعْنى حَمَلَها: كُلِّفَها وأُلْزِمَها، أوْ صارَ مُسْتَعِدًّا لَها بِالفِطْرَةِ، أوْ حَمَلَها عِنْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ في عالَمِ الذَّرِّ عِنْدَ خُرُوجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ وأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ.
واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَمَلَها أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ العاصِيَ، ويُثِيبَ المُطِيعَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وغايَتِها لِلْإيذانِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحْمِلُهُ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ ومُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: لِيُعَذِّبَهم بِما خانُوا مِنَ الأمانَةِ وكَذَّبُوا مِنَ الرُّسُلِ ونَقَضُوا مِنَ المِيثاقِ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هَؤُلاءِ المُعَذَّبُونَ هُمُ الَّذِينَ خانُوها، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ أدَّوْها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبُهُما اللَّهُ ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إنْ حَصَلَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في بَعْضِ الطّاعاتِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ خارِجٌ مِنَ العَذابِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ إذا قَصَّرُوا في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأمانَةِ العَقْلُ، والرّاجِحُ ما قَدَّمْنا عَنِ الجُمْهُورِ، وما عَداهُ فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلى المَعْنى العَرَبِيِّ ولا انْطِباقِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ ولا مُوافَقَتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الأمانَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْياءً مِنهُ، فَأذاهُ مَن أذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا ما تَسَتَّرَ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ، وإمّا أُدْرَةٌ، وإمّا آفَةٌ، وإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَ مُوسى مِمّا قالُوا، فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وإنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ فَطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ وأبْرَأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ، فَواللَّهِ إنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا أوْ خَمْسًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قالَ: قالَ لَهُ قَوْمُهُ إنَّهُ آدَرُ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَتِ الصَّخْرَةُ تَشْتَدُّ بِثِيابِهِ، فَخَرَجَ مُوسى يَتْبَعُها عُرْيانًا حَتّى انْتَهَتْ بِهِ إلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ ولَيْسَ بِآدَرَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذا وكَذا، فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَإذا هم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ ورِيحٌ طَيِّبٌ، فَلَمّا نَظَرَهارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ قالَ: يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ، قالَ: نَمْ عَلَيْهِ، قالَ: نَمْ مَعِي، فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ، فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ وحَسَدَهُ حُبَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ، وكانَ هارُونُ أأْلَفَ بِهِمْ وألْيَنَ، وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويْحَكم إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ ؟ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاحْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةَ الظُّهْرِ، ثُمَّ قالَ: عَلى مَكانِكُمُ اثْبُتُوا، ثُمَّ أتى الرِّجالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ تَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، ثُمَّ أتى النِّساءَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكُنَّ أنْ تَتَّقِينَ اللَّهَ وأنْ تَقُلْنَ قَوْلًا سَدِيدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ الآيَةَ قالَ: الأمانَةُ الفَرائِضُ عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنْ أدَّوْها أثابَهم، وإنْ ضَيَّعُوها عَذَّبَهم، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وأشْفَقُوا مِن غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ولَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّهِ أنْ لا يَقُومُوا بِها، ثُمَّ عَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، وهو قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يَعْنِي: غِرًّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، فَقِيلَ: خُذْها بِما فِيها فَإنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، قالَ: قَبِلْتُها بِما (p-١١٨٨)فِيها، فَما كانَ إلّا ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ.
الأحزاب 33:71
قَوْلُهُ: ٦٩ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ هو قَوْلُهم: إنَّ بِهِ أُدْرَةً أوْ بَرَصًا أوْ عَيْبًا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وزَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَ اللَّهُ (p-١١٨٦)المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُؤْذُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما آذى بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما أُوذِيَ بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أذِيَّتَهم مُحَمَّدًا قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: «إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَسَمَ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وما سَمِعَ فِيها مِن قالَةِ النّاسِ، ومَعْنى ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ وكانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ذا وجاهَةٍ، والوَجِيهُ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمُ القَدْرِ الرَّفِيعُ المَنزِلَةِ، وقِيلَ: في تَفْسِيرِ الوَجاهَةِ إنَّهُ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بِالنُّونِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ " عَبْدُ اللَّهِ " بِالباءِ المُوَحَّدَةِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ هي المَوْصُولَةُ أوِ المَصْدَرِيَّةُ أيْ: مِنَ الَّذِي قالُوهُ.
أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أيْ: قَوْلًا صَوابًا وحَقًّا.
قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ولا تَنْسُبُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى ما لا يَحِلُّ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ القَوْلَ السَّدِيدَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقِيلَ: هو الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: هو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ.
والسَّدِيدُ مَأْخُوذٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصابَ بِهِ الغَرَضُ، والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في جَمِيعِ ما يَأْتُونَهُ ويَذَرُونَهُ فَلا يَخُصُّ ذَلِكَ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِي العُمُومَ فالمَقامُ يُفِيدُ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ أرْشَدَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ إلى أنْ يَقُولُوا قَوْلًا يُخالِفُ قَوْلَ أهْلِ الأذى.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا الأمْرَ بِالتَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ: ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها صالِحَةً لا فاسِدَةً بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ويُوَفِّقُهم فِيهِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها مُكَفَّرَةً مَغْفُورَةً ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في فِعْلِ ما هو طاعَةٌ واجْتِنابِ ما هو مَعْصِيَةٌ ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ظَفِرَ بِالخَيْرِ ظَفَرًا عَظِيمًا، ونالَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ ما لِأهْلِ الطّاعَةِ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ بَيانِ ما لِأهْلِ المَعْصِيَةِ مِنَ العَذابِ بَيَّنَ عِظَمَ شَأْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ .
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأمانَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَقالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الأمانَةِ هاهُنا في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ الطّاعَةُ والفَرائِضُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِأدائِها الثَّوابُ وبِتَضْيِيعِها العِقابُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأمانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وصائِفِ الدِّينِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفاصِيلِ بَعْضِها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي في أمانَةِ الأمْوالِ كالوَدائِعِ وغَيْرِها، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.
وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ ائْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمَنِ ابْنَ آدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن دِينِهِ غَيْرُها.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الإنْسانِ فَرْجَهُ، وقالَ: هَذِهِ أمانَةٌ أسْتَوْدِعُكَها فَلا تُلْبِسْها إلّا بِحَقٍّ، فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ.
فالفَرْجُ أمانَةٌ والأُذُنُ أمانَةٌ والعَيْنُ أمانَةٌ واللِّسانُ أمانَةٌ والبَطْنُ أمانَةٌ واليَدُ أمانَةٌ والرِّجْلُ أمانَةٌ، ولا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هي ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى ولَدِهِ هابِيلَ وخِيانَتُهُ إيّاهُ في قَتْلِهِ.
وما أبْعَدَ هَذا القَوْلَ، ولَيْتَ شِعْرِي ما هو الَّذِي سَوَّغَ لِلسُّدِّيِّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلِيلَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الماضِينَ مِنَ العِبادِ حَتّى يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ أبْعَدُ مِن كُلِّ بَعِيدٍ وأوْهَنُ مِن بُيُوتِ العَنْكَبُوتِ، وإنْ كانَ تَفْسِيرُ هَذا عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَلَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي هَذا ويُوجِبُ حَمْلَ هَذِهِ الأمانَةِ المُطْلَقَةِ عَلى شَيْءٍ كانَ في أوَّلِ هَذا العالَمِ، وإنْ كانَ هَذا تَفْسِيرًا مِنهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الكِتابُ العَزِيزُ عُرْضَةً لِتَلاعُبِ آراءِ الرِّجالِ بِهِ، ولِهَذا ورَدَ الوَعِيدُ عَلى مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، فاحْذَرْ أيُّها الطّالِبُ لِلْحَقِّ عَنْ قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ واشْدُدْ يَدَيْكَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ كَما وصَفَهُ اللَّهُ، فَإنْ جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العَرَبِ ومِن أهْلِ اللُّغَةِ ومِمَّنْ جَمَعَ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العِلْمَ بِالِاصْطِلاحاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَكِنْ إذا كانَ مَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعَ مِمّا فَسَّرُوهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَعَلَيْكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَهُ الصَّحابِيُّ ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وأسْرارُها، فَخُذْ هَذِهِ كُلِّيَّةً تَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ ذَكَرْنا في خُطْبَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما يُرْشِدُكَ إلى هَذا.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأمانَةَ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَقالَتْ: وما فِيها ؟ فَقالَ لَها: إنْ أحْسَنْتِ آجَرْتُكِ وإنْ أسَأْتِ عَذَّبْتُكِ، فَقالَتْ: لا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُها.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِ حَسَنٍ ومُجاهِدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
وقِيلَ: هَذِهِ الأمانَةُ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُوها فَأظْهَرُوها، إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها.
كَذا قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مُفَسِّرًا لِلْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ الزّائِفِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى عَرَضْنا: أظْهَرْنا.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمادَ لا يَفْهَمُ ولا يُجِيبُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الحَياةِ فِيها، وهَذا العَرْضُ في الآيَةِ هو عَرْضُ تَخْيِيرٍ لا عَرْضَ إلْزامٍ.
وقالَ القَفّالُ وغَيْرُهُ: العَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى كِبَرِ أجْرامِها لَوْ كانَتْ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَكْلِيفُها لَثَقُلَ عَلَيْها تَقَلُّدُ الشَّرائِعِ لِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ أيْ أنَّ التَّكْلِيفَ أمْرٌ عَظِيمٌ حَقُّهُ أنْ تَعْجِزَ عَنْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، (p-١١٨٧)والجِبالُ، وقَدْ كُلِّفَهُ الإنْسانُ وهو ظَلُومٌ جَهُولٌ لَوْ عَقَلَ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] وقِيلَ: إنَّ عَرَضْنا بِمَعْنى عارَضْنا أيْ: عارَضْنا الأمانَةَ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَضَعُفَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنِ الأمانَةِ ورَجَحَتِ الأمانَةُ بِثِقَلِها عَلَيْها.
وقِيلَ: إنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنَّما كانَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْها، وهَذا أيْضًا تَحْرِيفٌ لا تَفْسِيرٌ، ومَعْنى ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيِ: التَزَمَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ لِما يَلْزَمُهُ، أوْ جَهُولٌ لِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ جَهُولٌ بِرَبِّهِ كَما قالَ الحَسَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى حَمَلَها خانَ فِيها، وجَعَلَ الآيَةَ في الكُفّارِ والفُسّاقِ والعُصاةِ، وقِيلَ: مَعْنى حَمَلَها: كُلِّفَها وأُلْزِمَها، أوْ صارَ مُسْتَعِدًّا لَها بِالفِطْرَةِ، أوْ حَمَلَها عِنْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ في عالَمِ الذَّرِّ عِنْدَ خُرُوجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ وأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ.
واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَمَلَها أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ العاصِيَ، ويُثِيبَ المُطِيعَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وغايَتِها لِلْإيذانِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحْمِلُهُ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ ومُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: لِيُعَذِّبَهم بِما خانُوا مِنَ الأمانَةِ وكَذَّبُوا مِنَ الرُّسُلِ ونَقَضُوا مِنَ المِيثاقِ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هَؤُلاءِ المُعَذَّبُونَ هُمُ الَّذِينَ خانُوها، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ أدَّوْها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبُهُما اللَّهُ ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إنْ حَصَلَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في بَعْضِ الطّاعاتِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ خارِجٌ مِنَ العَذابِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ إذا قَصَّرُوا في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأمانَةِ العَقْلُ، والرّاجِحُ ما قَدَّمْنا عَنِ الجُمْهُورِ، وما عَداهُ فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلى المَعْنى العَرَبِيِّ ولا انْطِباقِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ ولا مُوافَقَتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الأمانَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْياءً مِنهُ، فَأذاهُ مَن أذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا ما تَسَتَّرَ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ، وإمّا أُدْرَةٌ، وإمّا آفَةٌ، وإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَ مُوسى مِمّا قالُوا، فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وإنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ فَطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ وأبْرَأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ، فَواللَّهِ إنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا أوْ خَمْسًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قالَ: قالَ لَهُ قَوْمُهُ إنَّهُ آدَرُ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَتِ الصَّخْرَةُ تَشْتَدُّ بِثِيابِهِ، فَخَرَجَ مُوسى يَتْبَعُها عُرْيانًا حَتّى انْتَهَتْ بِهِ إلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ ولَيْسَ بِآدَرَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذا وكَذا، فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَإذا هم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ ورِيحٌ طَيِّبٌ، فَلَمّا نَظَرَهارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ قالَ: يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ، قالَ: نَمْ عَلَيْهِ، قالَ: نَمْ مَعِي، فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ، فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ وحَسَدَهُ حُبَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ، وكانَ هارُونُ أأْلَفَ بِهِمْ وألْيَنَ، وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويْحَكم إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ ؟ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاحْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةَ الظُّهْرِ، ثُمَّ قالَ: عَلى مَكانِكُمُ اثْبُتُوا، ثُمَّ أتى الرِّجالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ تَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، ثُمَّ أتى النِّساءَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكُنَّ أنْ تَتَّقِينَ اللَّهَ وأنْ تَقُلْنَ قَوْلًا سَدِيدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ الآيَةَ قالَ: الأمانَةُ الفَرائِضُ عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنْ أدَّوْها أثابَهم، وإنْ ضَيَّعُوها عَذَّبَهم، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وأشْفَقُوا مِن غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ولَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّهِ أنْ لا يَقُومُوا بِها، ثُمَّ عَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، وهو قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يَعْنِي: غِرًّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، فَقِيلَ: خُذْها بِما فِيها فَإنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، قالَ: قَبِلْتُها بِما (p-١١٨٨)فِيها، فَما كانَ إلّا ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ.
الأحزاب 33:72
قَوْلُهُ: ٦٩ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ هو قَوْلُهم: إنَّ بِهِ أُدْرَةً أوْ بَرَصًا أوْ عَيْبًا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وزَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَ اللَّهُ (p-١١٨٦)المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُؤْذُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما آذى بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما أُوذِيَ بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أذِيَّتَهم مُحَمَّدًا قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: «إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَسَمَ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وما سَمِعَ فِيها مِن قالَةِ النّاسِ، ومَعْنى ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ وكانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ذا وجاهَةٍ، والوَجِيهُ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمُ القَدْرِ الرَّفِيعُ المَنزِلَةِ، وقِيلَ: في تَفْسِيرِ الوَجاهَةِ إنَّهُ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بِالنُّونِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ " عَبْدُ اللَّهِ " بِالباءِ المُوَحَّدَةِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ هي المَوْصُولَةُ أوِ المَصْدَرِيَّةُ أيْ: مِنَ الَّذِي قالُوهُ.
أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أيْ: قَوْلًا صَوابًا وحَقًّا.
قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ولا تَنْسُبُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى ما لا يَحِلُّ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ القَوْلَ السَّدِيدَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقِيلَ: هو الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: هو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ.
والسَّدِيدُ مَأْخُوذٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصابَ بِهِ الغَرَضُ، والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في جَمِيعِ ما يَأْتُونَهُ ويَذَرُونَهُ فَلا يَخُصُّ ذَلِكَ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِي العُمُومَ فالمَقامُ يُفِيدُ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ أرْشَدَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ إلى أنْ يَقُولُوا قَوْلًا يُخالِفُ قَوْلَ أهْلِ الأذى.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا الأمْرَ بِالتَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ: ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها صالِحَةً لا فاسِدَةً بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ويُوَفِّقُهم فِيهِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها مُكَفَّرَةً مَغْفُورَةً ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في فِعْلِ ما هو طاعَةٌ واجْتِنابِ ما هو مَعْصِيَةٌ ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ظَفِرَ بِالخَيْرِ ظَفَرًا عَظِيمًا، ونالَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ ما لِأهْلِ الطّاعَةِ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ بَيانِ ما لِأهْلِ المَعْصِيَةِ مِنَ العَذابِ بَيَّنَ عِظَمَ شَأْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ .
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأمانَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَقالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الأمانَةِ هاهُنا في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ الطّاعَةُ والفَرائِضُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِأدائِها الثَّوابُ وبِتَضْيِيعِها العِقابُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأمانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وصائِفِ الدِّينِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفاصِيلِ بَعْضِها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي في أمانَةِ الأمْوالِ كالوَدائِعِ وغَيْرِها، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.
وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ ائْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمَنِ ابْنَ آدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن دِينِهِ غَيْرُها.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الإنْسانِ فَرْجَهُ، وقالَ: هَذِهِ أمانَةٌ أسْتَوْدِعُكَها فَلا تُلْبِسْها إلّا بِحَقٍّ، فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ.
فالفَرْجُ أمانَةٌ والأُذُنُ أمانَةٌ والعَيْنُ أمانَةٌ واللِّسانُ أمانَةٌ والبَطْنُ أمانَةٌ واليَدُ أمانَةٌ والرِّجْلُ أمانَةٌ، ولا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هي ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى ولَدِهِ هابِيلَ وخِيانَتُهُ إيّاهُ في قَتْلِهِ.
وما أبْعَدَ هَذا القَوْلَ، ولَيْتَ شِعْرِي ما هو الَّذِي سَوَّغَ لِلسُّدِّيِّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلِيلَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الماضِينَ مِنَ العِبادِ حَتّى يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ أبْعَدُ مِن كُلِّ بَعِيدٍ وأوْهَنُ مِن بُيُوتِ العَنْكَبُوتِ، وإنْ كانَ تَفْسِيرُ هَذا عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَلَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي هَذا ويُوجِبُ حَمْلَ هَذِهِ الأمانَةِ المُطْلَقَةِ عَلى شَيْءٍ كانَ في أوَّلِ هَذا العالَمِ، وإنْ كانَ هَذا تَفْسِيرًا مِنهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الكِتابُ العَزِيزُ عُرْضَةً لِتَلاعُبِ آراءِ الرِّجالِ بِهِ، ولِهَذا ورَدَ الوَعِيدُ عَلى مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، فاحْذَرْ أيُّها الطّالِبُ لِلْحَقِّ عَنْ قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ واشْدُدْ يَدَيْكَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ كَما وصَفَهُ اللَّهُ، فَإنْ جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العَرَبِ ومِن أهْلِ اللُّغَةِ ومِمَّنْ جَمَعَ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العِلْمَ بِالِاصْطِلاحاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَكِنْ إذا كانَ مَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعَ مِمّا فَسَّرُوهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَعَلَيْكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَهُ الصَّحابِيُّ ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وأسْرارُها، فَخُذْ هَذِهِ كُلِّيَّةً تَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ ذَكَرْنا في خُطْبَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما يُرْشِدُكَ إلى هَذا.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأمانَةَ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَقالَتْ: وما فِيها ؟ فَقالَ لَها: إنْ أحْسَنْتِ آجَرْتُكِ وإنْ أسَأْتِ عَذَّبْتُكِ، فَقالَتْ: لا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُها.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِ حَسَنٍ ومُجاهِدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
وقِيلَ: هَذِهِ الأمانَةُ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُوها فَأظْهَرُوها، إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها.
كَذا قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مُفَسِّرًا لِلْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ الزّائِفِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى عَرَضْنا: أظْهَرْنا.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمادَ لا يَفْهَمُ ولا يُجِيبُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الحَياةِ فِيها، وهَذا العَرْضُ في الآيَةِ هو عَرْضُ تَخْيِيرٍ لا عَرْضَ إلْزامٍ.
وقالَ القَفّالُ وغَيْرُهُ: العَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى كِبَرِ أجْرامِها لَوْ كانَتْ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَكْلِيفُها لَثَقُلَ عَلَيْها تَقَلُّدُ الشَّرائِعِ لِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ أيْ أنَّ التَّكْلِيفَ أمْرٌ عَظِيمٌ حَقُّهُ أنْ تَعْجِزَ عَنْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، (p-١١٨٧)والجِبالُ، وقَدْ كُلِّفَهُ الإنْسانُ وهو ظَلُومٌ جَهُولٌ لَوْ عَقَلَ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] وقِيلَ: إنَّ عَرَضْنا بِمَعْنى عارَضْنا أيْ: عارَضْنا الأمانَةَ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَضَعُفَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنِ الأمانَةِ ورَجَحَتِ الأمانَةُ بِثِقَلِها عَلَيْها.
وقِيلَ: إنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنَّما كانَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْها، وهَذا أيْضًا تَحْرِيفٌ لا تَفْسِيرٌ، ومَعْنى ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيِ: التَزَمَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ لِما يَلْزَمُهُ، أوْ جَهُولٌ لِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ جَهُولٌ بِرَبِّهِ كَما قالَ الحَسَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى حَمَلَها خانَ فِيها، وجَعَلَ الآيَةَ في الكُفّارِ والفُسّاقِ والعُصاةِ، وقِيلَ: مَعْنى حَمَلَها: كُلِّفَها وأُلْزِمَها، أوْ صارَ مُسْتَعِدًّا لَها بِالفِطْرَةِ، أوْ حَمَلَها عِنْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ في عالَمِ الذَّرِّ عِنْدَ خُرُوجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ وأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ.
واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَمَلَها أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ العاصِيَ، ويُثِيبَ المُطِيعَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وغايَتِها لِلْإيذانِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحْمِلُهُ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ ومُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: لِيُعَذِّبَهم بِما خانُوا مِنَ الأمانَةِ وكَذَّبُوا مِنَ الرُّسُلِ ونَقَضُوا مِنَ المِيثاقِ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هَؤُلاءِ المُعَذَّبُونَ هُمُ الَّذِينَ خانُوها، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ أدَّوْها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبُهُما اللَّهُ ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إنْ حَصَلَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في بَعْضِ الطّاعاتِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ خارِجٌ مِنَ العَذابِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ إذا قَصَّرُوا في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأمانَةِ العَقْلُ، والرّاجِحُ ما قَدَّمْنا عَنِ الجُمْهُورِ، وما عَداهُ فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلى المَعْنى العَرَبِيِّ ولا انْطِباقِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ ولا مُوافَقَتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الأمانَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْياءً مِنهُ، فَأذاهُ مَن أذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا ما تَسَتَّرَ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ، وإمّا أُدْرَةٌ، وإمّا آفَةٌ، وإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَ مُوسى مِمّا قالُوا، فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وإنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ فَطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ وأبْرَأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ، فَواللَّهِ إنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا أوْ خَمْسًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قالَ: قالَ لَهُ قَوْمُهُ إنَّهُ آدَرُ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَتِ الصَّخْرَةُ تَشْتَدُّ بِثِيابِهِ، فَخَرَجَ مُوسى يَتْبَعُها عُرْيانًا حَتّى انْتَهَتْ بِهِ إلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ ولَيْسَ بِآدَرَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذا وكَذا، فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَإذا هم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ ورِيحٌ طَيِّبٌ، فَلَمّا نَظَرَهارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ قالَ: يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ، قالَ: نَمْ عَلَيْهِ، قالَ: نَمْ مَعِي، فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ، فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ وحَسَدَهُ حُبَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ، وكانَ هارُونُ أأْلَفَ بِهِمْ وألْيَنَ، وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويْحَكم إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ ؟ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاحْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةَ الظُّهْرِ، ثُمَّ قالَ: عَلى مَكانِكُمُ اثْبُتُوا، ثُمَّ أتى الرِّجالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ تَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، ثُمَّ أتى النِّساءَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكُنَّ أنْ تَتَّقِينَ اللَّهَ وأنْ تَقُلْنَ قَوْلًا سَدِيدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ الآيَةَ قالَ: الأمانَةُ الفَرائِضُ عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنْ أدَّوْها أثابَهم، وإنْ ضَيَّعُوها عَذَّبَهم، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وأشْفَقُوا مِن غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ولَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّهِ أنْ لا يَقُومُوا بِها، ثُمَّ عَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، وهو قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يَعْنِي: غِرًّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، فَقِيلَ: خُذْها بِما فِيها فَإنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، قالَ: قَبِلْتُها بِما (p-١١٨٨)فِيها، فَما كانَ إلّا ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ.
الأحزاب 33:73
قَوْلُهُ: ٦٩ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ هو قَوْلُهم: إنَّ بِهِ أُدْرَةً أوْ بَرَصًا أوْ عَيْبًا، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ، وفِيهِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وزَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ قالَ مُقاتِلٌ: وعَظَ اللَّهُ (p-١١٨٦)المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُؤْذُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما آذى بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما أُوذِيَ بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أذِيَّتَهم مُحَمَّدًا قَوْلُهم زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: «إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَسَمَ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وما سَمِعَ فِيها مِن قالَةِ النّاسِ، ومَعْنى ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ وكانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ذا وجاهَةٍ، والوَجِيهُ عِنْدَ اللَّهِ العَظِيمُ القَدْرِ الرَّفِيعُ المَنزِلَةِ، وقِيلَ: في تَفْسِيرِ الوَجاهَةِ إنَّهُ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بِالنُّونِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ " عَبْدُ اللَّهِ " بِالباءِ المُوَحَّدَةِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ هي المَوْصُولَةُ أوِ المَصْدَرِيَّةُ أيْ: مِنَ الَّذِي قالُوهُ.
أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أيْ: قَوْلًا صَوابًا وحَقًّا.
قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في شَأْنِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ، ولا تَنْسُبُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى ما لا يَحِلُّ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ القَوْلَ السَّدِيدَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقِيلَ: هو الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: هو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ: هو الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ.
والسَّدِيدُ مَأْخُوذٌ مِن تَسْدِيدِ السَّهْمِ لِيُصابَ بِهِ الغَرَضُ، والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في جَمِيعِ ما يَأْتُونَهُ ويَذَرُونَهُ فَلا يَخُصُّ ذَلِكَ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِي العُمُومَ فالمَقامُ يُفِيدُ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ أرْشَدَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ إلى أنْ يَقُولُوا قَوْلًا يُخالِفُ قَوْلَ أهْلِ الأذى.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ امْتَثَلُوا الأمْرَ بِالتَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ: ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها صالِحَةً لا فاسِدَةً بِما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ويُوَفِّقُهم فِيهِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ: يَجْعَلْها مُكَفَّرَةً مَغْفُورَةً ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في فِعْلِ ما هو طاعَةٌ واجْتِنابِ ما هو مَعْصِيَةٌ ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ظَفِرَ بِالخَيْرِ ظَفَرًا عَظِيمًا، ونالَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن بَيانِ ما لِأهْلِ الطّاعَةِ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ بَيانِ ما لِأهْلِ المَعْصِيَةِ مِنَ العَذابِ بَيَّنَ عِظَمَ شَأْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها، فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ .
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأمانَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَقالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الأمانَةِ هاهُنا في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ الطّاعَةُ والفَرائِضُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِأدائِها الثَّوابُ وبِتَضْيِيعِها العِقابُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأمانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وصائِفِ الدِّينِ عَلى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفاصِيلِ بَعْضِها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي في أمانَةِ الأمْوالِ كالوَدائِعِ وغَيْرِها، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في كُلِّ الفَرائِضِ، وأشَدُّها أمانَةُ المالِ.
وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مِنَ الأمانَةِ أنِ ائْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: غُسْلُ الجَنابَةِ أمانَةٌ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمَنِ ابْنَ آدَمَ عَلى شَيْءٍ مِن دِينِهِ غَيْرُها.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الإنْسانِ فَرْجَهُ، وقالَ: هَذِهِ أمانَةٌ أسْتَوْدِعُكَها فَلا تُلْبِسْها إلّا بِحَقٍّ، فَإنْ حَفِظْتَها حَفِظْتُكَ.
فالفَرْجُ أمانَةٌ والأُذُنُ أمانَةٌ والعَيْنُ أمانَةٌ واللِّسانُ أمانَةٌ والبَطْنُ أمانَةٌ واليَدُ أمانَةٌ والرِّجْلُ أمانَةٌ، ولا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هي ائْتِمانُ آدَمَ ابْنَهُ قابِيلَ عَلى ولَدِهِ هابِيلَ وخِيانَتُهُ إيّاهُ في قَتْلِهِ.
وما أبْعَدَ هَذا القَوْلَ، ولَيْتَ شِعْرِي ما هو الَّذِي سَوَّغَ لِلسُّدِّيِّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلِيلَ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الماضِينَ مِنَ العِبادِ حَتّى يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ أبْعَدُ مِن كُلِّ بَعِيدٍ وأوْهَنُ مِن بُيُوتِ العَنْكَبُوتِ، وإنْ كانَ تَفْسِيرُ هَذا عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَلَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي هَذا ويُوجِبُ حَمْلَ هَذِهِ الأمانَةِ المُطْلَقَةِ عَلى شَيْءٍ كانَ في أوَّلِ هَذا العالَمِ، وإنْ كانَ هَذا تَفْسِيرًا مِنهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الكِتابُ العَزِيزُ عُرْضَةً لِتَلاعُبِ آراءِ الرِّجالِ بِهِ، ولِهَذا ورَدَ الوَعِيدُ عَلى مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، فاحْذَرْ أيُّها الطّالِبُ لِلْحَقِّ عَنْ قَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ واشْدُدْ يَدَيْكَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، فَهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ كَما وصَفَهُ اللَّهُ، فَإنْ جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العَرَبِ ومِن أهْلِ اللُّغَةِ ومِمَّنْ جَمَعَ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العِلْمَ بِالِاصْطِلاحاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَكِنْ إذا كانَ مَعْنى اللَّفْظِ أوْسَعَ مِمّا فَسَّرُوهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَعَلَيْكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذَكَرَهُ الصَّحابِيُّ ما تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وأسْرارُها، فَخُذْ هَذِهِ كُلِّيَّةً تَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ ذَكَرْنا في خُطْبَةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما يُرْشِدُكَ إلى هَذا.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأمانَةَ عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَقالَتْ: وما فِيها ؟ فَقالَ لَها: إنْ أحْسَنْتِ آجَرْتُكِ وإنْ أسَأْتِ عَذَّبْتُكِ، فَقالَتْ: لا.
قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَرَضَها عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ تَحَمَّلْتُها.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِ حَسَنٍ ومُجاهِدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
وقِيلَ: هَذِهِ الأمانَةُ هي ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ أنْ يُظْهِرُوها فَأظْهَرُوها، إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ كَتَمَها وجَحَدَها.
كَذا قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مُفَسِّرًا لِلْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ الزّائِفِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى عَرَضْنا: أظْهَرْنا.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمادَ لا يَفْهَمُ ولا يُجِيبُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الحَياةِ فِيها، وهَذا العَرْضُ في الآيَةِ هو عَرْضُ تَخْيِيرٍ لا عَرْضَ إلْزامٍ.
وقالَ القَفّالُ وغَيْرُهُ: العَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبُ مَثَلٍ، أيْ إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى كِبَرِ أجْرامِها لَوْ كانَتْ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَكْلِيفُها لَثَقُلَ عَلَيْها تَقَلُّدُ الشَّرائِعِ لِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ أيْ أنَّ التَّكْلِيفَ أمْرٌ عَظِيمٌ حَقُّهُ أنْ تَعْجِزَ عَنْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، (p-١١٨٧)والجِبالُ، وقَدْ كُلِّفَهُ الإنْسانُ وهو ظَلُومٌ جَهُولٌ لَوْ عَقَلَ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] وقِيلَ: إنَّ عَرَضْنا بِمَعْنى عارَضْنا أيْ: عارَضْنا الأمانَةَ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَضَعُفَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنِ الأمانَةِ ورَجَحَتِ الأمانَةُ بِثِقَلِها عَلَيْها.
وقِيلَ: إنَّ عَرْضَ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنَّما كانَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْها، وهَذا أيْضًا تَحْرِيفٌ لا تَفْسِيرٌ، ومَعْنى ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيِ: التَزَمَ بِحَقِّها، وهو في ذَلِكَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ لِما يَلْزَمُهُ، أوْ جَهُولٌ لِقَدْرِ ما دَخَلَ فِيهِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ جَهُولٌ بِرَبِّهِ كَما قالَ الحَسَنُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى حَمَلَها خانَ فِيها، وجَعَلَ الآيَةَ في الكُفّارِ والفُسّاقِ والعُصاةِ، وقِيلَ: مَعْنى حَمَلَها: كُلِّفَها وأُلْزِمَها، أوْ صارَ مُسْتَعِدًّا لَها بِالفِطْرَةِ، أوْ حَمَلَها عِنْدَ عَرْضِها عَلَيْهِ في عالَمِ الذَّرِّ عِنْدَ خُرُوجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ وأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ.
واللّامُ في ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَمَلَها أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ العاصِيَ، ويُثِيبَ المُطِيعَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وغايَتِها لِلْإيذانِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحْمِلُهُ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ ومُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: لِيُعَذِّبَهم بِما خانُوا مِنَ الأمانَةِ وكَذَّبُوا مِنَ الرُّسُلِ ونَقَضُوا مِنَ المِيثاقِ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هَؤُلاءِ المُعَذَّبُونَ هُمُ الَّذِينَ خانُوها، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ أدَّوْها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: عَرَضْنا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِ وشِرْكُ المُشْرِكِ فَيُعَذِّبُهُما اللَّهُ ويَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ: يَعُودُ عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إنْ حَصَلَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في بَعْضِ الطّاعاتِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْبَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ خارِجٌ مِنَ العَذابِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ إذا قَصَّرُوا في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأمانَةِ العَقْلُ، والرّاجِحُ ما قَدَّمْنا عَنِ الجُمْهُورِ، وما عَداهُ فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلى المَعْنى العَرَبِيِّ ولا انْطِباقِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ ولا مُوافَقَتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الأمانَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْياءً مِنهُ، فَأذاهُ مَن أذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا ما تَسَتَّرَ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ، وإمّا أُدْرَةٌ، وإمّا آفَةٌ، وإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَ مُوسى مِمّا قالُوا، فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وإنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ فَطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ وأبْرَأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ، فَواللَّهِ إنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا أوْ خَمْسًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قالَ: قالَ لَهُ قَوْمُهُ إنَّهُ آدَرُ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَتِ الصَّخْرَةُ تَشْتَدُّ بِثِيابِهِ، فَخَرَجَ مُوسى يَتْبَعُها عُرْيانًا حَتّى انْتَهَتْ بِهِ إلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ ولَيْسَ بِآدَرَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذا وكَذا، فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَإذا هم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ ورِيحٌ طَيِّبٌ، فَلَمّا نَظَرَهارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ قالَ: يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ، قالَ: نَمْ عَلَيْهِ، قالَ: نَمْ مَعِي، فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ، فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتِ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ وحَسَدَهُ حُبَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ، وكانَ هارُونُ أأْلَفَ بِهِمْ وألْيَنَ، وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويْحَكم إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ ؟ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ذاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فاحْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ أكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - صَلاةَ الظُّهْرِ، ثُمَّ قالَ: عَلى مَكانِكُمُ اثْبُتُوا، ثُمَّ أتى الرِّجالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وأنْ تَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، ثُمَّ أتى النِّساءَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ آمُرَكُنَّ أنْ تَتَّقِينَ اللَّهَ وأنْ تَقُلْنَ قَوْلًا سَدِيدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ الآيَةَ قالَ: الأمانَةُ الفَرائِضُ عَرَضَها اللَّهُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ إنْ أدَّوْها أثابَهم، وإنْ ضَيَّعُوها عَذَّبَهم، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وأشْفَقُوا مِن غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ولَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّهِ أنْ لا يَقُومُوا بِها، ثُمَّ عَرَضَها عَلى آدَمَ فَقَبِلَها بِما فِيها، وهو قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يَعْنِي: غِرًّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، فَقِيلَ: خُذْها بِما فِيها فَإنْ أطَعْتَ غَفَرْتُ لَكَ وإنْ عَصَيْتَ عَذَّبْتُكَ، قالَ: قَبِلْتُها بِما (p-١١٨٨)فِيها، فَما كانَ إلّا ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى أصابَ الذَّنْبَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى نَحْوَهُ.
سبأ 34:1
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:2
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:3
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:4
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:5
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:6
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:7
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:8
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:9
تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأٍ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا آيَةً واحِدَةً اخْتُلِفَ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ، وسَيَأْتِي الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ وفِيمَن نَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ سَبَأٍ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْرِيفُ الحَمْدِ مَعَ لامِ الِاخْتِصاصِ مُشْعِرانِ بِاخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ الحَمْدِ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في فاتِحَةِ الكِتابِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى النَّعْتِ، أوِ البَدَلِ، أوِ النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، ومَعْنى ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ جَمِيعَ ما هو فِيها في مُلْكِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ؛ يَفْعَلُ بِهِ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، وكُلُّ نِعْمَةٍ واصِلَةٍ إلى العَبْدِ فَهي مِمّا خَلَقَهُ لَهُ ومَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَحَمْدُهُ عَلى ما في السَّماواتِ والأرْضِ هو حَمْدٌ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ مِمّا خَلَقَهُ لَهم.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الدُّنْيَوِيَّ مِن عِبادِهِ الحامِدِينَ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ الأُخْرَوِيَّ مُخْتَصٌّ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: " لَهُ " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ الحَمْدِ أعْنِي في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقٍ عامٍّ هو الِاسْتِقْرارُ أوْ نَحْوُهُ، والمَعْنى: أنْ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَلى الِاخْتِصاصِ حَمْدَ عِبادِهِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ [فاطر: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَهو - سُبْحانَهُ - المَحْمُودُ في الآخِرَةِ كَما أنَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا وهو المالِكُ لِلْآخِرَةِ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلدُّنْيا ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ الخَبِيرُ بِأمْرِ خَلْقِهِ فِيهِما، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ: أنَّ الحَمْدَ في الدُّنْيا عِبادَةٌ، وفي الآخِرَةِ تَلَذُّذٌ وابْتِهاجٌ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ: ما يَدْخُلُ فِيها مِن مَطَرٍ أوْ كَنْزٍ أوْ دَفِينٍ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِن زَرْعٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والصَّواعِقِ والبَرَكاتِ، ومِن ذَلِكَ ما يَنْزِلُ مِنها مِن مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ إلى أنْبِيائِهِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَنْزِلُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى " ما " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ: مُسْنَدًا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِعِبادِهِ الغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ المُرادُ بِهَؤُلاءِ القائِلِينَ جِنْسُ الكَفَرَةِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ ومَعْنى لا تَأْتِينا السّاعَةُ: أنَّها لا تَأْتِي بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِها لا لِمُجَرَّدِ إتْيانِها في حالِ تَكَلُّمِهِمْ أوْ في حالِ حَياتِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ وجُودِها فِيما بَعْدُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهَذا القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الإتْيانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " لَتَأْتِيَنَّكم " بِالفَوْقِيَّةِ أيِ: السّاعَةُ، وقَرَأ طَلْقٌ المُعَلِّمُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ.
قالَ طَلْقٌ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقْرَءُونَ بِالياءِ: يَعْنِي التَّحْتِيَّةَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ أوْ أمْرُهُ كَما قالَ:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " عالِمُ الغَيْبِ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ﴾، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ رَبِّي، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " عَلّامِ " بِالجَرِّ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ ولا يَسْتَتِرُ عَلَيْهِ ولا يَبْعُدُ ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِنهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والمَعْنى: إلّا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَهو مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزّايِ:، وقَرَأ يَحْيى بْنُ (p-١١٨٩)وثّابٍ بِكَسْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: عَزَبَ يَعْزُبُ بِالضَّمِّ، ويَعْزِبُ بِالكَسْرِ إذا بَعُدَ وغابَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ إلّا في كِتابٍ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مِثْقالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ بِنَصْبِهِما عَطْفًا عَلى ذَرَّةٍ، أوْ عَلى أنَّ لا هي لا التَّبْرِئَةِ الَّتِي يُبْنى اسْمُها عَلى الفَتْحِ.
واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ لَتَأْتِيَنَّكم أيْ: إتْيانُ السّاعَةِ فائِدَتُهُ جَزاءُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ والكافِرِينَ بِالعِقابِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجَنَّةُ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ مَعَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - .
ثُمَّ ذَكَرَ فَرِيقَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُعاقَبُونَ عِنْدَ إتْيانِ السّاعَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِ آياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، وقَدَحُوا فِيها وصَدُّوا النّاسَ عَنْها، ومَعْنى مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا ولا يُدْرَكُونَ، وذَلِكَ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، يُقالُ: عاجَزَهُ وأعْجَزَهُ: إذا غالَبَهُ وسَبَقَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُعاجِزِينَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو " مُعَجِّزِينَ " أيْ: مُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ أُولَئِكَ أيِ: الَّذِينَ سَعَوْا ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ هو العَذابُ، فَ مِن لِلْبَيانِ، وقِيلَ: الرِّجْزُ هو أسْوَأُ العَذابِ وأشَدُّهُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] قَرَأ الجُمْهُورُ " ألِيمٍ " بِالجَرِّ صِفَةً لِرِجْزٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ عَذابٍ، والألِيمُ الشَّدِيدُ الألَمِ.
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَعَوْا في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ ذَكَرَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِها، مَعْنى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ وهُمُ الصَّحابَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمَوْصُولُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِ يَرى، والمَفْعُولُ الثّانِي الحَقَّ، والضَّمِيرُ هو ضَمِيرُ الفَصْلِ.
وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وخالَفَهُ غَيْرُهُ وقالُوا النَّصْبُ أكْثَرُ.
قِيلَ: وقَوْلُهُ: يَرى مَعْطُوفٌ عَلى لِيَجْزِيَ، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: واعْتُرِضَ عَلَيْها بِأنَّ قَوْلَهُ: لِيَجْزِيَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَتَأْتِيَنَّكم ولا يُقالُ: لَتَأْتِيَنَّكُمُ السّاعَةُ لِيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، والأوْلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِدَفْعِ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهم يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ؛ لِأنَّهم مُخالِفُونَ لِما يَعْلَمُهُ أهْلُ العِلْمِ في شَأْنِ القُرْآنِ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحَقَّ عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وهادِيًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى فاعِلِ أُنْزِلَ، وهو القُرْآنُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ أيْ: ويَهْدِي إلى طَرِيقِ العَزِيزِ في مُلْكِهِ الحَمِيدِ عِنْدَ خَلْقِهِ، والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي إلى دِينِ اللَّهِ وهو التَّوْحِيدُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - نَوْعًا آخَرَ مِن كَلامِ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: هَلْ نُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم أيْ: يُخْبِرُكم بِأمْرٍ عَجِيبٍ ونَبَّأٍ غَرِيبٍ هو أنَّكم ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ وقُطِّعْتُمْ كُلَّ تَقْطِيعٍ وصِرْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم رُفاتًا وتُرابًا ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وتَعُودُونَ إلى الصُّوَرِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، قالَ هَذا القَوْلَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ البَعْثِ، وأخْرَجُوا الكَلامَ مَخْرَجَ التَّلَهِّي بِهِ والتَّضاحُكِ مِمّا يَقُولُهُ مِن ذَلِكَ، " وإذا " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ مُزِّقْتُمْ.
قالَ النَّحّاسُ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها يَنَبِّئُكم لِأنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرُهم ذَلِكَ الوَقْتَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها ما بَعْدَ إنَّ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بُعِثْتُمْ أوْ نُبِّئْتُمْ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مُزِّقْتُمْ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.
وأصْلُ المَزْقِ خَرْقُ الأشْياءِ، يُقالُ: ثَوْبٌ مَزِيقٌ ومُمَزَّقٌ ومُتَمَزِّقٌ ومَمْزُوقٌ.
ثُمَّ حَكى - سُبْحانَهُ - عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم رَدَّدُوا ما وعَدَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ البَعْثِ بَيْنَ أمْرَيْنِ فَقالُوا: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: أهُوَ كاذِبٌ فِيما قالَهُ أمْ بِهِ جُنُونٌ بِحَيْثُ لا يَعْقِلُ ما يَقُولُهُ، والهَمْزَةُ في أفْتَرى هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ وحُذِفَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - ما قالُوهُ في رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الفَهْمِ وإدْراكِ الحَقائِقِ، فَكَفَرُوا بِالآخِرَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَهم بِهِ، فَصارُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، وهُمُ اليَوْمَ في الضَّلالِ البَعِيدِ عَنِ الحَقِّ غايَةَ البُعْدِ.
ثُمَّ وبَّخَهم - سُبْحانَهُ - بِما اجْتُرِئَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مُبَيِّنًا لَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم إلّا لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ ويُعِيدُهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذّاتِ والصِّفاتِ.
ومَعْنى ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم﴾ أنَّهم إذا نَظَرُوا رَأوُا السَّماءَ خَلْفَهم وقُدّامَهم، وكَذَلِكَ إذا نَظَرُوا في الأرْضِ رَأوْها خَلْفَهم وقُدّامَهم، فالسَّماءُ والأرْضُ مُحِيطَتانِ بِهِمْ فَهو القادِرُ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِهِ وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الخَلْقَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ (p-١١٩٠)مِنَ السَّماءِ، والأرْضِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى ما هو دُونَهُ مِنَ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم﴾ [يس: ٨١] .
والأمْرُ الآخَرُ: التَّهْدِيدُ لَهم بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الَّتِي قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِما قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطَها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ ذَلِكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وكَذا ﴿نَخْسِفْ﴾ ﴿أوْ نُسْقِطْ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: " إنْ يَشَأِ اللَّهُ " .
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ في " نَخْسِفْ بِهِمْ " .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ الفاءَ مِن باطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلى وأطْرافِ الثَّنايا العُلْيا بِخِلافِ الباءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " كِسْفًا " بِسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ بِفَتْحِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَآيَةً واضِحَةً ودَلالَةً بَيِّنَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وخَصَّ المُنِيبَ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِالتَّفَكُّرِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ المَطَرِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ قالَ: مِنَ النَّباتِ ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: مِنَ المَلائِكَةِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ قالَ: المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ قالَ: الرِّجْزُ هو العَذابُ الألِيمُ المُوجِعُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ: قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَقُولُ: إذا أكَلَتْكُمُ الأرْضُ وصِرْتُمْ رُفاتًا وعِظامًا وتَقَطَّعَتْكُمُ السِّباعُ والطَّيْرُ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم سَتَحْيَوْنَ وتُبْعَثُونَ، قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا بِهِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قالَ: قالُوا إمّا أنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ قالُوا: إنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وما بَيْنَ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ إنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ فَعَلَ وإنْ يَشَأْ أنْ يُعَذِّبَ بِأرْضِهِ فَعَلَ وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالَ: تائِبٍ مُقْبِلٍ إلى اللَّهِ.
سبأ 34:10
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مِن عِبادِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ كَما قالَ في داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وقالَ في سُلَيْمانَ ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ أيْ: آتَيْناهُ بِسَبَبِ إنابَتِهِ فَضْلًا مِنّا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.
واخْتُلِفَ في هَذا الفَضْلِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الزَّبُورُ، وقِيلَ: العِلْمُ، وقِيلَ: القُوَّةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] وقِيلَ: تَسْخِيرُ الجِبالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقِيلَ: التَّوْبَةُ وقِيلَ: الحُكْمُ بِالعَدْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقِيلَ: هو إلانَةُ الحَدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقِيلَ: حُسْنُ الصَّوْتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَذْكُورَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ: أيْ: قُلْنا يا جِبالُ: والتَّأْوِيبُ: التَّسْبِيحُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] .
قالَ أبُو مَيْسَرَةَ: هو التَّسْبِيحُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وكانَ إذا سَبَّحَ داوُدُ سَبَّحَتْ مَعَهُ، ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُها قادِرَةً عَلى ذَلِكَ، أوْ يَخْلُقُ فِيها التَّسْبِيحَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ، وقِيلَ: مَعْنى أوِّبِي: سِيرِي مَعَهُ، مِنَ التَّأْوِيبِ الَّذِي هو سَيْرُ النَّهارِ أجْمَعَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرَفُ مُجْنَحُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، مِنَ التَّأْوِيبِ: وهو التَّرْجِيعُ أوِ التَّسْبِيحُ أوِ السَّيْرُ أوِ النَّوْحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ أمْرًا مِن آبَ يَئُوبُ إذا رَجَعَ أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والطَّيْرَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَضْلًا عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، لِأنَّ إيتاءَهُ إيّاها تَسْخِيرُها لَهُ، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ يا جِبالُ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ تَقْدِيرًا، إذِ المَعْنى: نادَيْنا الجِبالَ والطَّيْرَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى مَعْنى وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.
وقالَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ كَما تَقُولُ: اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ.
وقالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فَضْلًا لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: آتَيْناهُ فَضْلًا وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ (p-١١٩١)الجِبالِ، أوْ عَلى المُضْمَرِ في أوِّبِي لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آتَيْناهُ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا؛ لِيَعْمَلَ بِهِ ما شاءَ.
قالَ الحَسَنُ: صارَ الحَدِيدُ كالشَّمْعِ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الحَدِيدُ في يَدِهِ كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، وكانَ يَفْرَغُ مِن عَمَلِ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ.
﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ في أنْ هَذِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: بِأنِ اعْمَلْ، والثّانِي أنَّها المُفَسِّرَةُ لِقَوْلِهِ: وألَنّا وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ أوْ ما هو في مَعْناهُ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم فِعْلًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَقالَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ.
وقَوْلُهُ: سابِغاتٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، والسّابِغاتُ الكَوامِلُ الواسِعاتُ، يُقالُ: سَبَغَ الدِّرْعُ والثَّوْبُ وغَيْرُهُما: إذا غَطّى كُلَّ ما هو عَلَيْهِ وفَضَلَ مِنهُ فَضْلَةٌ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، ويُقالُ: السَّرْدُ والزَّرْدُ كَما يُقالُ: السَّرّادُ والزَّرّادُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ، والسَّرْدُ أيْضًا الخَرْزُ، يُقالُ: سَرَدَ يَسْرُدُ: إذا خَرَزَ، ومِنهُ سَرَدَ الكَلامَ: إذا جاءَ بِهِ مُتَوالِيًا، ومِن حَدِيثِ عائِشَةَ «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكم» .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومِنهُ سَرِيدٌ أيْ: جَرِيٌّ، ومَعْنى سَرْدِ الدُّرُوعِ إحْكامُها، وأنْ يَكُونَ نِظامُ حِلَقِها وِلاءً غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎سَرَدَ الدُّرُوعَ مُضاعِفًا أسْرادَهُ ∗∗∗ لِيَنالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُومِ
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ داوُدَ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَّقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ، أيْ: قَدِّرْ ما تَأْخُذُ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ فَلا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَيَثْقُلَ ولا الخِفَّةَ فَيُزِيلَ المَنَعَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ: أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ ولا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا تَعْمَلْها كَبِيرَةً فَتَثْقُلَ عَلى لابِسِها.
وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ هو في المِسْمارِ أيْ: لا تَجْعَلْ مِسْمارَ الدِّرْعِ دَقِيقًا فَيَقْلِقَ ولا غَلِيظًا فَيَفْصِمَ الحِلَقَ.
ثُمَّ خاطَبَ داوُدَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أيْ: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ ثابِتَةٌ أوْ مُسَخَّرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ " الرِّياحَ " بِالجَمْعِ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: تَسِيرُ بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتَسِيرُ بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.
قالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ: بِإصْطَخْرَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ القِطْرُ: النُّحاسُ الذّائِبُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أُجْرِيَتْ لَهُ عَيْنُ الصُّفْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ كَجَرْيِ الماءِ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ بِما أُعْطِيَ سُلَيْمانُ، والمَعْنى: أسَلْنا لَهُ عَيْنَ النُّحاسِ كَما ألَنّا الحَدِيدَ لِداوُدَ، وقالَ قَتادَةُ: أسالَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ مَن مُبْتَدَأٌ ويَعْمَلُ خَبَرُهُ ومِنَ الجِنِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ مَن يَعْمَلُ مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ ومِنِ الجِنِّ حالٌ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ بِإذْنِ رَبِّهِ أيْ: بِأمْرِهِ.
والإذْنُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُسَخَّرًا أوْ مُيَسَّرًا بِأمْرِ رَبِّهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنَ الجِنِّ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ: وهو طاعَةُ سُلَيْمانَ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: وكَّلَ اللَّهُ بِالجِنِّ مَلَكًا بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنَ النّارِ، فَمَن زاغَ عَنْ أمْرِ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ بِذَلِكَ السَّوْطِ ضَرْبَةً فَتَحْرُقَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ لِلْبَيانِ، والمَحارِيبُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وهي الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ والقُصُورُ العالِيَةُ.
قالَ المُبَرِّدُ: لا يَكُونُ المِحْرابُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بِدَرَجٍ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي يُصَلّى فِيهِ مِحْرابٌ؛ لِأنَّهُ يُرْفَعُ ويُعَظَّمُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَحارِيبُ دُونَ القُصُورِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ أشْرَفُ بُيُوتِ الدّارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذَكَرْتُ أوانِسًا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ
وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالمَحارِيبِ هُنا المَساجِدُ، والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أيْ: صَوَّرْتَهُ بِصُورَتِهِ مِن نُحاسٍ أوْ زُجاجٍ أوْ رُخامٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ التَّماثِيلُ صُوَرَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والعُلَماءِ والصُّلَحاءِ، وكانُوا يُصَوِّرُونَها في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ فَيَزْدادُوا عِبادَةً واجْتِهادًا.
وقِيلَ: هي تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ التَّصْوِيرَ كانَ مُباحًا في شَرْعِ سُلَيْمانَ، ونُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والجِفانُ جُمَعُ جَفْنَةٍ وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ.
والجَوابِ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي حَفِيرَةٌ كالحَوْضِ، وقِيلَ: هي الحَوْضُ الكَبِيرُ يَجْبِي الماءَ أيْ: يَجْمَعُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قِصاعًا في العِظَمِ كَحِياضِ الإبِلِ يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.
قالَ النَّحّاسُ: الأوْلى إثْباتُ الياءِ في الجَوابِي، ومَن حَذَفَ الياءَ قالَ سَبِيلُ الألِفِ واللّامِ أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ فَلا تُغَيُّرُها عَنْ حالِها، فَلَمّا كانَ يُقالُ: جَوابٍ ودَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ أُقِرَّ عَلى حالِهِ فَحَذَفَ الياءَ.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: جَبَوْتُ الماءَ وجَبَيْتُهُ في الحَوْضِ أيْ: جَمَعْتُهُ، والجابِيَةُ الحَوْضُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الماءُ لِلْإبِلِ.
وقالَ النَّحّاسُ (p-١١٩٢)والجابِيَةُ القِدْرُ العَظِيمَةُ والحَوْضُ العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُجْمَعُ، ومِنهُ جَبَيْتُ الخَراجَ وجَبَيْتُ الجَرادَ: جَمَعْتُهُ في الكِساءِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي قُدُورُ النُّحاسِ تَكُونُ بِفارِسَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي قُدُورٌ تُنْحَتُ مِنَ الجِبالِ الصُّمِّ عَمِلَتْها لَهُ الشَّياطِينُ، ومَعْنى راسِياتٍ ثابِتاتٌ لا تُحْمَلُ ولا تُحَرَّكُ لِعِظَمِها.
ثُمَّ أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى العُمُومِ: أيْ: سُلَيْمانَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: وقُلْنا لَهُمُ اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ يا آلَ داوُدَ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم أوِ اعْمَلُوا عَمَلًا شُكْرًا عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَمِلُوا لِلشُّكْرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أيْ: شاكِرِينَ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وسُمِّيَتِ الطّاعَةُ شُكْرًا لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أنْواعِهِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن جِنْسِهِ أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالشُّكْرِ أنَّ الشّاكِرِينَ لَهُ مِن عِبادِهِ لَيْسُوا بِالكَثِيرِ فَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: العامِلُ بِطاعَتِي الشّاكِرُ لِنِعْمَتِي قَلِيلٌ. وارْتِفاعُ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ومِن عِبادِيَ صِفَةٌ لَهُ. والشَّكُورُ مُبْتَدَأٌ.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: حَكَمْنا عَلَيْهِ بِهِ وألْزَمْناهُ إيّاهُ ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ﴾ يَعْنِي الأرَضَةَ.
وقُرِئَ " الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ أيِ: الأكْلِ، يُقالُ: أرِضَتِ الخَشَبَةُ أرَضًا: إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ.
ومَعْنى ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾: تَأْكُلُ عَصاهُ الَّتِي كانَ مُتَّكِئًا عَلَيْها، والمِنسَأةُ: العَصا بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِن: نَسَأْتُ الغَنَمَ أيْ: زَجَرْتُها.
قالَ الزَّجّاجُ: المِنسَأةُ الَّتِي يُنْسَأُ بِها أيْ: يُطْرَدُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مِنسَأتَهُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ مَحْضَةٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: بَعْضُ العَرَبِ يُبْدِلُ مِن هَمْزَتِها ألِفًا وأنْشَدَ:
؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ
ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَرَبْنا بِمِنسَأةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا
ومِثْلُهُ:
؎أمِن أجْلِ حَبْلٍ لا أباكَ ضَرَبْتَهُ ∗∗∗ بِمِنسَأةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أحْبُلا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى قِراءَةِ ابْنِ ذَكْوانَ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أمُونٍ كَألْواحِ الأرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم، مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: لَوْ صَحَّ ما يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً في العَذابِ المُهِينِ في العَمَلِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ والطّاعَةِ لَهُ وهو إذْ ذاكَ مَيِّتٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: العَذابُ المُهِينُ: الشَّقاءُ والنَّصَبُ في العَمَلِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ النّاسَ في زَمانِ سُلَيْمانَ يَقُولُونَ إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا مَكَثَ سُلَيْمانُ قائِمًا عَلى عَصاهُ حَوْلًا مَيِّتًا، والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في حَياةِ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ وعَلِمَ النّاسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ، لا مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ أيْ: ظَهَرَ وتَجَلّى، وأنْ وما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ مَعَ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ: ظَهَرَ أمْرُ الجِنِّ لِلنّاسِ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ، أوْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى الجِنِّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَعْقُوبُ " تُبُيِّنَتْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ يُعْرَفُ مِمّا قَدَّمْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ: سَبِّحِي مَعَهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ قالَ: كالعَجِينِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: حِلَقُ الحَدِيدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: لا تَدُقَّ المَسامِيرَ وتُوَسِّعَ الحِلَقَ فَتَسْلَسَ، ولا تُغَلِّظَ المَسامِيرَ وتُضَيِّقِ الحِلَقَ فَتُقْصَمَ، واجْعَلْهُ قَدْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ قالَ النُّحاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القِطْرُ النُّحاسُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها أحَدٌ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ بَعْدَهُ فِيما كانَ أُعْطِيَ سُلَيْمانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِطْرُ الصُّفْرُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وتَماثِيلَ قالَ: اتَّخَذَ سُلَيْمانُ تَماثِيلَ مِن نُحاسٍ فَقالَ: يا رَبِّ انْفُخْ فِيها الرُّوحَ فَإنَّها أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، فَنَفَخَ اللَّهُ فِيها الرُّوحَ فَكانَتْ تَخْدِمُهُ، وكانَ اسْفِنْدِيارُ مِن بَقاياهم، فَقِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: كالجَوابِ قالَ: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ: أثافِيُّها مِنها.
وأخْرَجَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ مِن عِبادِيَ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدَهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَبِثَ سُلَيْمانُ عَلى عَصاهُ حَوْلًا بَعْدَ ما ماتَ، ثُمَّ خَرَّ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ، فَأخَذَتِ الجِنُّ عَصًا مِثْلَ عَصاهُ ودابَّةً مِثْلَ دابَّتِهِ فَأرْسَلُوها عَلَيْها فَأكَلَتْها في سَنَةٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ الآيَةَ، قالَ سُفْيانُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وهم يَدْأبُونَ لَهُ حَوْلًا " .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ سُلَيْمانُ إذا صَلّى رَأى شَجَرَةً نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَها ما اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ لِما أنْتِ ؟ فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَإنْ كانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كانَتْ لِدَواءٍ كُتِبَتْ، وصَلّى ذاتَ يَوْمٍ فَإذا شَجَرَةٌ نابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما (p-١١٩٣)اسْمُكِ ؟ قالَتِ الخَرُّوبَ ؟ قالَ لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَنِ الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَهَيَّأ عَصًا فَتَوَكَّأ عَلَيْها، وقَبَضَهُ اللَّهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَمَكَثَ حَوْلًا مَيِّتًا والجِنُّ تَعْمَلُ، فَأكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَتْ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ»، فَتَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فَشَكَرَتِ الجِنُّ لِلْأرَضَةِ، فَأيْنَما كانَتْ يَأْتُوا لَها بِالماءِ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: إنِّي تَفَضَّلْتُ عَلى عِبادِي بِثَلاثٍ: ألْقَيْتُ الدّابَّةَ عَلى الحَبَّةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَنَزَها المُلُوكُ كَما يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وألْقَيْتُ النَّتْنَ عَلى الجَسَدِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَدْفِنْ حَبِيبٌ حَبِيبَهُ، واسْتَلَبْتُ الحُزْنَ ولَوْلا ذَلِكَ لَذَهَبَ النَّسْلُ» .
سبأ 34:11
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مِن عِبادِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ كَما قالَ في داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وقالَ في سُلَيْمانَ ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ أيْ: آتَيْناهُ بِسَبَبِ إنابَتِهِ فَضْلًا مِنّا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.
واخْتُلِفَ في هَذا الفَضْلِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الزَّبُورُ، وقِيلَ: العِلْمُ، وقِيلَ: القُوَّةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] وقِيلَ: تَسْخِيرُ الجِبالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقِيلَ: التَّوْبَةُ وقِيلَ: الحُكْمُ بِالعَدْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقِيلَ: هو إلانَةُ الحَدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقِيلَ: حُسْنُ الصَّوْتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَذْكُورَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ: أيْ: قُلْنا يا جِبالُ: والتَّأْوِيبُ: التَّسْبِيحُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] .
قالَ أبُو مَيْسَرَةَ: هو التَّسْبِيحُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وكانَ إذا سَبَّحَ داوُدُ سَبَّحَتْ مَعَهُ، ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُها قادِرَةً عَلى ذَلِكَ، أوْ يَخْلُقُ فِيها التَّسْبِيحَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ، وقِيلَ: مَعْنى أوِّبِي: سِيرِي مَعَهُ، مِنَ التَّأْوِيبِ الَّذِي هو سَيْرُ النَّهارِ أجْمَعَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرَفُ مُجْنَحُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، مِنَ التَّأْوِيبِ: وهو التَّرْجِيعُ أوِ التَّسْبِيحُ أوِ السَّيْرُ أوِ النَّوْحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ أمْرًا مِن آبَ يَئُوبُ إذا رَجَعَ أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والطَّيْرَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَضْلًا عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، لِأنَّ إيتاءَهُ إيّاها تَسْخِيرُها لَهُ، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ يا جِبالُ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ تَقْدِيرًا، إذِ المَعْنى: نادَيْنا الجِبالَ والطَّيْرَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى مَعْنى وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.
وقالَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ كَما تَقُولُ: اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ.
وقالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فَضْلًا لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: آتَيْناهُ فَضْلًا وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ (p-١١٩١)الجِبالِ، أوْ عَلى المُضْمَرِ في أوِّبِي لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آتَيْناهُ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا؛ لِيَعْمَلَ بِهِ ما شاءَ.
قالَ الحَسَنُ: صارَ الحَدِيدُ كالشَّمْعِ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الحَدِيدُ في يَدِهِ كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، وكانَ يَفْرَغُ مِن عَمَلِ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ.
﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ في أنْ هَذِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: بِأنِ اعْمَلْ، والثّانِي أنَّها المُفَسِّرَةُ لِقَوْلِهِ: وألَنّا وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ أوْ ما هو في مَعْناهُ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم فِعْلًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَقالَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ.
وقَوْلُهُ: سابِغاتٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، والسّابِغاتُ الكَوامِلُ الواسِعاتُ، يُقالُ: سَبَغَ الدِّرْعُ والثَّوْبُ وغَيْرُهُما: إذا غَطّى كُلَّ ما هو عَلَيْهِ وفَضَلَ مِنهُ فَضْلَةٌ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، ويُقالُ: السَّرْدُ والزَّرْدُ كَما يُقالُ: السَّرّادُ والزَّرّادُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ، والسَّرْدُ أيْضًا الخَرْزُ، يُقالُ: سَرَدَ يَسْرُدُ: إذا خَرَزَ، ومِنهُ سَرَدَ الكَلامَ: إذا جاءَ بِهِ مُتَوالِيًا، ومِن حَدِيثِ عائِشَةَ «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكم» .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومِنهُ سَرِيدٌ أيْ: جَرِيٌّ، ومَعْنى سَرْدِ الدُّرُوعِ إحْكامُها، وأنْ يَكُونَ نِظامُ حِلَقِها وِلاءً غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎سَرَدَ الدُّرُوعَ مُضاعِفًا أسْرادَهُ ∗∗∗ لِيَنالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُومِ
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ داوُدَ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَّقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ، أيْ: قَدِّرْ ما تَأْخُذُ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ فَلا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَيَثْقُلَ ولا الخِفَّةَ فَيُزِيلَ المَنَعَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ: أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ ولا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا تَعْمَلْها كَبِيرَةً فَتَثْقُلَ عَلى لابِسِها.
وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ هو في المِسْمارِ أيْ: لا تَجْعَلْ مِسْمارَ الدِّرْعِ دَقِيقًا فَيَقْلِقَ ولا غَلِيظًا فَيَفْصِمَ الحِلَقَ.
ثُمَّ خاطَبَ داوُدَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أيْ: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ ثابِتَةٌ أوْ مُسَخَّرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ " الرِّياحَ " بِالجَمْعِ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: تَسِيرُ بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتَسِيرُ بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.
قالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ: بِإصْطَخْرَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ القِطْرُ: النُّحاسُ الذّائِبُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أُجْرِيَتْ لَهُ عَيْنُ الصُّفْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ كَجَرْيِ الماءِ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ بِما أُعْطِيَ سُلَيْمانُ، والمَعْنى: أسَلْنا لَهُ عَيْنَ النُّحاسِ كَما ألَنّا الحَدِيدَ لِداوُدَ، وقالَ قَتادَةُ: أسالَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ مَن مُبْتَدَأٌ ويَعْمَلُ خَبَرُهُ ومِنَ الجِنِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ مَن يَعْمَلُ مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ ومِنِ الجِنِّ حالٌ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ بِإذْنِ رَبِّهِ أيْ: بِأمْرِهِ.
والإذْنُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُسَخَّرًا أوْ مُيَسَّرًا بِأمْرِ رَبِّهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنَ الجِنِّ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ: وهو طاعَةُ سُلَيْمانَ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: وكَّلَ اللَّهُ بِالجِنِّ مَلَكًا بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنَ النّارِ، فَمَن زاغَ عَنْ أمْرِ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ بِذَلِكَ السَّوْطِ ضَرْبَةً فَتَحْرُقَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ لِلْبَيانِ، والمَحارِيبُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وهي الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ والقُصُورُ العالِيَةُ.
قالَ المُبَرِّدُ: لا يَكُونُ المِحْرابُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بِدَرَجٍ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي يُصَلّى فِيهِ مِحْرابٌ؛ لِأنَّهُ يُرْفَعُ ويُعَظَّمُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَحارِيبُ دُونَ القُصُورِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ أشْرَفُ بُيُوتِ الدّارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذَكَرْتُ أوانِسًا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ
وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالمَحارِيبِ هُنا المَساجِدُ، والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أيْ: صَوَّرْتَهُ بِصُورَتِهِ مِن نُحاسٍ أوْ زُجاجٍ أوْ رُخامٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ التَّماثِيلُ صُوَرَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والعُلَماءِ والصُّلَحاءِ، وكانُوا يُصَوِّرُونَها في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ فَيَزْدادُوا عِبادَةً واجْتِهادًا.
وقِيلَ: هي تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ التَّصْوِيرَ كانَ مُباحًا في شَرْعِ سُلَيْمانَ، ونُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والجِفانُ جُمَعُ جَفْنَةٍ وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ.
والجَوابِ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي حَفِيرَةٌ كالحَوْضِ، وقِيلَ: هي الحَوْضُ الكَبِيرُ يَجْبِي الماءَ أيْ: يَجْمَعُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قِصاعًا في العِظَمِ كَحِياضِ الإبِلِ يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.
قالَ النَّحّاسُ: الأوْلى إثْباتُ الياءِ في الجَوابِي، ومَن حَذَفَ الياءَ قالَ سَبِيلُ الألِفِ واللّامِ أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ فَلا تُغَيُّرُها عَنْ حالِها، فَلَمّا كانَ يُقالُ: جَوابٍ ودَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ أُقِرَّ عَلى حالِهِ فَحَذَفَ الياءَ.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: جَبَوْتُ الماءَ وجَبَيْتُهُ في الحَوْضِ أيْ: جَمَعْتُهُ، والجابِيَةُ الحَوْضُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الماءُ لِلْإبِلِ.
وقالَ النَّحّاسُ (p-١١٩٢)والجابِيَةُ القِدْرُ العَظِيمَةُ والحَوْضُ العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُجْمَعُ، ومِنهُ جَبَيْتُ الخَراجَ وجَبَيْتُ الجَرادَ: جَمَعْتُهُ في الكِساءِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي قُدُورُ النُّحاسِ تَكُونُ بِفارِسَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي قُدُورٌ تُنْحَتُ مِنَ الجِبالِ الصُّمِّ عَمِلَتْها لَهُ الشَّياطِينُ، ومَعْنى راسِياتٍ ثابِتاتٌ لا تُحْمَلُ ولا تُحَرَّكُ لِعِظَمِها.
ثُمَّ أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى العُمُومِ: أيْ: سُلَيْمانَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: وقُلْنا لَهُمُ اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ يا آلَ داوُدَ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم أوِ اعْمَلُوا عَمَلًا شُكْرًا عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَمِلُوا لِلشُّكْرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أيْ: شاكِرِينَ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وسُمِّيَتِ الطّاعَةُ شُكْرًا لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أنْواعِهِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن جِنْسِهِ أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالشُّكْرِ أنَّ الشّاكِرِينَ لَهُ مِن عِبادِهِ لَيْسُوا بِالكَثِيرِ فَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: العامِلُ بِطاعَتِي الشّاكِرُ لِنِعْمَتِي قَلِيلٌ. وارْتِفاعُ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ومِن عِبادِيَ صِفَةٌ لَهُ. والشَّكُورُ مُبْتَدَأٌ.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: حَكَمْنا عَلَيْهِ بِهِ وألْزَمْناهُ إيّاهُ ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ﴾ يَعْنِي الأرَضَةَ.
وقُرِئَ " الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ أيِ: الأكْلِ، يُقالُ: أرِضَتِ الخَشَبَةُ أرَضًا: إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ.
ومَعْنى ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾: تَأْكُلُ عَصاهُ الَّتِي كانَ مُتَّكِئًا عَلَيْها، والمِنسَأةُ: العَصا بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِن: نَسَأْتُ الغَنَمَ أيْ: زَجَرْتُها.
قالَ الزَّجّاجُ: المِنسَأةُ الَّتِي يُنْسَأُ بِها أيْ: يُطْرَدُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مِنسَأتَهُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ مَحْضَةٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: بَعْضُ العَرَبِ يُبْدِلُ مِن هَمْزَتِها ألِفًا وأنْشَدَ:
؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ
ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَرَبْنا بِمِنسَأةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا
ومِثْلُهُ:
؎أمِن أجْلِ حَبْلٍ لا أباكَ ضَرَبْتَهُ ∗∗∗ بِمِنسَأةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أحْبُلا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى قِراءَةِ ابْنِ ذَكْوانَ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أمُونٍ كَألْواحِ الأرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم، مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: لَوْ صَحَّ ما يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً في العَذابِ المُهِينِ في العَمَلِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ والطّاعَةِ لَهُ وهو إذْ ذاكَ مَيِّتٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: العَذابُ المُهِينُ: الشَّقاءُ والنَّصَبُ في العَمَلِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ النّاسَ في زَمانِ سُلَيْمانَ يَقُولُونَ إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا مَكَثَ سُلَيْمانُ قائِمًا عَلى عَصاهُ حَوْلًا مَيِّتًا، والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في حَياةِ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ وعَلِمَ النّاسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ، لا مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ أيْ: ظَهَرَ وتَجَلّى، وأنْ وما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ مَعَ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ: ظَهَرَ أمْرُ الجِنِّ لِلنّاسِ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ، أوْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى الجِنِّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَعْقُوبُ " تُبُيِّنَتْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ يُعْرَفُ مِمّا قَدَّمْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ: سَبِّحِي مَعَهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ قالَ: كالعَجِينِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: حِلَقُ الحَدِيدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: لا تَدُقَّ المَسامِيرَ وتُوَسِّعَ الحِلَقَ فَتَسْلَسَ، ولا تُغَلِّظَ المَسامِيرَ وتُضَيِّقِ الحِلَقَ فَتُقْصَمَ، واجْعَلْهُ قَدْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ قالَ النُّحاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القِطْرُ النُّحاسُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها أحَدٌ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ بَعْدَهُ فِيما كانَ أُعْطِيَ سُلَيْمانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِطْرُ الصُّفْرُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وتَماثِيلَ قالَ: اتَّخَذَ سُلَيْمانُ تَماثِيلَ مِن نُحاسٍ فَقالَ: يا رَبِّ انْفُخْ فِيها الرُّوحَ فَإنَّها أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، فَنَفَخَ اللَّهُ فِيها الرُّوحَ فَكانَتْ تَخْدِمُهُ، وكانَ اسْفِنْدِيارُ مِن بَقاياهم، فَقِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: كالجَوابِ قالَ: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ: أثافِيُّها مِنها.
وأخْرَجَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ مِن عِبادِيَ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدَهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَبِثَ سُلَيْمانُ عَلى عَصاهُ حَوْلًا بَعْدَ ما ماتَ، ثُمَّ خَرَّ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ، فَأخَذَتِ الجِنُّ عَصًا مِثْلَ عَصاهُ ودابَّةً مِثْلَ دابَّتِهِ فَأرْسَلُوها عَلَيْها فَأكَلَتْها في سَنَةٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ الآيَةَ، قالَ سُفْيانُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وهم يَدْأبُونَ لَهُ حَوْلًا " .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ سُلَيْمانُ إذا صَلّى رَأى شَجَرَةً نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَها ما اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ لِما أنْتِ ؟ فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَإنْ كانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كانَتْ لِدَواءٍ كُتِبَتْ، وصَلّى ذاتَ يَوْمٍ فَإذا شَجَرَةٌ نابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما (p-١١٩٣)اسْمُكِ ؟ قالَتِ الخَرُّوبَ ؟ قالَ لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَنِ الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَهَيَّأ عَصًا فَتَوَكَّأ عَلَيْها، وقَبَضَهُ اللَّهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَمَكَثَ حَوْلًا مَيِّتًا والجِنُّ تَعْمَلُ، فَأكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَتْ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ»، فَتَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فَشَكَرَتِ الجِنُّ لِلْأرَضَةِ، فَأيْنَما كانَتْ يَأْتُوا لَها بِالماءِ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: إنِّي تَفَضَّلْتُ عَلى عِبادِي بِثَلاثٍ: ألْقَيْتُ الدّابَّةَ عَلى الحَبَّةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَنَزَها المُلُوكُ كَما يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وألْقَيْتُ النَّتْنَ عَلى الجَسَدِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَدْفِنْ حَبِيبٌ حَبِيبَهُ، واسْتَلَبْتُ الحُزْنَ ولَوْلا ذَلِكَ لَذَهَبَ النَّسْلُ» .
سبأ 34:12
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مِن عِبادِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ كَما قالَ في داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وقالَ في سُلَيْمانَ ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ أيْ: آتَيْناهُ بِسَبَبِ إنابَتِهِ فَضْلًا مِنّا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.
واخْتُلِفَ في هَذا الفَضْلِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الزَّبُورُ، وقِيلَ: العِلْمُ، وقِيلَ: القُوَّةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] وقِيلَ: تَسْخِيرُ الجِبالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقِيلَ: التَّوْبَةُ وقِيلَ: الحُكْمُ بِالعَدْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقِيلَ: هو إلانَةُ الحَدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقِيلَ: حُسْنُ الصَّوْتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَذْكُورَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ: أيْ: قُلْنا يا جِبالُ: والتَّأْوِيبُ: التَّسْبِيحُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] .
قالَ أبُو مَيْسَرَةَ: هو التَّسْبِيحُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وكانَ إذا سَبَّحَ داوُدُ سَبَّحَتْ مَعَهُ، ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُها قادِرَةً عَلى ذَلِكَ، أوْ يَخْلُقُ فِيها التَّسْبِيحَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ، وقِيلَ: مَعْنى أوِّبِي: سِيرِي مَعَهُ، مِنَ التَّأْوِيبِ الَّذِي هو سَيْرُ النَّهارِ أجْمَعَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرَفُ مُجْنَحُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، مِنَ التَّأْوِيبِ: وهو التَّرْجِيعُ أوِ التَّسْبِيحُ أوِ السَّيْرُ أوِ النَّوْحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ أمْرًا مِن آبَ يَئُوبُ إذا رَجَعَ أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والطَّيْرَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَضْلًا عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، لِأنَّ إيتاءَهُ إيّاها تَسْخِيرُها لَهُ، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ يا جِبالُ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ تَقْدِيرًا، إذِ المَعْنى: نادَيْنا الجِبالَ والطَّيْرَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى مَعْنى وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.
وقالَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ كَما تَقُولُ: اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ.
وقالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فَضْلًا لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: آتَيْناهُ فَضْلًا وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ (p-١١٩١)الجِبالِ، أوْ عَلى المُضْمَرِ في أوِّبِي لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آتَيْناهُ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا؛ لِيَعْمَلَ بِهِ ما شاءَ.
قالَ الحَسَنُ: صارَ الحَدِيدُ كالشَّمْعِ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الحَدِيدُ في يَدِهِ كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، وكانَ يَفْرَغُ مِن عَمَلِ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ.
﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ في أنْ هَذِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: بِأنِ اعْمَلْ، والثّانِي أنَّها المُفَسِّرَةُ لِقَوْلِهِ: وألَنّا وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ أوْ ما هو في مَعْناهُ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم فِعْلًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَقالَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ.
وقَوْلُهُ: سابِغاتٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، والسّابِغاتُ الكَوامِلُ الواسِعاتُ، يُقالُ: سَبَغَ الدِّرْعُ والثَّوْبُ وغَيْرُهُما: إذا غَطّى كُلَّ ما هو عَلَيْهِ وفَضَلَ مِنهُ فَضْلَةٌ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، ويُقالُ: السَّرْدُ والزَّرْدُ كَما يُقالُ: السَّرّادُ والزَّرّادُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ، والسَّرْدُ أيْضًا الخَرْزُ، يُقالُ: سَرَدَ يَسْرُدُ: إذا خَرَزَ، ومِنهُ سَرَدَ الكَلامَ: إذا جاءَ بِهِ مُتَوالِيًا، ومِن حَدِيثِ عائِشَةَ «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكم» .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومِنهُ سَرِيدٌ أيْ: جَرِيٌّ، ومَعْنى سَرْدِ الدُّرُوعِ إحْكامُها، وأنْ يَكُونَ نِظامُ حِلَقِها وِلاءً غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎سَرَدَ الدُّرُوعَ مُضاعِفًا أسْرادَهُ ∗∗∗ لِيَنالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُومِ
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ داوُدَ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَّقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ، أيْ: قَدِّرْ ما تَأْخُذُ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ فَلا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَيَثْقُلَ ولا الخِفَّةَ فَيُزِيلَ المَنَعَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ: أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ ولا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا تَعْمَلْها كَبِيرَةً فَتَثْقُلَ عَلى لابِسِها.
وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ هو في المِسْمارِ أيْ: لا تَجْعَلْ مِسْمارَ الدِّرْعِ دَقِيقًا فَيَقْلِقَ ولا غَلِيظًا فَيَفْصِمَ الحِلَقَ.
ثُمَّ خاطَبَ داوُدَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أيْ: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ ثابِتَةٌ أوْ مُسَخَّرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ " الرِّياحَ " بِالجَمْعِ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: تَسِيرُ بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتَسِيرُ بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.
قالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ: بِإصْطَخْرَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ القِطْرُ: النُّحاسُ الذّائِبُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أُجْرِيَتْ لَهُ عَيْنُ الصُّفْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ كَجَرْيِ الماءِ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ بِما أُعْطِيَ سُلَيْمانُ، والمَعْنى: أسَلْنا لَهُ عَيْنَ النُّحاسِ كَما ألَنّا الحَدِيدَ لِداوُدَ، وقالَ قَتادَةُ: أسالَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ مَن مُبْتَدَأٌ ويَعْمَلُ خَبَرُهُ ومِنَ الجِنِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ مَن يَعْمَلُ مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ ومِنِ الجِنِّ حالٌ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ بِإذْنِ رَبِّهِ أيْ: بِأمْرِهِ.
والإذْنُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُسَخَّرًا أوْ مُيَسَّرًا بِأمْرِ رَبِّهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنَ الجِنِّ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ: وهو طاعَةُ سُلَيْمانَ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: وكَّلَ اللَّهُ بِالجِنِّ مَلَكًا بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنَ النّارِ، فَمَن زاغَ عَنْ أمْرِ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ بِذَلِكَ السَّوْطِ ضَرْبَةً فَتَحْرُقَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ لِلْبَيانِ، والمَحارِيبُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وهي الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ والقُصُورُ العالِيَةُ.
قالَ المُبَرِّدُ: لا يَكُونُ المِحْرابُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بِدَرَجٍ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي يُصَلّى فِيهِ مِحْرابٌ؛ لِأنَّهُ يُرْفَعُ ويُعَظَّمُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَحارِيبُ دُونَ القُصُورِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ أشْرَفُ بُيُوتِ الدّارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذَكَرْتُ أوانِسًا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ
وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالمَحارِيبِ هُنا المَساجِدُ، والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أيْ: صَوَّرْتَهُ بِصُورَتِهِ مِن نُحاسٍ أوْ زُجاجٍ أوْ رُخامٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ التَّماثِيلُ صُوَرَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والعُلَماءِ والصُّلَحاءِ، وكانُوا يُصَوِّرُونَها في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ فَيَزْدادُوا عِبادَةً واجْتِهادًا.
وقِيلَ: هي تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ التَّصْوِيرَ كانَ مُباحًا في شَرْعِ سُلَيْمانَ، ونُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والجِفانُ جُمَعُ جَفْنَةٍ وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ.
والجَوابِ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي حَفِيرَةٌ كالحَوْضِ، وقِيلَ: هي الحَوْضُ الكَبِيرُ يَجْبِي الماءَ أيْ: يَجْمَعُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قِصاعًا في العِظَمِ كَحِياضِ الإبِلِ يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.
قالَ النَّحّاسُ: الأوْلى إثْباتُ الياءِ في الجَوابِي، ومَن حَذَفَ الياءَ قالَ سَبِيلُ الألِفِ واللّامِ أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ فَلا تُغَيُّرُها عَنْ حالِها، فَلَمّا كانَ يُقالُ: جَوابٍ ودَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ أُقِرَّ عَلى حالِهِ فَحَذَفَ الياءَ.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: جَبَوْتُ الماءَ وجَبَيْتُهُ في الحَوْضِ أيْ: جَمَعْتُهُ، والجابِيَةُ الحَوْضُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الماءُ لِلْإبِلِ.
وقالَ النَّحّاسُ (p-١١٩٢)والجابِيَةُ القِدْرُ العَظِيمَةُ والحَوْضُ العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُجْمَعُ، ومِنهُ جَبَيْتُ الخَراجَ وجَبَيْتُ الجَرادَ: جَمَعْتُهُ في الكِساءِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي قُدُورُ النُّحاسِ تَكُونُ بِفارِسَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي قُدُورٌ تُنْحَتُ مِنَ الجِبالِ الصُّمِّ عَمِلَتْها لَهُ الشَّياطِينُ، ومَعْنى راسِياتٍ ثابِتاتٌ لا تُحْمَلُ ولا تُحَرَّكُ لِعِظَمِها.
ثُمَّ أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى العُمُومِ: أيْ: سُلَيْمانَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: وقُلْنا لَهُمُ اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ يا آلَ داوُدَ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم أوِ اعْمَلُوا عَمَلًا شُكْرًا عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَمِلُوا لِلشُّكْرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أيْ: شاكِرِينَ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وسُمِّيَتِ الطّاعَةُ شُكْرًا لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أنْواعِهِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن جِنْسِهِ أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالشُّكْرِ أنَّ الشّاكِرِينَ لَهُ مِن عِبادِهِ لَيْسُوا بِالكَثِيرِ فَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: العامِلُ بِطاعَتِي الشّاكِرُ لِنِعْمَتِي قَلِيلٌ. وارْتِفاعُ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ومِن عِبادِيَ صِفَةٌ لَهُ. والشَّكُورُ مُبْتَدَأٌ.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: حَكَمْنا عَلَيْهِ بِهِ وألْزَمْناهُ إيّاهُ ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ﴾ يَعْنِي الأرَضَةَ.
وقُرِئَ " الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ أيِ: الأكْلِ، يُقالُ: أرِضَتِ الخَشَبَةُ أرَضًا: إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ.
ومَعْنى ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾: تَأْكُلُ عَصاهُ الَّتِي كانَ مُتَّكِئًا عَلَيْها، والمِنسَأةُ: العَصا بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِن: نَسَأْتُ الغَنَمَ أيْ: زَجَرْتُها.
قالَ الزَّجّاجُ: المِنسَأةُ الَّتِي يُنْسَأُ بِها أيْ: يُطْرَدُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مِنسَأتَهُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ مَحْضَةٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: بَعْضُ العَرَبِ يُبْدِلُ مِن هَمْزَتِها ألِفًا وأنْشَدَ:
؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ
ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَرَبْنا بِمِنسَأةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا
ومِثْلُهُ:
؎أمِن أجْلِ حَبْلٍ لا أباكَ ضَرَبْتَهُ ∗∗∗ بِمِنسَأةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أحْبُلا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى قِراءَةِ ابْنِ ذَكْوانَ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أمُونٍ كَألْواحِ الأرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم، مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: لَوْ صَحَّ ما يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً في العَذابِ المُهِينِ في العَمَلِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ والطّاعَةِ لَهُ وهو إذْ ذاكَ مَيِّتٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: العَذابُ المُهِينُ: الشَّقاءُ والنَّصَبُ في العَمَلِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ النّاسَ في زَمانِ سُلَيْمانَ يَقُولُونَ إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا مَكَثَ سُلَيْمانُ قائِمًا عَلى عَصاهُ حَوْلًا مَيِّتًا، والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في حَياةِ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ وعَلِمَ النّاسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ، لا مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ أيْ: ظَهَرَ وتَجَلّى، وأنْ وما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ مَعَ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ: ظَهَرَ أمْرُ الجِنِّ لِلنّاسِ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ، أوْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى الجِنِّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَعْقُوبُ " تُبُيِّنَتْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ يُعْرَفُ مِمّا قَدَّمْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ: سَبِّحِي مَعَهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ قالَ: كالعَجِينِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: حِلَقُ الحَدِيدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: لا تَدُقَّ المَسامِيرَ وتُوَسِّعَ الحِلَقَ فَتَسْلَسَ، ولا تُغَلِّظَ المَسامِيرَ وتُضَيِّقِ الحِلَقَ فَتُقْصَمَ، واجْعَلْهُ قَدْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ قالَ النُّحاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القِطْرُ النُّحاسُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها أحَدٌ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ بَعْدَهُ فِيما كانَ أُعْطِيَ سُلَيْمانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِطْرُ الصُّفْرُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وتَماثِيلَ قالَ: اتَّخَذَ سُلَيْمانُ تَماثِيلَ مِن نُحاسٍ فَقالَ: يا رَبِّ انْفُخْ فِيها الرُّوحَ فَإنَّها أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، فَنَفَخَ اللَّهُ فِيها الرُّوحَ فَكانَتْ تَخْدِمُهُ، وكانَ اسْفِنْدِيارُ مِن بَقاياهم، فَقِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: كالجَوابِ قالَ: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ: أثافِيُّها مِنها.
وأخْرَجَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ مِن عِبادِيَ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدَهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَبِثَ سُلَيْمانُ عَلى عَصاهُ حَوْلًا بَعْدَ ما ماتَ، ثُمَّ خَرَّ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ، فَأخَذَتِ الجِنُّ عَصًا مِثْلَ عَصاهُ ودابَّةً مِثْلَ دابَّتِهِ فَأرْسَلُوها عَلَيْها فَأكَلَتْها في سَنَةٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ الآيَةَ، قالَ سُفْيانُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وهم يَدْأبُونَ لَهُ حَوْلًا " .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ سُلَيْمانُ إذا صَلّى رَأى شَجَرَةً نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَها ما اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ لِما أنْتِ ؟ فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَإنْ كانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كانَتْ لِدَواءٍ كُتِبَتْ، وصَلّى ذاتَ يَوْمٍ فَإذا شَجَرَةٌ نابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما (p-١١٩٣)اسْمُكِ ؟ قالَتِ الخَرُّوبَ ؟ قالَ لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَنِ الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَهَيَّأ عَصًا فَتَوَكَّأ عَلَيْها، وقَبَضَهُ اللَّهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَمَكَثَ حَوْلًا مَيِّتًا والجِنُّ تَعْمَلُ، فَأكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَتْ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ»، فَتَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فَشَكَرَتِ الجِنُّ لِلْأرَضَةِ، فَأيْنَما كانَتْ يَأْتُوا لَها بِالماءِ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: إنِّي تَفَضَّلْتُ عَلى عِبادِي بِثَلاثٍ: ألْقَيْتُ الدّابَّةَ عَلى الحَبَّةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَنَزَها المُلُوكُ كَما يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وألْقَيْتُ النَّتْنَ عَلى الجَسَدِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَدْفِنْ حَبِيبٌ حَبِيبَهُ، واسْتَلَبْتُ الحُزْنَ ولَوْلا ذَلِكَ لَذَهَبَ النَّسْلُ» .
سبأ 34:13
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مِن عِبادِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ كَما قالَ في داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وقالَ في سُلَيْمانَ ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ أيْ: آتَيْناهُ بِسَبَبِ إنابَتِهِ فَضْلًا مِنّا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.
واخْتُلِفَ في هَذا الفَضْلِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الزَّبُورُ، وقِيلَ: العِلْمُ، وقِيلَ: القُوَّةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] وقِيلَ: تَسْخِيرُ الجِبالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقِيلَ: التَّوْبَةُ وقِيلَ: الحُكْمُ بِالعَدْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقِيلَ: هو إلانَةُ الحَدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقِيلَ: حُسْنُ الصَّوْتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَذْكُورَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ: أيْ: قُلْنا يا جِبالُ: والتَّأْوِيبُ: التَّسْبِيحُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] .
قالَ أبُو مَيْسَرَةَ: هو التَّسْبِيحُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وكانَ إذا سَبَّحَ داوُدُ سَبَّحَتْ مَعَهُ، ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُها قادِرَةً عَلى ذَلِكَ، أوْ يَخْلُقُ فِيها التَّسْبِيحَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ، وقِيلَ: مَعْنى أوِّبِي: سِيرِي مَعَهُ، مِنَ التَّأْوِيبِ الَّذِي هو سَيْرُ النَّهارِ أجْمَعَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرَفُ مُجْنَحُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، مِنَ التَّأْوِيبِ: وهو التَّرْجِيعُ أوِ التَّسْبِيحُ أوِ السَّيْرُ أوِ النَّوْحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ أمْرًا مِن آبَ يَئُوبُ إذا رَجَعَ أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والطَّيْرَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَضْلًا عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، لِأنَّ إيتاءَهُ إيّاها تَسْخِيرُها لَهُ، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ يا جِبالُ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ تَقْدِيرًا، إذِ المَعْنى: نادَيْنا الجِبالَ والطَّيْرَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى مَعْنى وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.
وقالَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ كَما تَقُولُ: اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ.
وقالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فَضْلًا لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: آتَيْناهُ فَضْلًا وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ (p-١١٩١)الجِبالِ، أوْ عَلى المُضْمَرِ في أوِّبِي لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آتَيْناهُ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا؛ لِيَعْمَلَ بِهِ ما شاءَ.
قالَ الحَسَنُ: صارَ الحَدِيدُ كالشَّمْعِ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الحَدِيدُ في يَدِهِ كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، وكانَ يَفْرَغُ مِن عَمَلِ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ.
﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ في أنْ هَذِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: بِأنِ اعْمَلْ، والثّانِي أنَّها المُفَسِّرَةُ لِقَوْلِهِ: وألَنّا وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ أوْ ما هو في مَعْناهُ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم فِعْلًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَقالَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ.
وقَوْلُهُ: سابِغاتٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، والسّابِغاتُ الكَوامِلُ الواسِعاتُ، يُقالُ: سَبَغَ الدِّرْعُ والثَّوْبُ وغَيْرُهُما: إذا غَطّى كُلَّ ما هو عَلَيْهِ وفَضَلَ مِنهُ فَضْلَةٌ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، ويُقالُ: السَّرْدُ والزَّرْدُ كَما يُقالُ: السَّرّادُ والزَّرّادُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ، والسَّرْدُ أيْضًا الخَرْزُ، يُقالُ: سَرَدَ يَسْرُدُ: إذا خَرَزَ، ومِنهُ سَرَدَ الكَلامَ: إذا جاءَ بِهِ مُتَوالِيًا، ومِن حَدِيثِ عائِشَةَ «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكم» .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومِنهُ سَرِيدٌ أيْ: جَرِيٌّ، ومَعْنى سَرْدِ الدُّرُوعِ إحْكامُها، وأنْ يَكُونَ نِظامُ حِلَقِها وِلاءً غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎سَرَدَ الدُّرُوعَ مُضاعِفًا أسْرادَهُ ∗∗∗ لِيَنالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُومِ
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ داوُدَ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَّقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ، أيْ: قَدِّرْ ما تَأْخُذُ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ فَلا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَيَثْقُلَ ولا الخِفَّةَ فَيُزِيلَ المَنَعَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ: أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ ولا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا تَعْمَلْها كَبِيرَةً فَتَثْقُلَ عَلى لابِسِها.
وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ هو في المِسْمارِ أيْ: لا تَجْعَلْ مِسْمارَ الدِّرْعِ دَقِيقًا فَيَقْلِقَ ولا غَلِيظًا فَيَفْصِمَ الحِلَقَ.
ثُمَّ خاطَبَ داوُدَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أيْ: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ ثابِتَةٌ أوْ مُسَخَّرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ " الرِّياحَ " بِالجَمْعِ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: تَسِيرُ بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتَسِيرُ بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.
قالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ: بِإصْطَخْرَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ القِطْرُ: النُّحاسُ الذّائِبُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أُجْرِيَتْ لَهُ عَيْنُ الصُّفْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ كَجَرْيِ الماءِ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ بِما أُعْطِيَ سُلَيْمانُ، والمَعْنى: أسَلْنا لَهُ عَيْنَ النُّحاسِ كَما ألَنّا الحَدِيدَ لِداوُدَ، وقالَ قَتادَةُ: أسالَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ مَن مُبْتَدَأٌ ويَعْمَلُ خَبَرُهُ ومِنَ الجِنِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ مَن يَعْمَلُ مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ ومِنِ الجِنِّ حالٌ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ بِإذْنِ رَبِّهِ أيْ: بِأمْرِهِ.
والإذْنُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُسَخَّرًا أوْ مُيَسَّرًا بِأمْرِ رَبِّهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنَ الجِنِّ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ: وهو طاعَةُ سُلَيْمانَ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: وكَّلَ اللَّهُ بِالجِنِّ مَلَكًا بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنَ النّارِ، فَمَن زاغَ عَنْ أمْرِ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ بِذَلِكَ السَّوْطِ ضَرْبَةً فَتَحْرُقَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ لِلْبَيانِ، والمَحارِيبُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وهي الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ والقُصُورُ العالِيَةُ.
قالَ المُبَرِّدُ: لا يَكُونُ المِحْرابُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بِدَرَجٍ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي يُصَلّى فِيهِ مِحْرابٌ؛ لِأنَّهُ يُرْفَعُ ويُعَظَّمُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَحارِيبُ دُونَ القُصُورِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ أشْرَفُ بُيُوتِ الدّارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذَكَرْتُ أوانِسًا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ
وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالمَحارِيبِ هُنا المَساجِدُ، والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أيْ: صَوَّرْتَهُ بِصُورَتِهِ مِن نُحاسٍ أوْ زُجاجٍ أوْ رُخامٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ التَّماثِيلُ صُوَرَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والعُلَماءِ والصُّلَحاءِ، وكانُوا يُصَوِّرُونَها في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ فَيَزْدادُوا عِبادَةً واجْتِهادًا.
وقِيلَ: هي تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ التَّصْوِيرَ كانَ مُباحًا في شَرْعِ سُلَيْمانَ، ونُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والجِفانُ جُمَعُ جَفْنَةٍ وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ.
والجَوابِ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي حَفِيرَةٌ كالحَوْضِ، وقِيلَ: هي الحَوْضُ الكَبِيرُ يَجْبِي الماءَ أيْ: يَجْمَعُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قِصاعًا في العِظَمِ كَحِياضِ الإبِلِ يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.
قالَ النَّحّاسُ: الأوْلى إثْباتُ الياءِ في الجَوابِي، ومَن حَذَفَ الياءَ قالَ سَبِيلُ الألِفِ واللّامِ أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ فَلا تُغَيُّرُها عَنْ حالِها، فَلَمّا كانَ يُقالُ: جَوابٍ ودَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ أُقِرَّ عَلى حالِهِ فَحَذَفَ الياءَ.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: جَبَوْتُ الماءَ وجَبَيْتُهُ في الحَوْضِ أيْ: جَمَعْتُهُ، والجابِيَةُ الحَوْضُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الماءُ لِلْإبِلِ.
وقالَ النَّحّاسُ (p-١١٩٢)والجابِيَةُ القِدْرُ العَظِيمَةُ والحَوْضُ العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُجْمَعُ، ومِنهُ جَبَيْتُ الخَراجَ وجَبَيْتُ الجَرادَ: جَمَعْتُهُ في الكِساءِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي قُدُورُ النُّحاسِ تَكُونُ بِفارِسَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي قُدُورٌ تُنْحَتُ مِنَ الجِبالِ الصُّمِّ عَمِلَتْها لَهُ الشَّياطِينُ، ومَعْنى راسِياتٍ ثابِتاتٌ لا تُحْمَلُ ولا تُحَرَّكُ لِعِظَمِها.
ثُمَّ أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى العُمُومِ: أيْ: سُلَيْمانَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: وقُلْنا لَهُمُ اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ يا آلَ داوُدَ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم أوِ اعْمَلُوا عَمَلًا شُكْرًا عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَمِلُوا لِلشُّكْرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أيْ: شاكِرِينَ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وسُمِّيَتِ الطّاعَةُ شُكْرًا لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أنْواعِهِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن جِنْسِهِ أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالشُّكْرِ أنَّ الشّاكِرِينَ لَهُ مِن عِبادِهِ لَيْسُوا بِالكَثِيرِ فَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: العامِلُ بِطاعَتِي الشّاكِرُ لِنِعْمَتِي قَلِيلٌ. وارْتِفاعُ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ومِن عِبادِيَ صِفَةٌ لَهُ. والشَّكُورُ مُبْتَدَأٌ.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: حَكَمْنا عَلَيْهِ بِهِ وألْزَمْناهُ إيّاهُ ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ﴾ يَعْنِي الأرَضَةَ.
وقُرِئَ " الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ أيِ: الأكْلِ، يُقالُ: أرِضَتِ الخَشَبَةُ أرَضًا: إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ.
ومَعْنى ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾: تَأْكُلُ عَصاهُ الَّتِي كانَ مُتَّكِئًا عَلَيْها، والمِنسَأةُ: العَصا بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِن: نَسَأْتُ الغَنَمَ أيْ: زَجَرْتُها.
قالَ الزَّجّاجُ: المِنسَأةُ الَّتِي يُنْسَأُ بِها أيْ: يُطْرَدُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مِنسَأتَهُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ مَحْضَةٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: بَعْضُ العَرَبِ يُبْدِلُ مِن هَمْزَتِها ألِفًا وأنْشَدَ:
؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ
ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَرَبْنا بِمِنسَأةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا
ومِثْلُهُ:
؎أمِن أجْلِ حَبْلٍ لا أباكَ ضَرَبْتَهُ ∗∗∗ بِمِنسَأةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أحْبُلا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى قِراءَةِ ابْنِ ذَكْوانَ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أمُونٍ كَألْواحِ الأرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم، مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: لَوْ صَحَّ ما يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً في العَذابِ المُهِينِ في العَمَلِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ والطّاعَةِ لَهُ وهو إذْ ذاكَ مَيِّتٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: العَذابُ المُهِينُ: الشَّقاءُ والنَّصَبُ في العَمَلِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ النّاسَ في زَمانِ سُلَيْمانَ يَقُولُونَ إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا مَكَثَ سُلَيْمانُ قائِمًا عَلى عَصاهُ حَوْلًا مَيِّتًا، والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في حَياةِ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ وعَلِمَ النّاسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ، لا مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ أيْ: ظَهَرَ وتَجَلّى، وأنْ وما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ مَعَ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ: ظَهَرَ أمْرُ الجِنِّ لِلنّاسِ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ، أوْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى الجِنِّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَعْقُوبُ " تُبُيِّنَتْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ يُعْرَفُ مِمّا قَدَّمْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ: سَبِّحِي مَعَهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ قالَ: كالعَجِينِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: حِلَقُ الحَدِيدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: لا تَدُقَّ المَسامِيرَ وتُوَسِّعَ الحِلَقَ فَتَسْلَسَ، ولا تُغَلِّظَ المَسامِيرَ وتُضَيِّقِ الحِلَقَ فَتُقْصَمَ، واجْعَلْهُ قَدْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ قالَ النُّحاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القِطْرُ النُّحاسُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها أحَدٌ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ بَعْدَهُ فِيما كانَ أُعْطِيَ سُلَيْمانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِطْرُ الصُّفْرُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وتَماثِيلَ قالَ: اتَّخَذَ سُلَيْمانُ تَماثِيلَ مِن نُحاسٍ فَقالَ: يا رَبِّ انْفُخْ فِيها الرُّوحَ فَإنَّها أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، فَنَفَخَ اللَّهُ فِيها الرُّوحَ فَكانَتْ تَخْدِمُهُ، وكانَ اسْفِنْدِيارُ مِن بَقاياهم، فَقِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: كالجَوابِ قالَ: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ: أثافِيُّها مِنها.
وأخْرَجَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ مِن عِبادِيَ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدَهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَبِثَ سُلَيْمانُ عَلى عَصاهُ حَوْلًا بَعْدَ ما ماتَ، ثُمَّ خَرَّ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ، فَأخَذَتِ الجِنُّ عَصًا مِثْلَ عَصاهُ ودابَّةً مِثْلَ دابَّتِهِ فَأرْسَلُوها عَلَيْها فَأكَلَتْها في سَنَةٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ الآيَةَ، قالَ سُفْيانُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وهم يَدْأبُونَ لَهُ حَوْلًا " .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ سُلَيْمانُ إذا صَلّى رَأى شَجَرَةً نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَها ما اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ لِما أنْتِ ؟ فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَإنْ كانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كانَتْ لِدَواءٍ كُتِبَتْ، وصَلّى ذاتَ يَوْمٍ فَإذا شَجَرَةٌ نابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما (p-١١٩٣)اسْمُكِ ؟ قالَتِ الخَرُّوبَ ؟ قالَ لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَنِ الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَهَيَّأ عَصًا فَتَوَكَّأ عَلَيْها، وقَبَضَهُ اللَّهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَمَكَثَ حَوْلًا مَيِّتًا والجِنُّ تَعْمَلُ، فَأكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَتْ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ»، فَتَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فَشَكَرَتِ الجِنُّ لِلْأرَضَةِ، فَأيْنَما كانَتْ يَأْتُوا لَها بِالماءِ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: إنِّي تَفَضَّلْتُ عَلى عِبادِي بِثَلاثٍ: ألْقَيْتُ الدّابَّةَ عَلى الحَبَّةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَنَزَها المُلُوكُ كَما يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وألْقَيْتُ النَّتْنَ عَلى الجَسَدِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَدْفِنْ حَبِيبٌ حَبِيبَهُ، واسْتَلَبْتُ الحُزْنَ ولَوْلا ذَلِكَ لَذَهَبَ النَّسْلُ» .
سبأ 34:14
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مِن عِبادِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ كَما قالَ في داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] وقالَ في سُلَيْمانَ ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ [ص: ٣٤] فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ أيْ: آتَيْناهُ بِسَبَبِ إنابَتِهِ فَضْلًا مِنّا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.
واخْتُلِفَ في هَذا الفَضْلِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الزَّبُورُ، وقِيلَ: العِلْمُ، وقِيلَ: القُوَّةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] وقِيلَ: تَسْخِيرُ الجِبالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ وقِيلَ: التَّوْبَةُ وقِيلَ: الحُكْمُ بِالعَدْلِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقِيلَ: هو إلانَةُ الحَدِيدِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وقِيلَ: حُسْنُ الصَّوْتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَذْكُورَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياجِبالُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مُقَدَّرَةٌ بِالقَوْلِ: أيْ: قُلْنا يا جِبالُ: والتَّأْوِيبُ: التَّسْبِيحُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] .
قالَ أبُو مَيْسَرَةَ: هو التَّسْبِيحُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وكانَ إذا سَبَّحَ داوُدُ سَبَّحَتْ مَعَهُ، ومَعْنى تَسْبِيحِ الجِبالِ: أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُها قادِرَةً عَلى ذَلِكَ، أوْ يَخْلُقُ فِيها التَّسْبِيحَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ، وقِيلَ: مَعْنى أوِّبِي: سِيرِي مَعَهُ، مِنَ التَّأْوِيبِ الَّذِي هو سَيْرُ النَّهارِ أجْمَعَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرَفُ مُجْنَحُ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوِّبِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، مِنَ التَّأْوِيبِ: وهو التَّرْجِيعُ أوِ التَّسْبِيحُ أوِ السَّيْرُ أوِ النَّوْحُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ أمْرًا مِن آبَ يَئُوبُ إذا رَجَعَ أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والطَّيْرَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَضْلًا عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، لِأنَّ إيتاءَهُ إيّاها تَسْخِيرُها لَهُ، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ يا جِبالُ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ تَقْدِيرًا، إذِ المَعْنى: نادَيْنا الجِبالَ والطَّيْرَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى مَعْنى وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.
وقالَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ كَما تَقُولُ: اسْتَوى الماءُ والخَشَبَةَ.
وقالَ الكِسائِيُّ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فَضْلًا لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: آتَيْناهُ فَضْلًا وتَسْبِيحَ الطَّيْرِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ (p-١١٩١)الجِبالِ، أوْ عَلى المُضْمَرِ في أوِّبِي لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آتَيْناهُ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا؛ لِيَعْمَلَ بِهِ ما شاءَ.
قالَ الحَسَنُ: صارَ الحَدِيدُ كالشَّمْعِ يَعْمَلُهُ مِن غَيْرِ نارٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ الحَدِيدُ في يَدِهِ كالطِّينِ المَبْلُولِ والعَجِينِ والشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، وكانَ يَفْرَغُ مِن عَمَلِ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ.
﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ في أنْ هَذِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: بِأنِ اعْمَلْ، والثّانِي أنَّها المُفَسِّرَةُ لِقَوْلِهِ: وألَنّا وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ أوْ ما هو في مَعْناهُ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم فِعْلًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَقالَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ.
وقَوْلُهُ: سابِغاتٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، والسّابِغاتُ الكَوامِلُ الواسِعاتُ، يُقالُ: سَبَغَ الدِّرْعُ والثَّوْبُ وغَيْرُهُما: إذا غَطّى كُلَّ ما هو عَلَيْهِ وفَضَلَ مِنهُ فَضْلَةٌ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، ويُقالُ: السَّرْدُ والزَّرْدُ كَما يُقالُ: السَّرّادُ والزَّرّادُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ، والسَّرْدُ أيْضًا الخَرْزُ، يُقالُ: سَرَدَ يَسْرُدُ: إذا خَرَزَ، ومِنهُ سَرَدَ الكَلامَ: إذا جاءَ بِهِ مُتَوالِيًا، ومِن حَدِيثِ عائِشَةَ «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكم» .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومِنهُ سَرِيدٌ أيْ: جَرِيٌّ، ومَعْنى سَرْدِ الدُّرُوعِ إحْكامُها، وأنْ يَكُونَ نِظامُ حِلَقِها وِلاءً غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎سَرَدَ الدُّرُوعَ مُضاعِفًا أسْرادَهُ ∗∗∗ لِيَنالَ طُولَ العَيْشِ غَيْرَ مَرُومِ
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ داوُدَ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَّقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ، أيْ: قَدِّرْ ما تَأْخُذُ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ فَلا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَيَثْقُلَ ولا الخِفَّةَ فَيُزِيلَ المَنَعَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ: أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ ولا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ، ولا تَعْمَلْها كَبِيرَةً فَتَثْقُلَ عَلى لابِسِها.
وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ هو في المِسْمارِ أيْ: لا تَجْعَلْ مِسْمارَ الدِّرْعِ دَقِيقًا فَيَقْلِقَ ولا غَلِيظًا فَيَفْصِمَ الحِلَقَ.
ثُمَّ خاطَبَ داوُدَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ: عَمَلًا صالِحًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أيْ: ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ ثابِتَةٌ أوْ مُسَخَّرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّيحَ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ " الرِّياحَ " بِالجَمْعِ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: تَسِيرُ بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتَسِيرُ بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّها كانَتْ تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.
قالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ: بِإصْطَخْرَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ القِطْرُ: النُّحاسُ الذّائِبُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أُجْرِيَتْ لَهُ عَيْنُ الصُّفْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ كَجَرْيِ الماءِ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ بِما أُعْطِيَ سُلَيْمانُ، والمَعْنى: أسَلْنا لَهُ عَيْنَ النُّحاسِ كَما ألَنّا الحَدِيدَ لِداوُدَ، وقالَ قَتادَةُ: أسالَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا يَسْتَعْمِلُها فِيما يُرِيدُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ مَن مُبْتَدَأٌ ويَعْمَلُ خَبَرُهُ ومِنَ الجِنِّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، أوْ مَن يَعْمَلُ مَعْطُوفٌ عَلى الرِّيحِ ومِنِ الجِنِّ حالٌ، والمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ بِإذْنِ رَبِّهِ أيْ: بِأمْرِهِ.
والإذْنُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: مُسَخَّرًا أوْ مُيَسَّرًا بِأمْرِ رَبِّهِ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنَ الجِنِّ عَنْ أمْرِنا الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ: وهو طاعَةُ سُلَيْمانَ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا.
قالَ السُّدِّيُّ: وكَّلَ اللَّهُ بِالجِنِّ مَلَكًا بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنَ النّارِ، فَمَن زاغَ عَنْ أمْرِ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ بِذَلِكَ السَّوْطِ ضَرْبَةً فَتَحْرُقَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ لِلْبَيانِ، والمَحارِيبُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وهي الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ والقُصُورُ العالِيَةُ.
قالَ المُبَرِّدُ: لا يَكُونُ المِحْرابُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بِدَرَجٍ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي يُصَلّى فِيهِ مِحْرابٌ؛ لِأنَّهُ يُرْفَعُ ويُعَظَّمُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَحارِيبُ دُونَ القُصُورِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ أشْرَفُ بُيُوتِ الدّارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذَكَرْتُ أوانِسًا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ
وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالمَحارِيبِ هُنا المَساجِدُ، والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ وهو كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أيْ: صَوَّرْتَهُ بِصُورَتِهِ مِن نُحاسٍ أوْ زُجاجٍ أوْ رُخامٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ التَّماثِيلُ صُوَرَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والعُلَماءِ والصُّلَحاءِ، وكانُوا يُصَوِّرُونَها في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ فَيَزْدادُوا عِبادَةً واجْتِهادًا.
وقِيلَ: هي تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ التَّصْوِيرَ كانَ مُباحًا في شَرْعِ سُلَيْمانَ، ونُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
والجِفانُ جُمَعُ جَفْنَةٍ وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ.
والجَوابِ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي حَفِيرَةٌ كالحَوْضِ، وقِيلَ: هي الحَوْضُ الكَبِيرُ يَجْبِي الماءَ أيْ: يَجْمَعُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قِصاعًا في العِظَمِ كَحِياضِ الإبِلِ يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.
قالَ النَّحّاسُ: الأوْلى إثْباتُ الياءِ في الجَوابِي، ومَن حَذَفَ الياءَ قالَ سَبِيلُ الألِفِ واللّامِ أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ فَلا تُغَيُّرُها عَنْ حالِها، فَلَمّا كانَ يُقالُ: جَوابٍ ودَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ أُقِرَّ عَلى حالِهِ فَحَذَفَ الياءَ.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: جَبَوْتُ الماءَ وجَبَيْتُهُ في الحَوْضِ أيْ: جَمَعْتُهُ، والجابِيَةُ الحَوْضُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الماءُ لِلْإبِلِ.
وقالَ النَّحّاسُ (p-١١٩٢)والجابِيَةُ القِدْرُ العَظِيمَةُ والحَوْضُ العَظِيمُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُجْمَعُ، ومِنهُ جَبَيْتُ الخَراجَ وجَبَيْتُ الجَرادَ: جَمَعْتُهُ في الكِساءِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي قُدُورُ النُّحاسِ تَكُونُ بِفارِسَ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي قُدُورٌ تُنْحَتُ مِنَ الجِبالِ الصُّمِّ عَمِلَتْها لَهُ الشَّياطِينُ، ومَعْنى راسِياتٍ ثابِتاتٌ لا تُحْمَلُ ولا تُحَرَّكُ لِعِظَمِها.
ثُمَّ أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى العُمُومِ: أيْ: سُلَيْمانَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أيْ: وقُلْنا لَهُمُ اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ يا آلَ داوُدَ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم أوِ اعْمَلُوا عَمَلًا شُكْرًا عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَمِلُوا لِلشُّكْرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أيْ: شاكِرِينَ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وسُمِّيَتِ الطّاعَةُ شُكْرًا لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أنْواعِهِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن جِنْسِهِ أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالشُّكْرِ أنَّ الشّاكِرِينَ لَهُ مِن عِبادِهِ لَيْسُوا بِالكَثِيرِ فَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: العامِلُ بِطاعَتِي الشّاكِرُ لِنِعْمَتِي قَلِيلٌ. وارْتِفاعُ قَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ومِن عِبادِيَ صِفَةٌ لَهُ. والشَّكُورُ مُبْتَدَأٌ.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: حَكَمْنا عَلَيْهِ بِهِ وألْزَمْناهُ إيّاهُ ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ﴾ يَعْنِي الأرَضَةَ.
وقُرِئَ " الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ أيِ: الأكْلِ، يُقالُ: أرِضَتِ الخَشَبَةُ أرَضًا: إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ.
ومَعْنى ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾: تَأْكُلُ عَصاهُ الَّتِي كانَ مُتَّكِئًا عَلَيْها، والمِنسَأةُ: العَصا بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِن: نَسَأْتُ الغَنَمَ أيْ: زَجَرْتُها.
قالَ الزَّجّاجُ: المِنسَأةُ الَّتِي يُنْسَأُ بِها أيْ: يُطْرَدُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مِنسَأتَهُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ مَحْضَةٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: بَعْضُ العَرَبِ يُبْدِلُ مِن هَمْزَتِها ألِفًا وأنْشَدَ:
؎إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ
ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَرَبْنا بِمِنسَأةٍ وجْهَهُ ∗∗∗ فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا
ومِثْلُهُ:
؎أمِن أجْلِ حَبْلٍ لا أباكَ ضَرَبْتَهُ ∗∗∗ بِمِنسَأةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أحْبُلا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى قِراءَةِ ابْنِ ذَكْوانَ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎أمُونٍ كَألْواحِ الأرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم، مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: لَوْ صَحَّ ما يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ ولَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً في العَذابِ المُهِينِ في العَمَلِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ والطّاعَةِ لَهُ وهو إذْ ذاكَ مَيِّتٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: العَذابُ المُهِينُ: الشَّقاءُ والنَّصَبُ في العَمَلِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ النّاسَ في زَمانِ سُلَيْمانَ يَقُولُونَ إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا مَكَثَ سُلَيْمانُ قائِمًا عَلى عَصاهُ حَوْلًا مَيِّتًا، والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في حَياةِ سُلَيْمانَ لا يَشْعُرُونَ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ وعَلِمَ النّاسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ، لا مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ أيْ: ظَهَرَ وتَجَلّى، وأنْ وما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ مَعَ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ: ظَهَرَ أمْرُ الجِنِّ لِلنّاسِ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ، أوْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلَخْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى الجِنِّ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَعْقُوبُ " تُبُيِّنَتْ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ يُعْرَفُ مِمّا قَدَّمْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ قالَ: سَبِّحِي مَعَهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ قالَ: كالعَجِينِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: حِلَقُ الحَدِيدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ قالَ: لا تَدُقَّ المَسامِيرَ وتُوَسِّعَ الحِلَقَ فَتَسْلَسَ، ولا تُغَلِّظَ المَسامِيرَ وتُضَيِّقِ الحِلَقَ فَتُقْصَمَ، واجْعَلْهُ قَدْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ قالَ النُّحاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القِطْرُ النُّحاسُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها أحَدٌ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ بَعْدَهُ فِيما كانَ أُعْطِيَ سُلَيْمانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِطْرُ الصُّفْرُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وتَماثِيلَ قالَ: اتَّخَذَ سُلَيْمانُ تَماثِيلَ مِن نُحاسٍ فَقالَ: يا رَبِّ انْفُخْ فِيها الرُّوحَ فَإنَّها أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، فَنَفَخَ اللَّهُ فِيها الرُّوحَ فَكانَتْ تَخْدِمُهُ، وكانَ اسْفِنْدِيارُ مِن بَقاياهم، فَقِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: كالجَوابِ قالَ: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ قالَ: أثافِيُّها مِنها.
وأخْرَجَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ يَقُولُ: قَلِيلٌ مِن عِبادِيَ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدَهم.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لَبِثَ سُلَيْمانُ عَلى عَصاهُ حَوْلًا بَعْدَ ما ماتَ، ثُمَّ خَرَّ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ، فَأخَذَتِ الجِنُّ عَصًا مِثْلَ عَصاهُ ودابَّةً مِثْلَ دابَّتِهِ فَأرْسَلُوها عَلَيْها فَأكَلَتْها في سَنَةٍ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ الآيَةَ، قالَ سُفْيانُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وهم يَدْأبُونَ لَهُ حَوْلًا " .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ سُلَيْمانُ إذا صَلّى رَأى شَجَرَةً نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَها ما اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ لِما أنْتِ ؟ فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَإنْ كانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كانَتْ لِدَواءٍ كُتِبَتْ، وصَلّى ذاتَ يَوْمٍ فَإذا شَجَرَةٌ نابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما (p-١١٩٣)اسْمُكِ ؟ قالَتِ الخَرُّوبَ ؟ قالَ لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَنِ الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَهَيَّأ عَصًا فَتَوَكَّأ عَلَيْها، وقَبَضَهُ اللَّهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَمَكَثَ حَوْلًا مَيِّتًا والجِنُّ تَعْمَلُ، فَأكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَتْ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ»، فَتَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، فَشَكَرَتِ الجِنُّ لِلْأرَضَةِ، فَأيْنَما كانَتْ يَأْتُوا لَها بِالماءِ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: إنِّي تَفَضَّلْتُ عَلى عِبادِي بِثَلاثٍ: ألْقَيْتُ الدّابَّةَ عَلى الحَبَّةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَنَزَها المُلُوكُ كَما يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وألْقَيْتُ النَّتْنَ عَلى الجَسَدِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَدْفِنْ حَبِيبٌ حَبِيبَهُ، واسْتَلَبْتُ الحُزْنَ ولَوْلا ذَلِكَ لَذَهَبَ النَّسْلُ» .
سبأ 34:15
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ بَعْضِ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِحالِ بَعْضِ الجاحِدِينَ لَها، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ المُرادُ بِسَبَإٍ القَبِيلَةُ الَّتِي هي مِن أوْلادِ سَبَإٍ، وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِسَبَأٍ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَيٍّ أيِ: الحَيُّ الَّذِينَ هم أوْلادُ سَبَأٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " لِسَبَأ " مَمْنُوعَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، ويُقَوِّي القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ: في مَساكِنِهِمْ ولَوْ كانَ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ لَقالَ في مَساكِنِها، فَما ورَدَ عَلى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَها جِلْدُ الجَوامِيسِ
ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ مَسِيلِهِ العَرِما
وقَرَأ قُنْبُلٌ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ " لِسَبَأْ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِها ألِفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ عَلى الجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ووَجْهُ الِاخْتِيارِ أنَّها كانَتْ لَهم مَنازِلُ كَثِيرَةٌ، ومَساكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ بِالإفْرادِ مَعَ فَتْحِ الكافِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالإفْرادِ مَعَ كَسْرِها، وبِهَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ووَجْهُ الإفْرادِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، أوِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ المَساكِنُ الَّتِي كانَتْ لَهم هي الَّتِي يُقالُ لَها الآنَ: مَأْرِبٌ، وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ لَيالٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ: آيَةٌ أيْ: عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: جَنَّتانِ وارْتِفاعُهُما عَلى البَدَلِ مِن آيَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ واخْتارَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " جَنَّتَيْنِ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ ثانٍ واسْمُها آيَةٌ، وهاتانِ الجَنَّتانِ كانَتا عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ قَدْ أحاطَتا بِهِ مِن جِهَتَيْهِ، وكانَتْ مَساكِنُهم في الوادِي، والآيَةُ هي الجَنَّتانِ، كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ، فَيَمْتَلِئُ مِن أنْواعِ الفَواكِهِ الَّتِي تَتَساقَطُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّها بِيَدِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ الآيَةَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ سَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ أنَّهم لَمْ يَرَوْا فِيها بَعُوضَةً ولا ذُبابًا ولا بُرْغُوثًا ولا قَمْلَةً ولا عَقْرَبًا ولا حَيَّةً ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الهَوامِّ، وإذا جاءَهُمُ الرَّكْبُ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ ماتَتْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِبُيُوتِهِمْ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ جَنَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، بَلْ أرادَ مِنِ الجِهَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً في كُلِّ جِهَةِ بَساتِينُ كَثِيرَةٌ ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ أمْرٌ، ولَكِنِ المُرادُ تَمْكِينُهم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هو ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ واشْكُرُوا لَهُ عَلى ما رَزَقَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ، وجُمْلَةُ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ الشُّكْرِ.
والمَعْنى: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لِكَثْرَةِ أشْجارِها وطِيبِ ثِمارِها.
وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها طَيِّبَةً: أنَّها غَيْرُ سَبِخَةٍ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيها هَوامُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.
ومَعْنى ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ رَبٌّ غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى ورَبُّكم إنْ شَكَرْتُمْ فِيها رَزَقَكم رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ.
وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لَهم بَيْنَ طِيبِ البَلْدَةِ والمَغْفِرَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ.
وقَرَأ ورْشٌ بِنَصْبِ " بَلْدَةٌ " و" رَبٌّ " عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اسْكُنُوا بَلْدَةً واشْكُرُوا رَبًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما كانَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَقالَ: فَأعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم قالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ إلى أهْلِ سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وكَذا قالَ وهْبٌ.
ثُمَّ لَمّا وقَعَ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً سَلَبَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ وذَلِكَ أنَّ الماءَ كانَ يَأْتِي أرْضَ سَبَأٍ مِن أوْدِيَةِ اليَمَنِ، فَرَدَمُوا رَدْمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ وحَبَسُوا الماءَ، وجَعَلُوا في ذَلِكَ الرَّدْمِ ثَلاثَةَ أبْوابٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانُوا يَسْقُونَ مِنَ البابِ الأعْلى، ثُمَّ مِنَ البابِ الثّانِي، ثُمَّ مِنَ الثّالِثِ فَأخْصَبُوا، (p-١١٩٤)وكَثُرَتْ أمْوالُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم بَعَثَ اللَّهُ جُرَذًا، فَفَتَقَتْ ذَلِكَ الرَّدْمَ حَتّى انْتَقَضَ فَدَخَلَ الماءُ جَنَّتَهم فَغَرَّقَها ودَفَنَ السَّيْلُ بُيُوتَهم، فَهَذا هو سَيْلُ العَرِمِ، وهو جَمْعُ عَرِمَةٍ: هي السَّكْرُ الَّتِي تَحْبِسُ الماءَ، وكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: العَرِمُ اسْمٌ لِلسَّدِّ. والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ السَّدِّ العَرِمِ. وقالَ عَطاءٌ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: العَرِمُ اسْمُ الجُرَذِ الَّذِي نَقَبَ السَّدَّ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي يُقالُ: لَهُ الخُلْدُ: فَنُسِبَ السَّيْلُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ جَرَيانِهِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ مِن أسْماءِ الفَأْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: العَرِمُ ماءٌ أحْمَرُ أرْسَلَهُ اللَّهُ في السَّدِّ فَشَقَّهُ وهَدَمَهُ. وقِيلَ: إنَّ العَرِمَ اسْمُ المَطَرِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسَّيْلِ الشَّدِيدِ، والعِرامَةُ في الأصْلِ: الشِّدَّةُ والشَّراسَةُ والصُّعُوبَةُ. يُقالُ: عَرَمَ فُلانٌ: إذا تَشَدَّدَ وتَصَعَّبَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: العَرِمُ السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: العَرِمُ كُلُّ شَيْءٍ حاجِزٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: أهْلَكْنا جَنَّتَيْهِمُ اللَّتَيْنِ كانَتا مُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى تِلْكَ الفَواكِهِ الطَّيِّبَةِ، والأنْواعِ الحَسَنَةِ، وأعْطَيْناهم بَدَلَهُما جَنَّتَيْنِ لا خَيْرَ فِيهِما، ولا فائِدَةَ لَهم فِيما هو نابِتٌ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ أُكُلٍ وعَدَمِ إضافَتِهِ إلى خَمْطٍ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإضافَةِ.
قالَ الخَلِيلُ: الخَمْطُ: الأراكُ، وكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ فِيهِ مَرارَةٌ لا يُمْكِنُ أكْلُهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ إلى ما لا يُشْتَهى يُقالُ لَهُ: خَمْطٌ، ومِنهُ اللَّبَنُ إذا تَغَيَّرَ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
والخَمْطُ نَعْتٌ لِ أُكُلٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، لِأنَّ الأُكُلَ هو الخَمْطُ بِعَيْنِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإضافَةُ أحْسَنُ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُ: ثَوْبُ خَزٍّ ودارُ آجُرٍّ، والأوْلى تَفْسِيرُ الخَمْطِ بِما ذَكَرَهُ الخَلِيلُ ومَن مَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَمْطُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ لَهُ حَمْلٌ يُؤْكَلُ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والأثْلُ هو: الشَّجَرُ المَعْرُوفُ الشَّبِيهُ بِالطَّرْفاءِ كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. قالَ: إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الطَّرْفاءِ طُولًا، الواحِدَةُ أثَلَةٌ، والجُمَعُ أثَلاتٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأثْلُ الخَشَبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو: شَجَرُ النُّطارِ، والأوَّلُ أوْلى، ولا ثَمَرَ لِلْأثْلِ.
والسِّدْرُ: شَجَرٌ مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: هو السَّمُرُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ مِنَ الشَّجَرِ سِدْرانِ: بَرِّيٌّ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرٌ عَفِصٌ لا يُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَ.
والثّانِي سِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ.
قِيلَ: ووَصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِأنَّ مِنهُ نَوْعًا يَطِيبُ أكْلُهُ، وهو النَّوْعُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنَما شَجَرُهم مِن خَيْرِ شَجَرٍ إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، فَأهْلَكَ أشْجارَهُمُ المُثْمِرَةَ وأنْبَتَ بَدَلَها الأراكَ، والطَّرْفاءَ، والسِّدْرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ قَلِيلٌ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ والسِّدْرِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ، أوْ إلى مَصْدَرِ جَزَيْناهم والباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلُ، أوْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ شُكْرِها ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ: وهَلْ نُجازِي هَذا الجَزاءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ ونُزُولِ النِّقْمَةِ إلّا الشَّدِيدَ الكُفْرِ المُتَبالِغَ فِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُجازى " بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، والكَفُورُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَرْفُوعٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَنصُوبٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قالا: لِأنَّ قَبْلَهُ جَزَيْناهم وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا الكُفُورَ مَعَ كَوْنِ أهْلِ المَعاصِي يُجازَوْنَ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يُجازِي هَذا الجَزاءَ، وهو الِاصْطِلامُ، والإهْلاكُ إلّا مَن كَفَرَ.
قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المُؤْمِنَ يُكَفَّرُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، والكافِرَ يُجازى بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلَهُ.
وقالَ طاوُسٌ: هو المُناقَشَةُ في الحِسابِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُناقَشُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ المَعْنى إنَّهُ يُجازِي الكافِرَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ورَجَّحَ هَذا الجَوابَ النَّحّاسُ.
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيْ: وكانَ مِن قِصَّتِهِمْ: أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم، وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ، وهي: قُرى الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ: مُتَواصِلَةً، وكانَ مَتْجَرُهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هي مَأْرِبٌ إلى الشّامِ، وكانُوا يَبِيتُونَ بِقَرْيَةٍ، ويَقِيلُونَ بِأُخْرى حَتّى يَرْجِعُوا، وكانُوا لا يَحْتاجُونَ إلى زادٍ يَحْمِلُونَهُ مِن أرْضِهِمْ إلى الشّامِ، فَهَذا مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ هَذِهِ القُرى هي بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ، وقِيلَ: هي بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: القُرى الظّاهِرَةُ هي المَعْرُوفَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها ظاهِرَةٌ لِظُهُورِها، إذا خَرَجْتَ مِن هَذِهِ ظَهَرَتْ لَكَ الأُخْرى فَكانَتْ قُرًى ظاهِرَةً أيْ: مَعْرُوفَةً، يُقالُ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ: مَعْرُوفٌ ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْنا السَّيْرَ مِنَ القَرْيَةِ إلى القَرْيَةِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا واحِدًا، وذَلِكَ نِصْفُ يَوْمٍ كَما قالَ المُفَسِّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ نِصْفَ يَوْمٍ حَتّى يَكُونَ المَقِيلُ في قَرْيَةٍ، والمَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَصِلَ إلى الشّامِ، وإنَّما يُبالِغُ الإنْسانُ في السَّيْرِ لِعَدَمِ الزّادِ، والماءِ، ولِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَإذا وُجِدَ الزّادُ، والأمْنُ، لَمْ يُحَمِّلْ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ، بَلْ يَنْزِلُ أيْنَما أرادَ.
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ثُمَّ عادَ لِتَعْدِيدِ بَقِيَّةِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ بَلَدِهِمْ مِنِ اتِّصالِ القُرى بَيْنَهم، وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ السَّفَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلَهُ بِالمَفاوِزِ والبَرارِي كَما سَيَأْتِي، وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى المُتَّصِلَةِ، فَهو أمْرُ تَمْكِينٍ أيْ: ومَكَّنّاهم مِنَ السَّيْرِ فِيها مَتى شاءُوا ﴿لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ مِمّا يَخافُونَهُ، وانْتِصابُ لَيالِيَ وأيّامًا عَلى (p-١١٩٥)الظَّرْفِيَّةِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا جِياعٍ ولا ظِماءٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ، بَلْ طَلَبُوا التَّعَبَ والكَدَّ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم بَطَرًا وطُغْيانًا لَمّا سَئِمُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى العافِيَةِ، فَتَمَنَّوْا طُولَ الأسْفارِ والتَّباعُدَ بَيْنَ الدِّيارِ، وسَألُوا اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَكانَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةِ الكَثِيرَةِ الماءِ، والشَّجَرِ، والأمْنِ، المَفاوِزَ، والقِفارَ، والبَرارِي، المُتَباعِدَةَ الأقْطارِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ إلى ذَلِكَ، وخَرَّبَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةَ، وذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الخَيْرِ، والماءِ، والشَّجَرِ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم هَذِهِ كَدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالُوا: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى، وكَقَوْلِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ، وقَرَءُوا أيْضًا باعِدْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ العَيْنِ فِعْلًا ماضِيًا، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى مِن بُعْدِ الأسْفارِ، وقَرَأ أبُو صالِحٍ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأبُو العالِيَةِ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
والمَعْنى: لَقَدْ باعَدَ رَبُّنا بَيْنَ أسْفارِنا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّهم ما طَلَبُوا التَّبْعِيدَ إنَّما طَلَبُوا أقْرَبَ مِن ذَلِكَ القُرْبِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ بِالقُرى المُتَواصِلَةِ بَطَرًا وأشَرًا وكُفْرًا لِلنِّعْمَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " بَعَّدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ مُشَدَّدَةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى بِأنَّ رَبَّهم بَعَّدَ بَيْنِ أسْفارِهِمْ مَعَ كَوْنِها قَرِيبَةً مُتَّصِلَةً بِالقُرى، والشَّجَرِ، والماءِ، فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ بَطَرِهِمْ، وقَرَأ أخُو الحَسَنِ البَصْرِيِّ كَقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ السّابِقَةِ مَعَ رَفْعِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ورَوى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةً مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ مَعَ نَصْبِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: بَعُدَ سَيْرُنا بَيْنَ أسْفارِنا.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءاتُ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إحْداها أجْوَدُ مِنَ الأُخْرى كَما لا يُقالُ: ذَلِكَ في أخْبارِ الآحادِ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها، ولَكِنْ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم دَعَوْا رَبَّهم أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ شَكَوْا وتَضَرَّرُوا، ولِهَذا قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وبَطَرُوا نِعْمَتَهُ وتَعَرَّضُوا لِنِقْمَتِهِ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِأخْبارِهِمْ.
والمَعْنى: جَعَلْناهم ذَوِي أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها مَن بَعْدَهم تَعَجُّبًا مِن فِعْلِهِمْ، واعْتِبارًا بِحالِهِمْ، وعاقِبَتِهِمْ ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا أغْرَقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَهم، تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَصارَتِ العَرَبُ تَضْرِبُ بِهِمُ الأمْثالَ، فَتَقُولُ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَحِقَتِ الأنْصارُ بِيَثْرِبَ، وغَسّانُ بِالشّامِ، والأزْدُ بِعُمانَ، وخُزاعَةُ بِتِهامَةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ وما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ لَآياتٍ بَيِّناتٍ، ودَلالاتٍ واضِحاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن هو كَثِيرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وخَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ لِأنَّهُما المُنْتَفِعانِ بِالمَواعِظِ والآياتِ.
﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ إبْلِيسُ ونَصْبِ ظَنَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو عَلى المَصْدَرِ أيْ: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا ظَنَّهُ، أوْ صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهُ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ بِإسْقاطِ الخافِضِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ صَدَّقَ بِالتَّشْدِيدِ، وظَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ: صَدَّقَ الظَّنَّ الَّذِي ظَنَّهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظَنَّ ظَنًّا فَصَدَّقَ ظَنَّهُ، فَكانَ كَما ظَنَّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو الجَهْجاءِ، والزُّهْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ، و" إبْلِيسَ " بِالنَّصْبِ و" ظَنُّهُ " بِالرَّفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ عِنْدِي، وقَدْ أجازَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ، وجَعَلَ الظَّنَّ فاعِلَ صَدَقَ، وإبْلِيسَ مَفْعُولَهُ. والمَعْنى: أنَّ إبْلِيسَ سَوَّلَ لَهُ ظَنُّهُ شَيْئًا فِيهِمْ، فَصَدَقَ ظَنُّهُ فَكَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِهِما مَعَ تَخْفِيفِ صَدَقَ عَلى أنْ يَكُونَ ظَنُّهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن إبْلِيسَ.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِأهْلِ سَبَأٍ.
والمَعْنى: أنَّهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا بَعْدَ أنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم، وقِيلَ: هي عامَّةٌ أيْ: صَدَّقَ إبْلِيسُ ظَنَّهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا مَن أطاعَ اللَّهَ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ أغْواهم أجابُوهُ، وإنْ أضَلَّهم أطاعُوهُ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ قالَ الحَسَنُ: ما ضَرَبَهم بِسَوْطٍ ولا بِعِصِيٍّ، وإنَّما ظَنَّ ظَنًّا بِوَسْوَسَتِهِ، وانْتِصابُ ﴿إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُذْنِبُ ويَنْقادُ لِإبْلِيسَ في بَعْضِ المَعاصِي، ولَمْ يَسْلَمْ مِنهُ إلّا فَرِيقٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٢ والإسْراءِ: ٦٥ ] وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم عَلى أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ تُسَلُّطٌ عَلَيْهِمْ أيْ: لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الكُفْرِ، وإنَّما كانَ مِنهُ الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ والتَّزْيِينُ، وقِيلَ: السُّلْطانُ والقُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَّةُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لا سُلْطانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنِ ابْتَلَيْناهم بِوَسْوَسَتِهِ لِنَعْلَمَ.
وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تَسَلُّطٌ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولا لِعِلَّةِ مِنَ العِلَلِ إلّا لِيَتَمَيَّزَ مَن يُؤْمِنُ، ومَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ (p-١١٩٦)- سُبْحانَهُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا أزَلِيًّا.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى إلّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ عِنْدَكم، وقِيلَ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُنا والمَلائِكَةُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " إلّا لِيُعْلَمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأوْلى حَمْلُ العِلْمِ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، والإظْهارِ كَما ذَكَرْنا ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ والشَّكِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهم «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المُرادِيِّ قالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي بِمَن أقْبَلَ مِنهم ؟ فَأذِنَ لِي في قِتالِهِمْ وأمَرَنِي، فَلَمّا خَرَجْتُ مِن عِنْدِهِ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَّنِي، فَقالَ: ادْعُ القَوْمَ، فَمَن أسْلَمَ مِنهم فاقْبَلْ مِنهُ، ومَن لَمْ يُسْلِمْ فَلا تَعْجَلْ حَتّى أُحْدِثَ إلَيْكَ، وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ، فَقالَ رَجُلٌ، يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ: أرْضٌ أمِ امْرَأةٌ ؟ قالَ: لَيْسَ بِأرْضٍ ولا امْرَأةٍ، ولَكِنَّهُ رِجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَتَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا: فَلَخْمٌ، وجُذامُ، وغَسّانُ، وعامِلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا؛ فالأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وحِمْيَرُ، وكِنْدَةُ، ومُذْحِجٌ، وأنْمارٌ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أنْمارٌ ؟ قالَ: الَّذِي مِنهم خَثْعَمُ، وبَجِيلَةُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيْلَ العَرِمِ﴾ قالَ: الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: سَيْلَ العَرِمِ وادٍ كانَ بِاليَمَنِ كانَ يَسِيلُ إلى مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قالَ: الأراكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ: تِلْكَ المُناقَشَةُ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ مَساكِنِهِمْ ﴿وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ يَعْنِي عامِرَةً مُخْصِبَةً ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ يَعْنِي فِيما بَيْنَ مَساكِنِهِمْ وبَيْنَ أرْضِ الشّامِ ﴿سِيرُوا فِيها﴾ إذا ظَعَنُوا مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ مِنَ المُقَدَّسَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ ومِن طِينٍ ومِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ خَلْقًا ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا. قالَ: فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ هُمُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم.
سبأ 34:16
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ بَعْضِ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِحالِ بَعْضِ الجاحِدِينَ لَها، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ المُرادُ بِسَبَإٍ القَبِيلَةُ الَّتِي هي مِن أوْلادِ سَبَإٍ، وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِسَبَأٍ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَيٍّ أيِ: الحَيُّ الَّذِينَ هم أوْلادُ سَبَأٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " لِسَبَأ " مَمْنُوعَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، ويُقَوِّي القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ: في مَساكِنِهِمْ ولَوْ كانَ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ لَقالَ في مَساكِنِها، فَما ورَدَ عَلى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَها جِلْدُ الجَوامِيسِ
ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ مَسِيلِهِ العَرِما
وقَرَأ قُنْبُلٌ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ " لِسَبَأْ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِها ألِفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ عَلى الجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ووَجْهُ الِاخْتِيارِ أنَّها كانَتْ لَهم مَنازِلُ كَثِيرَةٌ، ومَساكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ بِالإفْرادِ مَعَ فَتْحِ الكافِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالإفْرادِ مَعَ كَسْرِها، وبِهَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ووَجْهُ الإفْرادِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، أوِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ المَساكِنُ الَّتِي كانَتْ لَهم هي الَّتِي يُقالُ لَها الآنَ: مَأْرِبٌ، وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ لَيالٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ: آيَةٌ أيْ: عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: جَنَّتانِ وارْتِفاعُهُما عَلى البَدَلِ مِن آيَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ واخْتارَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " جَنَّتَيْنِ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ ثانٍ واسْمُها آيَةٌ، وهاتانِ الجَنَّتانِ كانَتا عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ قَدْ أحاطَتا بِهِ مِن جِهَتَيْهِ، وكانَتْ مَساكِنُهم في الوادِي، والآيَةُ هي الجَنَّتانِ، كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ، فَيَمْتَلِئُ مِن أنْواعِ الفَواكِهِ الَّتِي تَتَساقَطُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّها بِيَدِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ الآيَةَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ سَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ أنَّهم لَمْ يَرَوْا فِيها بَعُوضَةً ولا ذُبابًا ولا بُرْغُوثًا ولا قَمْلَةً ولا عَقْرَبًا ولا حَيَّةً ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الهَوامِّ، وإذا جاءَهُمُ الرَّكْبُ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ ماتَتْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِبُيُوتِهِمْ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ جَنَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، بَلْ أرادَ مِنِ الجِهَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً في كُلِّ جِهَةِ بَساتِينُ كَثِيرَةٌ ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ أمْرٌ، ولَكِنِ المُرادُ تَمْكِينُهم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هو ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ واشْكُرُوا لَهُ عَلى ما رَزَقَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ، وجُمْلَةُ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ الشُّكْرِ.
والمَعْنى: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لِكَثْرَةِ أشْجارِها وطِيبِ ثِمارِها.
وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها طَيِّبَةً: أنَّها غَيْرُ سَبِخَةٍ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيها هَوامُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.
ومَعْنى ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ رَبٌّ غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى ورَبُّكم إنْ شَكَرْتُمْ فِيها رَزَقَكم رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ.
وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لَهم بَيْنَ طِيبِ البَلْدَةِ والمَغْفِرَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ.
وقَرَأ ورْشٌ بِنَصْبِ " بَلْدَةٌ " و" رَبٌّ " عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اسْكُنُوا بَلْدَةً واشْكُرُوا رَبًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما كانَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَقالَ: فَأعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم قالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ إلى أهْلِ سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وكَذا قالَ وهْبٌ.
ثُمَّ لَمّا وقَعَ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً سَلَبَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ وذَلِكَ أنَّ الماءَ كانَ يَأْتِي أرْضَ سَبَأٍ مِن أوْدِيَةِ اليَمَنِ، فَرَدَمُوا رَدْمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ وحَبَسُوا الماءَ، وجَعَلُوا في ذَلِكَ الرَّدْمِ ثَلاثَةَ أبْوابٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانُوا يَسْقُونَ مِنَ البابِ الأعْلى، ثُمَّ مِنَ البابِ الثّانِي، ثُمَّ مِنَ الثّالِثِ فَأخْصَبُوا، (p-١١٩٤)وكَثُرَتْ أمْوالُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم بَعَثَ اللَّهُ جُرَذًا، فَفَتَقَتْ ذَلِكَ الرَّدْمَ حَتّى انْتَقَضَ فَدَخَلَ الماءُ جَنَّتَهم فَغَرَّقَها ودَفَنَ السَّيْلُ بُيُوتَهم، فَهَذا هو سَيْلُ العَرِمِ، وهو جَمْعُ عَرِمَةٍ: هي السَّكْرُ الَّتِي تَحْبِسُ الماءَ، وكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: العَرِمُ اسْمٌ لِلسَّدِّ. والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ السَّدِّ العَرِمِ. وقالَ عَطاءٌ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: العَرِمُ اسْمُ الجُرَذِ الَّذِي نَقَبَ السَّدَّ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي يُقالُ: لَهُ الخُلْدُ: فَنُسِبَ السَّيْلُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ جَرَيانِهِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ مِن أسْماءِ الفَأْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: العَرِمُ ماءٌ أحْمَرُ أرْسَلَهُ اللَّهُ في السَّدِّ فَشَقَّهُ وهَدَمَهُ. وقِيلَ: إنَّ العَرِمَ اسْمُ المَطَرِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسَّيْلِ الشَّدِيدِ، والعِرامَةُ في الأصْلِ: الشِّدَّةُ والشَّراسَةُ والصُّعُوبَةُ. يُقالُ: عَرَمَ فُلانٌ: إذا تَشَدَّدَ وتَصَعَّبَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: العَرِمُ السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: العَرِمُ كُلُّ شَيْءٍ حاجِزٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: أهْلَكْنا جَنَّتَيْهِمُ اللَّتَيْنِ كانَتا مُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى تِلْكَ الفَواكِهِ الطَّيِّبَةِ، والأنْواعِ الحَسَنَةِ، وأعْطَيْناهم بَدَلَهُما جَنَّتَيْنِ لا خَيْرَ فِيهِما، ولا فائِدَةَ لَهم فِيما هو نابِتٌ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ أُكُلٍ وعَدَمِ إضافَتِهِ إلى خَمْطٍ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإضافَةِ.
قالَ الخَلِيلُ: الخَمْطُ: الأراكُ، وكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ فِيهِ مَرارَةٌ لا يُمْكِنُ أكْلُهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ إلى ما لا يُشْتَهى يُقالُ لَهُ: خَمْطٌ، ومِنهُ اللَّبَنُ إذا تَغَيَّرَ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
والخَمْطُ نَعْتٌ لِ أُكُلٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، لِأنَّ الأُكُلَ هو الخَمْطُ بِعَيْنِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإضافَةُ أحْسَنُ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُ: ثَوْبُ خَزٍّ ودارُ آجُرٍّ، والأوْلى تَفْسِيرُ الخَمْطِ بِما ذَكَرَهُ الخَلِيلُ ومَن مَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَمْطُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ لَهُ حَمْلٌ يُؤْكَلُ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والأثْلُ هو: الشَّجَرُ المَعْرُوفُ الشَّبِيهُ بِالطَّرْفاءِ كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. قالَ: إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الطَّرْفاءِ طُولًا، الواحِدَةُ أثَلَةٌ، والجُمَعُ أثَلاتٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأثْلُ الخَشَبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو: شَجَرُ النُّطارِ، والأوَّلُ أوْلى، ولا ثَمَرَ لِلْأثْلِ.
والسِّدْرُ: شَجَرٌ مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: هو السَّمُرُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ مِنَ الشَّجَرِ سِدْرانِ: بَرِّيٌّ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرٌ عَفِصٌ لا يُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَ.
والثّانِي سِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ.
قِيلَ: ووَصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِأنَّ مِنهُ نَوْعًا يَطِيبُ أكْلُهُ، وهو النَّوْعُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنَما شَجَرُهم مِن خَيْرِ شَجَرٍ إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، فَأهْلَكَ أشْجارَهُمُ المُثْمِرَةَ وأنْبَتَ بَدَلَها الأراكَ، والطَّرْفاءَ، والسِّدْرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ قَلِيلٌ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ والسِّدْرِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ، أوْ إلى مَصْدَرِ جَزَيْناهم والباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلُ، أوْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ شُكْرِها ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ: وهَلْ نُجازِي هَذا الجَزاءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ ونُزُولِ النِّقْمَةِ إلّا الشَّدِيدَ الكُفْرِ المُتَبالِغَ فِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُجازى " بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، والكَفُورُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَرْفُوعٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَنصُوبٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قالا: لِأنَّ قَبْلَهُ جَزَيْناهم وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا الكُفُورَ مَعَ كَوْنِ أهْلِ المَعاصِي يُجازَوْنَ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يُجازِي هَذا الجَزاءَ، وهو الِاصْطِلامُ، والإهْلاكُ إلّا مَن كَفَرَ.
قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المُؤْمِنَ يُكَفَّرُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، والكافِرَ يُجازى بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلَهُ.
وقالَ طاوُسٌ: هو المُناقَشَةُ في الحِسابِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُناقَشُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ المَعْنى إنَّهُ يُجازِي الكافِرَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ورَجَّحَ هَذا الجَوابَ النَّحّاسُ.
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيْ: وكانَ مِن قِصَّتِهِمْ: أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم، وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ، وهي: قُرى الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ: مُتَواصِلَةً، وكانَ مَتْجَرُهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هي مَأْرِبٌ إلى الشّامِ، وكانُوا يَبِيتُونَ بِقَرْيَةٍ، ويَقِيلُونَ بِأُخْرى حَتّى يَرْجِعُوا، وكانُوا لا يَحْتاجُونَ إلى زادٍ يَحْمِلُونَهُ مِن أرْضِهِمْ إلى الشّامِ، فَهَذا مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ هَذِهِ القُرى هي بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ، وقِيلَ: هي بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: القُرى الظّاهِرَةُ هي المَعْرُوفَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها ظاهِرَةٌ لِظُهُورِها، إذا خَرَجْتَ مِن هَذِهِ ظَهَرَتْ لَكَ الأُخْرى فَكانَتْ قُرًى ظاهِرَةً أيْ: مَعْرُوفَةً، يُقالُ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ: مَعْرُوفٌ ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْنا السَّيْرَ مِنَ القَرْيَةِ إلى القَرْيَةِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا واحِدًا، وذَلِكَ نِصْفُ يَوْمٍ كَما قالَ المُفَسِّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ نِصْفَ يَوْمٍ حَتّى يَكُونَ المَقِيلُ في قَرْيَةٍ، والمَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَصِلَ إلى الشّامِ، وإنَّما يُبالِغُ الإنْسانُ في السَّيْرِ لِعَدَمِ الزّادِ، والماءِ، ولِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَإذا وُجِدَ الزّادُ، والأمْنُ، لَمْ يُحَمِّلْ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ، بَلْ يَنْزِلُ أيْنَما أرادَ.
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ثُمَّ عادَ لِتَعْدِيدِ بَقِيَّةِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ بَلَدِهِمْ مِنِ اتِّصالِ القُرى بَيْنَهم، وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ السَّفَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلَهُ بِالمَفاوِزِ والبَرارِي كَما سَيَأْتِي، وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى المُتَّصِلَةِ، فَهو أمْرُ تَمْكِينٍ أيْ: ومَكَّنّاهم مِنَ السَّيْرِ فِيها مَتى شاءُوا ﴿لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ مِمّا يَخافُونَهُ، وانْتِصابُ لَيالِيَ وأيّامًا عَلى (p-١١٩٥)الظَّرْفِيَّةِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا جِياعٍ ولا ظِماءٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ، بَلْ طَلَبُوا التَّعَبَ والكَدَّ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم بَطَرًا وطُغْيانًا لَمّا سَئِمُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى العافِيَةِ، فَتَمَنَّوْا طُولَ الأسْفارِ والتَّباعُدَ بَيْنَ الدِّيارِ، وسَألُوا اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَكانَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةِ الكَثِيرَةِ الماءِ، والشَّجَرِ، والأمْنِ، المَفاوِزَ، والقِفارَ، والبَرارِي، المُتَباعِدَةَ الأقْطارِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ إلى ذَلِكَ، وخَرَّبَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةَ، وذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الخَيْرِ، والماءِ، والشَّجَرِ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم هَذِهِ كَدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالُوا: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى، وكَقَوْلِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ، وقَرَءُوا أيْضًا باعِدْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ العَيْنِ فِعْلًا ماضِيًا، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى مِن بُعْدِ الأسْفارِ، وقَرَأ أبُو صالِحٍ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأبُو العالِيَةِ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
والمَعْنى: لَقَدْ باعَدَ رَبُّنا بَيْنَ أسْفارِنا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّهم ما طَلَبُوا التَّبْعِيدَ إنَّما طَلَبُوا أقْرَبَ مِن ذَلِكَ القُرْبِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ بِالقُرى المُتَواصِلَةِ بَطَرًا وأشَرًا وكُفْرًا لِلنِّعْمَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " بَعَّدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ مُشَدَّدَةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى بِأنَّ رَبَّهم بَعَّدَ بَيْنِ أسْفارِهِمْ مَعَ كَوْنِها قَرِيبَةً مُتَّصِلَةً بِالقُرى، والشَّجَرِ، والماءِ، فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ بَطَرِهِمْ، وقَرَأ أخُو الحَسَنِ البَصْرِيِّ كَقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ السّابِقَةِ مَعَ رَفْعِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ورَوى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةً مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ مَعَ نَصْبِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: بَعُدَ سَيْرُنا بَيْنَ أسْفارِنا.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءاتُ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إحْداها أجْوَدُ مِنَ الأُخْرى كَما لا يُقالُ: ذَلِكَ في أخْبارِ الآحادِ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها، ولَكِنْ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم دَعَوْا رَبَّهم أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ شَكَوْا وتَضَرَّرُوا، ولِهَذا قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وبَطَرُوا نِعْمَتَهُ وتَعَرَّضُوا لِنِقْمَتِهِ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِأخْبارِهِمْ.
والمَعْنى: جَعَلْناهم ذَوِي أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها مَن بَعْدَهم تَعَجُّبًا مِن فِعْلِهِمْ، واعْتِبارًا بِحالِهِمْ، وعاقِبَتِهِمْ ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا أغْرَقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَهم، تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَصارَتِ العَرَبُ تَضْرِبُ بِهِمُ الأمْثالَ، فَتَقُولُ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَحِقَتِ الأنْصارُ بِيَثْرِبَ، وغَسّانُ بِالشّامِ، والأزْدُ بِعُمانَ، وخُزاعَةُ بِتِهامَةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ وما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ لَآياتٍ بَيِّناتٍ، ودَلالاتٍ واضِحاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن هو كَثِيرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وخَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ لِأنَّهُما المُنْتَفِعانِ بِالمَواعِظِ والآياتِ.
﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ إبْلِيسُ ونَصْبِ ظَنَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو عَلى المَصْدَرِ أيْ: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا ظَنَّهُ، أوْ صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهُ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ بِإسْقاطِ الخافِضِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ صَدَّقَ بِالتَّشْدِيدِ، وظَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ: صَدَّقَ الظَّنَّ الَّذِي ظَنَّهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظَنَّ ظَنًّا فَصَدَّقَ ظَنَّهُ، فَكانَ كَما ظَنَّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو الجَهْجاءِ، والزُّهْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ، و" إبْلِيسَ " بِالنَّصْبِ و" ظَنُّهُ " بِالرَّفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ عِنْدِي، وقَدْ أجازَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ، وجَعَلَ الظَّنَّ فاعِلَ صَدَقَ، وإبْلِيسَ مَفْعُولَهُ. والمَعْنى: أنَّ إبْلِيسَ سَوَّلَ لَهُ ظَنُّهُ شَيْئًا فِيهِمْ، فَصَدَقَ ظَنُّهُ فَكَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِهِما مَعَ تَخْفِيفِ صَدَقَ عَلى أنْ يَكُونَ ظَنُّهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن إبْلِيسَ.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِأهْلِ سَبَأٍ.
والمَعْنى: أنَّهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا بَعْدَ أنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم، وقِيلَ: هي عامَّةٌ أيْ: صَدَّقَ إبْلِيسُ ظَنَّهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا مَن أطاعَ اللَّهَ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ أغْواهم أجابُوهُ، وإنْ أضَلَّهم أطاعُوهُ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ قالَ الحَسَنُ: ما ضَرَبَهم بِسَوْطٍ ولا بِعِصِيٍّ، وإنَّما ظَنَّ ظَنًّا بِوَسْوَسَتِهِ، وانْتِصابُ ﴿إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُذْنِبُ ويَنْقادُ لِإبْلِيسَ في بَعْضِ المَعاصِي، ولَمْ يَسْلَمْ مِنهُ إلّا فَرِيقٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٢ والإسْراءِ: ٦٥ ] وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم عَلى أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ تُسَلُّطٌ عَلَيْهِمْ أيْ: لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الكُفْرِ، وإنَّما كانَ مِنهُ الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ والتَّزْيِينُ، وقِيلَ: السُّلْطانُ والقُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَّةُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لا سُلْطانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنِ ابْتَلَيْناهم بِوَسْوَسَتِهِ لِنَعْلَمَ.
وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تَسَلُّطٌ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولا لِعِلَّةِ مِنَ العِلَلِ إلّا لِيَتَمَيَّزَ مَن يُؤْمِنُ، ومَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ (p-١١٩٦)- سُبْحانَهُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا أزَلِيًّا.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى إلّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ عِنْدَكم، وقِيلَ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُنا والمَلائِكَةُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " إلّا لِيُعْلَمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأوْلى حَمْلُ العِلْمِ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، والإظْهارِ كَما ذَكَرْنا ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ والشَّكِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهم «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المُرادِيِّ قالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي بِمَن أقْبَلَ مِنهم ؟ فَأذِنَ لِي في قِتالِهِمْ وأمَرَنِي، فَلَمّا خَرَجْتُ مِن عِنْدِهِ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَّنِي، فَقالَ: ادْعُ القَوْمَ، فَمَن أسْلَمَ مِنهم فاقْبَلْ مِنهُ، ومَن لَمْ يُسْلِمْ فَلا تَعْجَلْ حَتّى أُحْدِثَ إلَيْكَ، وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ، فَقالَ رَجُلٌ، يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ: أرْضٌ أمِ امْرَأةٌ ؟ قالَ: لَيْسَ بِأرْضٍ ولا امْرَأةٍ، ولَكِنَّهُ رِجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَتَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا: فَلَخْمٌ، وجُذامُ، وغَسّانُ، وعامِلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا؛ فالأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وحِمْيَرُ، وكِنْدَةُ، ومُذْحِجٌ، وأنْمارٌ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أنْمارٌ ؟ قالَ: الَّذِي مِنهم خَثْعَمُ، وبَجِيلَةُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيْلَ العَرِمِ﴾ قالَ: الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: سَيْلَ العَرِمِ وادٍ كانَ بِاليَمَنِ كانَ يَسِيلُ إلى مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قالَ: الأراكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ: تِلْكَ المُناقَشَةُ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ مَساكِنِهِمْ ﴿وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ يَعْنِي عامِرَةً مُخْصِبَةً ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ يَعْنِي فِيما بَيْنَ مَساكِنِهِمْ وبَيْنَ أرْضِ الشّامِ ﴿سِيرُوا فِيها﴾ إذا ظَعَنُوا مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ مِنَ المُقَدَّسَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ ومِن طِينٍ ومِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ خَلْقًا ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا. قالَ: فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ هُمُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم.
سبأ 34:17
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ بَعْضِ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِحالِ بَعْضِ الجاحِدِينَ لَها، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ المُرادُ بِسَبَإٍ القَبِيلَةُ الَّتِي هي مِن أوْلادِ سَبَإٍ، وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِسَبَأٍ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَيٍّ أيِ: الحَيُّ الَّذِينَ هم أوْلادُ سَبَأٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " لِسَبَأ " مَمْنُوعَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، ويُقَوِّي القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ: في مَساكِنِهِمْ ولَوْ كانَ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ لَقالَ في مَساكِنِها، فَما ورَدَ عَلى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَها جِلْدُ الجَوامِيسِ
ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ مَسِيلِهِ العَرِما
وقَرَأ قُنْبُلٌ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ " لِسَبَأْ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِها ألِفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ عَلى الجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ووَجْهُ الِاخْتِيارِ أنَّها كانَتْ لَهم مَنازِلُ كَثِيرَةٌ، ومَساكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ بِالإفْرادِ مَعَ فَتْحِ الكافِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالإفْرادِ مَعَ كَسْرِها، وبِهَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ووَجْهُ الإفْرادِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، أوِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ المَساكِنُ الَّتِي كانَتْ لَهم هي الَّتِي يُقالُ لَها الآنَ: مَأْرِبٌ، وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ لَيالٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ: آيَةٌ أيْ: عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: جَنَّتانِ وارْتِفاعُهُما عَلى البَدَلِ مِن آيَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ واخْتارَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " جَنَّتَيْنِ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ ثانٍ واسْمُها آيَةٌ، وهاتانِ الجَنَّتانِ كانَتا عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ قَدْ أحاطَتا بِهِ مِن جِهَتَيْهِ، وكانَتْ مَساكِنُهم في الوادِي، والآيَةُ هي الجَنَّتانِ، كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ، فَيَمْتَلِئُ مِن أنْواعِ الفَواكِهِ الَّتِي تَتَساقَطُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّها بِيَدِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ الآيَةَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ سَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ أنَّهم لَمْ يَرَوْا فِيها بَعُوضَةً ولا ذُبابًا ولا بُرْغُوثًا ولا قَمْلَةً ولا عَقْرَبًا ولا حَيَّةً ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الهَوامِّ، وإذا جاءَهُمُ الرَّكْبُ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ ماتَتْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِبُيُوتِهِمْ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ جَنَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، بَلْ أرادَ مِنِ الجِهَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً في كُلِّ جِهَةِ بَساتِينُ كَثِيرَةٌ ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ أمْرٌ، ولَكِنِ المُرادُ تَمْكِينُهم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هو ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ واشْكُرُوا لَهُ عَلى ما رَزَقَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ، وجُمْلَةُ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ الشُّكْرِ.
والمَعْنى: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لِكَثْرَةِ أشْجارِها وطِيبِ ثِمارِها.
وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها طَيِّبَةً: أنَّها غَيْرُ سَبِخَةٍ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيها هَوامُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.
ومَعْنى ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ رَبٌّ غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى ورَبُّكم إنْ شَكَرْتُمْ فِيها رَزَقَكم رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ.
وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لَهم بَيْنَ طِيبِ البَلْدَةِ والمَغْفِرَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ.
وقَرَأ ورْشٌ بِنَصْبِ " بَلْدَةٌ " و" رَبٌّ " عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اسْكُنُوا بَلْدَةً واشْكُرُوا رَبًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما كانَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَقالَ: فَأعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم قالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ إلى أهْلِ سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وكَذا قالَ وهْبٌ.
ثُمَّ لَمّا وقَعَ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً سَلَبَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ وذَلِكَ أنَّ الماءَ كانَ يَأْتِي أرْضَ سَبَأٍ مِن أوْدِيَةِ اليَمَنِ، فَرَدَمُوا رَدْمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ وحَبَسُوا الماءَ، وجَعَلُوا في ذَلِكَ الرَّدْمِ ثَلاثَةَ أبْوابٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانُوا يَسْقُونَ مِنَ البابِ الأعْلى، ثُمَّ مِنَ البابِ الثّانِي، ثُمَّ مِنَ الثّالِثِ فَأخْصَبُوا، (p-١١٩٤)وكَثُرَتْ أمْوالُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم بَعَثَ اللَّهُ جُرَذًا، فَفَتَقَتْ ذَلِكَ الرَّدْمَ حَتّى انْتَقَضَ فَدَخَلَ الماءُ جَنَّتَهم فَغَرَّقَها ودَفَنَ السَّيْلُ بُيُوتَهم، فَهَذا هو سَيْلُ العَرِمِ، وهو جَمْعُ عَرِمَةٍ: هي السَّكْرُ الَّتِي تَحْبِسُ الماءَ، وكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: العَرِمُ اسْمٌ لِلسَّدِّ. والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ السَّدِّ العَرِمِ. وقالَ عَطاءٌ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: العَرِمُ اسْمُ الجُرَذِ الَّذِي نَقَبَ السَّدَّ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي يُقالُ: لَهُ الخُلْدُ: فَنُسِبَ السَّيْلُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ جَرَيانِهِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ مِن أسْماءِ الفَأْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: العَرِمُ ماءٌ أحْمَرُ أرْسَلَهُ اللَّهُ في السَّدِّ فَشَقَّهُ وهَدَمَهُ. وقِيلَ: إنَّ العَرِمَ اسْمُ المَطَرِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسَّيْلِ الشَّدِيدِ، والعِرامَةُ في الأصْلِ: الشِّدَّةُ والشَّراسَةُ والصُّعُوبَةُ. يُقالُ: عَرَمَ فُلانٌ: إذا تَشَدَّدَ وتَصَعَّبَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: العَرِمُ السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: العَرِمُ كُلُّ شَيْءٍ حاجِزٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: أهْلَكْنا جَنَّتَيْهِمُ اللَّتَيْنِ كانَتا مُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى تِلْكَ الفَواكِهِ الطَّيِّبَةِ، والأنْواعِ الحَسَنَةِ، وأعْطَيْناهم بَدَلَهُما جَنَّتَيْنِ لا خَيْرَ فِيهِما، ولا فائِدَةَ لَهم فِيما هو نابِتٌ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ أُكُلٍ وعَدَمِ إضافَتِهِ إلى خَمْطٍ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإضافَةِ.
قالَ الخَلِيلُ: الخَمْطُ: الأراكُ، وكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ فِيهِ مَرارَةٌ لا يُمْكِنُ أكْلُهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ إلى ما لا يُشْتَهى يُقالُ لَهُ: خَمْطٌ، ومِنهُ اللَّبَنُ إذا تَغَيَّرَ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
والخَمْطُ نَعْتٌ لِ أُكُلٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، لِأنَّ الأُكُلَ هو الخَمْطُ بِعَيْنِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإضافَةُ أحْسَنُ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُ: ثَوْبُ خَزٍّ ودارُ آجُرٍّ، والأوْلى تَفْسِيرُ الخَمْطِ بِما ذَكَرَهُ الخَلِيلُ ومَن مَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَمْطُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ لَهُ حَمْلٌ يُؤْكَلُ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والأثْلُ هو: الشَّجَرُ المَعْرُوفُ الشَّبِيهُ بِالطَّرْفاءِ كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. قالَ: إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الطَّرْفاءِ طُولًا، الواحِدَةُ أثَلَةٌ، والجُمَعُ أثَلاتٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأثْلُ الخَشَبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو: شَجَرُ النُّطارِ، والأوَّلُ أوْلى، ولا ثَمَرَ لِلْأثْلِ.
والسِّدْرُ: شَجَرٌ مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: هو السَّمُرُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ مِنَ الشَّجَرِ سِدْرانِ: بَرِّيٌّ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرٌ عَفِصٌ لا يُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَ.
والثّانِي سِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ.
قِيلَ: ووَصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِأنَّ مِنهُ نَوْعًا يَطِيبُ أكْلُهُ، وهو النَّوْعُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنَما شَجَرُهم مِن خَيْرِ شَجَرٍ إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، فَأهْلَكَ أشْجارَهُمُ المُثْمِرَةَ وأنْبَتَ بَدَلَها الأراكَ، والطَّرْفاءَ، والسِّدْرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ قَلِيلٌ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ والسِّدْرِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ، أوْ إلى مَصْدَرِ جَزَيْناهم والباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلُ، أوْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ شُكْرِها ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ: وهَلْ نُجازِي هَذا الجَزاءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ ونُزُولِ النِّقْمَةِ إلّا الشَّدِيدَ الكُفْرِ المُتَبالِغَ فِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُجازى " بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، والكَفُورُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَرْفُوعٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَنصُوبٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قالا: لِأنَّ قَبْلَهُ جَزَيْناهم وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا الكُفُورَ مَعَ كَوْنِ أهْلِ المَعاصِي يُجازَوْنَ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يُجازِي هَذا الجَزاءَ، وهو الِاصْطِلامُ، والإهْلاكُ إلّا مَن كَفَرَ.
قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المُؤْمِنَ يُكَفَّرُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، والكافِرَ يُجازى بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلَهُ.
وقالَ طاوُسٌ: هو المُناقَشَةُ في الحِسابِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُناقَشُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ المَعْنى إنَّهُ يُجازِي الكافِرَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ورَجَّحَ هَذا الجَوابَ النَّحّاسُ.
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيْ: وكانَ مِن قِصَّتِهِمْ: أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم، وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ، وهي: قُرى الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ: مُتَواصِلَةً، وكانَ مَتْجَرُهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هي مَأْرِبٌ إلى الشّامِ، وكانُوا يَبِيتُونَ بِقَرْيَةٍ، ويَقِيلُونَ بِأُخْرى حَتّى يَرْجِعُوا، وكانُوا لا يَحْتاجُونَ إلى زادٍ يَحْمِلُونَهُ مِن أرْضِهِمْ إلى الشّامِ، فَهَذا مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ هَذِهِ القُرى هي بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ، وقِيلَ: هي بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: القُرى الظّاهِرَةُ هي المَعْرُوفَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها ظاهِرَةٌ لِظُهُورِها، إذا خَرَجْتَ مِن هَذِهِ ظَهَرَتْ لَكَ الأُخْرى فَكانَتْ قُرًى ظاهِرَةً أيْ: مَعْرُوفَةً، يُقالُ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ: مَعْرُوفٌ ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْنا السَّيْرَ مِنَ القَرْيَةِ إلى القَرْيَةِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا واحِدًا، وذَلِكَ نِصْفُ يَوْمٍ كَما قالَ المُفَسِّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ نِصْفَ يَوْمٍ حَتّى يَكُونَ المَقِيلُ في قَرْيَةٍ، والمَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَصِلَ إلى الشّامِ، وإنَّما يُبالِغُ الإنْسانُ في السَّيْرِ لِعَدَمِ الزّادِ، والماءِ، ولِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَإذا وُجِدَ الزّادُ، والأمْنُ، لَمْ يُحَمِّلْ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ، بَلْ يَنْزِلُ أيْنَما أرادَ.
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ثُمَّ عادَ لِتَعْدِيدِ بَقِيَّةِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ بَلَدِهِمْ مِنِ اتِّصالِ القُرى بَيْنَهم، وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ السَّفَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلَهُ بِالمَفاوِزِ والبَرارِي كَما سَيَأْتِي، وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى المُتَّصِلَةِ، فَهو أمْرُ تَمْكِينٍ أيْ: ومَكَّنّاهم مِنَ السَّيْرِ فِيها مَتى شاءُوا ﴿لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ مِمّا يَخافُونَهُ، وانْتِصابُ لَيالِيَ وأيّامًا عَلى (p-١١٩٥)الظَّرْفِيَّةِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا جِياعٍ ولا ظِماءٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ، بَلْ طَلَبُوا التَّعَبَ والكَدَّ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم بَطَرًا وطُغْيانًا لَمّا سَئِمُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى العافِيَةِ، فَتَمَنَّوْا طُولَ الأسْفارِ والتَّباعُدَ بَيْنَ الدِّيارِ، وسَألُوا اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَكانَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةِ الكَثِيرَةِ الماءِ، والشَّجَرِ، والأمْنِ، المَفاوِزَ، والقِفارَ، والبَرارِي، المُتَباعِدَةَ الأقْطارِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ إلى ذَلِكَ، وخَرَّبَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةَ، وذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الخَيْرِ، والماءِ، والشَّجَرِ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم هَذِهِ كَدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالُوا: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى، وكَقَوْلِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ، وقَرَءُوا أيْضًا باعِدْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ العَيْنِ فِعْلًا ماضِيًا، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى مِن بُعْدِ الأسْفارِ، وقَرَأ أبُو صالِحٍ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأبُو العالِيَةِ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
والمَعْنى: لَقَدْ باعَدَ رَبُّنا بَيْنَ أسْفارِنا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّهم ما طَلَبُوا التَّبْعِيدَ إنَّما طَلَبُوا أقْرَبَ مِن ذَلِكَ القُرْبِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ بِالقُرى المُتَواصِلَةِ بَطَرًا وأشَرًا وكُفْرًا لِلنِّعْمَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " بَعَّدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ مُشَدَّدَةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى بِأنَّ رَبَّهم بَعَّدَ بَيْنِ أسْفارِهِمْ مَعَ كَوْنِها قَرِيبَةً مُتَّصِلَةً بِالقُرى، والشَّجَرِ، والماءِ، فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ بَطَرِهِمْ، وقَرَأ أخُو الحَسَنِ البَصْرِيِّ كَقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ السّابِقَةِ مَعَ رَفْعِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ورَوى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةً مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ مَعَ نَصْبِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: بَعُدَ سَيْرُنا بَيْنَ أسْفارِنا.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءاتُ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إحْداها أجْوَدُ مِنَ الأُخْرى كَما لا يُقالُ: ذَلِكَ في أخْبارِ الآحادِ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها، ولَكِنْ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم دَعَوْا رَبَّهم أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ شَكَوْا وتَضَرَّرُوا، ولِهَذا قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وبَطَرُوا نِعْمَتَهُ وتَعَرَّضُوا لِنِقْمَتِهِ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِأخْبارِهِمْ.
والمَعْنى: جَعَلْناهم ذَوِي أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها مَن بَعْدَهم تَعَجُّبًا مِن فِعْلِهِمْ، واعْتِبارًا بِحالِهِمْ، وعاقِبَتِهِمْ ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا أغْرَقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَهم، تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَصارَتِ العَرَبُ تَضْرِبُ بِهِمُ الأمْثالَ، فَتَقُولُ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَحِقَتِ الأنْصارُ بِيَثْرِبَ، وغَسّانُ بِالشّامِ، والأزْدُ بِعُمانَ، وخُزاعَةُ بِتِهامَةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ وما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ لَآياتٍ بَيِّناتٍ، ودَلالاتٍ واضِحاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن هو كَثِيرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وخَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ لِأنَّهُما المُنْتَفِعانِ بِالمَواعِظِ والآياتِ.
﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ إبْلِيسُ ونَصْبِ ظَنَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو عَلى المَصْدَرِ أيْ: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا ظَنَّهُ، أوْ صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهُ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ بِإسْقاطِ الخافِضِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ صَدَّقَ بِالتَّشْدِيدِ، وظَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ: صَدَّقَ الظَّنَّ الَّذِي ظَنَّهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظَنَّ ظَنًّا فَصَدَّقَ ظَنَّهُ، فَكانَ كَما ظَنَّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو الجَهْجاءِ، والزُّهْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ، و" إبْلِيسَ " بِالنَّصْبِ و" ظَنُّهُ " بِالرَّفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ عِنْدِي، وقَدْ أجازَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ، وجَعَلَ الظَّنَّ فاعِلَ صَدَقَ، وإبْلِيسَ مَفْعُولَهُ. والمَعْنى: أنَّ إبْلِيسَ سَوَّلَ لَهُ ظَنُّهُ شَيْئًا فِيهِمْ، فَصَدَقَ ظَنُّهُ فَكَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِهِما مَعَ تَخْفِيفِ صَدَقَ عَلى أنْ يَكُونَ ظَنُّهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن إبْلِيسَ.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِأهْلِ سَبَأٍ.
والمَعْنى: أنَّهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا بَعْدَ أنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم، وقِيلَ: هي عامَّةٌ أيْ: صَدَّقَ إبْلِيسُ ظَنَّهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا مَن أطاعَ اللَّهَ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ أغْواهم أجابُوهُ، وإنْ أضَلَّهم أطاعُوهُ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ قالَ الحَسَنُ: ما ضَرَبَهم بِسَوْطٍ ولا بِعِصِيٍّ، وإنَّما ظَنَّ ظَنًّا بِوَسْوَسَتِهِ، وانْتِصابُ ﴿إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُذْنِبُ ويَنْقادُ لِإبْلِيسَ في بَعْضِ المَعاصِي، ولَمْ يَسْلَمْ مِنهُ إلّا فَرِيقٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٢ والإسْراءِ: ٦٥ ] وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم عَلى أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ تُسَلُّطٌ عَلَيْهِمْ أيْ: لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الكُفْرِ، وإنَّما كانَ مِنهُ الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ والتَّزْيِينُ، وقِيلَ: السُّلْطانُ والقُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَّةُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لا سُلْطانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنِ ابْتَلَيْناهم بِوَسْوَسَتِهِ لِنَعْلَمَ.
وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تَسَلُّطٌ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولا لِعِلَّةِ مِنَ العِلَلِ إلّا لِيَتَمَيَّزَ مَن يُؤْمِنُ، ومَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ (p-١١٩٦)- سُبْحانَهُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا أزَلِيًّا.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى إلّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ عِنْدَكم، وقِيلَ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُنا والمَلائِكَةُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " إلّا لِيُعْلَمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأوْلى حَمْلُ العِلْمِ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، والإظْهارِ كَما ذَكَرْنا ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ والشَّكِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهم «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المُرادِيِّ قالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي بِمَن أقْبَلَ مِنهم ؟ فَأذِنَ لِي في قِتالِهِمْ وأمَرَنِي، فَلَمّا خَرَجْتُ مِن عِنْدِهِ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَّنِي، فَقالَ: ادْعُ القَوْمَ، فَمَن أسْلَمَ مِنهم فاقْبَلْ مِنهُ، ومَن لَمْ يُسْلِمْ فَلا تَعْجَلْ حَتّى أُحْدِثَ إلَيْكَ، وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ، فَقالَ رَجُلٌ، يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ: أرْضٌ أمِ امْرَأةٌ ؟ قالَ: لَيْسَ بِأرْضٍ ولا امْرَأةٍ، ولَكِنَّهُ رِجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَتَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا: فَلَخْمٌ، وجُذامُ، وغَسّانُ، وعامِلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا؛ فالأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وحِمْيَرُ، وكِنْدَةُ، ومُذْحِجٌ، وأنْمارٌ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أنْمارٌ ؟ قالَ: الَّذِي مِنهم خَثْعَمُ، وبَجِيلَةُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيْلَ العَرِمِ﴾ قالَ: الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: سَيْلَ العَرِمِ وادٍ كانَ بِاليَمَنِ كانَ يَسِيلُ إلى مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قالَ: الأراكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ: تِلْكَ المُناقَشَةُ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ مَساكِنِهِمْ ﴿وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ يَعْنِي عامِرَةً مُخْصِبَةً ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ يَعْنِي فِيما بَيْنَ مَساكِنِهِمْ وبَيْنَ أرْضِ الشّامِ ﴿سِيرُوا فِيها﴾ إذا ظَعَنُوا مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ مِنَ المُقَدَّسَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ ومِن طِينٍ ومِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ خَلْقًا ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا. قالَ: فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ هُمُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم.
سبأ 34:18
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ بَعْضِ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِحالِ بَعْضِ الجاحِدِينَ لَها، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ المُرادُ بِسَبَإٍ القَبِيلَةُ الَّتِي هي مِن أوْلادِ سَبَإٍ، وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِسَبَأٍ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَيٍّ أيِ: الحَيُّ الَّذِينَ هم أوْلادُ سَبَأٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " لِسَبَأ " مَمْنُوعَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، ويُقَوِّي القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ: في مَساكِنِهِمْ ولَوْ كانَ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ لَقالَ في مَساكِنِها، فَما ورَدَ عَلى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَها جِلْدُ الجَوامِيسِ
ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ مَسِيلِهِ العَرِما
وقَرَأ قُنْبُلٌ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ " لِسَبَأْ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِها ألِفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ عَلى الجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ووَجْهُ الِاخْتِيارِ أنَّها كانَتْ لَهم مَنازِلُ كَثِيرَةٌ، ومَساكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ بِالإفْرادِ مَعَ فَتْحِ الكافِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالإفْرادِ مَعَ كَسْرِها، وبِهَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ووَجْهُ الإفْرادِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، أوِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ المَساكِنُ الَّتِي كانَتْ لَهم هي الَّتِي يُقالُ لَها الآنَ: مَأْرِبٌ، وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ لَيالٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ: آيَةٌ أيْ: عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: جَنَّتانِ وارْتِفاعُهُما عَلى البَدَلِ مِن آيَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ واخْتارَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " جَنَّتَيْنِ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ ثانٍ واسْمُها آيَةٌ، وهاتانِ الجَنَّتانِ كانَتا عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ قَدْ أحاطَتا بِهِ مِن جِهَتَيْهِ، وكانَتْ مَساكِنُهم في الوادِي، والآيَةُ هي الجَنَّتانِ، كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ، فَيَمْتَلِئُ مِن أنْواعِ الفَواكِهِ الَّتِي تَتَساقَطُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّها بِيَدِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ الآيَةَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ سَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ أنَّهم لَمْ يَرَوْا فِيها بَعُوضَةً ولا ذُبابًا ولا بُرْغُوثًا ولا قَمْلَةً ولا عَقْرَبًا ولا حَيَّةً ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الهَوامِّ، وإذا جاءَهُمُ الرَّكْبُ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ ماتَتْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِبُيُوتِهِمْ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ جَنَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، بَلْ أرادَ مِنِ الجِهَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً في كُلِّ جِهَةِ بَساتِينُ كَثِيرَةٌ ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ أمْرٌ، ولَكِنِ المُرادُ تَمْكِينُهم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هو ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ واشْكُرُوا لَهُ عَلى ما رَزَقَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ، وجُمْلَةُ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ الشُّكْرِ.
والمَعْنى: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لِكَثْرَةِ أشْجارِها وطِيبِ ثِمارِها.
وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها طَيِّبَةً: أنَّها غَيْرُ سَبِخَةٍ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيها هَوامُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.
ومَعْنى ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ رَبٌّ غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى ورَبُّكم إنْ شَكَرْتُمْ فِيها رَزَقَكم رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ.
وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لَهم بَيْنَ طِيبِ البَلْدَةِ والمَغْفِرَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ.
وقَرَأ ورْشٌ بِنَصْبِ " بَلْدَةٌ " و" رَبٌّ " عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اسْكُنُوا بَلْدَةً واشْكُرُوا رَبًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما كانَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَقالَ: فَأعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم قالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ إلى أهْلِ سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وكَذا قالَ وهْبٌ.
ثُمَّ لَمّا وقَعَ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً سَلَبَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ وذَلِكَ أنَّ الماءَ كانَ يَأْتِي أرْضَ سَبَأٍ مِن أوْدِيَةِ اليَمَنِ، فَرَدَمُوا رَدْمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ وحَبَسُوا الماءَ، وجَعَلُوا في ذَلِكَ الرَّدْمِ ثَلاثَةَ أبْوابٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانُوا يَسْقُونَ مِنَ البابِ الأعْلى، ثُمَّ مِنَ البابِ الثّانِي، ثُمَّ مِنَ الثّالِثِ فَأخْصَبُوا، (p-١١٩٤)وكَثُرَتْ أمْوالُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم بَعَثَ اللَّهُ جُرَذًا، فَفَتَقَتْ ذَلِكَ الرَّدْمَ حَتّى انْتَقَضَ فَدَخَلَ الماءُ جَنَّتَهم فَغَرَّقَها ودَفَنَ السَّيْلُ بُيُوتَهم، فَهَذا هو سَيْلُ العَرِمِ، وهو جَمْعُ عَرِمَةٍ: هي السَّكْرُ الَّتِي تَحْبِسُ الماءَ، وكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: العَرِمُ اسْمٌ لِلسَّدِّ. والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ السَّدِّ العَرِمِ. وقالَ عَطاءٌ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: العَرِمُ اسْمُ الجُرَذِ الَّذِي نَقَبَ السَّدَّ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي يُقالُ: لَهُ الخُلْدُ: فَنُسِبَ السَّيْلُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ جَرَيانِهِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ مِن أسْماءِ الفَأْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: العَرِمُ ماءٌ أحْمَرُ أرْسَلَهُ اللَّهُ في السَّدِّ فَشَقَّهُ وهَدَمَهُ. وقِيلَ: إنَّ العَرِمَ اسْمُ المَطَرِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسَّيْلِ الشَّدِيدِ، والعِرامَةُ في الأصْلِ: الشِّدَّةُ والشَّراسَةُ والصُّعُوبَةُ. يُقالُ: عَرَمَ فُلانٌ: إذا تَشَدَّدَ وتَصَعَّبَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: العَرِمُ السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: العَرِمُ كُلُّ شَيْءٍ حاجِزٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: أهْلَكْنا جَنَّتَيْهِمُ اللَّتَيْنِ كانَتا مُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى تِلْكَ الفَواكِهِ الطَّيِّبَةِ، والأنْواعِ الحَسَنَةِ، وأعْطَيْناهم بَدَلَهُما جَنَّتَيْنِ لا خَيْرَ فِيهِما، ولا فائِدَةَ لَهم فِيما هو نابِتٌ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ أُكُلٍ وعَدَمِ إضافَتِهِ إلى خَمْطٍ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإضافَةِ.
قالَ الخَلِيلُ: الخَمْطُ: الأراكُ، وكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ فِيهِ مَرارَةٌ لا يُمْكِنُ أكْلُهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ إلى ما لا يُشْتَهى يُقالُ لَهُ: خَمْطٌ، ومِنهُ اللَّبَنُ إذا تَغَيَّرَ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
والخَمْطُ نَعْتٌ لِ أُكُلٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، لِأنَّ الأُكُلَ هو الخَمْطُ بِعَيْنِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإضافَةُ أحْسَنُ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُ: ثَوْبُ خَزٍّ ودارُ آجُرٍّ، والأوْلى تَفْسِيرُ الخَمْطِ بِما ذَكَرَهُ الخَلِيلُ ومَن مَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَمْطُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ لَهُ حَمْلٌ يُؤْكَلُ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والأثْلُ هو: الشَّجَرُ المَعْرُوفُ الشَّبِيهُ بِالطَّرْفاءِ كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. قالَ: إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الطَّرْفاءِ طُولًا، الواحِدَةُ أثَلَةٌ، والجُمَعُ أثَلاتٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأثْلُ الخَشَبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو: شَجَرُ النُّطارِ، والأوَّلُ أوْلى، ولا ثَمَرَ لِلْأثْلِ.
والسِّدْرُ: شَجَرٌ مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: هو السَّمُرُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ مِنَ الشَّجَرِ سِدْرانِ: بَرِّيٌّ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرٌ عَفِصٌ لا يُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَ.
والثّانِي سِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ.
قِيلَ: ووَصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِأنَّ مِنهُ نَوْعًا يَطِيبُ أكْلُهُ، وهو النَّوْعُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنَما شَجَرُهم مِن خَيْرِ شَجَرٍ إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، فَأهْلَكَ أشْجارَهُمُ المُثْمِرَةَ وأنْبَتَ بَدَلَها الأراكَ، والطَّرْفاءَ، والسِّدْرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ قَلِيلٌ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ والسِّدْرِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ، أوْ إلى مَصْدَرِ جَزَيْناهم والباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلُ، أوْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ شُكْرِها ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ: وهَلْ نُجازِي هَذا الجَزاءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ ونُزُولِ النِّقْمَةِ إلّا الشَّدِيدَ الكُفْرِ المُتَبالِغَ فِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُجازى " بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، والكَفُورُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَرْفُوعٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَنصُوبٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قالا: لِأنَّ قَبْلَهُ جَزَيْناهم وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا الكُفُورَ مَعَ كَوْنِ أهْلِ المَعاصِي يُجازَوْنَ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يُجازِي هَذا الجَزاءَ، وهو الِاصْطِلامُ، والإهْلاكُ إلّا مَن كَفَرَ.
قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المُؤْمِنَ يُكَفَّرُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، والكافِرَ يُجازى بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلَهُ.
وقالَ طاوُسٌ: هو المُناقَشَةُ في الحِسابِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُناقَشُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ المَعْنى إنَّهُ يُجازِي الكافِرَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ورَجَّحَ هَذا الجَوابَ النَّحّاسُ.
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيْ: وكانَ مِن قِصَّتِهِمْ: أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم، وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ، وهي: قُرى الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ: مُتَواصِلَةً، وكانَ مَتْجَرُهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هي مَأْرِبٌ إلى الشّامِ، وكانُوا يَبِيتُونَ بِقَرْيَةٍ، ويَقِيلُونَ بِأُخْرى حَتّى يَرْجِعُوا، وكانُوا لا يَحْتاجُونَ إلى زادٍ يَحْمِلُونَهُ مِن أرْضِهِمْ إلى الشّامِ، فَهَذا مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ هَذِهِ القُرى هي بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ، وقِيلَ: هي بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: القُرى الظّاهِرَةُ هي المَعْرُوفَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها ظاهِرَةٌ لِظُهُورِها، إذا خَرَجْتَ مِن هَذِهِ ظَهَرَتْ لَكَ الأُخْرى فَكانَتْ قُرًى ظاهِرَةً أيْ: مَعْرُوفَةً، يُقالُ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ: مَعْرُوفٌ ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْنا السَّيْرَ مِنَ القَرْيَةِ إلى القَرْيَةِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا واحِدًا، وذَلِكَ نِصْفُ يَوْمٍ كَما قالَ المُفَسِّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ نِصْفَ يَوْمٍ حَتّى يَكُونَ المَقِيلُ في قَرْيَةٍ، والمَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَصِلَ إلى الشّامِ، وإنَّما يُبالِغُ الإنْسانُ في السَّيْرِ لِعَدَمِ الزّادِ، والماءِ، ولِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَإذا وُجِدَ الزّادُ، والأمْنُ، لَمْ يُحَمِّلْ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ، بَلْ يَنْزِلُ أيْنَما أرادَ.
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ثُمَّ عادَ لِتَعْدِيدِ بَقِيَّةِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ بَلَدِهِمْ مِنِ اتِّصالِ القُرى بَيْنَهم، وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ السَّفَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلَهُ بِالمَفاوِزِ والبَرارِي كَما سَيَأْتِي، وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى المُتَّصِلَةِ، فَهو أمْرُ تَمْكِينٍ أيْ: ومَكَّنّاهم مِنَ السَّيْرِ فِيها مَتى شاءُوا ﴿لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ مِمّا يَخافُونَهُ، وانْتِصابُ لَيالِيَ وأيّامًا عَلى (p-١١٩٥)الظَّرْفِيَّةِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا جِياعٍ ولا ظِماءٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ، بَلْ طَلَبُوا التَّعَبَ والكَدَّ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم بَطَرًا وطُغْيانًا لَمّا سَئِمُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى العافِيَةِ، فَتَمَنَّوْا طُولَ الأسْفارِ والتَّباعُدَ بَيْنَ الدِّيارِ، وسَألُوا اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَكانَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةِ الكَثِيرَةِ الماءِ، والشَّجَرِ، والأمْنِ، المَفاوِزَ، والقِفارَ، والبَرارِي، المُتَباعِدَةَ الأقْطارِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ إلى ذَلِكَ، وخَرَّبَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةَ، وذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الخَيْرِ، والماءِ، والشَّجَرِ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم هَذِهِ كَدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالُوا: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى، وكَقَوْلِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ، وقَرَءُوا أيْضًا باعِدْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ العَيْنِ فِعْلًا ماضِيًا، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى مِن بُعْدِ الأسْفارِ، وقَرَأ أبُو صالِحٍ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأبُو العالِيَةِ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
والمَعْنى: لَقَدْ باعَدَ رَبُّنا بَيْنَ أسْفارِنا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّهم ما طَلَبُوا التَّبْعِيدَ إنَّما طَلَبُوا أقْرَبَ مِن ذَلِكَ القُرْبِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ بِالقُرى المُتَواصِلَةِ بَطَرًا وأشَرًا وكُفْرًا لِلنِّعْمَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " بَعَّدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ مُشَدَّدَةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى بِأنَّ رَبَّهم بَعَّدَ بَيْنِ أسْفارِهِمْ مَعَ كَوْنِها قَرِيبَةً مُتَّصِلَةً بِالقُرى، والشَّجَرِ، والماءِ، فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ بَطَرِهِمْ، وقَرَأ أخُو الحَسَنِ البَصْرِيِّ كَقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ السّابِقَةِ مَعَ رَفْعِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ورَوى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةً مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ مَعَ نَصْبِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: بَعُدَ سَيْرُنا بَيْنَ أسْفارِنا.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءاتُ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إحْداها أجْوَدُ مِنَ الأُخْرى كَما لا يُقالُ: ذَلِكَ في أخْبارِ الآحادِ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها، ولَكِنْ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم دَعَوْا رَبَّهم أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ شَكَوْا وتَضَرَّرُوا، ولِهَذا قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وبَطَرُوا نِعْمَتَهُ وتَعَرَّضُوا لِنِقْمَتِهِ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِأخْبارِهِمْ.
والمَعْنى: جَعَلْناهم ذَوِي أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها مَن بَعْدَهم تَعَجُّبًا مِن فِعْلِهِمْ، واعْتِبارًا بِحالِهِمْ، وعاقِبَتِهِمْ ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا أغْرَقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَهم، تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَصارَتِ العَرَبُ تَضْرِبُ بِهِمُ الأمْثالَ، فَتَقُولُ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَحِقَتِ الأنْصارُ بِيَثْرِبَ، وغَسّانُ بِالشّامِ، والأزْدُ بِعُمانَ، وخُزاعَةُ بِتِهامَةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ وما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ لَآياتٍ بَيِّناتٍ، ودَلالاتٍ واضِحاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن هو كَثِيرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وخَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ لِأنَّهُما المُنْتَفِعانِ بِالمَواعِظِ والآياتِ.
﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ إبْلِيسُ ونَصْبِ ظَنَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو عَلى المَصْدَرِ أيْ: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا ظَنَّهُ، أوْ صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهُ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ بِإسْقاطِ الخافِضِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ صَدَّقَ بِالتَّشْدِيدِ، وظَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ: صَدَّقَ الظَّنَّ الَّذِي ظَنَّهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظَنَّ ظَنًّا فَصَدَّقَ ظَنَّهُ، فَكانَ كَما ظَنَّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو الجَهْجاءِ، والزُّهْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ، و" إبْلِيسَ " بِالنَّصْبِ و" ظَنُّهُ " بِالرَّفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ عِنْدِي، وقَدْ أجازَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ، وجَعَلَ الظَّنَّ فاعِلَ صَدَقَ، وإبْلِيسَ مَفْعُولَهُ. والمَعْنى: أنَّ إبْلِيسَ سَوَّلَ لَهُ ظَنُّهُ شَيْئًا فِيهِمْ، فَصَدَقَ ظَنُّهُ فَكَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِهِما مَعَ تَخْفِيفِ صَدَقَ عَلى أنْ يَكُونَ ظَنُّهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن إبْلِيسَ.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِأهْلِ سَبَأٍ.
والمَعْنى: أنَّهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا بَعْدَ أنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم، وقِيلَ: هي عامَّةٌ أيْ: صَدَّقَ إبْلِيسُ ظَنَّهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا مَن أطاعَ اللَّهَ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ أغْواهم أجابُوهُ، وإنْ أضَلَّهم أطاعُوهُ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ قالَ الحَسَنُ: ما ضَرَبَهم بِسَوْطٍ ولا بِعِصِيٍّ، وإنَّما ظَنَّ ظَنًّا بِوَسْوَسَتِهِ، وانْتِصابُ ﴿إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُذْنِبُ ويَنْقادُ لِإبْلِيسَ في بَعْضِ المَعاصِي، ولَمْ يَسْلَمْ مِنهُ إلّا فَرِيقٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٢ والإسْراءِ: ٦٥ ] وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم عَلى أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ تُسَلُّطٌ عَلَيْهِمْ أيْ: لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الكُفْرِ، وإنَّما كانَ مِنهُ الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ والتَّزْيِينُ، وقِيلَ: السُّلْطانُ والقُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَّةُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لا سُلْطانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنِ ابْتَلَيْناهم بِوَسْوَسَتِهِ لِنَعْلَمَ.
وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تَسَلُّطٌ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولا لِعِلَّةِ مِنَ العِلَلِ إلّا لِيَتَمَيَّزَ مَن يُؤْمِنُ، ومَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ (p-١١٩٦)- سُبْحانَهُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا أزَلِيًّا.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى إلّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ عِنْدَكم، وقِيلَ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُنا والمَلائِكَةُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " إلّا لِيُعْلَمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأوْلى حَمْلُ العِلْمِ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، والإظْهارِ كَما ذَكَرْنا ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ والشَّكِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهم «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المُرادِيِّ قالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي بِمَن أقْبَلَ مِنهم ؟ فَأذِنَ لِي في قِتالِهِمْ وأمَرَنِي، فَلَمّا خَرَجْتُ مِن عِنْدِهِ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَّنِي، فَقالَ: ادْعُ القَوْمَ، فَمَن أسْلَمَ مِنهم فاقْبَلْ مِنهُ، ومَن لَمْ يُسْلِمْ فَلا تَعْجَلْ حَتّى أُحْدِثَ إلَيْكَ، وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ، فَقالَ رَجُلٌ، يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ: أرْضٌ أمِ امْرَأةٌ ؟ قالَ: لَيْسَ بِأرْضٍ ولا امْرَأةٍ، ولَكِنَّهُ رِجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَتَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا: فَلَخْمٌ، وجُذامُ، وغَسّانُ، وعامِلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا؛ فالأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وحِمْيَرُ، وكِنْدَةُ، ومُذْحِجٌ، وأنْمارٌ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أنْمارٌ ؟ قالَ: الَّذِي مِنهم خَثْعَمُ، وبَجِيلَةُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيْلَ العَرِمِ﴾ قالَ: الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: سَيْلَ العَرِمِ وادٍ كانَ بِاليَمَنِ كانَ يَسِيلُ إلى مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قالَ: الأراكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ: تِلْكَ المُناقَشَةُ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ مَساكِنِهِمْ ﴿وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ يَعْنِي عامِرَةً مُخْصِبَةً ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ يَعْنِي فِيما بَيْنَ مَساكِنِهِمْ وبَيْنَ أرْضِ الشّامِ ﴿سِيرُوا فِيها﴾ إذا ظَعَنُوا مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ مِنَ المُقَدَّسَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ ومِن طِينٍ ومِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ خَلْقًا ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا. قالَ: فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ هُمُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم.
سبأ 34:19
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ بَعْضِ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ عَقَّبَهُ بِحالِ بَعْضِ الجاحِدِينَ لَها، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ المُرادُ بِسَبَإٍ القَبِيلَةُ الَّتِي هي مِن أوْلادِ سَبَإٍ، وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِسَبَأٍ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَيٍّ أيِ: الحَيُّ الَّذِينَ هم أوْلادُ سَبَأٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " لِسَبَأ " مَمْنُوعَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، ويُقَوِّي القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ: في مَساكِنِهِمْ ولَوْ كانَ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ لَقالَ في مَساكِنِها، فَما ورَدَ عَلى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَها جِلْدُ الجَوامِيسِ
ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ مَسِيلِهِ العَرِما
وقَرَأ قُنْبُلٌ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ " لِسَبَأْ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِها ألِفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ عَلى الجَمْعِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، ووَجْهُ الِاخْتِيارِ أنَّها كانَتْ لَهم مَنازِلُ كَثِيرَةٌ، ومَساكِنُ مُتَعَدِّدَةٌ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ بِالإفْرادِ مَعَ فَتْحِ الكافِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالإفْرادِ مَعَ كَسْرِها، وبِهَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ووَجْهُ الإفْرادِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، أوِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ المَساكِنُ الَّتِي كانَتْ لَهم هي الَّتِي يُقالُ لَها الآنَ: مَأْرِبٌ، وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ لَيالٍ، ومَعْنى قَوْلِهِ: آيَةٌ أيْ: عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: جَنَّتانِ وارْتِفاعُهُما عَلى البَدَلِ مِن آيَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ واخْتارَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " جَنَّتَيْنِ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما خَبَرٌ ثانٍ واسْمُها آيَةٌ، وهاتانِ الجَنَّتانِ كانَتا عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ قَدْ أحاطَتا بِهِ مِن جِهَتَيْهِ، وكانَتْ مَساكِنُهم في الوادِي، والآيَةُ هي الجَنَّتانِ، كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ، فَيَمْتَلِئُ مِن أنْواعِ الفَواكِهِ الَّتِي تَتَساقَطُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّها بِيَدِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ الآيَةَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ سَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ أنَّهم لَمْ يَرَوْا فِيها بَعُوضَةً ولا ذُبابًا ولا بُرْغُوثًا ولا قَمْلَةً ولا عَقْرَبًا ولا حَيَّةً ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الهَوامِّ، وإذا جاءَهُمُ الرَّكْبُ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ ماتَتْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِبُيُوتِهِمْ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ جَنَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، بَلْ أرادَ مِنِ الجِهَتَيْنِ يَمْنَةً ويَسْرَةً في كُلِّ جِهَةِ بَساتِينُ كَثِيرَةٌ ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ أمْرٌ، ولَكِنِ المُرادُ تَمْكِينُهم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هو ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ واشْكُرُوا لَهُ عَلى ما رَزَقَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ واجْتَنِبُوا مَعاصِيَهُ، وجُمْلَةُ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ الشُّكْرِ.
والمَعْنى: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ لِكَثْرَةِ أشْجارِها وطِيبِ ثِمارِها.
وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِها طَيِّبَةً: أنَّها غَيْرُ سَبِخَةٍ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيها هَوامُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.
ومَعْنى ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ رَبٌّ غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى ورَبُّكم إنْ شَكَرْتُمْ فِيها رَزَقَكم رَبٌّ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ.
وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لَهم بَيْنَ طِيبِ البَلْدَةِ والمَغْفِرَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ.
وقَرَأ ورْشٌ بِنَصْبِ " بَلْدَةٌ " و" رَبٌّ " عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ اسْكُنُوا بَلْدَةً واشْكُرُوا رَبًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما كانَ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَقالَ: فَأعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم قالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ إلى أهْلِ سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وكَذا قالَ وهْبٌ.
ثُمَّ لَمّا وقَعَ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً سَلَبَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ وذَلِكَ أنَّ الماءَ كانَ يَأْتِي أرْضَ سَبَأٍ مِن أوْدِيَةِ اليَمَنِ، فَرَدَمُوا رَدْمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ وحَبَسُوا الماءَ، وجَعَلُوا في ذَلِكَ الرَّدْمِ ثَلاثَةَ أبْوابٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وكانُوا يَسْقُونَ مِنَ البابِ الأعْلى، ثُمَّ مِنَ البابِ الثّانِي، ثُمَّ مِنَ الثّالِثِ فَأخْصَبُوا، (p-١١٩٤)وكَثُرَتْ أمْوالُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم بَعَثَ اللَّهُ جُرَذًا، فَفَتَقَتْ ذَلِكَ الرَّدْمَ حَتّى انْتَقَضَ فَدَخَلَ الماءُ جَنَّتَهم فَغَرَّقَها ودَفَنَ السَّيْلُ بُيُوتَهم، فَهَذا هو سَيْلُ العَرِمِ، وهو جَمْعُ عَرِمَةٍ: هي السَّكْرُ الَّتِي تَحْبِسُ الماءَ، وكَذا قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: العَرِمُ اسْمٌ لِلسَّدِّ. والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ السَّدِّ العَرِمِ. وقالَ عَطاءٌ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: العَرِمُ اسْمُ الجُرَذِ الَّذِي نَقَبَ السَّدَّ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي يُقالُ: لَهُ الخُلْدُ: فَنُسِبَ السَّيْلُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَ جَرَيانِهِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ مِن أسْماءِ الفَأْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: العَرِمُ ماءٌ أحْمَرُ أرْسَلَهُ اللَّهُ في السَّدِّ فَشَقَّهُ وهَدَمَهُ. وقِيلَ: إنَّ العَرِمَ اسْمُ المَطَرِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسَّيْلِ الشَّدِيدِ، والعِرامَةُ في الأصْلِ: الشِّدَّةُ والشَّراسَةُ والصُّعُوبَةُ. يُقالُ: عَرَمَ فُلانٌ: إذا تَشَدَّدَ وتَصَعَّبَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: العَرِمُ السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: العَرِمُ كُلُّ شَيْءٍ حاجِزٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ أيْ: أهْلَكْنا جَنَّتَيْهِمُ اللَّتَيْنِ كانَتا مُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى تِلْكَ الفَواكِهِ الطَّيِّبَةِ، والأنْواعِ الحَسَنَةِ، وأعْطَيْناهم بَدَلَهُما جَنَّتَيْنِ لا خَيْرَ فِيهِما، ولا فائِدَةَ لَهم فِيما هو نابِتٌ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ أُكُلٍ وعَدَمِ إضافَتِهِ إلى خَمْطٍ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإضافَةِ.
قالَ الخَلِيلُ: الخَمْطُ: الأراكُ، وكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَمْطُ كُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نَبْتٍ فِيهِ مَرارَةٌ لا يُمْكِنُ أكْلُهُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ إلى ما لا يُشْتَهى يُقالُ لَهُ: خَمْطٌ، ومِنهُ اللَّبَنُ إذا تَغَيَّرَ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْلى مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
والخَمْطُ نَعْتٌ لِ أُكُلٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، لِأنَّ الأُكُلَ هو الخَمْطُ بِعَيْنِهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: الإضافَةُ أحْسَنُ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُ: ثَوْبُ خَزٍّ ودارُ آجُرٍّ، والأوْلى تَفْسِيرُ الخَمْطِ بِما ذَكَرَهُ الخَلِيلُ ومَن مَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الخَمْطُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ لَهُ حَمْلٌ يُؤْكَلُ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والأثْلُ هو: الشَّجَرُ المَعْرُوفُ الشَّبِيهُ بِالطَّرْفاءِ كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. قالَ: إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الطَّرْفاءِ طُولًا، الواحِدَةُ أثَلَةٌ، والجُمَعُ أثَلاتٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الأثْلُ الخَشَبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو: شَجَرُ النُّطارِ، والأوَّلُ أوْلى، ولا ثَمَرَ لِلْأثْلِ.
والسِّدْرُ: شَجَرٌ مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: هو السَّمُرُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ مِنَ الشَّجَرِ سِدْرانِ: بَرِّيٌّ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِلْغَسُولِ، ولَهُ ثَمَرٌ عَفِصٌ لا يُؤْكَلُ، وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَ.
والثّانِي سِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ، ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ.
قِيلَ: ووَصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِأنَّ مِنهُ نَوْعًا يَطِيبُ أكْلُهُ، وهو النَّوْعُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ.
قالَ قَتادَةُ: بَيْنَما شَجَرُهم مِن خَيْرِ شَجَرٍ إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، فَأهْلَكَ أشْجارَهُمُ المُثْمِرَةَ وأنْبَتَ بَدَلَها الأراكَ، والطَّرْفاءَ، والسِّدْرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ قَلِيلٌ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ والسِّدْرِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ، أوْ إلى مَصْدَرِ جَزَيْناهم والباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلُ، أوْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ شُكْرِها ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ أيْ: وهَلْ نُجازِي هَذا الجَزاءَ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ ونُزُولِ النِّقْمَةِ إلّا الشَّدِيدَ الكُفْرِ المُتَبالِغَ فِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُجازى " بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ بِالنُّونِ وكَسْرِ الزّايِ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، والكَفُورُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَرْفُوعٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَنصُوبٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قالا: لِأنَّ قَبْلَهُ جَزَيْناهم وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا يُجازِي إلّا الكُفُورَ مَعَ كَوْنِ أهْلِ المَعاصِي يُجازَوْنَ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا يُجازِي هَذا الجَزاءَ، وهو الِاصْطِلامُ، والإهْلاكُ إلّا مَن كَفَرَ.
قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ المُؤْمِنَ يُكَفَّرُ عَنْ سَيِّئاتِهِ، والكافِرَ يُجازى بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلَهُ.
وقالَ طاوُسٌ: هو المُناقَشَةُ في الحِسابِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُناقَشُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ المَعْنى إنَّهُ يُجازِي الكافِرَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ورَجَّحَ هَذا الجَوابَ النَّحّاسُ.
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيْ: وكانَ مِن قِصَّتِهِمْ: أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم، وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ، وهي: قُرى الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ: مُتَواصِلَةً، وكانَ مَتْجَرُهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هي مَأْرِبٌ إلى الشّامِ، وكانُوا يَبِيتُونَ بِقَرْيَةٍ، ويَقِيلُونَ بِأُخْرى حَتّى يَرْجِعُوا، وكانُوا لا يَحْتاجُونَ إلى زادٍ يَحْمِلُونَهُ مِن أرْضِهِمْ إلى الشّامِ، فَهَذا مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ هَذِهِ القُرى هي بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ، وقِيلَ: هي بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: القُرى الظّاهِرَةُ هي المَعْرُوفَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها ظاهِرَةٌ لِظُهُورِها، إذا خَرَجْتَ مِن هَذِهِ ظَهَرَتْ لَكَ الأُخْرى فَكانَتْ قُرًى ظاهِرَةً أيْ: مَعْرُوفَةً، يُقالُ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ: مَعْرُوفٌ ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْنا السَّيْرَ مِنَ القَرْيَةِ إلى القَرْيَةِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا واحِدًا، وذَلِكَ نِصْفُ يَوْمٍ كَما قالَ المُفَسِّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ نِصْفَ يَوْمٍ حَتّى يَكُونَ المَقِيلُ في قَرْيَةٍ، والمَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَصِلَ إلى الشّامِ، وإنَّما يُبالِغُ الإنْسانُ في السَّيْرِ لِعَدَمِ الزّادِ، والماءِ، ولِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَإذا وُجِدَ الزّادُ، والأمْنُ، لَمْ يُحَمِّلْ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ، بَلْ يَنْزِلُ أيْنَما أرادَ.
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ثُمَّ عادَ لِتَعْدِيدِ بَقِيَّةِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ بَلَدِهِمْ مِنِ اتِّصالِ القُرى بَيْنَهم، وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ السَّفَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلَهُ بِالمَفاوِزِ والبَرارِي كَما سَيَأْتِي، وقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى المُتَّصِلَةِ، فَهو أمْرُ تَمْكِينٍ أيْ: ومَكَّنّاهم مِنَ السَّيْرِ فِيها مَتى شاءُوا ﴿لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ مِمّا يَخافُونَهُ، وانْتِصابُ لَيالِيَ وأيّامًا عَلى (p-١١٩٥)الظَّرْفِيَّةِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ.
قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا جِياعٍ ولا ظِماءٍ، كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ لا يُحَرِّكُ بَعْضُهم بَعْضًا ولَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يُحَرِّكْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ، بَلْ طَلَبُوا التَّعَبَ والكَدَّ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهم بَطَرًا وطُغْيانًا لَمّا سَئِمُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى العافِيَةِ، فَتَمَنَّوْا طُولَ الأسْفارِ والتَّباعُدَ بَيْنَ الدِّيارِ، وسَألُوا اللَّهَ - تَعالى - أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَكانَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةِ الكَثِيرَةِ الماءِ، والشَّجَرِ، والأمْنِ، المَفاوِزَ، والقِفارَ، والبَرارِي، المُتَباعِدَةَ الأقْطارِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ إلى ذَلِكَ، وخَرَّبَ تِلْكَ القُرى المُتَواصِلَةَ، وذَهَبَ بِما فِيها مِنَ الخَيْرِ، والماءِ، والشَّجَرِ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم هَذِهِ كَدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالُوا: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ [البقرة: ٦١] الآيَةَ مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى، وكَقَوْلِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ، وقَرَءُوا أيْضًا باعِدْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ بِضَمِّ العَيْنِ فِعْلًا ماضِيًا، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى مِن بُعْدِ الأسْفارِ، وقَرَأ أبُو صالِحٍ ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأبُو العالِيَةِ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
والمَعْنى: لَقَدْ باعَدَ رَبُّنا بَيْنَ أسْفارِنا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ، قالَ: لِأنَّهم ما طَلَبُوا التَّبْعِيدَ إنَّما طَلَبُوا أقْرَبَ مِن ذَلِكَ القُرْبِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ بِالقُرى المُتَواصِلَةِ بَطَرًا وأشَرًا وكُفْرًا لِلنِّعْمَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " رَبُّنا " بِالرَّفْعِ " بَعَّدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ مُشَدَّدَةً، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الشَّكْوى بِأنَّ رَبَّهم بَعَّدَ بَيْنِ أسْفارِهِمْ مَعَ كَوْنِها قَرِيبَةً مُتَّصِلَةً بِالقُرى، والشَّجَرِ، والماءِ، فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ بَطَرِهِمْ، وقَرَأ أخُو الحَسَنِ البَصْرِيِّ كَقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْفَعِ السّابِقَةِ مَعَ رَفْعِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ورَوى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةً مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ مَعَ نَصْبِ بَيْنَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: بَعُدَ سَيْرُنا بَيْنَ أسْفارِنا.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءاتُ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: إحْداها أجْوَدُ مِنَ الأُخْرى كَما لا يُقالُ: ذَلِكَ في أخْبارِ الآحادِ إذا اخْتَلَفَتْ مَعانِيها، ولَكِنْ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم دَعَوْا رَبَّهم أنْ يُبَعِّدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ شَكَوْا وتَضَرَّرُوا، ولِهَذا قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وبَطَرُوا نِعْمَتَهُ وتَعَرَّضُوا لِنِقْمَتِهِ ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِأخْبارِهِمْ.
والمَعْنى: جَعَلْناهم ذَوِي أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها مَن بَعْدَهم تَعَجُّبًا مِن فِعْلِهِمْ، واعْتِبارًا بِحالِهِمْ، وعاقِبَتِهِمْ ﴿ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجَعْلِهِمْ أحادِيثَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - لَمّا أغْرَقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَهم، تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَصارَتِ العَرَبُ تَضْرِبُ بِهِمُ الأمْثالَ، فَتَقُولُ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا.
قالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَحِقَتِ الأنْصارُ بِيَثْرِبَ، وغَسّانُ بِالشّامِ، والأزْدُ بِعُمانَ، وخُزاعَةُ بِتِهامَةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ وما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ لَآياتٍ بَيِّناتٍ، ودَلالاتٍ واضِحاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن هو كَثِيرُ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وخَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ لِأنَّهُما المُنْتَفِعانِ بِالمَواعِظِ والآياتِ.
﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ إبْلِيسُ ونَصْبِ ظَنَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو عَلى المَصْدَرِ أيْ: صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنًّا ظَنَّهُ، أوْ صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهُ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ بِإسْقاطِ الخافِضِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ صَدَّقَ بِالتَّشْدِيدِ، وظَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ: صَدَّقَ الظَّنَّ الَّذِي ظَنَّهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظَنَّ ظَنًّا فَصَدَّقَ ظَنَّهُ، فَكانَ كَما ظَنَّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو الجَهْجاءِ، والزُّهْرِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " صَدَقَ " بِالتَّخْفِيفِ، و" إبْلِيسَ " بِالنَّصْبِ و" ظَنُّهُ " بِالرَّفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ عِنْدِي، وقَدْ أجازَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، وذَكَرَها الزَّجّاجُ، وجَعَلَ الظَّنَّ فاعِلَ صَدَقَ، وإبْلِيسَ مَفْعُولَهُ. والمَعْنى: أنَّ إبْلِيسَ سَوَّلَ لَهُ ظَنُّهُ شَيْئًا فِيهِمْ، فَصَدَقَ ظَنُّهُ فَكَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ظَنُّ إبْلِيسَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِهِما مَعَ تَخْفِيفِ صَدَقَ عَلى أنْ يَكُونَ ظَنُّهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن إبْلِيسَ.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِأهْلِ سَبَأٍ.
والمَعْنى: أنَّهم غَيَّرُوا وبَدَّلُوا بَعْدَ أنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم، وقِيلَ: هي عامَّةٌ أيْ: صَدَّقَ إبْلِيسُ ظَنَّهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا مَن أطاعَ اللَّهَ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ أغْواهم أجابُوهُ، وإنْ أضَلَّهم أطاعُوهُ فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ قالَ الحَسَنُ: ما ضَرَبَهم بِسَوْطٍ ولا بِعِصِيٍّ، وإنَّما ظَنَّ ظَنًّا بِوَسْوَسَتِهِ، وانْتِصابُ ﴿إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ بِهِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُذْنِبُ ويَنْقادُ لِإبْلِيسَ في بَعْضِ المَعاصِي، ولَمْ يَسْلَمْ مِنهُ إلّا فَرِيقٌ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٢ والإسْراءِ: ٦٥ ] وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم عَلى أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: ما كانَ لَهُ تُسَلُّطٌ عَلَيْهِمْ أيْ: لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الكُفْرِ، وإنَّما كانَ مِنهُ الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ والتَّزْيِينُ، وقِيلَ: السُّلْطانُ والقُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَّةُ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لا سُلْطانَ لَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنِ ابْتَلَيْناهم بِوَسْوَسَتِهِ لِنَعْلَمَ.
وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ تَسَلُّطٌ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، ولا لِعِلَّةِ مِنَ العِلَلِ إلّا لِيَتَمَيَّزَ مَن يُؤْمِنُ، ومَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ (p-١١٩٦)- سُبْحانَهُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا أزَلِيًّا.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى إلّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ عِنْدَكم، وقِيلَ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُنا والمَلائِكَةُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " إلّا لِيُعْلَمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأوْلى حَمْلُ العِلْمِ هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، والإظْهارِ كَما ذَكَرْنا ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ والشَّكِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهم «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المُرادِيِّ قالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي بِمَن أقْبَلَ مِنهم ؟ فَأذِنَ لِي في قِتالِهِمْ وأمَرَنِي، فَلَمّا خَرَجْتُ مِن عِنْدِهِ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَّنِي، فَقالَ: ادْعُ القَوْمَ، فَمَن أسْلَمَ مِنهم فاقْبَلْ مِنهُ، ومَن لَمْ يُسْلِمْ فَلا تَعْجَلْ حَتّى أُحْدِثَ إلَيْكَ، وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ، فَقالَ رَجُلٌ، يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ: أرْضٌ أمِ امْرَأةٌ ؟ قالَ: لَيْسَ بِأرْضٍ ولا امْرَأةٍ، ولَكِنَّهُ رِجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَتَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا: فَلَخْمٌ، وجُذامُ، وغَسّانُ، وعامِلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا؛ فالأزْدُ، والأشْعَرِيُّونَ، وحِمْيَرُ، وكِنْدَةُ، ومُذْحِجٌ، وأنْمارٌ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أنْمارٌ ؟ قالَ: الَّذِي مِنهم خَثْعَمُ، وبَجِيلَةُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيْلَ العَرِمِ﴾ قالَ: الشَّدِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: سَيْلَ العَرِمِ وادٍ كانَ بِاليَمَنِ كانَ يَسِيلُ إلى مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قالَ: الأراكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ قالَ: تِلْكَ المُناقَشَةُ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي بَيْنَ مَساكِنِهِمْ ﴿وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ يَعْنِي عامِرَةً مُخْصِبَةً ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ يَعْنِي فِيما بَيْنَ مَساكِنِهِمْ وبَيْنَ أرْضِ الشّامِ ﴿سِيرُوا فِيها﴾ إذا ظَعَنُوا مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ مِنَ المُقَدَّسَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قالَ إبْلِيسُ: إنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ ومِن طِينٍ ومِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ خَلْقًا ضَعِيفًا، وإنِّي خُلِقْتُ مِن نارٍ، والنّارُ تَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا. قالَ: فَصَدَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ هُمُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم.