Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يس 36:25 – يس 36:47
المحتويات
يس 36:25
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ النَّمْلِ، والمَعْنى: اضْرِبْ لِأجْلِهِمْ مَثَلًا، أوِ اضْرِبْ لِأجْلِ نَفْسِكَ أصْحابَ القَرْيَةِ مَثَلًا أيْ: مَثِّلْهم عِنْدَ نَفْسِكَ بِأصْحابِ القَرْيَةِ، فَعَلى الأوَّلِ لَمّا قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] وقالَ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦] قالَ: قُلْ لَهم: ما أنا بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، فَإنَّ قَبْلِي بِقَلِيلٍ جاءَ أصْحابَ القَرْيَةِ مُرْسَلُونَ، وأنْذَرُوهم بِما أنْذَرْتُكم، وذَكَرُوا التَّوْحِيدَ، وخَوَّفُوا بِالقِيامَةِ، وبَشَّرُوا بِنَعِيمِ دارِ الإقامَةِ.
وعَلى الثّانِي لَمّا قالَ: إنَّ الإنْذارَ لا يَنْفَعُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، وكَتَبَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اضْرِبْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مَثَلًا أيْ: مَثِّلْ لَهم عِنْدَ نَفْسِكَ مَثَلًا بِأصْحابِ القَرْيَةِ حَيْثُ جاءَهم ثَلاثَةُ رُسُلٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، وصَبَرَ الرُّسُلُ عَلى الإيذاءِ وأنْتَ جِئْتَ إلَيْهِمْ واحِدًا، وقَوْمُكَ أكْثَرُ مِن قَوْمِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهم جاءُوا إلى أهْلِ القَرْيَةِ، وأنْتَ بَعَثْتُكَ إلى النّاسِ كافَّةً.
والمَعْنى: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا مَثَلَ أصْحابِ القَرْيَةِ أيِ: اذْكُرْ لَهم قِصَّةً عَجِيبَةً قِصَّةَ أصْحابِ القَرْيَةِ، فَتُرِكَ المَثَلُ، وأُقِيمَ أصْحابُ القَرْيَةِ مَقامَهُ في الإعْرابِ.
وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، بَلِ المَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ لَهم مَثَلًا عَلى أنْ يَكُونَ ( مَثَلًا ) و( أصْحابَ القَرْيَةِ ) مَفْعُولَيْنِ لِ ( اضْرِبْ )، أوْ يَكُونَ ( أصْحابَ القَرْيَةِ ) بَدَلًا مِن ( مَثَلًا )، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ مِن هَذَيْنِ المَفْعُولَيْنِ هَلْ هو ( مَثَلًا ) أوْ ( أصْحابَ القَرْيَةِ ) .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ضَرْبَ المَثَلِ يُسْتَعْمَلُ تارَةً في تَطْبِيقِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ بِحالَةٍ أُخْرى مِثْلِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] ويُسْتَعْمَلُ أُخْرى في ذِكْرِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ وبَيانِها لِلنّاسِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَطْبِيقِها بِنَظِيرِهِ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] أيْ: بَيَّنّا لَكم أحْوالًا بَدِيعَةً غَرِيبَةً: هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، فَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - هُنا واضْرِبْ لَهم مَثَلًا يَصِحُّ اعْتِبارُ الأمْرَيْنِ فِيهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذِهِ القَرْيَةُ هي أنْطاكِيَةُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن أصْحابِ القَرْيَةِ، والمُرْسَلُونَ: هم أصْحابُ عِيسى بَعَثَهم إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَ لِلدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
فَأضافَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - الإرْسالَ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ لِأنَّ عِيسى أرْسَلَهم بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَهم بَعْدَ رَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، فَكَذَّبُوهُما في الرِّسالَةِ، وقِيلَ: ضَرَبُوهُما وسَجَنُوهُما.
قِيلَ: واسْمُ الِاثْنَيْنِ يُوحَنّا وشَمْعُونُ. وقِيلَ: أسْماءُ الثَّلاثَةِ صادِقٌ ومَصْدُوقٌ وشَلُومُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: سَمْعانُ ويَحْيى وبُولُسُ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الزّايِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ " فَعَزَّزْنا " يُخَفَّفُ ويُشَدَّدُ أيْ: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، فالقِراءَتانِ عَلى هَذا بِمَعْنًى.
وقِيلَ: التَّخْفِيفُ بِمَعْنى غَلَبْنا وقَهَرْنا، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] والتَّشْدِيدُ بِمَعْنى قَوَّيْنا وكَثَّرْنا.
قِيلَ: وهَذا الثّالِثُ هو شَمْعُونُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ أيْ: قالَ الثَّلاثَةُ جَمِيعًا، وجاءُوا بِكَلامِهِمْ (p-١٢٢١)هَذا مُؤَكَّدًا لَسَبْقِ التَّكْذِيبِ لِلِاثْنَيْنِ.
والتَّكْذِيبُ لَهُما تَكْذِيبٌ لِلثّالِثِ، لِأنَّهم أُرْسِلُوا جَمِيعًا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وهو الدُّعاءُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ بَعْدَ التَّعْزِيزِ لَهم بِثالِثٍ ؟ .
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ: كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهم أهْلُ أنْطاكِيَةَ، فَقِيلَ: قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا، أيْ: مُشارِكُونَ لَنا في البَشَرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَكم مَزِيَّةٌ عَلَيْنا تَخْتَصُّونَ بِها.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِجُحُودِ إنْزالِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَقالُوا: وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ مِمّا تَدَّعُونَهُ أنْتُمْ ويَدَّعِيهِ غَيْرُكم مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ أيْ: ما أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ في دَعْوى ما تَدَّعُونَ مِن ذَلِكَ، فَأجابُوهم بِإثْباتِ رِسالَتِهِمْ بِكَلامٍ مُؤَكَّدٍ تَأْكِيدًا بَلِيغًا لِتَكَرُّرِ الإنْكارِ مِن أهْلِ أنْطاكِيَةَ.
وهُوَ قَوْلُهم: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ فَأكَّدُوا الجَوابَ بِالقَسَمِ الَّذِي يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ( رَبُّنا يَعْلَمُ )، وبِإنَّ، وبِاللّامِ.
﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: ما يَجِبُ عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا إلّا تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ والوُضُوحِ ولَيْسَ عَلَيْنا غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إنّا تَشاءَمْنا بِكم، لَمْ تَجِدُوا جَوابًا تُجِيبُونَ بِهِ عَلى الرُّسُلِ إلّا هَذا الجَوابَ المَبْنِيَّ عَلى الجَهْلِ المُنْبِئِ عَنِ الغَباوَةِ العَظِيمَةِ، وعَدَمِ وُجُودِ حُجَّةٍ تَدْفَعُونَ الرُّسُلَ بِها.
قالَ مُقاتِلٌ: حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ.
قِيلَ: إنَّهم أقامُوا يُنْذِرُونَهم عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ لَمّا ضاقَتْ صُدُورُهم وأعْيَتْهُمُ العِلَلُ فَقالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم أيْ: لَئِنْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الدَّعْوى وتُعْرِضُوا عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ لَنَرْجُمَنَّكم بِالحِجارَةِ ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: شَدِيدٌ فَظِيعٌ.
قالَ الفَرّاءُ: عامَّةُ ما في القُرْآنِ مِنَ الرَّجْمِ المُرادُ بِهِ القَتْلُ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى بابِهِ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ.
قِيلَ: ومَعْنى العَذابِ الألِيمِ: القَتْلُ، وقِيلَ: الشَّتْمُ، وقِيلَ: هو التَّعْذِيبُ المُؤْلِمُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ وهَذا هو الظّاهِرُ.
ثُمَّ أجابَ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ دَفْعًا لِما زَعَمُوهُ مِنَ التَّطَيُّرِ بِهِمْ فَ قالُوا طائِرُكم مَعَكم أيْ: شُؤْمُكم مَعَكم مِن جِهَةِ أنْفُسِكم، لازِمٌ في أعْناقِكم، ولَيْسَ هو مِن شُؤْمِنا.
قالَ الفَرّاءُ: طائِرُكم مَعَكم أيْ: رِزْقُكم وعَمَلُكم، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ طائِرُكم اسْمُ فاعِلٍ أيْ: ما طارَ لَكم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وقَرَأ الحَسَنُ " أطَيْرُكم " أيْ: تَطَيُّرُكم أئِنْ ذُكِّرْتُمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها إنِ الشَّرْطِيَّةُ عَلى الخِلافِ بَيْنَهم في التَّسْهِيلِ والتَّحْقِيقِ، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ وعَدَمِهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وطَلْحَةُ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ " أيْنَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ عَلى صِيغَةِ الظَّرْفِ.
واخْتَلَفَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسُ إذا اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ أيُّهُما يُجابُ ؟ فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ يُجابُ الِاسْتِفْهامُ، وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّهُ يُجابُ الشَّرْطُ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالجَوابُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ: أئِنْ ذُكِّرْتُمْ فَطائِرُكم مَعَكم لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الماجِشُونُ " أنْ ذُكِّرْتُمْ " بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: لِأنْ ذُكِّرْتُمْ.
ثُمَّ أضْرَبُوا عَمّا يَقْتَضِيهِ الِاسْتِفْهامُ والشَّرْطُ مِن كَوْنِ التَّذْكِيرِ سَبَبًا لِلشُّؤْمِ فَقالُوا: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: مُسْرِفُونَ في تَطَيُّرِكم. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مُسْرِفُونَ في كُفْرِكم.
وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: السَّرَفُ هُنا الفَسادُ، والإسْرافُ في الأصْلِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في مُخالَفَةِ الحَقِّ.
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ هو حَبِيبُ بْنُ مُوسى النَّجّارُ، وكانَ نَجّارًا، وقِيلَ: إسْكافًا، وقِيلَ: قَصّارًا.
وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: هو حَبِيبُ بْنُ إسْرائِيلَ نَجّارًا، وكانَ يَنْحِتُ الأصْنامَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ في غارٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ الرُّسُلِ جاءَ يَسْعى، وجُمْلَةُ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ: كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم عِنْدَ مَجِيئِهِ ؟ فَقِيلَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْكم فَإنَّهم جاءُوا بِحَقٍّ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ وكَرَّرَهُ فَقالَ: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ أيْ: لا يَسْألُونَكم أجْرًا عَلى ما جاءُوكم بِهِ مِنَ الهُدى ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ.
ثُمَّ أبْرَزَ الكَلامَ في مَعْرِضِ النَّصِيحَةِ لِنَفْسِهِ، وهو يُرِيدُ مُناصَحَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ؟ أيْ: أيُّ مانِعٍ مِن جانِبِي يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي.
ثُمَّ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ لِبَيانِ أنَّهُ ما أرادَ نَفْسَهُ، بَلْ أرادَهم بِكَلامِهِ فَقالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ أرْجِعُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ.
ثُمَّ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ ومَزِيدِ الإيضاحِ فَقالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً فَجَعَلَ الإنْكارَ مُتَوَجِّهًا إلى نَفْسِهِ، وهُمُ المُرادُونَ بِهِ أيْ: لا أتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً وأعْبُدُها، وأتْرُكُ عِبادَةَ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وهو الَّذِي فَطَرَنِي.
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - إنْكارًا عَلَيْهِمْ، وبَيانًا لِضَلالِ عُقُولِهِمْ وقُصُورِ إدْراكِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ كائِنًا ما كانَ ولا يُنْقِذُونِ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي أرادَنِي الرَّحْمَنُ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِها في عَدَمِ النَّفْعِ والدَّفْعِ، وقَوْلُهُ: لا تُغْنِ جَوابُ الشَّرْطِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " إنْ يُرِدْنِيَ " بِفَتْحِ الياءِ.
قالَ: إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: إنِّي إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ واضِحٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ كَما سَبَقَ، والضَّلالُ الخُسْرانُ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِإيمانِهِ تَصْرِيحًا لا يَبْقى بَعْدَهُ شَكٌّ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ خاطَبَ بِهَذا الكَلامِ المُرْسَلِينَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا القَوْمُ قَتْلَهُ، فَأقْبَلَ هو عَلى المُرْسَلِينَ، فَقالَ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم أيُّها الرُّسُلُ فاسْمَعُونِ، أيِ: اسْمَعُوا إيمانِي واشْهَدُوا لِي بِهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ خاطَبَ بِهَذا الكَلامِ قَوْمَهُ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ تَصَلُّبًا في الدِّينِ، وتَشَدُّدًا في الحَقِّ، فَلَمّا قالَ هَذا القَوْلَ، وصَرَّحَ بِالإيمانِ، وثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وقِيلَ: (p-١٢٢٢)وطِئُوهُ بِأرْجُلِهِمْ، وقِيلَ: حَرَقُوهُ، وقِيلَ: حَفَرُوا لَهُ حَفِيرَةً وألْقَوْهُ فِيها، وقِيلَ: إنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ فَهو في الجَنَّةِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنشارِ.
قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ أيْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لَهُ بِدُخُولِها بَعْدَ قَتْلِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ في شُهَداءَ عِبادِهِ.
وعَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، ولَمْ يُقْتَلْ يَكُونُ المَعْنى: أنَّهم لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ نَجّاهُ اللَّهُ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ فَلَمّا دَخَلَها وشاهَدَها ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَماذا قالَ بَعْدَ أنْ قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ فَدَخَلَها، فَقِيلَ: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي إلَخْ.
و( ما ) في بِما غَفَرَ لِي هي المَصْدَرِيَّةُ أيْ: بِغُفْرانِ رَبِّي، وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ أيْ: بِالَّذِي غَفَرَ لِي رَبِّي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: غَفَرَهُ لِي رَبِّي، واسْتُضْعِفَ هَذا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَمَنِّيهِ أنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِذُنُوبِهِ المَغْفُورَةِ، ولَيْسَ المُرادُ إلّا التَّمَنِّي مِنهُ بِأنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِغُفْرانِ رَبِّهِ لَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي.
قالَ الكِسائِيُّ: لَوْ صَحَّ هَذا لَقالَ: بِمَ، مِن غَيْرِ ألِفٍ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ ورَدَ في لُغَةِ العَرَبِ إثْباتُها وإنْ كانَ مَكْسُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى حَذْفِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
وفِي مَعْنى تَمَنِّيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا بِحالِهِ؛ لِيَعْلَمُوا حُسْنَ مَآلِهِ، وحَمِيدَ عاقِبَتِهِ إرْغامًا لَهم.
وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ؛ لِيُؤْمِنُوا مِثْلَ إيمانِهِ، فَيَصِيرُوا إلى مِثْلِ حالِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ قالَ: هي أنْطاكِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بَيْنَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ وبَيْنَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ألْفُ سَنَةٍ وتِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ، وأنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِوى مَن أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِمْ، وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى والنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعُ وسِتُّونَ سَنَةٍ، بُعِثَ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أنْبِياءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ والَّذِي عُزِّزَ بِهِ شَمْعُونُ، وكانَ مِنَ الحَوارِيِّينَ، وكانَتِ الفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيها رَسُولًا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعًا وثَلاثِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: طائِرُكم مَعَكم قالَ: شُؤْمُكم مَعَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ قالَ: هو حَبِيبٌ النَّجّارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ اسْمُ صاحِبِ يس: حَبِيبٌ، وكانَ الجُذامُ قَدْ أسْرَعَ فِيهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا لِي.
يس 36:26
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ النَّمْلِ، والمَعْنى: اضْرِبْ لِأجْلِهِمْ مَثَلًا، أوِ اضْرِبْ لِأجْلِ نَفْسِكَ أصْحابَ القَرْيَةِ مَثَلًا أيْ: مَثِّلْهم عِنْدَ نَفْسِكَ بِأصْحابِ القَرْيَةِ، فَعَلى الأوَّلِ لَمّا قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] وقالَ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦] قالَ: قُلْ لَهم: ما أنا بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، فَإنَّ قَبْلِي بِقَلِيلٍ جاءَ أصْحابَ القَرْيَةِ مُرْسَلُونَ، وأنْذَرُوهم بِما أنْذَرْتُكم، وذَكَرُوا التَّوْحِيدَ، وخَوَّفُوا بِالقِيامَةِ، وبَشَّرُوا بِنَعِيمِ دارِ الإقامَةِ.
وعَلى الثّانِي لَمّا قالَ: إنَّ الإنْذارَ لا يَنْفَعُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، وكَتَبَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اضْرِبْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مَثَلًا أيْ: مَثِّلْ لَهم عِنْدَ نَفْسِكَ مَثَلًا بِأصْحابِ القَرْيَةِ حَيْثُ جاءَهم ثَلاثَةُ رُسُلٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، وصَبَرَ الرُّسُلُ عَلى الإيذاءِ وأنْتَ جِئْتَ إلَيْهِمْ واحِدًا، وقَوْمُكَ أكْثَرُ مِن قَوْمِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهم جاءُوا إلى أهْلِ القَرْيَةِ، وأنْتَ بَعَثْتُكَ إلى النّاسِ كافَّةً.
والمَعْنى: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا مَثَلَ أصْحابِ القَرْيَةِ أيِ: اذْكُرْ لَهم قِصَّةً عَجِيبَةً قِصَّةَ أصْحابِ القَرْيَةِ، فَتُرِكَ المَثَلُ، وأُقِيمَ أصْحابُ القَرْيَةِ مَقامَهُ في الإعْرابِ.
وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، بَلِ المَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ لَهم مَثَلًا عَلى أنْ يَكُونَ ( مَثَلًا ) و( أصْحابَ القَرْيَةِ ) مَفْعُولَيْنِ لِ ( اضْرِبْ )، أوْ يَكُونَ ( أصْحابَ القَرْيَةِ ) بَدَلًا مِن ( مَثَلًا )، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ مِن هَذَيْنِ المَفْعُولَيْنِ هَلْ هو ( مَثَلًا ) أوْ ( أصْحابَ القَرْيَةِ ) .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ضَرْبَ المَثَلِ يُسْتَعْمَلُ تارَةً في تَطْبِيقِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ بِحالَةٍ أُخْرى مِثْلِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] ويُسْتَعْمَلُ أُخْرى في ذِكْرِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ وبَيانِها لِلنّاسِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَطْبِيقِها بِنَظِيرِهِ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] أيْ: بَيَّنّا لَكم أحْوالًا بَدِيعَةً غَرِيبَةً: هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، فَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - هُنا واضْرِبْ لَهم مَثَلًا يَصِحُّ اعْتِبارُ الأمْرَيْنِ فِيهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذِهِ القَرْيَةُ هي أنْطاكِيَةُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن أصْحابِ القَرْيَةِ، والمُرْسَلُونَ: هم أصْحابُ عِيسى بَعَثَهم إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَ لِلدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
فَأضافَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - الإرْسالَ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ لِأنَّ عِيسى أرْسَلَهم بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَهم بَعْدَ رَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، فَكَذَّبُوهُما في الرِّسالَةِ، وقِيلَ: ضَرَبُوهُما وسَجَنُوهُما.
قِيلَ: واسْمُ الِاثْنَيْنِ يُوحَنّا وشَمْعُونُ. وقِيلَ: أسْماءُ الثَّلاثَةِ صادِقٌ ومَصْدُوقٌ وشَلُومُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: سَمْعانُ ويَحْيى وبُولُسُ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الزّايِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ " فَعَزَّزْنا " يُخَفَّفُ ويُشَدَّدُ أيْ: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، فالقِراءَتانِ عَلى هَذا بِمَعْنًى.
وقِيلَ: التَّخْفِيفُ بِمَعْنى غَلَبْنا وقَهَرْنا، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] والتَّشْدِيدُ بِمَعْنى قَوَّيْنا وكَثَّرْنا.
قِيلَ: وهَذا الثّالِثُ هو شَمْعُونُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ أيْ: قالَ الثَّلاثَةُ جَمِيعًا، وجاءُوا بِكَلامِهِمْ (p-١٢٢١)هَذا مُؤَكَّدًا لَسَبْقِ التَّكْذِيبِ لِلِاثْنَيْنِ.
والتَّكْذِيبُ لَهُما تَكْذِيبٌ لِلثّالِثِ، لِأنَّهم أُرْسِلُوا جَمِيعًا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وهو الدُّعاءُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ بَعْدَ التَّعْزِيزِ لَهم بِثالِثٍ ؟ .
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ: كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهم أهْلُ أنْطاكِيَةَ، فَقِيلَ: قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا، أيْ: مُشارِكُونَ لَنا في البَشَرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَكم مَزِيَّةٌ عَلَيْنا تَخْتَصُّونَ بِها.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِجُحُودِ إنْزالِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَقالُوا: وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ مِمّا تَدَّعُونَهُ أنْتُمْ ويَدَّعِيهِ غَيْرُكم مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ أيْ: ما أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ في دَعْوى ما تَدَّعُونَ مِن ذَلِكَ، فَأجابُوهم بِإثْباتِ رِسالَتِهِمْ بِكَلامٍ مُؤَكَّدٍ تَأْكِيدًا بَلِيغًا لِتَكَرُّرِ الإنْكارِ مِن أهْلِ أنْطاكِيَةَ.
وهُوَ قَوْلُهم: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ فَأكَّدُوا الجَوابَ بِالقَسَمِ الَّذِي يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ( رَبُّنا يَعْلَمُ )، وبِإنَّ، وبِاللّامِ.
﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: ما يَجِبُ عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا إلّا تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ والوُضُوحِ ولَيْسَ عَلَيْنا غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إنّا تَشاءَمْنا بِكم، لَمْ تَجِدُوا جَوابًا تُجِيبُونَ بِهِ عَلى الرُّسُلِ إلّا هَذا الجَوابَ المَبْنِيَّ عَلى الجَهْلِ المُنْبِئِ عَنِ الغَباوَةِ العَظِيمَةِ، وعَدَمِ وُجُودِ حُجَّةٍ تَدْفَعُونَ الرُّسُلَ بِها.
قالَ مُقاتِلٌ: حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ.
قِيلَ: إنَّهم أقامُوا يُنْذِرُونَهم عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ لَمّا ضاقَتْ صُدُورُهم وأعْيَتْهُمُ العِلَلُ فَقالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم أيْ: لَئِنْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الدَّعْوى وتُعْرِضُوا عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ لَنَرْجُمَنَّكم بِالحِجارَةِ ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: شَدِيدٌ فَظِيعٌ.
قالَ الفَرّاءُ: عامَّةُ ما في القُرْآنِ مِنَ الرَّجْمِ المُرادُ بِهِ القَتْلُ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى بابِهِ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ.
قِيلَ: ومَعْنى العَذابِ الألِيمِ: القَتْلُ، وقِيلَ: الشَّتْمُ، وقِيلَ: هو التَّعْذِيبُ المُؤْلِمُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ وهَذا هو الظّاهِرُ.
ثُمَّ أجابَ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ دَفْعًا لِما زَعَمُوهُ مِنَ التَّطَيُّرِ بِهِمْ فَ قالُوا طائِرُكم مَعَكم أيْ: شُؤْمُكم مَعَكم مِن جِهَةِ أنْفُسِكم، لازِمٌ في أعْناقِكم، ولَيْسَ هو مِن شُؤْمِنا.
قالَ الفَرّاءُ: طائِرُكم مَعَكم أيْ: رِزْقُكم وعَمَلُكم، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ طائِرُكم اسْمُ فاعِلٍ أيْ: ما طارَ لَكم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وقَرَأ الحَسَنُ " أطَيْرُكم " أيْ: تَطَيُّرُكم أئِنْ ذُكِّرْتُمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها إنِ الشَّرْطِيَّةُ عَلى الخِلافِ بَيْنَهم في التَّسْهِيلِ والتَّحْقِيقِ، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ وعَدَمِهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وطَلْحَةُ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ " أيْنَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ عَلى صِيغَةِ الظَّرْفِ.
واخْتَلَفَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسُ إذا اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ أيُّهُما يُجابُ ؟ فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ يُجابُ الِاسْتِفْهامُ، وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّهُ يُجابُ الشَّرْطُ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالجَوابُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ: أئِنْ ذُكِّرْتُمْ فَطائِرُكم مَعَكم لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الماجِشُونُ " أنْ ذُكِّرْتُمْ " بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: لِأنْ ذُكِّرْتُمْ.
ثُمَّ أضْرَبُوا عَمّا يَقْتَضِيهِ الِاسْتِفْهامُ والشَّرْطُ مِن كَوْنِ التَّذْكِيرِ سَبَبًا لِلشُّؤْمِ فَقالُوا: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: مُسْرِفُونَ في تَطَيُّرِكم. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مُسْرِفُونَ في كُفْرِكم.
وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: السَّرَفُ هُنا الفَسادُ، والإسْرافُ في الأصْلِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في مُخالَفَةِ الحَقِّ.
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ هو حَبِيبُ بْنُ مُوسى النَّجّارُ، وكانَ نَجّارًا، وقِيلَ: إسْكافًا، وقِيلَ: قَصّارًا.
وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: هو حَبِيبُ بْنُ إسْرائِيلَ نَجّارًا، وكانَ يَنْحِتُ الأصْنامَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ في غارٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ الرُّسُلِ جاءَ يَسْعى، وجُمْلَةُ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ: كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم عِنْدَ مَجِيئِهِ ؟ فَقِيلَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْكم فَإنَّهم جاءُوا بِحَقٍّ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ وكَرَّرَهُ فَقالَ: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ أيْ: لا يَسْألُونَكم أجْرًا عَلى ما جاءُوكم بِهِ مِنَ الهُدى ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ.
ثُمَّ أبْرَزَ الكَلامَ في مَعْرِضِ النَّصِيحَةِ لِنَفْسِهِ، وهو يُرِيدُ مُناصَحَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ؟ أيْ: أيُّ مانِعٍ مِن جانِبِي يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي.
ثُمَّ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ لِبَيانِ أنَّهُ ما أرادَ نَفْسَهُ، بَلْ أرادَهم بِكَلامِهِ فَقالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ أرْجِعُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ.
ثُمَّ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ ومَزِيدِ الإيضاحِ فَقالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً فَجَعَلَ الإنْكارَ مُتَوَجِّهًا إلى نَفْسِهِ، وهُمُ المُرادُونَ بِهِ أيْ: لا أتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً وأعْبُدُها، وأتْرُكُ عِبادَةَ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وهو الَّذِي فَطَرَنِي.
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - إنْكارًا عَلَيْهِمْ، وبَيانًا لِضَلالِ عُقُولِهِمْ وقُصُورِ إدْراكِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ كائِنًا ما كانَ ولا يُنْقِذُونِ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي أرادَنِي الرَّحْمَنُ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِها في عَدَمِ النَّفْعِ والدَّفْعِ، وقَوْلُهُ: لا تُغْنِ جَوابُ الشَّرْطِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " إنْ يُرِدْنِيَ " بِفَتْحِ الياءِ.
قالَ: إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: إنِّي إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ واضِحٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ كَما سَبَقَ، والضَّلالُ الخُسْرانُ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِإيمانِهِ تَصْرِيحًا لا يَبْقى بَعْدَهُ شَكٌّ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ خاطَبَ بِهَذا الكَلامِ المُرْسَلِينَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا القَوْمُ قَتْلَهُ، فَأقْبَلَ هو عَلى المُرْسَلِينَ، فَقالَ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم أيُّها الرُّسُلُ فاسْمَعُونِ، أيِ: اسْمَعُوا إيمانِي واشْهَدُوا لِي بِهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ خاطَبَ بِهَذا الكَلامِ قَوْمَهُ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ تَصَلُّبًا في الدِّينِ، وتَشَدُّدًا في الحَقِّ، فَلَمّا قالَ هَذا القَوْلَ، وصَرَّحَ بِالإيمانِ، وثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وقِيلَ: (p-١٢٢٢)وطِئُوهُ بِأرْجُلِهِمْ، وقِيلَ: حَرَقُوهُ، وقِيلَ: حَفَرُوا لَهُ حَفِيرَةً وألْقَوْهُ فِيها، وقِيلَ: إنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ فَهو في الجَنَّةِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنشارِ.
قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ أيْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لَهُ بِدُخُولِها بَعْدَ قَتْلِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ في شُهَداءَ عِبادِهِ.
وعَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، ولَمْ يُقْتَلْ يَكُونُ المَعْنى: أنَّهم لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ نَجّاهُ اللَّهُ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ فَلَمّا دَخَلَها وشاهَدَها ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَماذا قالَ بَعْدَ أنْ قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ فَدَخَلَها، فَقِيلَ: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي إلَخْ.
و( ما ) في بِما غَفَرَ لِي هي المَصْدَرِيَّةُ أيْ: بِغُفْرانِ رَبِّي، وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ أيْ: بِالَّذِي غَفَرَ لِي رَبِّي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: غَفَرَهُ لِي رَبِّي، واسْتُضْعِفَ هَذا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَمَنِّيهِ أنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِذُنُوبِهِ المَغْفُورَةِ، ولَيْسَ المُرادُ إلّا التَّمَنِّي مِنهُ بِأنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِغُفْرانِ رَبِّهِ لَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي.
قالَ الكِسائِيُّ: لَوْ صَحَّ هَذا لَقالَ: بِمَ، مِن غَيْرِ ألِفٍ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ ورَدَ في لُغَةِ العَرَبِ إثْباتُها وإنْ كانَ مَكْسُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى حَذْفِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
وفِي مَعْنى تَمَنِّيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا بِحالِهِ؛ لِيَعْلَمُوا حُسْنَ مَآلِهِ، وحَمِيدَ عاقِبَتِهِ إرْغامًا لَهم.
وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ؛ لِيُؤْمِنُوا مِثْلَ إيمانِهِ، فَيَصِيرُوا إلى مِثْلِ حالِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ قالَ: هي أنْطاكِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بَيْنَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ وبَيْنَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ألْفُ سَنَةٍ وتِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ، وأنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِوى مَن أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِمْ، وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى والنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعُ وسِتُّونَ سَنَةٍ، بُعِثَ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أنْبِياءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ والَّذِي عُزِّزَ بِهِ شَمْعُونُ، وكانَ مِنَ الحَوارِيِّينَ، وكانَتِ الفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيها رَسُولًا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعًا وثَلاثِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: طائِرُكم مَعَكم قالَ: شُؤْمُكم مَعَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ قالَ: هو حَبِيبٌ النَّجّارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ اسْمُ صاحِبِ يس: حَبِيبٌ، وكانَ الجُذامُ قَدْ أسْرَعَ فِيهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا لِي.
يس 36:27
قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ النَّمْلِ، والمَعْنى: اضْرِبْ لِأجْلِهِمْ مَثَلًا، أوِ اضْرِبْ لِأجْلِ نَفْسِكَ أصْحابَ القَرْيَةِ مَثَلًا أيْ: مَثِّلْهم عِنْدَ نَفْسِكَ بِأصْحابِ القَرْيَةِ، فَعَلى الأوَّلِ لَمّا قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] وقالَ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦] قالَ: قُلْ لَهم: ما أنا بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، فَإنَّ قَبْلِي بِقَلِيلٍ جاءَ أصْحابَ القَرْيَةِ مُرْسَلُونَ، وأنْذَرُوهم بِما أنْذَرْتُكم، وذَكَرُوا التَّوْحِيدَ، وخَوَّفُوا بِالقِيامَةِ، وبَشَّرُوا بِنَعِيمِ دارِ الإقامَةِ.
وعَلى الثّانِي لَمّا قالَ: إنَّ الإنْذارَ لا يَنْفَعُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، وكَتَبَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اضْرِبْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ مَثَلًا أيْ: مَثِّلْ لَهم عِنْدَ نَفْسِكَ مَثَلًا بِأصْحابِ القَرْيَةِ حَيْثُ جاءَهم ثَلاثَةُ رُسُلٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، وصَبَرَ الرُّسُلُ عَلى الإيذاءِ وأنْتَ جِئْتَ إلَيْهِمْ واحِدًا، وقَوْمُكَ أكْثَرُ مِن قَوْمِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهم جاءُوا إلى أهْلِ القَرْيَةِ، وأنْتَ بَعَثْتُكَ إلى النّاسِ كافَّةً.
والمَعْنى: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا مَثَلَ أصْحابِ القَرْيَةِ أيِ: اذْكُرْ لَهم قِصَّةً عَجِيبَةً قِصَّةَ أصْحابِ القَرْيَةِ، فَتُرِكَ المَثَلُ، وأُقِيمَ أصْحابُ القَرْيَةِ مَقامَهُ في الإعْرابِ.
وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، بَلِ المَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ لَهم مَثَلًا عَلى أنْ يَكُونَ ( مَثَلًا ) و( أصْحابَ القَرْيَةِ ) مَفْعُولَيْنِ لِ ( اضْرِبْ )، أوْ يَكُونَ ( أصْحابَ القَرْيَةِ ) بَدَلًا مِن ( مَثَلًا )، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ مِن هَذَيْنِ المَفْعُولَيْنِ هَلْ هو ( مَثَلًا ) أوْ ( أصْحابَ القَرْيَةِ ) .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ضَرْبَ المَثَلِ يُسْتَعْمَلُ تارَةً في تَطْبِيقِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ بِحالَةٍ أُخْرى مِثْلِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] ويُسْتَعْمَلُ أُخْرى في ذِكْرِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ وبَيانِها لِلنّاسِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَطْبِيقِها بِنَظِيرِهِ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] أيْ: بَيَّنّا لَكم أحْوالًا بَدِيعَةً غَرِيبَةً: هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ، فَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - هُنا واضْرِبْ لَهم مَثَلًا يَصِحُّ اعْتِبارُ الأمْرَيْنِ فِيهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: هَذِهِ القَرْيَةُ هي أنْطاكِيَةُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن أصْحابِ القَرْيَةِ، والمُرْسَلُونَ: هم أصْحابُ عِيسى بَعَثَهم إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَ لِلدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
فَأضافَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - الإرْسالَ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ لِأنَّ عِيسى أرْسَلَهم بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَهم بَعْدَ رَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، فَكَذَّبُوهُما في الرِّسالَةِ، وقِيلَ: ضَرَبُوهُما وسَجَنُوهُما.
قِيلَ: واسْمُ الِاثْنَيْنِ يُوحَنّا وشَمْعُونُ. وقِيلَ: أسْماءُ الثَّلاثَةِ صادِقٌ ومَصْدُوقٌ وشَلُومُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: سَمْعانُ ويَحْيى وبُولُسُ فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الزّايِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ " فَعَزَّزْنا " يُخَفَّفُ ويُشَدَّدُ أيْ: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، فالقِراءَتانِ عَلى هَذا بِمَعْنًى.
وقِيلَ: التَّخْفِيفُ بِمَعْنى غَلَبْنا وقَهَرْنا، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] والتَّشْدِيدُ بِمَعْنى قَوَّيْنا وكَثَّرْنا.
قِيلَ: وهَذا الثّالِثُ هو شَمْعُونُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ أيْ: قالَ الثَّلاثَةُ جَمِيعًا، وجاءُوا بِكَلامِهِمْ (p-١٢٢١)هَذا مُؤَكَّدًا لَسَبْقِ التَّكْذِيبِ لِلِاثْنَيْنِ.
والتَّكْذِيبُ لَهُما تَكْذِيبٌ لِلثّالِثِ، لِأنَّهم أُرْسِلُوا جَمِيعًا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وهو الدُّعاءُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ بَعْدَ التَّعْزِيزِ لَهم بِثالِثٍ ؟ .
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ: كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهم أهْلُ أنْطاكِيَةَ، فَقِيلَ: قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا، أيْ: مُشارِكُونَ لَنا في البَشَرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَكم مَزِيَّةٌ عَلَيْنا تَخْتَصُّونَ بِها.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِجُحُودِ إنْزالِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَقالُوا: وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ مِمّا تَدَّعُونَهُ أنْتُمْ ويَدَّعِيهِ غَيْرُكم مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ أيْ: ما أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ في دَعْوى ما تَدَّعُونَ مِن ذَلِكَ، فَأجابُوهم بِإثْباتِ رِسالَتِهِمْ بِكَلامٍ مُؤَكَّدٍ تَأْكِيدًا بَلِيغًا لِتَكَرُّرِ الإنْكارِ مِن أهْلِ أنْطاكِيَةَ.
وهُوَ قَوْلُهم: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ فَأكَّدُوا الجَوابَ بِالقَسَمِ الَّذِي يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ( رَبُّنا يَعْلَمُ )، وبِإنَّ، وبِاللّامِ.
﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: ما يَجِبُ عَلَيْنا مِن جِهَةِ رَبِّنا إلّا تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ والوُضُوحِ ولَيْسَ عَلَيْنا غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إنّا تَشاءَمْنا بِكم، لَمْ تَجِدُوا جَوابًا تُجِيبُونَ بِهِ عَلى الرُّسُلِ إلّا هَذا الجَوابَ المَبْنِيَّ عَلى الجَهْلِ المُنْبِئِ عَنِ الغَباوَةِ العَظِيمَةِ، وعَدَمِ وُجُودِ حُجَّةٍ تَدْفَعُونَ الرُّسُلَ بِها.
قالَ مُقاتِلٌ: حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ.
قِيلَ: إنَّهم أقامُوا يُنْذِرُونَهم عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ لَمّا ضاقَتْ صُدُورُهم وأعْيَتْهُمُ العِلَلُ فَقالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم أيْ: لَئِنْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الدَّعْوى وتُعْرِضُوا عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ لَنَرْجُمَنَّكم بِالحِجارَةِ ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ أيْ: شَدِيدٌ فَظِيعٌ.
قالَ الفَرّاءُ: عامَّةُ ما في القُرْآنِ مِنَ الرَّجْمِ المُرادُ بِهِ القَتْلُ. وقالَ قَتادَةُ: هو عَلى بابِهِ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ.
قِيلَ: ومَعْنى العَذابِ الألِيمِ: القَتْلُ، وقِيلَ: الشَّتْمُ، وقِيلَ: هو التَّعْذِيبُ المُؤْلِمُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَوْعٍ خاصٍّ وهَذا هو الظّاهِرُ.
ثُمَّ أجابَ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ دَفْعًا لِما زَعَمُوهُ مِنَ التَّطَيُّرِ بِهِمْ فَ قالُوا طائِرُكم مَعَكم أيْ: شُؤْمُكم مَعَكم مِن جِهَةِ أنْفُسِكم، لازِمٌ في أعْناقِكم، ولَيْسَ هو مِن شُؤْمِنا.
قالَ الفَرّاءُ: طائِرُكم مَعَكم أيْ: رِزْقُكم وعَمَلُكم، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ طائِرُكم اسْمُ فاعِلٍ أيْ: ما طارَ لَكم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وقَرَأ الحَسَنُ " أطَيْرُكم " أيْ: تَطَيُّرُكم أئِنْ ذُكِّرْتُمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها إنِ الشَّرْطِيَّةُ عَلى الخِلافِ بَيْنَهم في التَّسْهِيلِ والتَّحْقِيقِ، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ وعَدَمِهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وطَلْحَةُ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ " أيْنَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ عَلى صِيغَةِ الظَّرْفِ.
واخْتَلَفَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسُ إذا اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ أيُّهُما يُجابُ ؟ فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ يُجابُ الِاسْتِفْهامُ، وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّهُ يُجابُ الشَّرْطُ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالجَوابُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ: أئِنْ ذُكِّرْتُمْ فَطائِرُكم مَعَكم لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الماجِشُونُ " أنْ ذُكِّرْتُمْ " بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أيْ: لِأنْ ذُكِّرْتُمْ.
ثُمَّ أضْرَبُوا عَمّا يَقْتَضِيهِ الِاسْتِفْهامُ والشَّرْطُ مِن كَوْنِ التَّذْكِيرِ سَبَبًا لِلشُّؤْمِ فَقالُوا: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: مُسْرِفُونَ في تَطَيُّرِكم. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: مُسْرِفُونَ في كُفْرِكم.
وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: السَّرَفُ هُنا الفَسادُ، والإسْرافُ في الأصْلِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في مُخالَفَةِ الحَقِّ.
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ هو حَبِيبُ بْنُ مُوسى النَّجّارُ، وكانَ نَجّارًا، وقِيلَ: إسْكافًا، وقِيلَ: قَصّارًا.
وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: هو حَبِيبُ بْنُ إسْرائِيلَ نَجّارًا، وكانَ يَنْحِتُ الأصْنامَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ في غارٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ الرُّسُلِ جاءَ يَسْعى، وجُمْلَةُ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ: كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم عِنْدَ مَجِيئِهِ ؟ فَقِيلَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْكم فَإنَّهم جاءُوا بِحَقٍّ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ وكَرَّرَهُ فَقالَ: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ أيْ: لا يَسْألُونَكم أجْرًا عَلى ما جاءُوكم بِهِ مِنَ الهُدى ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ.
ثُمَّ أبْرَزَ الكَلامَ في مَعْرِضِ النَّصِيحَةِ لِنَفْسِهِ، وهو يُرِيدُ مُناصَحَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ؟ أيْ: أيُّ مانِعٍ مِن جانِبِي يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي.
ثُمَّ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ لِبَيانِ أنَّهُ ما أرادَ نَفْسَهُ، بَلْ أرادَهم بِكَلامِهِ فَقالَ: وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ أرْجِعُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ.
ثُمَّ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ ومَزِيدِ الإيضاحِ فَقالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً فَجَعَلَ الإنْكارَ مُتَوَجِّهًا إلى نَفْسِهِ، وهُمُ المُرادُونَ بِهِ أيْ: لا أتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً وأعْبُدُها، وأتْرُكُ عِبادَةَ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وهو الَّذِي فَطَرَنِي.
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - إنْكارًا عَلَيْهِمْ، وبَيانًا لِضَلالِ عُقُولِهِمْ وقُصُورِ إدْراكِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ كائِنًا ما كانَ ولا يُنْقِذُونِ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي أرادَنِي الرَّحْمَنُ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِآلِهَةٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِها في عَدَمِ النَّفْعِ والدَّفْعِ، وقَوْلُهُ: لا تُغْنِ جَوابُ الشَّرْطِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " إنْ يُرِدْنِيَ " بِفَتْحِ الياءِ.
قالَ: إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ أيْ: إنِّي إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ واضِحٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ كَما سَبَقَ، والضَّلالُ الخُسْرانُ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِإيمانِهِ تَصْرِيحًا لا يَبْقى بَعْدَهُ شَكٌّ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ خاطَبَ بِهَذا الكَلامِ المُرْسَلِينَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا القَوْمُ قَتْلَهُ، فَأقْبَلَ هو عَلى المُرْسَلِينَ، فَقالَ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم أيُّها الرُّسُلُ فاسْمَعُونِ، أيِ: اسْمَعُوا إيمانِي واشْهَدُوا لِي بِهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ خاطَبَ بِهَذا الكَلامِ قَوْمَهُ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ تَصَلُّبًا في الدِّينِ، وتَشَدُّدًا في الحَقِّ، فَلَمّا قالَ هَذا القَوْلَ، وصَرَّحَ بِالإيمانِ، وثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وقِيلَ: (p-١٢٢٢)وطِئُوهُ بِأرْجُلِهِمْ، وقِيلَ: حَرَقُوهُ، وقِيلَ: حَفَرُوا لَهُ حَفِيرَةً وألْقَوْهُ فِيها، وقِيلَ: إنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ فَهو في الجَنَّةِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنشارِ.
قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ أيْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لَهُ بِدُخُولِها بَعْدَ قَتْلِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ في شُهَداءَ عِبادِهِ.
وعَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، ولَمْ يُقْتَلْ يَكُونُ المَعْنى: أنَّهم لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ نَجّاهُ اللَّهُ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: لَهُ ادْخُلِ الجَنَّةَ فَلَمّا دَخَلَها وشاهَدَها ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَماذا قالَ بَعْدَ أنْ قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ فَدَخَلَها، فَقِيلَ: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي إلَخْ.
و( ما ) في بِما غَفَرَ لِي هي المَصْدَرِيَّةُ أيْ: بِغُفْرانِ رَبِّي، وقِيلَ: هي المَوْصُولَةُ أيْ: بِالَّذِي غَفَرَ لِي رَبِّي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: غَفَرَهُ لِي رَبِّي، واسْتُضْعِفَ هَذا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَمَنِّيهِ أنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِذُنُوبِهِ المَغْفُورَةِ، ولَيْسَ المُرادُ إلّا التَّمَنِّي مِنهُ بِأنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِغُفْرانِ رَبِّهِ لَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي.
قالَ الكِسائِيُّ: لَوْ صَحَّ هَذا لَقالَ: بِمَ، مِن غَيْرِ ألِفٍ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ ورَدَ في لُغَةِ العَرَبِ إثْباتُها وإنْ كانَ مَكْسُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى حَذْفِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ
وفِي مَعْنى تَمَنِّيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا بِحالِهِ؛ لِيَعْلَمُوا حُسْنَ مَآلِهِ، وحَمِيدَ عاقِبَتِهِ إرْغامًا لَهم.
وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ؛ لِيُؤْمِنُوا مِثْلَ إيمانِهِ، فَيَصِيرُوا إلى مِثْلِ حالِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ قالَ: هي أنْطاكِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بَيْنَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ وبَيْنَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ألْفُ سَنَةٍ وتِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ، وأنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِوى مَن أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِمْ، وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى والنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعُ وسِتُّونَ سَنَةٍ، بُعِثَ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أنْبِياءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ والَّذِي عُزِّزَ بِهِ شَمْعُونُ، وكانَ مِنَ الحَوارِيِّينَ، وكانَتِ الفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيها رَسُولًا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعًا وثَلاثِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: طائِرُكم مَعَكم قالَ: شُؤْمُكم مَعَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ قالَ: هو حَبِيبٌ النَّجّارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ اسْمُ صاحِبِ يس: حَبِيبٌ، وكانَ الجُذامُ قَدْ أسْرَعَ فِيهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا لِي.
يس 36:28
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:29
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:30
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:31
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:32
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:33
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:34
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:35
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:36
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:37
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:38
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:39
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:40
لَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِنهم مَعَ حَبِيبٍ النَّجّارِ غَضَبَ اللَّهُ لَهُ وعَجَّلَ لَهُمُ النِّقْمَةَ وأهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، ومَعْنى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: عَلى قَوْمِ حَبِيبٍ النَّجّارِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِمْ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ رَفْعِ اللَّهِ لَهُ إلى السَّماواتِ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ ولِلِانْتِقامِ مِنهم أيْ: لَمْ نَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنُودٍ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ مِن إرْسالِ المَلائِكَةِ لِنُصْرَتِهِ وحَرْبِ أعْدائِهِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ أيْ: وما صَحَّ في قَضائِنا وحِكْمَتِنا أنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا لَسَبْقِ قَضائِنا وقَدَرِنا بِأنَّ إهْلاكَهم بِالصَّيْحَةِ لا بِإنْزالِ الجُنْدِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْ: ما أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ مِن رِسالَةٍ مِنَ السَّماءِ ولا نَبِيٍّ بَعْدَ قَتْلِهِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى النَّظْمِ القُرْآنِيِّ تَحْقِيرُ شَأْنِهِمْ، وتَصْغِيرُ أمْرِهِمْ، أيْ لَيْسُوا بِأحِقّاءَ بِأنْ نُنْزِلَ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ. بَلْ أهْلَكْناهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً أيْ: إنْ كانَتِ العُقُوبَةُ، أوِ النِّقْمَةُ، أوِ الأخْذَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَ بِها جِبْرِيلُ فَأهْلَكَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ جِبْرِيلُ بِعِضادَتَيْ بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَإذا هم مَيِّتُونَ لا يُسْمَعُ لَهم حِسٌّ كالنّارِ إذا طَفِئَتْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: فَإذا هم خامِدُونَ أيْ: قَوْمٌ خامِدُونَ مَيِّتُونَ، شَبَّهَهم بِالنّارِ إذا طَفِئَتْ، لِأنَّ الحَياةَ كالنّارِ السّاطِعَةِ، والمَوْتَ كَخُمُودِها.
قَرَأ الجُمْهُورُ صَيْحَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةٌ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ كَما قَدَّمْنا.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ومُعاذٌ، والقارِّيُّ بِرَفْعِها عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: وقَعَ وحَدَثَ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِسَبَبِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَتْ قالَ أبُو حاتِمٍ: فَلَوْ كانَ كَما قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ لَقالَ: " إنْ كانَ إلّا صَيْحَةٌ " وقَدَّرَ الزَّجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَدَّرَها غَيْرُهُ: ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إنْ كانَتْ إلّا زَقْيَةً واحِدَةً " والزَّقْيَةُ (p-١٢٢٣)الصَّيْحَةُ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ اللُّغَةَ المَعْرُوفَةَ زَقا يَزْقُو إذا صاحَ، ومِنهُ المَثَلُ " أثْقَلُ مِنَ الزَّواقِي "، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ زَقْوَةً، ويُجابُ عَنْهُ بِما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ قالَ: الزَّقْوُ والزَّقْيُ مَصْدَرٌ وقَدْ زَقا الصَّدا يَزْقُو. زَقا أيْ: صاحَ: وكُلُّ صائِحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ الصَّيْحَةُ.
يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ( حَسْرَةً )، عَلى أنَّها مُنادًى مُنَكَّرٌ كَأنَّهُ نادى الحَسْرَةَ وقالَ لَها: هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي.
وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً.
وقَرَأ قَتادَةُ وأُبَيٌّ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ " حَسْرَةُ " عَلى النِّداءِ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّ الِاخْتِيارَ النَّصْبُ وإنَّها لَوْ رُفِعَتِ النَّكِرَةُ لَكانَ صَوابًا، واسْتَشْهَدَ بِأشْياءَ نَقَلَها عَنِ العَرَبِ مِنها أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ: يا مُهْتَمُّ بِأمْرِنا لا تَهْتَمَّ، وأنْشَدَ:
؎يا دارُ غَيَّرَها البِلى تَغْيِيرًا
قالَ النَّحّاسُ: وفي هَذا إبْطالُ بابِ النِّداءِ أوْ أكْثَرِهِ.
وتَقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ: يا أيُّها المُهْتَمُّ لا تَهْتَمَّ بِأمْرِنا، وتَقْدِيرُ البَيْتِ: يا أيَّتُها الدّارُ.
وحَقِيقَةُ الحَسْرَةِ أنْ يَلْحَقَ الإنْسانَ مِنَ النَّدَمِ ما يَصِيرُ بِهِ حَسِيرًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يا حَسْرَةً مِنَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ وتَنَدُّمًا وتَلَهُّفًا في اسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِ اللَّهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: " يا حَسْرَةَ العِبادِ " عَلى الإضافَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها حَسْرَةُ المَلائِكَةِ عَلى الكُفّارِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقِيلَ: هي مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ. وقِيلَ: إنَّ القائِلَ: يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ، والعُبّادُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ تَحَسَّرُوا عَلى قَتْلِهِمْ وتَمَنَّوُا الإيمانَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّحَسُّرَ عَلَيْهِمْ هو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الزِّنادِ " يا حَسْرَهْ " بِسُكُونِ الهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقُرِئَ " يا حَسْرَتا " كَما قُرِئَ بِذَلِكَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( كَمْ أهْلَكْنا ) عَلى المَعْنى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ( أنَّ ) بَدَلٌ مِن كَمْ، وهي الخَبَرِيَّةُ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِنها ما لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّذِينَ أهْلَكْناهم أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِـ ( يَرَوْا )، واسْتَشْهَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا " والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ تَكُونَ كَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أهْلَكْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلُ الأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها اسْتِفْهامٌ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ الِاسْتِفْهامُ في حَيِّزِ ما قَبْلَهُ، وكَذا حُكْمُها إذا كانَتْ خَبَرًا، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أوْمَأ إلى بَعْضِ هَذا فَجَعَلَ ( أنَّهم ) بَدَلًا مِن ( كَمْ )، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ المُبَرِّدُ أشَدَّ رَدٍّ.
﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: مُحْضَرُونَ لَدَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ لَمّا بِتَشْدِيدِها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِها.
قالَ الفَرّاءُ: مَن شَدَّدَ جَعَلَ ( لَمّا ) بِمَعْنى إلّا، و( إنْ ) بِمَعْنى ما، أيْ: ما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، ومَعْنى ( جَمِيعٌ ): مَجْمُوعُونَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و( لَدَيْنا ) ظَرْفٌ لَهُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَ ( إنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما بَعْدَها مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَنْوِينُ كُلٌّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
وقِيلَ: مَعْنى مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، والأوْلى أنَّهُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْضارِ لِلْحِسابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - البُرْهانَ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَعْدادِ النِّعَمِ وتَذْكِيرِها فَقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ فَ ( آيَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و( لَهم ) صِفَتُها، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( آيَةٌ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى عَلامَةٍ، و( الأرْضُ ) مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( آيَةٌ ) مُبْتَدَأً لِكَوْنِها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، وما بَعْدَها الخَبَرُ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " المَيِّتَةَ " بِالتَّشْدِيدِ وخَفَّفَها الباقُونَ، وجُمْلَةُ أحْيَيْناها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِلْأرْضِ فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى إحْياءِ المَوْتى وذَكَّرَهم نِعَمَهُ وكَمالَ قُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأخْرَجَ مِنها الحُبُوبَ الَّتِي يَأْكُلُونَها ويَتَغَذَّوْنَ بِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وهو ما يَقْتاتُونَهُ مِنَ الحُبُوبِ، وتَقْدِيمُ ( مِنهُ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ وأكْثَرُ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ.
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا في الأرْضِ جَنّاتٍ مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، وخَصَّصَهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْلى الثِّمارِ وأنْفَعُها لِلْعِبادِ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ أيْ: فَجَّرْنا في الأرْضِ بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ المَفْعُولُ ( العُيُونِ )، و( مِن ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ زِيادَتَها في الإثْباتِ وهو الأخْفَشُ ومَن وافَقَهُ، والمُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَجَّرْنا بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى.
واللّامُ في لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( جَعَلْنا )، والضَّمِيرُ في مِن ثَمَرِهِ يَعُودُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ماءِ العُيُونِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ مِنهُ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَعْطُوفٌ عَلى ثَمَرِهِ أيْ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ويَأْكُلُوا مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما، وكَذَلِكَ ما غَرَسُوهُ وحَفَرُوهُ عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والمَعْنى: لَمْ يَعْمَلُوهُ، بَلِ العامِلُ لَهُ (p-١٢٢٤)هُوَ اللَّهُ أيْ: وجَدُوها مَعْمُولَةً ولا صُنْعَ لَهم فِيها، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عَمِلَتْهُ " وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " عَمِلَتْ " بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَشْكُرُونَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَنْزِيهِهِ - سُبْحانَهُ - عَمّا وقَعَ مِنهم مِن تَرْكِ الشُّكْرِ لِنِعَمِهِ المَذْكُورَةِ، والتَّعَجُّبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في مَعْنى " سُبْحانَ "، وهو في تَقْدِيرِ الأمْرِ لِلْعِبادِ بِأنْ يُنَزِّهُوهُ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأزْواجُ: الأنْواعُ والأصْنافُ، لِأنَّ كُلَّ صِنْفٍ مُخْتَلِفُ الألْوانِ والطُّعُومِ والأشْكالِ، ومِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ومِن أنْفُسِهِمْ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهُمُ الذُّكُورُ والإناثُ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ مِن أصْنافِ خَلْقِهِ في البَرِّ والبَحْرِ والسَّماءِ والأرْضِ.
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ الكَلامُ في هَذا كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ووُجُوبِ إلَهِيَّتِهِ، والسَّلْخُ: الكَشْطُ والنَّزْعُ، يُقالُ: سَلَخَهُ اللَّهُ مِن بَدَنِهِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الإخْراجِ، فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَهابَ الضَّوْءِ ومَجِيءَ الظُّلْمَةِ كالسَّلْخِ مِنَ الشَّيْءِ، وهو اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ فَإذا هم مُظْلِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً وبَغْتَةً، يُقالُ: أظْلَمْنا أيْ: دَخَلْنا في ظَلامِ اللَّيْلِ، وأظْهَرْنا دَخْلَنا في وقْتِ الظُّهْرِ، وكَذَلِكَ أصْبَحْنا وأمْسَيْنا، وقِيلَ: مِنهُ بِمَعْنى عَنْهُ، والمَعْنى: نَسْلَخُ عَنْهُ ضِياءَ النَّهارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَرْمِي بِالنَّهارِ عَلى اللَّيْلِ فَيَأْتِي بِالظُّلْمَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ هي الظُّلْمَةُ والنَّهارُ داخِلٌ عَلَيْهِ، فَإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: كُشِطَ وأُزِيلَ، فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ ابْتِدائِيَّةً، والشَّمْسُ مُبْتَدَأً، وما بَعْدَها الخَبَرَ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ آيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَجْرِي لِمَجْرًى مُسْتَقَرٍّ لَها، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعِلَّةِ أيْ: لِأجْلٍ مُسْتَقَرٍّ لَها، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
قِيلَ: والمُرادُ بِالمُسْتَقَرِّ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها هو أبْعَدُ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ولا تُجاوِزُهُ، وقِيلَ: نِهايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ ونِهايَةُ هُبُوطِها في الشِّتاءِ، وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ، لِأنَّها تَذْهَبُ إلى هُنالِكَ فَتَسْجُدُ فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَها، وهَذا هو الرّاجِحُ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَطْلَعًا تَنْزِلُ في كُلِّ يَوْمٍ مَطْلَعًا ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، فَهي تَجْرِي في تِلْكَ المَنازِلِ، وهو مُسْتَقَرُّها، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، والصّادِقُ بْنُ الباقِرِ " لا مُسْتَقَرَّ لَها " بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، وبِناءِ " مُسْتَقَرَّ " عَلى الفَتْحِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " لا مُسْتَقَرٌّ " بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ، و" مُسْتَقَرٌّ " اسْمُها، و( لَها ) خَبَرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى جَرْيِ الشَّمْسِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ العَزِيزِ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ العَلِيمُ أيِ: المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ راجِعَةً إلى المُسْتَقَرِّ، أيْ: ذَلِكَ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ.
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ " القَمَرَ " عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وانْتِصابُ ( مَنازِلَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، لِأنَّ " قَدَّرْنا " بِمَعْنى صَيَّرْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ أيْ: قَدَّرْنا سَيْرَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا مَنازِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ: في مَنازِلَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ النَّصْبَ في ( القَمَرَ )، قالَ: لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا وهو ( نَسْلَخُ )، وبَعْدَهُ فِعْلًا وهو ( قَدَّرْنا ) .
قالَ النَّحّاسُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ جَمِيعًا فِيما عَلِمْتُ عَلى خِلافِ ما قالَ.
مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: الرَّفْعُ أعْجَبُ إلَيَّ، قالَ: وإنَّما كانَ الرَّفْعُ عِنْدَهم أوْلى لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ: وآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: الرَّفْعُ أوْلى، لِأنَّكَ شَغَلْتَ الفِعْلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَرَفَعْتَهُ بِالِابْتِداءِ، والمَنازِلُ: هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَنْزِلُ القَمَرُ في كُلِّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها وهي مَعْرُوفَةٌ وسَيَأْتِي ذِكْرُها، فَإذا صارَ القَمَرُ في آخِرِها عادَ إلى أوَّلِها، فَيَقْطَعُ الفَلَكَ في ثَمانٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يَطْلُعُ هِلالًا، فَيَعُودُ في قَطْعِ تِلْكَ المَنازِلِ في الفَلَكِ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العُرْجُونُ هو عُودُ العِذْقِ الَّذِي فِيهِ الشَّمارِيخُ، وهو فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ، وهو الِانْعِطافُ أيْ: سارَ في مَنازِلِهِ، فَإذا كانَ في آخِرِها دَقَّ واسْتَقْوَسَ وصَغُرَ حَتّى صارَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ زائِدَةٌ. قالَ قَتادَةُ: وهو العِذْقُ اليابِسُ المُنْحَنِي مِنَ النَّخْلَةِ. قالَ ثَعْلَبٌ: العُرْجُونُ الَّذِي يَبْقى في النَّخْلَةِ إذا قُطِعَتْ، والقَدِيمُ: البالِي. وقالَ الخَلِيلُ: العُرْجُونُ أصْلُ العِذْقِ وهو أصْفَرُ عَرِيضٌ، يُشَبَّهُ بِهِ الهِلالُ إذا انْحَنى، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أصْلُ العِذْقِ الَّذِي يَعْوَجُّ ويُقْطَعُ مِنهُ الشَّمارِيخُ، فَيَبْقى عَلى النَّخْلِ يابِسًا، وعَرَّجْتُهُ: ضَرَبْتُهُ بِالعُرْجُونِ، وعَلى هَذا فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ العُرْجُونِ بِضَمِّ العَيْنِ والجِيمِ: وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الجِيمِ، وهُما لُغَتانِ، والقَدِيمُ: العَتِيقُ.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ ( الشَّمْسُ ) مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ لا في المَعْرِفَةِ أيْ: لا يَصِحُّ ولا يُمْكِنْ لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سُرْعَةٍ وتَنْزِلَ في المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ القَمَرُ، لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانًا عَلى انْفِرادِهِ، فَلا يَتَمَكَّنُ أحَدُهُما مِنَ الدُّخُولِ عَلى الآخَرِ، فَيَذْهَبُ سُلْطانُهُ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَمَرِ ضَوْءٌ، وإذا طَلَعَ القَمَرُ لَمْ يَكُنْ لِلشَّمْسِ ضَوْءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، وكَذا قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنزِلٍ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ.
وقِيلَ: القَمَرُ في سَماءِ الدُّنْيا، والشَّمْسُ في (p-١٢٢٥)السَّماءِ الرّابِعَةِ. ذَكَرَهُ النَّحّاسُ والمَهْدَوِيُّ.
قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في مَعْناهُ وأبَيْنُهُ أنَّ سَيْرَ القَمَرِ سَيْرٌ سَرِيعٌ، والشَّمْسُ لا تُدْرِكُهُ في السَّيْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] فَذَلِكَ حِينَ حَبَسَ الشَّمْسَ عَنِ الطُّلُوعِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الأنْعامِ، ويَأْتِي في سُورَةِ القِيامَةِ أيْضًا، وجَمْعُهُما عَلامَةٌ لِانْقِضاءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أيْ: لا يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، ويَجِيءُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في وقْتِهِ ولا يَسْبِقُ صاحِبَهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتاهُما، وهُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَيَكُونُ عَكْسَ قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أيْ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ لِسُرْعَةِ سَيْرِ القَمَرِ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التَّنْوِينُ في ( كُلٌّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما، والفَلَكُ: هو الجِسْمُ المُسْتَدِيرُ أوِ السَّطْحُ المُسْتَدِيرُ أوِ الدّائِرَةُ، والخِلافُ في كَوْنِ السَّماءِ مَبْسُوطَةً أوْ مُسْتَدِيرَةً مَعْرُوفٌ، والسَّبْحُ: السَّيْرُ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: يَسْبَحُونَ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطالِعِهِما، فَكَأنَّهُما مُتَعَدِّدانِ بِتَعَدُّدِها، أوِ المُرادُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ الآيَةَ، يَقُولُ: ما كابَدْناهم بِالجُمُوعِ أيِ: الأمْرُ أيْسَرُ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ يَقُولُ: يا ويْلًا لِلْعِبادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ قالَ: النَّدامَةُ عَلى العِبادِ الَّذِينَ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: النَّدامَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ: يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها أفَلا يَشْكُرُونَ لِهَذا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ»، وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِهِ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾» .
وفِي لَفْظٍ مِن حَدِيثِهِ أيْضًا عِنْدَ أحْمَدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، وغَيْرِهِمْ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ فَيَأْذَنُ لَها، وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: اطْلُعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها» . ثُمَّ قَرَأ " ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها " وذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ الآيَةَ قالَ: هي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها القَمَرُ في كُلِّ شَهْرٍ: أرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها شامِيَّةٌ، وأرْبَعَةَ عَشَرَ مِنها يَمانِيَّةٌ، أوَّلُها الشَّرَطانِ، والبَطِينُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والزُّبْرَةُ، والصَّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، وهو آخِرُ الشّامِيَّةِ، والغَفْرُ، والزُّبانى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، ومُقَدَّمُ الدَّلْوِ، ومُؤَخَّرُ الدَّلْوِ، والحُوتُ، وهو آخِرُ اليَمانِيَّةِ، فَإذا سارَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ وعِشْرِينَ مَنزِلًا ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ كَما كانَ في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾: يَعْنِي أصْلَ العِذْقِ العَتِيقِ.
يس 36:41
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.
يس 36:42
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.
يس 36:43
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.
يس 36:44
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.
يس 36:45
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.
يس 36:46
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.
يس 36:47
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - وتَعالى - نَوْعًا آخَرَ مِمّا امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيْ: دَلالَةٌ وعَلامَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى " آيَةٌ " هُنا العِبْرَةُ وقِيلَ: النِّعْمَةُ، وقِيلَ: النِّذارَةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ وإلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ، لِأنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ لِأهْلِ مَكَّةَ، أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ الكائِنِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيَّةَ القُرُونِ الماضِيَةِ في الفُلْكِ المَشْحُونِ، فالضَّمِيرانِ مُخْتَلِفانِ.
وهَذا حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ.
وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِكُفّارِ مَكَّةَ ونَحْوِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ حَمَلَ ذُرِّيّاتِهِمْ مِن أوْلادِهِمْ وضُعَفائِهِمْ عَلى الفُلْكِ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أيْ: إنَّهم يَحْمِلُونَهم مَعَهم في السُّفُنِ إذا سافَرُوا، أوْ يَبْعَثُونَ أوْلادَهم لِلتِّجارَةِ لَهم فِيها.
وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ الآباءُ والأجْدادُ، والفُلْكُ هو سَفِينَةُ نُوحٍ أيْ: إنَّ اللَّهَ حَمَلَ آباءَ هَؤُلاءِ، وأجْدادَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: والذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ كَما تَقَعُ عَلى الأوْلادِ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: وسُمِّيَ الآباءُ ذُرِّيَّةً، لِأنَّ مِنهم ذَرْءُ الأبْناءِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ الكائِنَةُ في بُطُونِ النِّساءِ، وشَبَّهَ البُطُونَ بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الثّانِي ثُمَّ (p-١٢٢٦)الأوَّلُ ثُمَّ الثّالِثُ، وأمّا الرّابِعُ فَفي غايَةِ البُعْدِ والنَّكارَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الذُّرِّيَّةِ واشْتِقاقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ المُوقَرُ، والفُلْكُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ في يُونُسَ، وارْتِفاعُ ( آيَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ ﴿أنّا حَمَلْنا﴾ أوِ العَكْسُ عَلى ما قَدَّمْنا.
وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى العِبادِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] .
ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ البَعْضَ مِنهم، وبِالضَّمِيرِ الآخَرِ البَعْضَ الآخَرَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أيْ: وخَلَقْنا لَهم مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ما يَرْكَبُونَهُ عَلى أنَّ ( ما ) هي المَوْصُولَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: وهي الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الإبِلَ سَفائِنَ البَرِّ، وقِيلَ: المَعْنى: وخَلَقْنا لَهم سُفُنًا أمْثالَ تِلْكَ السُّفُنِ يَرْكَبُونَها، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلُ الإسْنادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هي السُّفُنُ المُتَّخَذَةُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ.
﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ الآيَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ لَمْ يُغْرِقْهم في لُجَجِ البِحارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إمّا إلى أصْحابِ الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الذُّرِّيَّةِ، أوْ إلى الجَمِيعِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، والصَّرِيخُ بِمَعْنى المُصْرِخِ، والمُصْرِخُ هو المُغِيثُ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يُغِيثُهم إنْ شِئْنا إغْراقَهم، وقِيلَ: هو المَنَعَةُ.
ومَعْنى يُنْقَذُونَ: يُخَلَّصُونَ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ، إذا خَلَّصَهُ مِن مَكْرُوهٍ.
﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ: لا صَرِيخَ لَهم، ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا، كَذا قالَ الكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِرَحْمَةٍ مِنّا.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وانْتِصابُ مَتاعًا عَلى العَطْفِ عَلى ( رَحْمَةً ) أيْ: نُمَتِّعُهم بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو المَوْتُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إلى القِيامَةِ.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم﴾ أيْ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكم، وما خَلْفَكم مِنها.
قالَ قَتادَةُ مَعْنى ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم﴾ أيْ: مِنَ الوَقائِعِ فِيمَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ في الآخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما بَقِيَ مِنها.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الآخِرَةُ، قالَهُ سُفْيانُ.
وحَكى عَكْسَ هَذا القَوْلِ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ ما ظَهَرَ لَكم ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ ما خُفِيَ عَنْكم، وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا قِيلَ: لَهم ذَلِكَ أعْرَضُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: رَجاءَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ( ما ): هي النّافِيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، و( مِن ) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ: والمَعْنى: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وعَلى صِحَّةٍ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
وظاهِرُهُ يَشْمَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ، والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، وجُمْلَةُ ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ كَما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والمُرادُ بِالإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، وتَرْكُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أيْ: إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوا، وإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الفُقَراءِ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ، وأنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ، قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي اليَهُودَ أُمِرُوا بِإطْعامِ الفُقَراءِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْفِقُوا عَلى المَساكِينِ مِمّا زَعَمْتُمْ أنَّهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِكم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَكانَ جَوابُهم ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وتَهَكُّمًا بِقَوْلِهِمْ ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ أيْ: مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وقَدْ كانُوا سَمِعُوا المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّزّاقَ هو اللَّهُ، وأنَّهُ يُغْنِي مَن يَشاءُ، ويُفْقِرُ مَن يَشاءُ، فَكَأنَّهم حاوَلُوا بِهَذا القَوْلِ الإلْزامَ لِلْمُسْلِمِينَ وقالُوا: نَحْنُ نُوافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَلا نُطْعِمُ مَن لَمْ يُطْعِمْهُ اللَّهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم ومُكابَرَةٌ ومُجادَلَةٌ بِالباطِلِ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أغْنى بَعْضَ خَلْقِهِ وأفْقَرَ بَعْضًا، وأمَرَ الغَنِيَّ أنْ يُطْعِمَ الفَقِيرَ وابْتَلاهُ بِهِ فِيما فَرَضَ لَهُ مِن مالِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وقَوْلُهم: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ هو وإنْ كانَ كَلامًا صَحِيحًا في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهم لَمّا قَصَدُوا بِهِ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ إنْكارَ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ كانَ احْتِجاجُهم مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ باطِلًا.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكُفّارِ.
والمَعْنى: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ في سُؤالِ المالِ وأمْرِنا بِإطْعامِ الفُقَراءِ لَفي ضَلالٍ في غايَةِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَوابًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالَها الكُفّارُ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ، والماوَرْدِيُّ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ.
وقَدْ كانَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ العَرَبِ قَوْمٌ يَتَزَنْدَقُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ اسْتِهْزاءً بِالمُسْلِمِينَ ومُناقَضَةً لَهم.
وحَكى نَحْوَ هَذا القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ الَّذِي تَعِدُونا بِهِ مِنَ العَذابِ والقِيامَةِ، والمَصِيرِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتَعِدُونا بِهِ. قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم وسُخْرِيَةً بِالمُؤْمِنِينَ. ومَقْصُودُهم إنْكارُ ذَلِكَ بِالمَرَّةِ، ونَفْيُ تَحَقُّقِهِ وجَحْدُ وُقُوعِهِ.
فَأجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم بِقَوْلِهِ: (p-١٢٢٧)﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ في الصُّورِ ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَخْتَصِمُونَ في ذاتِ بَيْنِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ ونَحْوِهِما مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وهَذِهِ هي النَّفْخَةُ الأُولى، وهي نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، فَقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مِن خَصَمَ يَخْصِمُ، والمَعْنى: يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ بِإخْفاءِ فَتْحَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أخْلَصُوا فَتْحَةَ الخاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ.
والأصْلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ " يَخْتَصِمُونَ " فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الصّادِ، فَنافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ نَقَلُوا فَتْحَةَ التّاءِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها نَقْلًا كامِلًا، وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ اخْتَلَسا حَرَكَتَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخاءَ أُصْلُها السُّكُونُ، والباقُونَ حَذَفُوا حَرَكَتَها، فالتَقى ساكِنانِ فَكَسَرُوا أوَّلَهُما.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقالُونَ أنَّهُما قَرَأا بِتَسْكِينِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ فِيها.
وقَرَأ أُبَيٌّ " يَخْتَصِمُونَ " عَلى ما هو الأصْلُ.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ بَعْضُهم أنْ يُوصِيَ إلى بَعْضٍ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُوصِيَهُ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، بَلْ يَمُوتُونَ في أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: إلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي ماتُوا خارِجِينَ عَنْها، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ قَوْلًا، وهَذا إخْبارٌ عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَنْزِلُ بِهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهي النَّفْخَةُ الَّتِي يُبْعَثُونَ بِها مِن قُبُورِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، وبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي حَيْثُ قالَ ( ونُفِخَ ) تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ البَيانِ، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لَهُ، و( الصُّورِ ) بِإسْكانِ الواوِ: هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى القَرْنِ مَعْرُوفٌ في لُغَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الغَوْرَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
أيِ: القَرْنَيْنِ.
وقَدْ مَضى هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ. وقالَ قَتادَةُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ أيْ: نَفَخَ في الصُّورِ الأرْواحَ، والأجْداثُ جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ.
وقُرِئَ " الأجْدافِ " بِالفاءِ وهي لُغَةٌ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ والنَّسْلُ والنَّسَلانُ: الإسْراعُ في السَّيْرِ، يُقالُ: نَسَلَ يَنْسِلُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ويُقالُ: يَنْسُلُ بِالضَّمِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎عَسَلانَ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
و﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ أيْ: قالُوا عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ بِالنَّفْخَةِ: يا ويْلَنا، نادَوْا ويْلَهم، كَأنَّهم قالُوا لَهُ: احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ الكُفّارُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى ( ﴿يا ويْلَنا﴾ ) وقْفٌ حَسَنٌ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ ظَنُّوا لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ بِما شاهَدُوا مِنَ الهَوْلِ، وما داخَلَهم مِنَ الفَزَعِ أنَّهم كانُوا نِيامًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يا ويْلَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى " يا ويْلَتَنا " بِزِيادَةِ التّاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ بِفَتْحِ مِيمِ مَن عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو نَهِيكٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ جَرٍّ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " مِن " مُتَعَلِّقَةً بِالوَيْلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ .
وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ " مَن أهَبَّنا " مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ: إذا انْتَبَهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ:
؎وعاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي ∗∗∗ ولِمَ يَغْتَمِرْنِي قَبْلَ ذاكَ عَذُولُ
وقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: إذا نَفَخَ النَّفْخَةَ الأُولى رُفِعَ العَذابُ عَنْ أهْلِ القُبُورِ، وهَجَعُوا هَجْعَةً إلى النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جَوابٌ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكَفَرَةِ يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.
قالَ بِالأوَّلِ الفَرّاءُ، وبِالثّانِي مُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هَذا الَّذِي وعَدَهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ قَدْ حَقَّ عَلَيْكم، ونَزَلَ بِكم، ومَفْعُولا الوَعْدِ والصِّدْقِ مَحْذُوفانِ أيْ: وعَدَكُمُوهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَكُمُوهُ المُرْسَلُونَ، والأصْلُ: وعَدَكم بِهِ، وصَدَقَكم فِيهِ، أوْ وعَدَناهُ الرَّحْمَنُ، وصَدَقَناهُ المُرْسَلُونَ، عَلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ مِن قَوْلِ الكُفّارِ.
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ: ما كانَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحَها إسْرافِيلُ بِنَفْخَةٍ في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإذا هم مُجْمُوعُونَ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا بِسُرْعَةٍ لِلْحِسابِ والعِقابِ.
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ أيْ: لا يَنْقُصُ مِن ثَوابِ عَمَلِها شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، ولا تُظْلَمُ فِيهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ أيْ: بِسَبَبِهِ، أوْ في مُقابَلَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: " أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم " الآيَةَ، قالَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: السُّفُنُ الَّتِي في البَحْرِ والأنْهارِ الَّتِي يَرْكَبُ النّاسُ فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ قالَ: هي السُّفُنُ جُعِلَتْ مِن بَعْدِ سَفِينَةِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ خَلَقَها اللَّهُ كَما رَأيْتَ، فَهي سُفُنُ البَرِّ يَحْمِلُونَ عَلَيْها ويَرْكَبُونَها.
ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ.
(p-١٢٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: تَقُومُ السّاعَةُ والنّاسُ في أسْواقِهِمْ يَتَبايَعُونَ ويَذْرَعُونَ الثِّيابَ ويَحْلِبُونَ اللِّقاحَ، وفي حَوائِجِهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: إنَّ السّاعَةَ تَقُومُ والرَّجُلُ يَذْرَعُ الثَّوْبَ والرَّجُلُ يَحْلِبُ النّاقَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما، فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهُ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ فَلا يَطْعَمُها» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ قالَ: يَنامُونَ قَبْلَ البَعْثِ نَوْمَةً.