Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الصافات 37:1 – الصافات 37:20
المحتويات
الصافات 37:1
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:2
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:3
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:4
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:5
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:6
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:7
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:8
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:9
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:10
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:11
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:12
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:13
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:14
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:15
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:16
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:17
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:18
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:19
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصّافّاتِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ النَّحّاسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَأْمُرُنا بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّنا بِالصّافّاتِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّسائِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ الوَرْدانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ يس والصّافّاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أعْطاهُ سُؤْلَهُ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، والسِّلَفِيُّ في الطُّيُورِيّاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «" أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا سَألَهُ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ قَرَأ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾» [ أيْ: سُورَةَ الصّافّاتِ ] الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقِيلَ: حَمْزَةُ فَقَطْ بِإدْغامِ التّاءِ مِنَ الصّافّاتِ في صادِ صَفًّا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ الزّاجِراتِ في زايِ زَجْرًا، وإدْغامِ التّاءِ مِنَ التّالِياتِ في ذالِ ذِكْرًا، وهَذِهِ القِراءَةُ قَدْ أنْكَرَها أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمّا سَمِعَها.
قالَ النَّحّاسُ: وهي بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الجِهَةُ الأُولى أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مِن مَخْرَجِ الصّادِ ولا مِن مَخْرَجِ الزّايِ ولا مِن مَخْرَجِ الدّالِ ولا مِن أخَواتِهِنَّ.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ التّاءَ في كَلِمَةٍ وما بَعْدَها في كَلِمَةٍ أُخْرى.
الثّالِثَةُ أنَّكَ إذا أدْغَمْتَ جَمَعْتَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في مِثْلِ هَذا إذا كانا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إدْغامُ التّاءِ في الصّادِ حَسَنٌ لِمُقارَبَةِ الحَرْفَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإظْهارِ جَمِيعِ ذَلِكَ، والواوُ لِلْقَسَمِ، والمُقْسَمُ بِهِ المَلائِكَةُ: الصّافّاتُ، والزّاجِراتُ، والتّالِياتُ والمُرادُ بِالصّافّاتِ: الَّتِي تُصَفُّ في السَّماءِ مِنَ المَلائِكَةِ كَصُفُوفِ الخَلْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ: إنَّها تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً فِيهِ حَتّى يَأْمُرَها اللَّهُ بِما يُرِيدُ.
وقالَ الحَسَنُ: صَفًّا كَصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ في صَلاتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ هُنا الطَّيْرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] .
والأوَّلُ أوْلى، والصَّفُّ: تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ كالصَّفِّ في الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ النّاسِ المُؤْمِنِينَ إذا قامُوا صَفًّا في الصَّلاةِ أوْ في الجِهادِ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ.
والمُرادُ بِـ الزّاجِراتِ الفاعِلاتُ لِلزَّجْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، إمّا لِأنَّها تَزْجُرُ السَّحابَ كَما قالَ السُّدِّيُّ، وإمّا لِأنَّها تَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزَّواجِرُ مِنَ القُرْآنِ، وهي كُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ. والأوَّلُ أوْلى.
وانْتِصابُ ﴿صَفًّا﴾ و﴿زَجْرًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُما.
وقِيلَ: المُرادُ بِالزّاجِراتِ العُلَماءُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَزْجُرُونَ أهْلَ المَعاصِي، والزَّجْرُ في الأصْلِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ، وهو هُنا قُوَّةُ التَّصْوِيتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ
ومِنهُ زَجَرْتُ الإبِلَ والغَنَمَ: إذا أفْزَعْتَها بِصَوْتِكَ.
والمُرادُ (p-١٢٣٥)بِـ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَتْلُو القُرْآنَ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ مَعَ أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أتْباعٍ لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ كُلُّ مَن تَلا ذِكْرَ اللَّهِ وكُتُبَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالتِّلاوَةِ وإنْ كانَتْ مَتْلُوَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦] وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يَتْلُو بَعْضًا ويَتْبَعُهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ التّالِياتِ هُمُ الأنْبِياءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلى أُمَمِهِمْ، وانْتِصابُ " ذِكْرًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ " صَفًّا، وزَجْرًا " .
قِيلَ: وهَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ " فالزّاجِراتِ، فالتّالِياتِ " إمّا لِتَرْتِيبِ الصِّفاتِ أنْفُسِها في الوُجُودِ أوْ لِتَرْتِيبِ مَوْصُوفاتِها في الفَضْلِ، وفي الكُلِّ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الأقْسامِ إنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ فَتْحَ إنَّ الواقِعَةِ في جَوابِ القَسَمِ.
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى " لَواحِدٌ " وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ " عَلى مَعْنى هو رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.
قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " لَواحِدٌ " .
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا الشَّكْلِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أيْ: خالِقُهُ ومالِكُهُ.
والمُرادُ بِـ " ما بَيْنَهُما ": ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
والمُرادُ بِـ ﴿المَشارِقِ﴾ مَشارِقُ الشَّمْسِ. قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن واحِدٍ مِنها وتَغْرُبُ مِن واحِدٍ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
وأمّا في قَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالمُرادُ بِالمَشْرِقَيْنِ: أقْصى مَطْلَعٍ تَطْلُعُ مِنهُ الشَّمْسُ في الأيّامِ الطِّوالِ، وأقْصَرُ يَوْمٍ في الأيّامِ القِصارِ، وكَذَلِكَ في المَغْرِبَيْنِ.
وأمّا ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالإفْرادِ فالمُرادُ بِهِ الجِهَةُ الَّتِي تُشْرِقُ مِنها الشَّمْسُ، والجِهَةُ الَّتِي تَغْرُبُ مِنها، ولَعَلَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَنا في هَذا كَلامٌ أوْسَعُ مِن هَذا.
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ المُرادُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي تَلِي الأرْضَ، مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، فَهي أقْرَبُ السَّماواتِ إلى الأرْضِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِزِينَةِ الكَواكِبِ " بِإضافَةِ " زِينَةِ " إلى الكَواكِبِ. والمَعْنى: زَيَّنّاها بِتَزْيِينِ الكَواكِبِ أيْ: بِحُسْنِها.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وحَمْزَةُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " وخَفْضِ " الكَواكِبِ " عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ الِاسْمُ لا المَصْدَرُ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ بِالكَواكِبِ، فَإنَّ الكَواكِبَ في أنْفُسِها زِينَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لَها كالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِتَنْوِينِ " زِينَةٍ " ونَصْبِ " الكَواكِبَ " عَلى أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأنَّ اللَّهَ زَيَّنَ الكَواكِبَ بِكَوْنِها مُضِيئَةً حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ تَكُونُ الكَواكِبُ مَنصُوبَةً بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ بَدَلًا مِنَ السَّماءِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وانْتِصابُ " حِفْظًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: حَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: زَيَّنّاها بِالكَواكِبِ لِلْحِفْظِ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ زِينَةٍ كَأنَّهُ قالَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ.
﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدٍ خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ يُرْمى بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ مِنهم.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أيْ: لِئَلّا يَسْمَعُوا، ثُمَّ حَذَفَ إنْ فَرَفَعَ الفِعْلَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والمَلَأُ الأعْلى: أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا فَما فَوْقَها، وسُمِّيَ الكُلُّ مِنهم أعْلى بِإضافَتِهِ إلى مَلَأِ الأرْضِ، والضَّمِيرُ في " يَسَّمَّعُونَ " إلى الشَّياطِينِ.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسَّمَّعُونَ " صِفَةٌ لِكُلِّ شَيْطانٍ، وقِيلَ: جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم بَعْدَ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهم ؟ فَقالَ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " يَسْمَعُونَ " بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ والسِّينِ، والأصْلُ " يَتَسَمَّعُونَ " فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، فالقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ سَماعِهِمْ دُونَ اسْتِماعِهِمْ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى انْتِفائِهِما وفي مَعْنى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: سَمِعْتُ إلَيْهِ، وتَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلَيْهِ.
﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّماءِ بِالشُّهُبِ إذا أرادُوا الصُّعُودَ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ، وانْتِصابُ " دُحُورًا " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ والدُّحُورُ الطَّرْدُ، تَقُولُ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا: طَرَدْتُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿دُحُورًا﴾ بِضَمِّ الدّالِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ " يَقْذِفُونَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُطابِقَةٍ لِما هو المُرادُ مِنَ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ، وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَ " دُحُورًا " عَلى الحالِ: أيْ: مَدْحُورِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ داحِرٍ نَحْوُ قاعِدٍ وقُعُودٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: يُدْحَرُونَ دُحُورًا.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى يُقْذَفُونَ بِما يَدْحَرُهم أيْ: بِدُحُورٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ فانْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا الرَّمْيُ لَهم بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ بَعْدَهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ طائِفَةٌ، وبِالآخَرِ آخَرُونَ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: إنَّ الشَّياطِينَ لَمْ تَكُنْ تُرْمى قَبْلَ المَبْعَثِ رَمْيًا يَقْطَعُها عَنِ السَّمْعِ، ولَكِنْ كانَتْ تُرْمى وقْتًا ولا تُرْمى وقْتًا آخَرَ وتُرْمى مِن جانِبٍ ولا تُرْمى مِن جانِبٍ آخَرَ، ثُمَّ بَعْدَ المَبْعَثِ رُمِيَتْ في كُلِّ وقْتٍ ومِن كُلِّ جانِبٍ حَتّى صارَتْ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِراقِ شَيْءٍ مِنَ السَّمْعِ إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ومَعْنى ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ في (p-١٢٣٦)الآخِرَةِ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْيِ بِالشُّهُبِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي دائِمًا إلى النَّفْخَةِ الأُولى، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الواصِبَ الدّائِمُ.
وقالَ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ: هو المُوجِعُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ وهو المَرَضُ، وقِيلَ: هو الشَّدِيدُ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى غَيْرِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] بَلْ يَخْطِفُ الواحِدُ مِنهم خَطْفَةً مِمّا يَتَفاوَضُ فِيهِ المَلائِكَةُ ويَدُورُ بَيْنَهم مِمّا سَيَكُونُ في العالَمِ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ أهْلُ الأرْضِ.
والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ مُسارَقَةً وأخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِفَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ بِكَسْرِهِما وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِكَسْرِهِما مَعَ تَخْفِيفِ الطّاءِ.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وتَبِعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: نَجْمٌ مُضِيءٌ فَيَحْرُقُهُ، ورُبَّما لا يَحْرُقُهُ فَيُلْقِي إلى إخْوانِهِ ما خَطِفَهُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ الَّتِي يُرْجَمُ بِها هي مِنَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ بَلْ مِن غَيْرِ الثَّوابِتِ، وأصْلُ الثُّقُوبِ الإضاءَةُ.
قالَ الكِسائِيُّ: ثَقَبَتِ النّارُ تَثْقُبُ ثَقابَةً وثُقُوبًا: إذا اتَّقَدَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ هي كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ أيِ: اسْألِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أهم أشَدُّ خَلْقًا وأقْوى أجْسامًا وأعْظَمُ أعْضاءً، أمْ مَن خَلَقْنا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ ؟ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاسْألْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ أهم أشَدُّ خَلْقًا أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ يُرِيدُ أنَّهم لَيْسُوا بِأحْكَمَ خَلْقًا مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ أيْ: إنّا خَلَقْناهم في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ أيْ: لاصِقٍ، يُقالُ: لَزَبَ يَلْزُبُ لُزُوبًا: إذا لَصِقَ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: اللّازِبُ اللّازِقُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اللّازِبُ اللَّزِجُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللّازِبُ الجَيِّدُ الَّذِي يُلْصَقُ بِاليَدِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللّازِمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: طِينٌ لازِبٌ ولازِمٌ تُبْدِلُ الباءَ مِنَ المِيمِ، واللّازِمُ الثّابِتُ كَما يُقالُ: صارَ الشَّيْءُ ضَرْبَةَ لازِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎لا تَحْسَبُونَ الخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبٍ
وحَكى الفَرّاءُ عَنِ العَرَبِ: طِينٌ لاتِبٌ بِمَعْنى لازِمٍ، واللّاتِبُ الثّابِتُ. قالَ الأصْمَعِيُّ واللّاتِبُ اللّاصِقُ مِثْلُ اللّازِبِ.
والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ هَؤُلاءِ كَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ المَعادَ وهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذا الخَلْقِ الضَّعِيفِ ولَمْ يُنْكِرْهُ مَن هو مَخْلُوقٌ خَلْقًا أقْوى مِنهم وأعْظَمَ وأكْمَلَ وأتَمَّ. وقِيلَ: اللّازِبُ هو المُنْتِنُ قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ بِتَشْدِيدِ المِيمِ وهي أمِ المُتَّصِلَةُ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، وهو اسْتِفْهامٌ ثانٍ عَلى قِراءَتِهِ.
قِيلَ: وقَدْ قُرِئَ " لازِمٍ ولاتِبٍ "، ولا أدْرِي مَن قَرَأ بِذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ مِنكَ بِسَبَبِ تَعَجُّبِكَ، أوْ ويَسْخَرُونَ مِنكَ بِما تَقُولُهُ مِن إثْباتِ المَعادِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ مِن ﴿عَجِبْتَ﴾ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَرَأها النّاسُ بِنَصْبِ التّاءِ ورَفْعِها، والرَّفْعُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ: والعَجَبُ أنْ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ فَلَيْسَ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ كَمَعْناهُ مِنَ العِبادِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بَلْ جازَيْتَهم عَلى عَجَبِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالتَّعَجُّبِ مِنَ الخَلْقِ كَما قالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم﴾ [يونس: ٢] وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلْ عَجِبْتُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُخاطَبٌ بِالقُرْآنِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.
وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَنْ نَفْسِهِ بِالعَجَبِ أنَّهُ ظَهَرَ مِن أمْرِهِ وسُخْطِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ ما يَقُومُ مَقامَ العَجَبِ مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ الهَرَوِيُّ: ويُقالُ: مَعْنى عَجِبَ رَبُّكم أيْ: رَضِيَ رَبُّكم وأثابَ، فَسَمّاهُ عَجَبًا، ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى " عَجِبْتَ " هُنا عَظُمَ فِعْلُهم عِنْدِي. وحَكى النَّقّاشُ أنَّ مَعْنى " بَلْ عَجِبْتَ ": بَلْ أنْكَرْتَ. قالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ إنْكارُ الشَّيْءِ وتَعْظِيمُهُ، وهو لُغَةُ العَرَبِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ بَلَغَ في كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ إلى حَيْثُ عُجِبَ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، والواوُ في " ويَسْخَرُونَ " لِلْحالِ أيْ: بَلْ عَجِبْتَ والحالُ أنَّهم يَسْخَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: وإذا وُعِظُوا بِمَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ اللَّهِ أوْ مَواعِظِ رَسُولِهِ لا يَذْكُرُونَ أيْ: لا يَتَّعِظُونَ بِها ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أيْ: إذا ذُكِرَ لَهم ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ إنَّها سُخْرِيَةٌ، يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ بِمَعْنًى، مِثْلُ قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقِيلَ: مَعْنى " يَسْتَسْخِرُونَ ": يَسْتَدْعُونَ السُّخْرى مِن غَيْرِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَسْتَهْزِئُونَ.
﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي تَأْتِينا بِهِ إلّا سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ.
﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ فالعامِلُ في إذا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنُبْعَثُ، لِأنْفُسٍ مَبْعُوثُونَ لِتَوَسُّطِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِهِ فِيهِ، وهَذا الإنْكارُ لِلْبَعْثِ مِنهم هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما نَزَلَ عَلَيْهِمْ واسْتَهْزَءُوا بِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-١٢٣٧)تَفْسِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ولِهَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وقالُونُ بِسُكُونِها عَلى أنَّ أوْ هي العاطِفَةُ، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم تَبْكِيتًا لَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ: نَعَمْ تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ ذَلِيلُونَ.
قالَ الواحِدِيُّ: والدُّخُورُ أشَدُّ الصَّغارِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ داخِرُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوِ البِعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَها أيْ: إنَّما قِصَّةُ البَعْثِ أوِ البِعْثَةِ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أيْ: صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ بِنَفْخِهِ في الصُّورِ عِنْدَ البَعْثِ ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يُبْصِرُونَ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وسُمِّيَتِ الصَّيْحَةُ زَجْرَةً، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها الزَّجْرُ، وقِيلَ: مَعْنى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى " مُخَفَّفَةً، وقالَ: إنَّهم كانُوا يَتَسَمَّعُونَ ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ قالَ: دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ: لا يُقْتَلُونَ بِالشِّهابِ ولا يَمُوتُونَ. ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتُخْبَلُ وتُجْرَحُ في غَيْرِ قَتْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: مُلْتَصِقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ قالَ: اللَّزِجُ الجَيِّدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللّازِبُ والحَمَأُ والطِّينُ واحِدٌ: كانَ أوَّلُهُ تُرابًا ثُمَّ صارَ حَمَأً مُنْتِنًا، ثُمَّ صارَ طِينًا لازِبًا، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اللّازِبُ الَّذِي يَلْصَقُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ " بِالرَّفْعِ لِلتّاءِ مِن عَجِبْتُ.
الصافات 37:20
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا يا ويْلَنا﴾ أيْ: قالَ أُولَئِكَ المَبْعُوثُونَ لَمّا عايَنُوا البَعْثَ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا: يا ويْلَنا، دَعَوْا بِالوَيْلِ عَلى أنْفُسِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ أصْلَهُ يا ويْ لَنا، ووَيْ بِمَعْنى الحُزْنِ كَأنَّهُ قالَ: يا حُزْنُ لَنا.
قالَ النَّحّاسُ: ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ مُنْفَصِلًا، وهو في المُصْحَفِ مُتَّصِلٌ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا يَكْتُبُهُ إلّا مُتَّصِلًا، وجُمْلَةُ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِمْ بِالوَيْلِ عَلى أنْفُسِهِمْ، و" الدِّينِ " الجَزاءُ، فَكَأنَّهم قالُوا: هَذا اليَوْمُ الَّذِي نُجازى فِيهِ بِأعْمالِنا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ فَأجابَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَصْلُ الحُكْمُ والقَضاءُ؛ لِأنَّهُ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم﴾ هو أمْرٌ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِلْمَلائِكَةِ بِأنْ يَحْشُرُوا المُشْرِكِينَ وأزْواجَهم، وهم أشْباهُهم في الشِّرْكِ، والمُتابِعُونَ لَهم في الكُفْرِ، والمُشايِعُونَ لَهم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، كَذا قالَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ.
وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِأزْواجِهِمْ نِساؤُهُمُ المُشْرِكاتُ المُوافِقاتُ لَهم عَلى الكُفْرِ والظُّلْمِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أزْواجُهم قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ يُحْشَرُ كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.
﴿وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ، وهَذا العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن ما المَوْصُولَةِ، فَإنَّها عِبارَةٌ عَنِ المَعْبُودِينَ، لا عَنِ العابِدِينَ كَما قِيلَ: مَخْصُوصٌ، لِأنَّ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ مَن عَبَدَ المَسِيحَ، ومِنهم مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ فَيَخْرُجُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] ووَجْهُ حَشْرِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ هو زِيادَةُ التَّبْكِيتِ لِعابِدِيها وتَخْجِيلُهم وإظْهارُ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: عَرِّفُوا هَؤُلاءِ (p-١٢٣٨)المَحْشُورِينَ طَرِيقَ النّارِ وسُوقُوهم إلَيْها، يُقالُ: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ وهَدَيْتُهُ إلَيْها أيْ: دَلَلْتُهُ عَلَيْها، وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ أيِ: احْبِسُوهم، يُقالُ: وقَفْتُ الدّابَّةَ أقِفُها وقْفًا فَوَقَفَتْ هي وُقُوفًا يَتَعَدّى ولا يَتَعَدّى، وهَذا الحَبْسُ لَهم يَكُونُ قَبْلَ السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ أيْ: وقِفُوهم لِلْحِسابِ ثُمَّ سُوقُوهم إلى النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى.
قالَ الكَلْبِيُّ أيْ: مَسْئُولُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
وقالَ الضَّحّاكُ: عَنْ خَطاياهم، وقِيلَ: عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: عَنْ ظُلْمِ العِبادِ، وقِيلَ: عَنْ ظُلْمِ العِبادِ.
وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ هو المَذْكُورُ بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، وأصْلُهُ تَتَناصَرُونَ فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِها.
قالَ الكِسائِيُّ أيْ: لِأنَّهم أوْ بِأنَّهم، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] .
ثُمَّ أضْرَبَ - سُبْحانَهُ - عَمّا تَقَدَّمَ إلى بَيانِ الحالَةِ الَّتِي هم عَلَيْها هُنالِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الحِيلَةِ. قالَ قَتادَةُ: مُسْتَسْلِمُونَ في عَذابِ اللَّهِ. وقالَ الأخْفَشُ: مُلْقُونَ بِأيْدِيهِمْ، يُقالُ: اسْتَسْلَمَ لِلشَّيْءِ: إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: أقْبَلَ بَعْضُ الكُفّارِ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ.
قِيلَ: هُمُ الأتْباعُ والرُّؤَساءُ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ ومُخاصَمَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو قَوْلُ الكُفّارِ لِلشَّياطِينِ. وقالَ قَتادَةُ: هو قَوْلُ الإنْسِ لِلْجِنِّ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ: كُنْتُمْ تَأْتُونَنا في الدُّنْيا عَنِ اليَمِينِ أيْ: مِن جِهَةِ الحَقِّ والدِّينِ والطّاعَةِ وتَصُدُّونا عَنْها.
قالَ الزَّجّاجُ: كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الدِّينِ، فَتُرُونَنا أنَّ الدِّينَ والحَقَّ ما تُضِلُّونَنا بِهِ، واليَمِينُ عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - إخْبارًا عَنْ إبْلِيسَ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّ الرُّؤَساءَ كانُوا قَدْ حَلَفُوا لِهَؤُلاءِ الأتْباعِ أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ هو الحَقُّ فَوَثِقُوا بِأيْمانِهِمْ، فَمَعْنى ﴿تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ: مِن ناحِيَةِ الأيْمانِ الَّتِي كُنْتُمْ تَحْلِفُونَها فَوَثِقْنا بِها. قالَ: والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ: المَعْنى: تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ الَّتِي نُحِبُّها ونَتَفاءَلُ بِها لِتُغْرُونا بِذَلِكَ عَنْ جِهَةِ النُّصْحِ، والعَرَبُ تَتَفاءَلُ بِما جاءَ عَنِ اليَمِينِ وتُسَمِّيهِ السّانِحَ.
وقِيلَ: اليَمِينُ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ: تَمْنَعُونَنا بِقُوَّةٍ وغَلَبَةٍ وقَهْرٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] أيْ: بِالقُوَّةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
وكَذَلِكَ كَجُمْلَةِ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ الرُّؤَساءُ أوِ الشَّياطِينُ لِهَؤُلاءِ القائِلِينَ: كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ولَمْ نَمْنَعْكم مِنَ الإيمانِ.
والمَعْنى: إنَّكم لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ قَطُّ حَتّى نَنْقُلَكم عَنِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ بَلْ كُنْتُمْ مِنَ الأصْلِ عَلى الكُفْرِ فَأقَمْتُمْ عَلَيْهِ.
﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ مِن تَسَلُّطٍ بِقَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُدْخِلَكم في الإيمانِ ونُخْرِجَكم مِنَ الكُفْرِ ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الكُفْرِ والضَّلالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ مِن قَوْلِ المَتْبُوعِينَ أيْ: وجَبَ عَلَيْنا وعَلَيْكم ولَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، يَعْنُونَ قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] ( إنّا لَذائِقُو العَذابِ ) أيْ: إنّا جَمِيعًا لَذائِقُو العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إنَّ المُضِلَّ والضّالَّ في النّارِ.
﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ أيْ: أضْلَلْناكم عَنِ الهُدى، ودَعَوْناكم إلى ما كُنّا فِيهِ مِنَ الغَيِّ، وزَيَّنّا لَكم ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَلا عَتْبَ عَلَيْنا في تَعَرُّضِنا لِإغْوائِكم، لِأنّا أرَدْنا أنْ تَكُونُوا أمْثالَنا في الغَوايَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: أقْدَمْنا عَلى إغْوائِكم لِأنّا كُنّا مَوْصُوفِينَ في أنْفُسِنا بِالغَوايَةِ، فَأقَرُّوا هاهُنا بِأنَّهم تَسَبَّبُوا لِإغْوائِهِمْ، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ونَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ فِيما سَبَقَ أنَّهم قَهَرُوهم وغَلَبُوهم، فَقالُوا: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنِ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: إنّا نَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ بِالمُجْرِمِينَ أيْ: أهْلِ الإجْرامِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ.
كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: إذا قِيلَ: لَهم قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ القَبُولِ، ومَحَلُّ ( يَسْتَكْبِرُونَ ) النَّصْبُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وكانَ مُلْغاةٌ.
﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يَعْنُونُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: لِقَوْلِ شاعِرٍ مَجْنُونٍ. فَرَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّوْحِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: صَدَّقَهم فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعِيدِ وإثْباتِ الدّارِ الآخِرَةِ ولَمْ يُخالِفْهم ولا جاءَ بِشَيْءٍ لَمْ تَأْتِ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ.
﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ أيْ: إنَّكم بِسَبَبِ شِرْكِكم وتَكْذِيبِكم لَذائِقُو العَذابِ الشَّدِيدِ الألَمِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو﴾ بِحَذْفِ النُّونِ وخَفْضِ العَذابِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو السِّماكِ بِحَذْفِها ونَصْبِ العَذابِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ القِراءَةِ بِالحَذْفِ لِلنُّونِ والنَّصْبِ لِلْعَذابِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
وأجازَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا " والمُقِيمِي الصَّلاةَ " [الحج: ٣٥] بِنَصْبِ الصَّلاةِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ.
وقَدْ قُرِئَ بِإثْباتِ النُّونِ ونَصْبِ العَذابِ عَلى الأصْلِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ ما ذاقُوهُ مِنَ العَذابِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ، فَقالَ: ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ (p-١٢٣٩)المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ: الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لِلَّهِ العِبادَةَ والتَّوْحِيدَ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ عَلى تَقْدِيرِ تَعْمِيمِ الخِطابِ في ( تُجْزَوْنَ ) لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، أوْ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لا يَذُوقُونَ العَذابَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُخْلَصِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُخْلَصِينَ رِزْقٌ يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ إيّاهُ مَعْلُومٌ في حُسْنِهِ وطِيبِهِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي الجَنَّةَ، وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ، وهو أنْ يُعْطُوا مِنهُ بُكْرَةً وعَشِيَّةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] وقِيلَ: هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ.
﴿فَواكِهُ﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن ( رِزْقٌ ) أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو فَواكِهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ.
والفَواكِهُ جَمْعُ الفاكِهَةِ وهي الثِّمارُ كُلُّها رَطِبُها ويابِسُها، وخَصَّصَ الفَواكِهَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ أرْزاقَ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ كَذا قِيلَ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ تَخْصِيصَها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أطْيَبُ ما يَأْكُلُونَهُ وألَذُّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
وقِيلَ: إنَّ الفَواكِهَ مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ، فَذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَيْرِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: ولَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إكْرامٌ عَظِيمٌ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِمْ عِنْدَهُ وسَماعِ كَلامِهِ ولِقائِهِ في الجَنَّةِ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُكْرَمُونَ﴾ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو مِقْسَمٍ بِتَشْدِيدِها.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( مُكْرَمُونَ ) وأنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وانْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُكْرَمُونَ )، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ: ( عَلى سُرُرٍ ) .
قالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى التَّقابُلِ أنَّهُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم في قَفا بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّها تَدُورُ بِهِمُ الأسِرَّةُ كَيْفَ شاءُوا فَلا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( سُرُرٍ ) بِضَمِّ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةً أُخْرى لَهم فَقالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( مُتَقابِلِينَ )، والكَأْسُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ شامِلٌ لِكُلِّ إناءٍ فِيهِ الشَّرابُ، فَإنْ كانَ فارِغًا فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهي الخَمْرُ.
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى مَن يَوْثَقُ بِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلْقَدَحِ إذا كانَ فِيهِ خَمْرٌ كَأْسٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَمْرٌ فَهو قَدَحٌ كَما يُقالُ: لِلْخُوانِ إذا كانَ عَلَيْهِ طَعامٌ مائِدَةٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعامٌ لَمْ يُقَلْ لَهُ مائِدَةٌ، و( مِن مَعِينٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ ( كَأْسٍ ) .
قالَ الزَّجّاجُ: ( بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ) أيْ: مِن خَمْرٍ تَجْرِي كَما تَجْرِي العُيُونُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والمَعِينُ الماءُ الجارِي.
وقَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ صِفَتانِ لِكَأْسٍ.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ فَحُذِفَ المُضافُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في كَوْنِها لَذَّةً فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
قالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ لَهُ لَذَّةٌ لَذِيذَةٌ، يُقالُ: شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ كَما يُقالُ: نَباتٌ غَضٌّ وغَضِيضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِحَدِيثِها اللَّذِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمَتْ ∗∗∗ أُسْدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعًا
واللَّذِيذُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطابٌ، وقِيلَ: البَيْضاءُ: هي الَّتِي لَمْ يَعْتَصِرْها الرِّجالُ.
ثُمَّ وصَفَ هَذِهِ الكَأْسَ مِنَ الخَمْرِ بِغَيْرِ ما يَتَّصِفُ بِهِ خَمْرُ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ: لا تَغْتالُ عُقُولُهم فَتَذْهَبُ بِها ولا يُصِيبُهم مِنها مَرَضٌ ولا صُداعٌ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أيْ: يَسْكَرُونَ: يُقالُ: نَزَفَ الشّارِبُ فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وإذا هي تَمْشِي كَمَشْيِ النَّزِي ∗∗∗ فِ يَصْرَعُهُ بِالكَثِيبِ البُهُرُ
وقالَ أيْضًا:
؎نَزِيفٌ إذا قامَتْ لِوَجْهٍ تَمايَلَتْ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لَيْسَ فِيها غِيلَةٌ وغائِلَةٌ وغَوْلٌ سَواءٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَوْلُ أنْ تَغْتالَ عُقُولَهم، وأنْشَدَ قَوْلَ مُطِيعِ بْنِ إياسٍ:
؎وما زالَتِ الكَأْسُ تَغْتالُهم ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ
وقالَ الواحِدِيُّ: الغَوْلُ حَقِيقَتُهُ الإهْلاكُ، يُقالُ: غالَهُ غَوْلًا واغْتالَهُ أيْ: أهْلَكَهُ، والغَوْلُ كُلُّ ما اغْتالَكَ أيْ: أهْلَكَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُنْزَفُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ: مِن أنْزَفَ الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ فَهو نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ ومُنْزِفٌ، يُقالُ: أحْصُدُ الزَّرْعَ: إذا حانَ حَصادُهُ، وأقْطِفُ الكَرْمَ: إذا حانَ قِطافُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن كَسَرَ الزّايَ فَلَهُ مَعْنَيانِ، يُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ: إذا فَنِيَتْ خَمْرُهُ، وأنْزَفَ: إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، وتُحْمَلُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى مَعْنى لا يَنْفَدُ شَرابُهم لِزِيادَةِ الفائِدَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: والقِراءَةُ الأُولى أبْيَنُ وأصَحُّ في المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى ( لا يُنْزَفُونَ ) عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم، فَنَفى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ الآفاتِ الَّتِي تَلْحَقُ في الدُّنْيا مِن خَمْرِها مِنَ الصُّداعِ والسُّكْرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى: " لا يَنْزِفُونَ " بِكَسْرِ الزّايِ: لا يَسْكَرُونَ.
قالَ المَهْدَوِيُّ: لا يَكُونُ مَعْنى " يَنْزِفُونَ " يَسْكَرُونَ، لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ: لا تَغْتالُ عُقُولَهم فَيَكُونُ تَكْرِيرًا، وهَذا يُقَوِّي ما قالَهُ قَتادَةُ: إنَّ الغَوْلَ وجَعُ البَطْنِ وكَذا رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّ الغَوْلَ الصُّداعُ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو المَغَصُ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: لا فِيها نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ المُصاحِبَةِ لِشُرْبِ الخَمْرِ في الدُّنْيا مِن مَغَصٍ أوْ وجَعِ بَطْنٍ أوْ صُداعٍ أوْ عَرْبَدَةٍ أوْ لَغْوٍ أوْ تَأْثِيمٍ ولا هم يَسْكَرُونَ مِنها.
ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ أصْلَ الغَوْلِ الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ في خَفاءٍ، يُقالُ: اغْتالَهُ اغْتِيالًا: إذا أفْسَدَ عَلَيْهِ أمْرَهُ في خُفْيَةٍ، ومِنهُ الغَوْلُ والغِيلَةُ القَتْلُ خُفْيَةً.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ " يَنْزِفُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ.
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ عَقِبَهُ صِفَةَ مَنكُوحِهِمْ فَقالَ: (p-١٢٤٠)﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: نِساءٌ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يُرِدْنَ غَيْرَهم، والقَصْرُ مَعْناهُ الحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا
والمُحْوِلُ الصَّغِيرُ مِنَ الذَّرِّ، والإتْبُ القَمِيصُ، وقِيلَ: القاصِراتُ: المَحْبُوساتُ عَلى أزْواجِهِنَّ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ قالَ: ( قاصِراتُ الطَّرْفِ )، ولَمْ يَقُلْ " مَقْصُوراتِ " .
والعِينُ عِظامُ العُيُونِ جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى عِينٌ كِبارُ الأعْيُنِ حِسانُها. وقالَ مُجاهِدٌ: العِينُ حِسانُ العُيُونِ.
وقالَ الحَسَنُ: هُنَّ الشَّدِيداتُ بَياضِ العَيْنِ الشَّدِيداتُ سَوادِها، والأوَّلُ أوْلى.
﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قالَ الحَسَنُ وأبُو زَيْدٍ: شَبَّهَهُنَّ بِبَيْضِ النَّعامِ تُكْمِنُها النَّعامَةُ بِالرِّيشِ مِنَ الرِّيحِ والغُبارِ.
فَلَوْنُهُ أبْيَضُ في صُفْرَةٍ، وهو أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: شَبَّهَهُنَّ بِبَطْنِ البَيْضِ قَبْلَ أنْ يُقَشَّرَ وتَمَسُّهُ الأيْدِي وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
قالَ المُبَرِّدُ: وتَقُولُ العَرَبُ إذا وصَفَتِ الشَّيْءَ بِالحُسْنِ والنَّظافَةِ كَأنَّهُ بَيْضُ النَّعامِ المُغَطّى بِالرِّيشِ.
وقِيلَ: المَكْنُونُ: المَصُونُ عَنِ الكَسْرِ أيْ: إنَّهُنَّ عَذارى، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَيْضِ اللُّؤْلُؤُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وحُورٌ عِينٌ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢، ٢٣] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وهِيَ بَيْضاءُ مِثْلُ لُؤْلُؤَةِ الغَوّا ∗∗∗ صِ مُيِّزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنُونٍ
والأوَّلُ أوْلى، وإنَّما قالَ ( مَكْنُونٌ ) ولَمْ يَقُلْ: مَكْنُوناتٌ، لِأنَّهُ وصَفَ البَيْضَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم﴾ قالَ: تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلزَّبانِيَةِ هَذا القَوْلَ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَنِيعٍ في مَسْنَدِهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طَرِيقِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ قالَ: أمْثالَهُمُ الَّذِينَ هم مِثْلُهم: يَجِيءُ أصْحابُ الرِّبا مَعَ أصْحابِ الرِّبا، وأصْحابُ الزِّنى مَعَ أصْحابِ الزِّنى، وأصْحابُ الخَمْرِ مَعَ أصْحابِ الخَمْرِ، أزْواجٌ في الجَنَّةِ، وأزْواجٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ قالَ: أشْباهَهم، وفي لَفْظٍ: نُظَراءَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ: وجِّهُوهم وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: دُلُّوهم ﴿إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ قالَ: طَرِيقِ النّارِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ قالَ: احْبِسُوهم إنَّهم مُحاسَبُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن داعٍ دَعا إلى شَيْءٍ إلّا كانَ مَوْقُوفًا مَعَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لازِمًا بِهِ لا يُفارِقُهُ وإنْ دَعا رَجُلٌ رَجُلًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ: ذَلِكَ إذا بُعِثُوا في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قالَ: كانُوا إذا لَمْ يُشْرَكْ بِاللَّهِ يَسْتَنْكِفُونَ، ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ لا يُعْقَلُ، قالَ: فَحَكى اللَّهُ صِدْقَهُ فَقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ ونَفْسَهُ إلّا بِحَقِّهِ وحِسابُهُ عَلى اللَّهِ» .
وأنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ وذَكَرَ قَوْمًا اسْتَكْبَرُوا، فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وقالَ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾ [الفتح: ٢٦] وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «اسْتَكْبَرَ عَنْها المُشْرِكُونَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ يَوْمَ كاتَبَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى قَضِيَّةِ المُدَّةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ قالَ: الخَمْرُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ لَيْسَ فِيها صُداعٌ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ قالَ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ والصُّداعُ والقَيْءُ والبَوْلُ، فَنَزَّهَ اللَّهُ خَمْرَ الجَنَّةِ عَنْها، فَقالَ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ لا تَغُولُ عُقُولُهم مِنَ السُّكْرِ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ قالَ: يَقِيئُونَ عَنْها كَما يَقِيءُ صاحِبُ خَمْرِ الدُّنْيا عَنْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ: هي الخَمْرُ لَيْسَ فِيها وجَعُ بَطْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ يَقُولُ: مِن غَيْرِ أزْواجِهِنَّ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قالَ: اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قالَ: بَياضُ البَيْضَةِ يُنْزَعُ عَنْها فُوفُها وغِشاؤُها.