Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الصافات 37:135 – الصافات 37:155
المحتويات
الصافات 37:135
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:136
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:137
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:138
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:139
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:140
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:141
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:142
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:143
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:144
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:145
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:146
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:147
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:148
لَمّا فَرَغَ - سُبْحانَهُ - مِن ذِكْرِ إنْجاءِ الذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ، وما مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ ذَكَرَ ما مَنَّ بِهِ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ يَعْنِي بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِما.
﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ المُرادُ بِقَوْمِهِما هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ هو ما كانُوا فِيهِ مِنِ اسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ إيّاهم، وما كانَ نَصِيبَهم مِن جِهَتِهِ مِنَ البَلاءِ، وقِيلَ: هو الغَرَقُ الَّذِي أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ونَصَرْناهم﴾ جاءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِمُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما، لِأنَّ قَبْلَهُ ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما، والمُرادُ بِالنَّصْرِ التَّأْيِيدُ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ فَكانُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلى عَدُوِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحْتَ أسْرِهِمْ وقَهْرِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في نَصَرْناهم عائِدٌ عَلى الِاثْنَيْنِ مُوسى وهارُونَ تَعْظِيمًا لَهُما، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ: والمُسْتَبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، يُقالُ: اسْتَبانَ كَذا. أيْ: صارَ بَيِّنًا.
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيِ: القَيِّمَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ فَإنَّهُ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا عَلَيْهِما في الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ الثَّناءَ الجَمِيلَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في السَّلامِ وفي وجْهِ إعْرابِهِ بِالرَّفْعِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مَعَ قَوْمِهِ، قِيلَ: وهو إلْياسُ بْنُ يس مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: كانَ إلْياسُ هو القَيِّمُ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، وقِيلَ: هو إدْرِيسُ، والأوَّلُ أوْلى.
قَرَأ الجُمْهُورُ إلْياسَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِوَصْلِها، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإنَّ " إدْرِيسَ " لَمِنَ المُرْسَلِينَ وقَرَأ أُبَيٌّ " وإنَّ إيلِيسَ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ لامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ.
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مِنَ المُرْسَلِينَ "، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ قالَ، والمَعْنى: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ هو اسْمٌ لِصَنَمٍ كانُوا يَعْبُدُونَهُ أيْ: أتَعْبُدُونَ صَنَمًا وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ( بَعْلًا ) فَقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا الصَّنَمُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: البَعْلُ هُنا مَلَكٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: امْرَأةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: رَبًّا، وهو بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّيِّدِ والرَّبِّ: البَعْلَ.
قالَ النَّحّاسُ: القَوْلانِ صَحِيحانِ أيْ: أتَدْعُونَ صَنَمًا عَمِلْتُوهُ رَبًّا ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ أحْسَنِ مَن يُقالُ لَهُ: خالِقٌ.
وانْتِصابُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " أحْسَنَ "، هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشِ، فَإنَّهم قَرَءُوا بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ الأسْماءِ، وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: عَلى عَطْفِ البَيانِ، وحَكى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى النَّعْتِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ وإنَّما هو بَدَلٌ، ولا يَجُوزُ النَّعْتُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحْلِيَةٍ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالرَّفْعِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: بِمَعْنى هو اللَّهُ رَبُّكم. قالَ النَّحّاسُ: وأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ بِغَيْرِ إضْمارٍ ولا حَذْفٍ. وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الرَّفْعَ أوْلى وأحْسَنُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن رَفَعَ أوْ نَصَبَ لَمْ يَقِفْ عَلى أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى جِهَةِ التَّمامِ لِأنَّ اللَّهَ مُتَرْجَمٌ عَنْ أحْسَنِ الخالِقِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ خالِقُكم وخالِقُ مَن قَبْلَكم فَهو الَّذِي تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: فَإنَّهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِ لَمُحْضَرُونَ في العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ.
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا بِهِ مِن قَوْمِهِ، قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها كَما تَقَدَّمَ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: أنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ: أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهم مِن عِبادِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ.
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ " عَلى آلِ ياسِينَ " بِإضافَةِ " آلٍ " بِمَعْنى آلِ ياسِينَ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللّامِ مَوْصُولَةً (p-١٢٥٠)بِـ: ( ياسِينَ ) إلّا الحَسَنَ، فَإنَّهُ قَرَأ " الياسِينَ " بِإدْخالِ آلَةِ التَّعْرِيفِ عَلى " ياسِينَ "، قِيلَ: المُرادُ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها إلْياسُ، وعَلَيْهِ وقَعَ التَّسْلِيمُ، ولَكِنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعَرَبُ تَضْطَرِبُ في هَذِهِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ ويَكْثُرُ تَغْيِيرُهم لَها.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: العَرَبُ تَتَلاعَبُ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تَلاعُبًا، فَ: ياسِينُ، وإلْياسُ، وإلْياسِينُ شَيْءٌ واحِدٌ.
قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تُسَمِّي قَوْمَ الرَّجُلِ بِاسْمِ الرَّجُلِ الجَلِيلِ مِنهم، فَيَقُولُونَ: المَهالِبَةُ عَلى أنَّهم سَمَّوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالمُهَلَّبِ. قالَ: فَعَلى هَذا إنَّهُ سَمّى كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِالياسِينِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُذْهَبُ بِالياسِينِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ جَمْعًا فَيُجْعَلُ أصْحابُهُ داخِلِينَ مَعَهُ في اسْمِهِ.
قالَ: أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقْدِيرُهُ الياسِيِينَ إلى أنَّ الياءَيْنِ لِلنِّسْبَةِ حُذِفَتا كَما حُذِفَتا في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ.
ورَجَّحَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالا: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ: عَلى آلِ فُلانٍ، إنَّما جاءَ بِالِاسْمِ كَذَلِكَ الياسِينُ لِأنَّهُ إنَّما هو بِمَعْنى إلْياسَ أوْ بِمَعْنى إلْياسَ وأتْباعِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِآلِ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ وما قَبْلُهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مُسْتَوْفًى.
﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ مُسْتَوْفاةً.
﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ: ( المُرْسَلِينَ )، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وقْتَ تَنْجِيَتِهِ.
﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الغابِرَ يَكُونُ بِمَعْنى الماضِي، ويَكُونُ بِمَعْنى الباقِي، فالمَعْنى: إلّا عَجُوزًا في الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الَّذِينَ قَدْ هَلَكُوا.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم بِالعُقُوبَةِ، والمَعْنى: أنَّ في نَجاتِهِ وأهْلِهِ جَمِيعًا إلّا العَجُوزَ وتَدْمِيرَ الباقِينَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوا بِهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ.
﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ خاطَبَ بِهَذا العَرَبَ أوْ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ أيْ: تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمُ الَّتِي فِيها آثارُ العَذابِ وقْتَ الصَّباحِ.
﴿وبِاللَّيْلِ﴾ والمَعْنى تَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ في ذَهابِكم إلى الشّامِ ورُجُوعِكم مِنهُ نَهارًا ولَيْلًا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ما تُشاهِدُونَهُ في دِيارِهِمْ مِن آثارِ عُقُوبَةِ اللَّهِ النّازِلَةِ بِهِمْ، فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَدَبِّرِينَ.
﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُونُسُ هو ذُو النُّونِ، وهو ابْنُ مَتّى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ، فَلَمّا تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ خَرَجَ عَنْهم وقَصَدَ البَحْرَ ورَكِبَ السَّفِينَةَ، فَكانَ بِذَهابِهِ إلى البَحْرِ كالفارِّ مِن مَوْلاهُ فَوُصِفَ بِالإباقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ وأصْلُ الإباقِ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وُصِفَ بِهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ. تَأْوِيلُ ( أبَقَ ) بِـ: باعَدَ أيْ: ذَهَبَ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: عَبْدٌ آبِقٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أوْ بَعْدَهُ ؟ ومَعْنى المَشْحُونِ: المَمْلُوءُ.
﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ المُساهَمَةُ أصْلُها المُغالَبَةُ، وهي الِاقْتِراعُ، وهو أنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ عَلى مَن غَلَبَ. قالَ المُبَرِّدُ أيْ: فَقارَعَ. قالَ: وأصْلُهُ مِنَ السِّهامِ الَّتِي تُجالُ، ومَعْنى ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ.
قالَ: يُقالُ: دَحَضَتْ حَجَّتُهُ ودَحَضَها اللَّهُ، وأصْلُهُ مِنَ الزَّلَقِ عَنْ مَقامِ الظُّفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ
أيِ: المَغْلُوبِينَ.
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ يُقالُ: لَقِمْتُ اللُّقْمَةَ والتَقَمْتُها: إذا ابْتَلَعْتُها أيْ: فابْتَلَعَهُ الحُوتُ، ومَعْنى ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ وهو مُسْتَحِقٌّ لِلَّوْمِ، يُقالُ: رَجُلٌ مُلِيمٌ إذا أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، وأمّا المَلُومُ فَهو الَّذِي يُلامُ سَواءٌ أتى بِما يَسْتَحِقُّ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ أمْ لا، وقِيلَ: المُلِيمُ: المَعِيبُ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ شَيْئًا صارَ بِهِ مَعِيبًا.
ومَعْنى هَذِهِ المُساهَمَةِ: أنَّ يُونُسَ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ احْتُبِسَتْ، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا عَبْدٌ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ، وهَذا رَسْمُ السَّفِينَةِ إذا كانَ فِيها آبِقٌ لا تَجْرِي، فاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، وزَجَّ نَفْسَهُ في الماءِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا اسْتَهَمُوا جاءَ حُوتٌ إلى السَّفِينَةِ فاغِرًا فاهُ يَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّهِ حَتّى إذا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ أخَذَهُ الحُوتُ.
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ أيِ: الذّاكِرِينَ لِلَّهِ، أوِ المُصَلِّينَ لَهُ.
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقِيلَ: لَلَبِثَ في بَطْنِهِ حَيًّا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ كَمْ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ؟ فَقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا. وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وقالَ عَطاءٌ: سَبْعَةَ أيّامٍ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حِبّانَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقِيلَ: ساعَةً واحِدَةً.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في ذِكْرِ اللَّهِ، وتَنْشِيطٌ لِلذّاكِرِينَ لَهُ.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ النَّبْذُ الطَّرْحُ.
والعَراءُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هو الصَّحْراءُ، وقالَ الأخْفَشُ: الفَضاءُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَكانُ الخالِي.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو وجْهُ الأرْضِ، وأنْشَدَ لِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ:
؎ورَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ طَرَحَهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ في الصَّحْراءِ الواسِعَةِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وهو عِنْدَ إلْقائِهِ سَقِيمٌ لِما نالَهُ في بَطْنِ الحُوتِ مِنَ الضَّرَرِ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الجَمْعَ بَيْنَ ما وقَعَ هُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾، وقَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ.
وأجابَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أخْبَرَ هاهُنا أنَّهُ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ولَوْلا رَحْمَتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ.
﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ أيْ: شَجَرَةً فَوْقَهُ تُظَلِّلُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): عِنْدَهُ وقِيلَ: مَعْنى ( عَلَيْهِ ): لَهُ.
واليَقْطِينُ هي شَجَرَةُ الدُّبّاءِ. وقالَ المُبَرِّدُ: (p-١٢٥١)اليَقْطِينُ يُقالُ: لِكُلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ لَها ساقٌ، بَلْ تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوَ الدُّبّاءِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَإنْ كانَ لَها ساقٌ يُقِلُّها فَيُقالُ لَها شَجَرَةٌ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٌ وغَيْرِهِما.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ ثُمَّ يَمُوتُ مِن عامِهِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقْطِينُ ما لا ساقَ لَهُ مِن شَجَرٍ كَشَجَرِ القَرْعِ ونَحْوِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُ اليَقْطِينِ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ أيْ: أقامَ بِهِ فَهو يَفْعِيلٌ، وقِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يُسْتَظَلُّ بِظِلِّها مِنَ الشَّمْسِ، وقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أرْوِيَّةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بَكْرَةً وعَشِيَّةً. فَكانَ يَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى اشْتَدَّ لَحْمُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهم إلى البَحْرِ وجَرى لَهُ ما جَرى بَعْدَ هَرَبِهِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وهم أهْلُ نِينَوى.
قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ يُونُسَ مُسْتَوْفًى، و( أوْ ) في ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ قِيلَ: هي بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ويَزِيدُونَ.
وقالَ الفَرّاءُ: ( أوْ ) هاهُنا بِمَعْنى بَلْ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ.
وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والأخْفَشُ: أوْ هُنا عَلى أصْلِهِ، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، فالشَّكُّ إنَّما دَخَلَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ المَخْلُوقِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانُوا يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا. وقالَ الحَسَنُ: بِضْعًا وثَلاثِينَ ألْفًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعِينَ ألْفًا.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ " ويَزِيدُونَ " بِدُونِ ألِفِ الشَّكِّ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ هَلْ هَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هو الَّذِي كانَ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وتَكُونُ الواوُ في ( وأرْسَلْناهُ ) لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بَيْنَ ما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ وبَيْنَ إرْسالِهِ إلى قَوْمِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ في السِّياقِ وتَأْخِيرِ ما تَأخَّرَ، أوْ هو إرْسالٌ لَهُ بَعْدَما وقَعَ لَهُ مَعَ الحُوتِ ما وقَعَ عَلى قَوْلَيْنِ، وقَدْ قَدَّمَنا الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ هَلْ كانَ قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ أنْ يَهْرُبَ مِن قَوْمِهِ إلى البَحْرِ أوْ لَمْ يُرْسَلْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ والرّاجِحُ أنَّهُ كانَ رَسُولًا قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ إلى البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا في سُورَةِ يُونُسَ وبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلى الرِّسالَةِ، وهَذا الإرْسالُ المَذْكُورُ هُنا هو بَعْدَ تَقَدُّمِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَما شاهَدُوا أعْلامَ نُبُوَّتِهِ فَمَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ومُنْتَهى أعْمارِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الخَضِرُ هو إلْياسُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنزِلًا فَإذا رَجُلٌ في الوادِي يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَرْحُومَةِ المَغْفُورِ المُثابِ لَها فَأشْرَفْتُ عَلى الوادِي فَإذا طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا وأكْثَرُ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أنَسٌ خادِمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أيْنَ هو ؟ فَقُلْتُ: هو ذا يَسْمَعُ كَلامَكَ، قالَ: فَأْتِهِ وأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ لَهُ: أخُوكَ إلْياسُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ، فَجاءَ حَتّى عانَقَهُ وقَعَدا يَتَحَدَّثانِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إنَّما آكُلُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وهَذا يَوْمُ فِطْرِي فَآكُلُ أنا وأنْتَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِما المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، فَأكَلا وأطْعَمانِي وصَلَّيا العَصْرَ ثُمَّ ودَّعَهُ، ثُمَّ رَأيْتُهُ مَرَّ عَلى السَّحابِ نَحْوَ السَّماءِ» .
قالَ الذَّهَبِيُّ مُتَعَقِّبًا لِتَصْحِيحِ الحاكِمِ لَهُ: بَلْ مَوْضُوعٌ قَبَّحَ اللَّهُ مَن وضَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قالَ: صَنَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: " سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ " قالَ: نَحْنُ آلُ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ ما جاءَهم بِهِ فامْتَنَعُوا مِنهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ إنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْهِمُ العَذابَ في يَوْمِ كَذا وكَذا.
فَأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ قَوْمَهُ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ مِن عَذابِهِ إيّاهم، فَقالُوا ارْمُقُوهُ فَإنْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَهو واللَّهِ كائِنٌ ما وعَدَكم، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدُوا بِالعَذابِ في صَبِيحَتِها أدْلَجَ فَرَآهُ القَوْمُ فَحَذِرُوا، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ إلى بَرازٍ مِن أرْضِهِمْ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دابَّةٍ ووَلَدِها، ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وأنابُوا واسْتَقالُوا فَأقالَهُمُ اللَّهُ، وانْتَظَرَ يُونُسُ الخَبَرَ عَنِ القَرْيَةِ وأهْلِها حَتّى مَرَّ بِهِ مارٌّ، فَقالَ: ما فَعَلَ أهْلُ القَرْيَةِ ؟ قالَ: إنَّ نَبِيَّهم لَمّا خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهم ما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، فَخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذاتِ ولَدٍ ووَلَدِها ثُمَّ عَجُّوا إلى اللَّهِ وتابُوا إلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ مِنهم وأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ يُونُسُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا ومَضى عَلى وجْهِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قِصَّتِهِ وما رُوِيَ فِيها مِن سُورَةِ يُونُسَ فَلا نُكَرِّرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَساهَمَ﴾ قالَ: اقْتَرَعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ قالَ: المَقْرُوعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ قالَ: مُسِيءٌ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ قالَ: مِنَ المُصَلِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ قالَ: ألْقَيْناهُ بِالسّاحِلِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ قالَ: القَرْعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اليَقْطِينُ كُلُّ شَيْءٍ يَذْهَبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّما كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ بَعْدَما نَبَذَهُ (p-١٢٥٢)الحُوتُ، ثُمَّ تَلا ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ كَما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَزِيدُونَ ثَلاثِينَ ألْفًا.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهم يَزِيدُونَ بِضْعَةً وأرْبَعِينَ ألْفًا. ولا يَتَعَلَّقُ بِالخِلافِ في هَذا كَثِيرُ فائِدَةٍ.
الصافات 37:149
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.
الصافات 37:150
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.
الصافات 37:151
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.
الصافات 37:152
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.
الصافات 37:153
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.
الصافات 37:154
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.
الصافات 37:155
لَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ وقَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِاسْتِفْتائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا مُحَمَّدُ: أيِ: اسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقٍ ما زَعَمُوهُ مِنَ الكَذِبِ أدْنى الجِنْسَيْنِ وأوْضَعَهُما وهو الإناثُ، ولَهم أعْلاهُما وأرْفَعَهُما وهُمُ الذُّكُورُ، وهَلْ هَذا إلّا حَيْفٌ في القِسْمَةِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وسُوءِ إدْراكِهِمْ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] .
ثُمَّ زادَ في تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ فَأضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ في التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ أيْ: كَيْفَ جَعَلُوهم إناثًا وهم لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ خَلْقِنا لَهم، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم﴾ [الزخرف: ١٩] فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ ولَمْ يَشْهَدُوا، ولا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ مِنَ السَّمْعِ، ولا هو مِمّا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ حَتّى يَنْسُبُوا إدْراكَهُ إلى عُقُولِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كَذِبِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَوْلَهم هَذا هو مِنَ الإفْكِ والِافْتِراءِ مِن دُونِ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةِ دَلِيلٍ فَإنَّهُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مُسْنَدًا إلى اللَّهِ. وقُرِئَ بِإضافَةِ ولَدٍ إلى اللَّهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - تَقْرِيعَهم وتَوْبِيخَهم فَقالَ: ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ حُذِفَ مَعَها هَمْزَةُ الوَصْلِ اسْتِغْناءً بِهِ عَنْها.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ تَثْبُتُ ابْتِداءً وتَسْقُطُ دَرْجًا، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مَنوِيًّا قالَهُ الفَرّاءُ.
وحُذِفَ حَرْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى أنِ اصْطَفى وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ. وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِفْهامِ والبَدَلِ.
فَقَدْ حَكى جَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنهُمُ الفَرّاءُ أنَّ التَّوْبِيخَ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جُمْلَتانِ اسْتِفْهامِيَّتانِ لَيْسَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالأُخْرى مِن حَيْثُ الإعْرابِ: اسْتَفْهِمْهم أوَّلًا عَمّا اسْتَقَرَّ لَهم وثَبَتَ اسْتِفْهامٌ بِإنْكارٍ، وثانِيًا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن هَذا الحُكْمِ الَّذِي حَكَمُوا بِهِ، والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ لِلَّهِ بِالبَناتِ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ، ولَكم بِالبَنِينَ وهُمُ القِسْمُ الَّذِي تُحِبُّونَهُ ؟ .
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والمَعْنى: ألا تَعْتَبِرُونَ وتَتَفَكَّرُونَ فَتَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا الَّذِي تَقُولُونَهُ، وهو إضْرابٌ عَنْ تَوْبِيخٍ إلى تَوْبِيخٍ وانْتِقالٌ مِن تَقْرِيعٍ إلى تَقْرِيعٍ.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فَأْتُوا بِحُجَّتِكُمُ الواضِحَةِ عَلى هَذا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَقُولُونَهُ، أوْ فَأْتُوا بِالكُتّابِ الَّذِي يَنْطِقُ لَكم بِالحُجَّةِ ويَشْتَمِلُ عَلَيْها.
﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ هُنا المَلائِكَةُ، قِيلَ: لَهم جِنَّةٌ لِأنَّهم لا يُرَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَطْنٌ مِن بُطُونِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنَّةُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إنَّما قِيلَ لَهُمُ الجِنَّةُ لِأنَّهم خُزّانٌ عَلى الجِنانِ. والنَّسَبُ الصِّهْرُ. قالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: قالُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنِ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتِ المَلائِكَةُ مِن أوْلادِهِمْ، قالا: والقائِلُ بِهَذِهِ المَقالَةِ اليَهُودُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ القائِلَ بِذَلِكَ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَطَبَ إلى ساداتِ الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ مِن سَرَواتِ بَناتِهِمْ، فالمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ بَناتِ الجِنِّ.
وقالَ الحَسَنُ: أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ اللَّهِ، فَهو النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يُحْضَرُونَ النّارَ ويُعَذَّبُونَ فِيها.
وقِيلَ: عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم (p-١٢٥٣)أنْفُسَهم يَحْضُرُونَ لِلْحِسابِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإحْضارَ إذا أُطْلِقَ فالمُرادُ العَذابُ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أوْ هو حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المُلْكِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا وصَفَهُ بِهِ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ بَرِيئُونَ عَنْ أنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها ومَعْناهُما ما بَيَّناهُ قَرِيبًا. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْضَرِينَ أيْ: إنَّهم يُحْضَرُونَ النّارَ إلّا مَن أخْلَصَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا لا مُنْقَطِعًا، وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ التَّسْبِيحِ مُعْتَرِضَةً.
ثُمَّ خاطَبَ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ أوْ كُفّارَ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّكم وآلِهَتَكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: " فاتِنِينَ "، والواوُ في ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ إمّا لِلْعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ، أوْ هو بِمَعْنى مَعَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: فَإنَّكم والَّذِي تَعْبُدُونَ، أوْ وعِبادَتَكم، ومَعْنى " فاتِنِينَ " مُضِلِّينَ، يُقالُ: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَهُ عَنِ الشَّيْءِ وبِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: أضَلَّهُ عَلى الشَّيْءِ وأضَلَّهُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: فَتَنْتُهُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: أفْتَنْتُهُ، ويُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى الإضْلالِ والإفْسادِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِآلِهَتِكم إلّا مَن قَدَرَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصْلى الجَحِيمَ، و" ما " في وما أنْتُمْ نافِيَةٌ وأنْتُمْ خِطابٌ لَهم ولِمَن يَعْبُدُونَهُ عَلى التَّغْلِيبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ التَّفْسِيرِ مُجْمِعُونَ فِيما عَلِمْتُ أنَّ المَعْنى: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَرَدَّ بِفِتْنَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَنا فاتِنًا
أيْ مُضِلًّا.
﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( صالِ ) بِكَسْرِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مَنقُوصٌ مُضافٌ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحُمِلَ عَلى لَفْظِ ( مَن )، وأُفْرِدَ كَما أُفْرِدَ ( هو ) .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّ اللّامِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، ورُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ اللّامِ بِدُونِ واوٍ.
فَأمّا مَعَ الواوِ فَعَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلامَةٍ بِالواوِ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ، وأمّا بِدُونِ الواوِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ خَطًّا كَما حُذِفَتْ لَفْظًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وحَقُّهُ عَلى هَذا كَسْرُ اللّامِ.
قالَ النَّحّاسُ: وجَماعَةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَحْنٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ: هَذا قاضِ المَدِينَةِ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ أحَدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ إلّا مَن هو مِن أهْلِ النّارِ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما يُصِرُّ عَلى الكُفْرِ مَن سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ، وإنَّهُ مِمَّنْ يَصْلى النّارَ أيْ: يَدْخُلُها.
ثُمَّ قالَ المَلائِكَةُ مُخْبِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَما حَكاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْهم.
﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وما مَنّا أحَدٌ، أوْ: وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في عِبادَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وما مَنّا إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، رَجَّحَ البَصْرِيُّونَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ، ورَجَّحَ الكُوفِيُّونَ الثّانِيَ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ وفِيهِ مُضْمَرٌ. المَعْنى وما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ أيْ: في مَواقِفِ الطّاعَةِ. قالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ صَفُّوا أقْدامَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: صُفُوفُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيِ: المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ المُقَدِّسُونَ لَهُ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُصَلُّونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِمُ المُسَبِّحُونَ مَجْمُوعُ التَّسْبِيحِ بِاللِّسانِ وبِالصَّلاةِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ هي صِفاتُ المَلائِكَةِ، ولَيْسُوا كَما وصَفَهم بِهِ الكُفّارُ مِن أنَّهم بَناتُ اللَّهِ.
﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ أيْ: كانُوا قَبْلَ المَبْعَثِ المُحَمَّدِيِّ إذا عَيُّوا بِالجَهْلِ قالُوا. ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ، وإنَّ في قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وفِيها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ كَفّارُ العَرَبِ لَيَقُولُونَ إلَخْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ هي الفَصِيحَةُ الدّالَّةُ عَلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ فَجاءَهم مُحَمَّدٌ بِالذِّكْرِ فَكَفَرُوا بِهِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ ومَغَبَّتَهُ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لَهم شَدِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْوَعِيدِ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الكُفّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِالكَلِمَةِ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وقالَ الفَرّاءُ: سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِالسَّعادَةِ لَهم. والأُولى تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِما هو مَذْكُورٌ هُنا، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا وهَذا تَفْسِيرٌ لَها، والمُرادُ بِجُنْدِ اللَّهِ حِزْبُهُ وهُمُ الرُّسُلُ وأتْباعُهم.
قالَ الشَّيْبانِيُّ: جاءَ هُنا عَلى الجَمْعِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وهَذا الوَعْدُ لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ لا يُنافِيهِ انْهِزامُهم في بَعْضِ المَواطِنِ وغَلَبَةُ الكُفّارِ لَهم، فَإنَّ الغالِبَ في كُلِّ مَوْطِنٍ هو انْتِصارُهم عَلى الأعْداءِ وغَلَبَتُهُ لَهم، فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، عَلى أنَّ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ مَوْطِنٍ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم والإغْماضِ عَمّا يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ فَقالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، وهي مُدَّةُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ. قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ. وقالَ قَتادَةُ: إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: وأبْصِرْهم إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِالقَتْلِ (p-١٢٥٤)والأسْرِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإبْصارُ، وعَبَّرَ بِالإبْصارِ عَنْ قُرْبِ الأمْرِ أيْ: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ عَنْ قَرِيبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ.
ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ كانُوا يَقُولُونَ مِن فَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ: مَتى هَذا العَذابُ ؟ .
﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ: إذا نَزَلَ عَذابُ اللَّهِ لَهم بِفَنائِهِمْ، والسّاحَةُ في اللُّغَةِ: فِناءُ الدّارِ الواسِعِ. قالَ الفَرّاءُ: نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ سَواءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِساحَتِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ نَزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والجارُّ والمَجْرُورُ قائِمٌ مُقامَ الفاعِلِ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: صَباحُهم.
وخَصَّ الصَّباحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ العَذابَ كانَ يَأْتِيهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ - سُبْحانَهُ - ما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وحَذَفَ مَفْعُولَ " أبْصِرْ " هاهُنا وذَكَرَهُ أوَّلًا إمّا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ هُنا اخْتِصارًا، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يُبْصِرُهُ مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ المُرادُ بِها أحْوالُ القِيامَةِ، والجُمْلَةُ الأُولى المُرادُ بِها عَذابُهم في الدُّنْيا، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّأْكِيدِ، بَلْ مِن بابِ التَّأْسِيسِ.
ثُمَّ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ قَبِيحِ ما يَصْدُرُ مِنهم فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ العِزَّةُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ الشَّرِيفِ، و( رَبِّ العِزَّةِ ) بَدَلٌ مِن رَبِّكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَشْرِيفِ رُسُلِهِ وتَكْرِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ وبَلَّغُوا رِسالاتِهِ، وهو مِنَ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أمْنٌ لَهم وسَلامَةٌ مِنَ المَكارِهِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إرْشادٌ لِعِبادِهِ إلى حَمْدِهِ عَلى إرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَعْلِيمٌ لَهم كَيْفَ يَصْنَعُونَ عِنْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ وما يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ الحَمْدُ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونَصْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ، والأوْلى أنَّهُ حَمْدٌ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ كَما يُفِيدُهُ حَذْفُ المَحْمُودِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حَذْفَهُ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي، والحَمْدُ هو الثَّناءُ الجَمِيلُ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ: زَعَمَ أعْداءُ اللَّهِ أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - هو وإبْلِيسُ أخَوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ قالَ: فَإنَّكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ وما تَعْبُدُونَ: يَعْنِي الآلِهَةَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قالَ: بِمُضِلِّينَ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَقُولُ: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِي أنَّهُ سَيَصْلى الجَحِيمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ يَقُولُ: إنَّكم لا تَضِلُّونَ أنْتُمْ ولا أُضِلُّ مِنكم إلّا مَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ أنَّهُ صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لا تُفْتَنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ قالَ المَلائِكَةُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قالَ: المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «ما في السَّماءِ مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ قائِمٌ، وذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾» وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ العَلاءِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾» .
وأخْرَجَ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ مِنَ السَّماواتِ لَسَماءٌ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أوْ قَدَماهُ قائِمًا أوْ ساجِدًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ " .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، إنَّ السَّماءَ أطَّتْ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ الصَّحابَةَ أنْ يَصُفُّوا كَما تَصُفُّ المَلائِكَةَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقالُوا: وكَيْفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ: يُقِيمُونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمَةَ ويَتَراصُّونَ في الصَّفِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: لَمّا جاءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وعِلْمُ الآخِرِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: " «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَيْبَرَ وقَدْ خَرَجُوا بِالمَساحِي، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ قالُوا: مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذِرِينَ» . الحَدِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إذا سَلَّمْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَسَلِّمُوا عَلَيَّ فَإنَّما أنا بَشَرٌ مِنَ المُرْسَلِينَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي العَوّامِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُسَلِّمَ مِن صَلاتِهِ قالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَعْرِفُ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ إلى (p-١٢٥٥)آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ «مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ» .
وأخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ في تَرْغِيبِهِ مِن طَرِيقِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ.
وإلى هُنا انْتَهى الجُزْءُ الثّالِثُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ المُبارَكِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، المَقْبُولِ بِفَضْلِ اللَّهِ، بِقَلَمِ مُصَنِّفِهِ الحَقِيرِ " مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما "، في نَهارِ الخَمِيسِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ الحَرامِ مِن شُهُورٍ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ وألْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حامِدًا لِلَّهِ شاكِرًا لَهُ مُصَلِّيًا مُسَلِّمًا عَلى رَسُولِهِ وآلِهِ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص.
انْتَهى سَماعُ هَذا الجُزْءِ عَلى مُؤَلِّفِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ غُرَّةَ شَهْرِ جَمادى الآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٣٩ ه.
كَتَبَهُ يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكانِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُما.