Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — غافر 40:1 – غافر 40:30

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. غافر 40:1
  2. غافر 40:2
  3. غافر 40:3
  4. غافر 40:4
  5. غافر 40:5
  6. غافر 40:6
  7. غافر 40:7
  8. غافر 40:8
  9. غافر 40:9
  10. غافر 40:10
  11. غافر 40:11
  12. غافر 40:12
  13. غافر 40:13
  14. غافر 40:14
  15. غافر 40:15
  16. غافر 40:16
  17. غافر 40:17
  18. غافر 40:18
  19. غافر 40:19
  20. غافر 40:20
  21. غافر 40:21
  22. غافر 40:22
  23. غافر 40:23
  24. غافر 40:24
  25. غافر 40:25
  26. غافر 40:26
  27. غافر 40:27
  28. غافر 40:28
  29. غافر 40:29
  30. غافر 40:30

غافر 40:1

لَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وسَوْقَهم إلى جَهَنَّمَ، ذَكَرَ هُنا حالَ المُتَّقِينَ وسَوْقَهم إلى الجَنَّةِ فَقالَ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ أيْ: ساقَتْهُمُ المَلائِكَةُ سَوْقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الزُّمَرِ ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ. قالَ المُبَرِّدُ تَقْدِيرُهُ: سَعِدُوا وفُتِحَتْ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسا فَحُذِفَ جَوابُ لَوْ، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ أرْوَحَ. وقالَ الزَّجّاجُ: القَوْلُ عِنْدِي أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: حَتّى إذا جاءُوها، وكانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذُكِرَتْ دَخَلُوها فالجَوابُ دَخَلُوها وحُذِفَ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (p-١٢٩٣)والكُوفِيُّونَ: الجَوابُ فُتِحَتْ والواوُ زائِدَةٌ، وهو خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ الواوَ مِن حُرُوفِ المَعانِي فَلا تُزادُ. وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ الواوِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأبْوابَ فُتِحَتْ لَهم قَبْلَ أنْ يَأْتُوا لِكَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا جاءُوها وأبْوابُها مُفَتَّحَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وحُذِفَتِ الواوُ في قِصَّةِ أهْلِ النّارِ، لِأنَّهم وُقِفُوا عَلى النّارِ وفُتِحَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ إذْلالًا وتَرْوِيعًا. ذَكَرَ مَعْناهُ النَّحّاسُ مَنسُوبًا إلى بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، قالَ: ولا أعْلَمُ أنَّهُ سَبَقَهُ إلَيْهِ أحَدٌ. وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أيْ: جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ لَهُمُ الأبْوابُ. وقِيلَ: إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في العَدَدِ: خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا في سُورَةِ بَراءَةٍ مُسْتَوْفًى وفي سُورَةِ الكَهْفِ أيْضًا. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ خَزَنَةَ الجَنَّةِ يُسَلِّمُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم﴾ أيْ: سَلامٌ لَكم مِن كُلِّ آفَةٍ طِبْتُمْ في الدُّنْيا فَلَمْ تَتَدَنَّسُوا بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالعَمَلِ الصّالِحِ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا قَطَعُوا جِسْرَ جَهَنَّمَ حُبِسُوا عَلى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَظالِمُ كانَتْ بَيْنَهم حَتّى إذا هُذِّبُوا وطُيِّبُوا قالَ لَهم رِضْوانُ وأصْحابُهُ سَلامٌ عَلَيْكم الآيَةَ فادْخُلُوها أيِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ خالِدِينَ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ أهْلُ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالبَعْثِ والثَّوابِ بِالجَنَّةِ ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَ الجَنَّةِ كَأنَّها صارَتْ مِن غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ فَمَلَكُوها وتَصَرَّفُوا فِيها، وقِيلَ: إنَّهم ورِثُوا الأرْضَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ. قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: إنَّها أرْضُ الدُّنْيا، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ حَيْثُ نَشاءُ ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الجَنَّةُ، وهَذا مِن تَمامِ قَوْلِ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحِيطِينَ مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ إذا أطافُوا بِهِ، ومِن مَزِيدَةٌ قالَهُ الأخْفَشُ، أوْ لِلِابْتِداءِ، والمَعْنى: أنَّ الرّائِيَ يَراهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وجُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُسَبِّحِينَ لِلَّهِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ، وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحُونَ يُصَلُّونَ حَوْلَ العَرْشِ شُكْرًا لِرَبِّهِمْ، والحافِّينَ جَمْعُ حافٍّ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ إذْ لا يَقَعُ لَهم هَذا الِاسْمُ إلّا مُجْتَمِعِينَ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ: بَيْنَ العِبادِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمُ الجَنَّةَ وبَعْضِهِمُ النّارَ، وقِيلَ: بَيْنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ مَعَ الشُّهَداءِ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ بِالحَقِّ، وقِيلَ: بَيْنَ المَلائِكَةِ بِإقامَتِهِمْ في مَنازِلِهِمْ عَلى حَسَبِ دَرَجاتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ القائِلُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَمِدُوا اللَّهَ عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ النّارِ بِالحَقِّ، وقِيلَ: القائِلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ حَمِدُوا اللَّهَ - تَعالى - عَلى عَدْلِهِ في الحُكْمِ وقَضائِهِ بَيْنَ عِبادِهِ بِالحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، والَّذِينَ يَلُونَهم عَلى ضَوْءِ أشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّماءِ إضاءَةً» . وأخْرَجا وغَيْرُهُما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فِي الجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ مِنها بابٌ يُسَمّى بابَ الرَّيّانِ لا يَدْخُلُهُ إلّا الصّائِمُونَ» . وقَدْ ورَدَ في كَوْنِ أبْوابِ الجَنَّةِ ثَمانِيَةَ أبْوابٍ أحادِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ قالَ: أرْضَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي العالِيَةِ مِثْلَهُ.

غافر 40:2

لَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وسَوْقَهم إلى جَهَنَّمَ، ذَكَرَ هُنا حالَ المُتَّقِينَ وسَوْقَهم إلى الجَنَّةِ فَقالَ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ أيْ: ساقَتْهُمُ المَلائِكَةُ سَوْقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ. وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الزُّمَرِ ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ جَوابُ إذا مَحْذُوفٌ. قالَ المُبَرِّدُ تَقْدِيرُهُ: سَعِدُوا وفُتِحَتْ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ولَكِنَّها نَفْسٌ تُساقِطُ أنْفُسا فَحُذِفَ جَوابُ لَوْ، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ أرْوَحَ. وقالَ الزَّجّاجُ: القَوْلُ عِنْدِي أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: حَتّى إذا جاءُوها، وكانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذُكِرَتْ دَخَلُوها فالجَوابُ دَخَلُوها وحُذِفَ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (p-١٢٩٣)والكُوفِيُّونَ: الجَوابُ فُتِحَتْ والواوُ زائِدَةٌ، وهو خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ الواوَ مِن حُرُوفِ المَعانِي فَلا تُزادُ. وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ الواوِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأبْوابَ فُتِحَتْ لَهم قَبْلَ أنْ يَأْتُوا لِكَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا جاءُوها وأبْوابُها مُفَتَّحَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وحُذِفَتِ الواوُ في قِصَّةِ أهْلِ النّارِ، لِأنَّهم وُقِفُوا عَلى النّارِ وفُتِحَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ إذْلالًا وتَرْوِيعًا. ذَكَرَ مَعْناهُ النَّحّاسُ مَنسُوبًا إلى بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، قالَ: ولا أعْلَمُ أنَّهُ سَبَقَهُ إلَيْهِ أحَدٌ. وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أيْ: جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ لَهُمُ الأبْوابُ. وقِيلَ: إنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في العَدَدِ: خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في هَذا في سُورَةِ بَراءَةٍ مُسْتَوْفًى وفي سُورَةِ الكَهْفِ أيْضًا. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ خَزَنَةَ الجَنَّةِ يُسَلِّمُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم﴾ أيْ: سَلامٌ لَكم مِن كُلِّ آفَةٍ طِبْتُمْ في الدُّنْيا فَلَمْ تَتَدَنَّسُوا بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: طِبْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: بِالعَمَلِ الصّالِحِ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا قَطَعُوا جِسْرَ جَهَنَّمَ حُبِسُوا عَلى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَظالِمُ كانَتْ بَيْنَهم حَتّى إذا هُذِّبُوا وطُيِّبُوا قالَ لَهم رِضْوانُ وأصْحابُهُ سَلامٌ عَلَيْكم الآيَةَ فادْخُلُوها أيِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ خالِدِينَ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ أهْلُ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالبَعْثِ والثَّوابِ بِالجَنَّةِ ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَ الجَنَّةِ كَأنَّها صارَتْ مِن غَيْرِهِمْ إلَيْهِمْ فَمَلَكُوها وتَصَرَّفُوا فِيها، وقِيلَ: إنَّهم ورِثُوا الأرْضَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ. قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: إنَّها أرْضُ الدُّنْيا، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ: نَتَّخِذُ فِيها مِنَ المَنازِلِ ما نَشاءُ حَيْثُ نَشاءُ ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الجَنَّةُ، وهَذا مِن تَمامِ قَوْلِ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - . ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: مُحِيطِينَ مُحَدِّقِينَ بِهِ، يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ إذا أطافُوا بِهِ، ومِن مَزِيدَةٌ قالَهُ الأخْفَشُ، أوْ لِلِابْتِداءِ، والمَعْنى: أنَّ الرّائِيَ يَراهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وجُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُسَبِّحِينَ لِلَّهِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ، وقِيلَ: مَعْنى يُسَبِّحُونَ يُصَلُّونَ حَوْلَ العَرْشِ شُكْرًا لِرَبِّهِمْ، والحافِّينَ جَمْعُ حافٍّ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ إذْ لا يَقَعُ لَهم هَذا الِاسْمُ إلّا مُجْتَمِعِينَ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ: بَيْنَ العِبادِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمُ الجَنَّةَ وبَعْضِهِمُ النّارَ، وقِيلَ: بَيْنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ مَعَ الشُّهَداءِ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ بِالحَقِّ، وقِيلَ: بَيْنَ المَلائِكَةِ بِإقامَتِهِمْ في مَنازِلِهِمْ عَلى حَسَبِ دَرَجاتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ القائِلُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَمِدُوا اللَّهَ عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ النّارِ بِالحَقِّ، وقِيلَ: القائِلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ حَمِدُوا اللَّهَ - تَعالى - عَلى عَدْلِهِ في الحُكْمِ وقَضائِهِ بَيْنَ عِبادِهِ بِالحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، والَّذِينَ يَلُونَهم عَلى ضَوْءِ أشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّماءِ إضاءَةً» . وأخْرَجا وغَيْرُهُما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فِي الجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ مِنها بابٌ يُسَمّى بابَ الرَّيّانِ لا يَدْخُلُهُ إلّا الصّائِمُونَ» . وقَدْ ورَدَ في كَوْنِ أبْوابِ الجَنَّةِ ثَمانِيَةَ أبْوابٍ أحادِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ قالَ: أرْضَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي العالِيَةِ مِثْلَهُ.

غافر 40:3

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:4

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:5

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:6

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:7

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:8

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:9

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. قالَ الحَسَنُ: إلّا قَوْلَهُ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [غافر: ٥٥] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٦] والَّتِي بَعْدَها، وهي خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: اثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ حم المُؤْمِنِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتِ الحَوامِيمُ السَّبْعُ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ نَزَلَتِ الحَوامِيمُ جَمِيعًا بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الحَوامِيمَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِيَ الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ، وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبابًا، وإنَّ لُبابَ القُرْآنِ آلُ حم. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إذا وقَعْتُ في آلِ حم وقَعْتُ في دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الحَوامِيمُ سَبْعٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعٌ، تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها تَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَأُنِي» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ حم المُؤْمِنَ أيْ: [غافر: ١ - ٣] وآيَةَ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] حِينَ يُصْبِحُ، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، ومَن قَرَأهُما حِينَ (p-١٢٩٤)يُمْسِي، حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الحاءِ مُشْبَعًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإمالَتِهِ إمالَةً مَحْضَةً. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإمالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ حم بِسُكُونِ المِيمِ كَسائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِضَمِّها عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ عَلى أنَّها حَرَكَةُ بِناءٍ لا حَرَكَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِوَصْلِ الحاءِ بِالمِيمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِقَطْعِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وقالَ الضَّحّاكُ والكِسائِيُّ مَعْناهُ قَضى، وجَعَلاهُ بِمَعْنى حُمَّ أيْ: قُضِيَ ووَقَعَ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُمَّ أمْرُ اللَّهِ أيْ: قَرُبَ نَصْرُهُ لِأوْلِيائِهِ وانْتِقامُهُ مِن أعْدائِهِ. وهَذا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لا مُوجِبَ لَهُ وتَعَسُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ، والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الفاتِحَةَ لِهَذِهِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْناهُ كَما قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. تَنْزِيلُ الكِتابِ هو خَبَرٌ لِ حم عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ بِـ تَنْزِيلُ: المُنَزَّلُ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِكَذِبٍ عَلَيْهِ. والعَزِيزُ الغالِبُ القاهِرُ، والعَلِيمُ: الكَثِيرُ العِلْمِ بِخَلْقِهِ وما يَقُولُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَها كالنَّعْتِ لِلْمَعْرِفَةِ، وهي نَكِرَةٌ، ووَجْهُ قَوْلِهِ هَذا أنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إضافَتُها مَعْنَوِيَّةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً، وتُوصَفُ بِهِ المَعارِفُ إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ فَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا بَلْ جَعَلُوا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ كاسْمِ الفاعِلِ في جَوازِ جَعْلِها إضافَةً مَحْضَةً، وذَلِكَ حَيْثُ لا يُرادُ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، فَيُجَوِّزُونَ في شَدِيدِ هُنا أنْ تَكُونَ إضافَتُهُ مَحْضَةً. وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِمُشَدَّدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَ مَخْفُوضَةٌ عَلى البَدَلِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَ غافِرَ وقابِلَ مَخْفُوضَيْنِ عَلى الوَصْفِ، وشَدِيدَ مَخْفُوضًا عَلى البَدَلِ؛ والمَعْنى: غافِرِ الذَّنْبِ لِأوْلِيائِهِ وقابِلِ تَوْبَتِهِمْ وشَدِيدِ العِقابِ لِأعْدائِهِ، والتَّوْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّوْبَةِ مِن تابَ يَتُوبُ تَوْبَةً وتَوْبًا، وقِيلَ: هو جَمْعُ تَوْبَةٍ، وقِيلَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقابِلِ التَّوْبِ مِنَ الشِّرْكِ، وشَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يُوَحِّدُهُ، وقَوْلُهُ: ذِي الطَّوْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأصْلُ الطَّوْلِ الإنْعامُ والتَّفَضُّلُ أيْ: ذِي الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ذِي الغِنى والسَّعَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] أيْ: غِنًى وسَعَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي المَنِّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والطَّوْلُ بِالفَتْحِ: المَنُّ يُقالُ مِنهُ: طالَ عَلَيْهِ ويَطُولُ عَلَيْهِ إذا امْتَنَّ عَلَيْهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذِي الطَّوْلِ: ذِي التَّفَضُّلِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَنِّ والتَّفَضُّلِ أنَّ المَنَّ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، والتَّفَضُّلَ إحْسانٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في اليَوْمِ الآخِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أنْزَلَهُ لِيُهْتَدى بِهِ في الدِّينِ، ذَكَرَ أحْوالَ مَن يُجادِلُ فِيهِ لِقَصْدِ إبْطالِهِ فَقالَ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما يُخاصِمُ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ وتَكْذِيبِها إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمُرادُ الجِدالُ بِالباطِلِ والقَصْدُ إلى دَحْضِ الحَقِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، فَأمّا الجِدالُ لِاسْتِيضاحِ الحَقِّ ورَفْعِ اللَّبْسِ والبَحْثِ عَنِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ وعَنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ ودَفْعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُبْطِلُونَ مِن مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ، ورَدِّهِمْ بِالجِدالِ إلى المُحْكَمِ فَهو مِن أعْظَمِ ما يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُونَ، وبِذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقالَ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لَمّا حَكَمَ - سُبْحانَهُ - عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالكُفْرِ، نَهى رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ أنْ يَغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِن حُظُوظِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقالَ: فَلا يَغْرُرْكَ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ التِّجارَةِ في البِلادِ وما يُحَصِّلُونَهُ مِنَ الأرْباحِ ويَجْمَعُونَهُ مِنَ الأمْوالِ فَإنَّهم مُعاقَبُونَ عَمّا قَلِيلٍ وإنْ أُمْهِلُوا فَإنَّهم لا يُهْمَلُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَغْرُرْكَ بِفَكِّ الإدْغامِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالإدْغامِ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأنَّ هَؤُلاءِ سَلَكُوا سَبِيلَ أُولَئِكَ في التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ (p-١٢٩٥)الضَّمِيرُ في بَعْدِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْمِ نُوحٍ أيْ: وكَذَّبَتِ الأحْزابُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أيْ: هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوهُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيَحْبِسُوهُ ويُعَذِّبُوهُ ويُصِيبُوا مِنهُ ما أرادُوا. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لِيَقْتُلُوهُ، والأخْذُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] والعَرَبُ تُسَمِّي الأسِيرَ الأخِيذَ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: خاصَمُوا رَسُولَهم بِالباطِلِ مِنَ القَوْلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ لِيُزِيلُوهُ، ومِنهُ مَكانٌ دَحْضٌ: أيْ: مُزْلِقَةٌ، ومُزِلَّةُ أقْدامٍ، والباطِلُ داحِضٌ لِأنَّهُ يَزْلَقُ ويَزُولُ فَلا يَسْتَقِرُّ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: جادَلُوا الأنْبِياءَ بِالشِّرْكِ لِيُبْطِلُوا بِهِ الإيمانَ ﴿فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ: فَأخَذْتُ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِالباطِلِ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِي الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن عِقابِ اجْتِزاءٌ بِالكَسْرَةِ عَنْها وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ. ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ولَزِمَتْ، يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ إذا لَزِمَ وثَبَتَ، والمَعْنى: وكَما حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ حَقَّتْ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وجادَلُوكَ بِالباطِلِ وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وجُمْلَةُ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلنّارِ. قالَ الأخْفَشُ أيْ: لِأنَّهم، أوْ بِأنَّهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بَدَلًا مِن كَلِمَةُ. قَرَأ الجُمْهُورُ كَلِمَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ " كَلِماتٌ " بِالجَمْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ حَمَلَةِ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبَيانِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أعْلى طَبَقاتِهِمْ يَضُمُّونَ إلى تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ والإيمانِ بِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَقُوا، والمُرادُ بِمَن حَوْلَ العَرْشِ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، وهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾، وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى العَرْشِ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وكَذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نِعَمِهِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، أوْ قائِلِينَ: رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا انْتِصابُ رَحْمَةً وعِلْمًا عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّوْبَةَ عَنِ الذُّنُوبِ واتَّبَعُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ: احْفَظْهم مِنهُ. ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وأدْخِلْهم مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: " قِهِمْ " ووَسَّطَ الجُمْلَةَ النِّدائِيَّةَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِالتَّكْرِيرِ، ووَصَفَ جَنّاتِ عَدْنٍ بِأنَّها ﴿الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ إيّاها ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: وأدْخِلْ مَن صَلَحَ، والمُرادُ بِالصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ بِاللَّهِ والعَمَلُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَحَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ويَجُوزُ عَطْفُ ومَن صَلَحَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم أيْ: ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ، والأوْلى عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ في وأدْخِلْهم. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: نَصْبُهُ مِن مَكانَيْنِ إنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في أدْخِلْهم، وإنْ شِئْتَ عَلى الضَّمِيرِ في وعَدْتَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مَن صَلَحَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وذُرِّيّاتِهِمْ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى الإفْرادِ. إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ أيِ: الغالِبُ القاهِرُ الكَثِيرُ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ. ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتِ، أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ. قالَ قَتادَةُ: وقِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِنَ العَذابِ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يُقالُ: وقاهُ يَقِيهِ وِقايَةً أيْ: حَفِظَهُ، ومَعْنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أيْ: رَحِمْتَهُ مِن عَذابِكَ وأدْخَلْتَهُ جَنَّتَكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنّاتِ، ووِقايَتِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ أيِ: الظَّفَرُ الَّذِي لا ظَفَرَ مِثْلُهُ، والنَّجاةُ الَّتِي لا تُساوِيها نَجاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: حم اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، في المُصَنَّفِ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي مَن «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْلَةَ الخَنْدَقِ إنْ أُتِيتُمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّكم تَلْقَوْنَ عَدُوَّكم فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قالَ: ذِي السَّعَةِ والغِنى. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ الآيَةَ قالَ: غافِرِ الذَّنْبِ لِمَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿وقابِلِ التَّوْبِ﴾ مِمَّنْ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَدِيدِ العِقابِ لِمَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الغِنى لا إلَهَ إلّا هو كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ لا يُوَحِّدُونَهُ فَوَحَّدَ نَفْسَهُ إلَيْهِ المَصِيرُ مَصِيرُ مَن يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ومَصِيرُ مَن لا يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مِراءٌ في القُرْآنِ كُفْرٌ» .

غافر 40:10

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:11

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:12

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:13

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:14

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:15

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:16

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:17

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:18

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:19

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:20

(p-١٢٩٦)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ أصْحابِ النّارِ، وأنَّها حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ ذَكَرَ أحْوالَهم بَعْدَ دُخُولِ النّارِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ . قالَ الواحِدِيُّ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا أعْمالَهم ونَظَرُوا في كِتابِهِمْ وأُدْخِلُوا النّارَ ومَقَتُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ ناداهم حِينَ عايَنُوا عَذابَ اللَّهِ مُنادٍ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ اليَوْمَ. قالَ الأخْفَشُ: هَذِهِ اللّامُ في " لَمَقْتُ " هي لامُ الِابْتِداءِ أُوقِعَتْ بَعْدَ يُنادَوْنَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم، والنِّداءُ قَوْلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ مِن أهْلِ النّارِ: مَقَتُّكِ يا نَفْسُ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ لَهم وهم في النّارِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا أشَدُّ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الحَسَنُ: يُعْطَوْنَ كِتابَهم، فَإذا نَظَرُوا إلى سَيِّئاتِهِمْ مَقَتُوا أنْفُسَهم، فَيُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ عايَنْتُمُ النّارَ، والظَّرْفُ في إذْ تُدْعَوْنَ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: مَقْتِكم وقْتَ دُعائِكم، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِالمَقْتِ المَذْكُورِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ فَقالَ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ اثْنَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، والمُرادُ بِالإماتَتَيْنِ: أنَّهم كانُوا نُطَفًا لا حَياةَ لَهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أنْ صارُوا أحْياءً في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالإحْياءَتَيْنِ: أنَّهُ أحْياهُمُ الحَياةَ الأُولى في الدُّنْيا، ثُمَّ أحْياهم عِنْدَ البَعْثِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم أُمِيتُوا في الدُّنْيا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في قُبُورِهِمْ لِلسُّؤالِ، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ووَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ المَوْتَ سَلْبُ الحَياةِ ولا حَياةَ لِلنُّطْفَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَوْتَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى عادِمِ الحَياةِ مِنَ الأصْلِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى تَفْسِيرِ الأوَّلِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالآيَةِ: أنَّهُ خَلَقَهم في ظَهْرِ آدَمَ واسْتَخْرَجَهم وأحْياهم، وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم في الدُّنْيا ثُمَّ أماتَهم. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اعْتِرافَهم بَعْدَ أنْ صارُوا في النّارِ بِما كَذَّبُوا بِهِ في الدُّنْيا، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ الَّتِي أسْلَفْناها في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإشْراكِ بِاللَّهِ وتَرْكِ تَوْحِيدِهِ، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرافُ، ونَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وقَدْ جَعَلُوا اعْتِرافَهم هَذا مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: هَلْ إلى خُرُوجٍ لَنا مِنَ النّارِ ورُجُوعٍ لَنا إلى الدُّنْيا مِن سَبِيلٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقَوْلُهُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ [الأنعام: ٢٧] الآيَةَ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ في الدُّنْيا وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَفَرْتُمْ بِهِ وتَرَكْتُمْ تَوْحِيدَهُ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها تُؤْمِنُوا بِالإشْراكِ بِهِ وتُجِيبُوا الدّاعِيَ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - لَهُمُ السَّبَبَ الباعِثَ عَلى عَدَمِ إجابَتِهِمْ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ، وهو ما كانُوا فِيهِ مِن تَرْكِ تَوْحِيدِ اللَّهَ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ الَّتِي رَأْسُها الدُّعاءُ، ومَحَلُّ ذَلِكم الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُجِيبُوا بِأنْ لا سَبِيلَ إلى الرَّدِّ، وذَلِكَ لِأنَّكم كُنْتُمْ إذا دُعِيَ اللَّهُ إلَخْ فالحُكْمُ لِلَّهِ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وهو الَّذِي حَكَمَ عَلَيْكم بِالخُلُودِ في النّارِ وعَدَمِ الخُرُوجِ مِنها والعَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، والكَبِيرِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أوْ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وعَلاماتِ قُدْرَتِهِ ﴿ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ يَعْنِي: المَطَرَ فَإنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ. جَمَعَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَ إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ الأرْزاقِ؛ لِأنَّ بِإظْهارِ الآياتِ قِوامُ الأدْيانِ، وبِالأرْزاقِ قِوامُ الأبْدانِ، وهَذِهِ الآياتُ هي التَّكْوِينِيَّةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما. قَرَأ الجُمْهُورُ يُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: ما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ فَيَسْتَدِلُّ بِها عَلى التَّوْحِيدِ وصِدْقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ إلّا مَن يُنِيبُ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ بِما يَسْتَفِيدُهُ مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما نَصَبَهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ أمَرَ عِبادَهُ بِدُعائِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ فَقالَ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فادْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ العِبادَةَ الَّتِي أمَرَكم بِها ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ذَلِكَ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلى كَراهَتِهِمْ، ودَعُوهم يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ ويَهْلِكُوا بِحَسْرَتِهِمْ. رَفِيعُ الدَّرَجاتِ وارْتِفاعُ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ عَلى المُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أيْ: هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ، وهو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، وكَذَلِكَ ذُو العَرْشِ خَبَرٌ ثالِثٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ ذُو العَرْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ورَفِيعُ (p-١٢٩٧)صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. والمَعْنى: رَفِيعُ الصِّفاتِ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ أيْ: مَعارِجِهِمْ، أوْ رَفِيعُ دَرَجاتِ أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَفِيعُ السَّماواتِ السَّبْعِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ رَفِيعُ بِمَعْنى رافِعٍ، ومَعْنى ذُو العَرْشِ: مالِكُهُ وخالِقُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُلُوَّ شَأْنِهِ وعِظَمَ سُلْطانِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ ويَجِبُ لَهُ الإخْلاصُ، وجُمْلَةُ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُتَقَدِّمِ أوْ لِلْمُقَدَّرِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُلْقِي الوَحْيَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، وسُمِّيَ الوَحْيُ رُوحًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ وقَوْلُهُ: مِن أمْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُلْقِي، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الرُّوحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: الرُّوحُ جِبْرِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النمل: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، ومَعْنى مِن أمْرِهِ مِن قَضائِهِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " لِيُنْذِرَ " مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصَبَ اليَوْمَ، والفاعِلُ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أوِ الرَّسُولُ أوْ مَن يَشاءُ، والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وجَماعَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ اليَوْمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِتُنْذِرَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ، أوْ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الرُّوحِ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَأْنِيثُها. وقَرَأ اليَمانِيُّ " لِيُنْذَرَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفَعَ يَوْمَ عَلى النِّيابَةِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في المَحْشَرِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ: يَوْمَ يَلْتَقِي العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ، وقِيلَ: الظّالِمُ والمَظْلُومُ، وقِيلَ: الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وقِيلَ: جَزاءُ الأعْمالِ والعامِلُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى بارِزُونَ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُرُوزِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - شَيْءٌ مِنهم ولا مِن أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا، وجُمْلَةُ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ عِنْدَ بُرُوزِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا هَلَكَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يُجِيبُهُ أحَدٌ فَيُجِيبُ - تَعالى - نَفْسَهُ، فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو السّائِلُ - تَعالى - وهو المُجِيبُ حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَأْمُرُ مُنادِيًا يُنادِي بِذَلِكَ، فَيَقُولُ أهْلُ المَحْشَرِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ يُجِيبُ المُنادِيَ بِهَذا الجَوابِ أهْلُ الجَنَّةِ دُونَ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِانْقِطاعِ دَعاوى المُبْطِلِينَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ مِن تَمامِ الجَوابِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُجِيبَ هُمُ العِبادُ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَهو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَوابِهِمْ أيِ: اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لا ظُلْمَ اليَوْمَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِنَقْصٍ مِن ثَوابِهِ أوْ بِزِيادَةٍ في عِقابِهِ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ في ذَلِكَ كَما يَحْتاجُهُ غَيْرُهُ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِإنْذارِ عِبادِهِ فَقالَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ فُلانٌ أيْ: قَرُبَ يَأْزَفُ أزَفًا، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِكابِنا وكَأنَّ قَدْ ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] أيْ: قَرُبَتِ السّاعَةُ، وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ حُضُورِ المَوْتِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ لَها: آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ أمْرَها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَزُولُ عَنْ مَواضِعِها مِنَ الخَوْفِ حَتّى تَصِيرَ إلى الحَنْجَرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] كاظِمِينَ مَغْمُومِينَ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ غَمًّا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: وقَعَتْ قُلُوبُهم في الحَناجِرِ مِنَ المَخافَةِ، فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْ نِهايَةِ الجَزَعِ، وإنَّما قالَ كاظِمِينَ بِاعْتِبارِ أهْلِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ المَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، فَيَكُونُ حالًا مِنهم. وقِيلَ: حالًا مِنَ القُلُوبِ، وجُمِعَ الحالُ مِنها جَمْعَ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى العُقَلاءِ، فَجُمِعَتْ جَمْعَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ فَقالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَنْفَعُهم ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ في شَفاعَتِهِ لَهم، ومَحَلُّ يُطاعُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَفِيعٍ. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - شُمُولَ عِلْمِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَ في غايَةِ الخَفاءِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهي مُسارَقَةُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ: هو الَّذِي يُرِيكم قالَ المُؤَرِّجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ﴿خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾: الهَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّ اللَّهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، ورَأيْتُ وما رَأى. وقالَ (p-١٢٩٨)سُفْيانُ: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ وتُسِرُّهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ. ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ فَيُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أيْ: تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَدْعُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ يَعْنِي: الظّالِمِينَ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ نافِعٌ وشَيْبَةُ وهِشامٌ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ خافِيَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ قالَ: هي مِثْلُ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم﴾ [البقرة: ٢٨] كانُوا أمْواتًا في صُلْبِ آبائِهِمْ ثُمَّ أخْرَجَهم فَأحْياهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كُنْتُمْ تُرابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَكم، فَهَذِهِ مِيتَةٌ، ثُمَّ أحْياكم فَخَلَقَكم فَهَذِهِ حَياةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكم فَتَرْجِعُونَ إلى القُبُورِ فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرى، ثُمَّ يَبْعَثُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَهَذِهِ حَياةٌ، فَهُما مَوْتَتانِ وحَياتانِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يَوْمَ التَّلاقِ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وآخِرُ ولَدِهِ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ الآزِفَةِ، ونَحْوُ هَذا مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ عَظَّمَهُ اللَّهُ وحَذَّرَهُ عِبادَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ: يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ، ويَنْزِلُ اللَّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البَعْثِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ " يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْها، وإذا غَفَلُوا لَحَظَ إلَيْها، وإذا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْها، وقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِهِ أنَّهُ ودَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: إذا نَظَرَ إلَيْها يُرِيدُ الخِيانَةَ أمْ لا ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ قالَ: إذا قَدَرَ عَلَيْها أيَزْنِي بِها أمْ لا ؟ ألا أُخْبِرُكم بِالَّتِي تَلِيها ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْزِيَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ وبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أمَّنَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ وامْرَأتَيْنِ، وقالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، فاخْتَبَأ عِنْدَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، فَلَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - النّاسَ إلى البَيْعَةِ جاءَ بِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبى بَيْعَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أما كانَ فِيكم رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُولُ إلى هَذا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ ؟ فَقالُوا: ما يُدْرِينا يا رَسُولَ اللَّهِ ما في نَفْسِكَ، هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِعَيْنِكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .

غافر 40:21

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:22

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:23

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:24

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:25

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:26

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:27

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:28

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:29

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .

غافر 40:30

لَمّا خَوَّفَهم - سُبْحانَهُ - بِأحْوالِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ وأقْوى ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ بِما عَمَّرُوا فِيها مِنَ الحُصُونِ والقُصُورِ وبِما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَّةِ، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُوا إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى يَسِيرُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ بَيانٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حالِ هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ: وآثارًا عَطْفٌ عَلى قُوَّةً. قَرَأ الجُمْهُورُ أشَدَّ مِنهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " أشَدَّ مِنكم " عَلى الِالتِفاتِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (p-١٢٩٩)أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ: مِن دافِعٍ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْذِ ﴿بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحَةِ فَكَفَرُوا بِما جاءُوهم بِهِ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن عَصاهُ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ لِيَعْتَبِرُوا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ هي: التِّسْعُ الآياتُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في غَيْرِ مَوْضِعٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ: حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ، وهي التَّوْراةُ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا﴾ إنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم رُؤَساءُ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، فَفِرْعَوْنُ المَلِكُ، وهامانُ الوَزِيرُ، وقارُونُ صاحِبُ الأمْوالِ والكُنُوزِ. ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ الظّاهِرَةُ الواضِحَةُ ﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا قَتْلٌ غَيْرُ القَتْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كانَ أمْسَكَ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ وقْتَ وِلادَةِ مُوسى، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى أعادَ القَتْلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الذُّكُورِ وتَرْكِ النِّساءِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في خُسْرانٍ ووَبالٍ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ باطِلًا ويَحِيقُ بِهِمْ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ إنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ كانَ في خاصَّةِ قَوْمِهِ مَن يَمْنَعُهُ مِن قَتْلِ مُوسى مَخافَةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، والمَعْنى: اتْرُكُونِي أقْتُلْهُ ولْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا فَلْيَمْنَعْهُ مِنَ القَتْلِ إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ أيْ: لا يَهُولَنَّكم ذَلِكَ فَإنَّهُ لا رَبَّ لَهُ حَقِيقَةً؛ بَلْ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ويُدْخِلَهم في دِينِهِ الَّذِي هو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ أيْ: يُوقِعَ بَيْنَ النّاسِ الخِلافَ والفِتْنَةَ، جَعَلَ اللَّعِينُ ظُهُورَ ما دَعا إلَيْهِ مُوسى وانْتِشارَهُ في الأرْضِ واهْتِداءَ النّاسِ بِهِ فَسادًا، ولَيْسَ الفَسادُ إلّا ما هو عَلَيْهِ هو ومَن تابَعَهُ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ أوْ أنْ يُظْهِرَ بِأوِ الَّتِي لِلْإبْهامِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ " وأنْ يُظْهِرَ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى مَعْنى وُقُوعِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ مِن " إنِّي أخافُ " وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ يُظْهِرَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن أظْهَرَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ مُوسى، والفَسادُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، ورَفْعِ الفَسادِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " عُذْتُ " بِإدْغامِ الذّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، لَمّا هَدَّدَهُ فِرْعَوْنُ بِالقَتْلِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُلِّ مُتَعَظِّمٍ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ غَيْرِ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ويَدْخُلُ فِرْعَوْنُ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: كانَ قِبْطِيًّا وهو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وهو الَّذِي نَجا مَعَ مُوسى، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى﴾ [القصص: ٢٠] الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقَدْ تُمُحِّلَ لِذَلِكَ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن جَعَلَهُ إسْرائِيلِيًّا فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: كَتَمَهُ أمْرَ كَذا ولا يُقالُ: كَتَمَ مِنهُ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وأيْضًا ما كانَ فِرْعَوْنُ يَحْتَمِلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْمِ هَذا الرَّجُلِ، فَقِيلَ: حَبِيبٌ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ:، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ رَجُلٌ بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ الوارِثِ بِسُكُونِها، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ، والأُولى هي الفَصِيحَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ ومُؤْمِنٌ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، ومِن آلِ فِرْعَوْنَ صِفَةٌ أُخْرى، ويَكْتُمُ إيمانَهُ صِفَةٌ ثالِثَةٌ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ لِلْإنْكارِ، و﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ والدَّلالاتِ الظّاهِراتِ عَلى نُبُوَّتِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم﴾ ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ هَذا لِشَكٍّ مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ، ولا يَشُكُّ المُؤْمِنُ، ومَعْنى ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُهُ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن يَكُنْ في المَوْضِعَيْنِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ: كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو الهَيْثَمِ: بَعْضُ هُنا بِمَعْنى كُلٍّ أيْ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى هَذا قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها أيْ: كُلَّ النُّفُوسِ، وقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ البَعْضَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى الكُلِّ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولَيْسَ في البَيْتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى ما زَعَمُوهُ، وأمّا بَيْتُ لَبِيدٍ فَقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ، ولا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلى حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّنَزُّلَ مَعَهم وإيهامَهم أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: وهَذا عَلى المُظاهَرَةِ في الحِجاجِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، (p-١٣٠٠)وفِي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم، فَكَأنَّ الحاصِلَ بِالبَعْضِ هو الحاصِلُ بِالكُلِّ: وقالَ اللَّيْثُ: بَعْضُ هاهُنا صِلَةٌ، يُرِيدُ: يُصِبْكُمُ الَّذِي يَعِدُكم، وقِيلَ: يُصِبْكم هَذا العَذابُ الَّذِي يَقُولُهُ في الدُّنْيا وهو بَعْضُ ما يَتَوَعَّدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإذا كَفَرُوا أصابَهُمُ العِقابُ، وهو بَعْضُ ما وعَدَهم بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وهو احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ إلى البَيِّناتِ ولا أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ، فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، والمُسْرِفُ المُقِيمُ عَلى المَعاصِي المُسْتَكْثِرُ مِنها، والكَذّابُ المُفْتَرِي. ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ ما هم فِيهِ مِنَ المُلْكِ لِيَشْكُرُوا اللَّهَ ولا يَتَمادَوْا في كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ظاهِرِينَ: الظُّهُورُ عَلى النّاسِ والغَلَبَةُ لَهم والِاسْتِعْلاءُ عَلَيْهِمْ، والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ، وانْتِصابُ ظاهِرِينَ عَلى الحالِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنا مِن عَذابِهِ ويَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لَهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ وإنْزالِ عَذابِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ما قالَهُ هَذا الرَّجُلُ مِنَ النُّصْحِ الصَّحِيحِ جاءَ بِمُراوَغَةٍ يُوهِمُ بِها قَوْمَهُ أنَّهُ لَهم مِنَ النَّصِيحَةِ والرِّعايَةِ بِمَكانٍ مَكِينٍ، وأنَّهُ لا يَسْلُكُ بِهِمْ إلّا مَسْلَكًا يَكُونُ فِيهِ جَلْبُ النَّفْعِ لَهم ودَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي. وقالَ الضَّحّاكُ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو إلّا ما أرى ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: ما أهْدِيكم بِهَذا الرَّأْيِ إلّا طَرِيقَ الحَقِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّشادِ " بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّها صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَضَرّابٍ. وقالَ النَّحّاسُ: هي لَحْنٌ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في آلِ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنٌ غَيْرُهُ وغَيْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وغَيْرُ المُؤْمِنِ الَّذِي أنْذَرَ مُوسى الَّذِي قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أُخْبِرْتُ أنَّ اسْمَهُ حِزْقِيلُ. وأخْرَجَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ قالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أخْبِرْنا بِأشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبَيْهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ، والبَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ أيُّها النّاسُ أخْبِرُونِي مَن أشْجَعُ النّاسِ ؟ قالُوا أنْتَ. قالَ: أما أنِّي ما بارَزْتُ أحَدًا إلّا انْتَصَفْتُ مِنهُ ولَكِنْ أخْبِرُونِي بِأشْجَعِ النّاسِ ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُ فَمَن ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذا يُجَنِّبُهُ وهَذا يُتَلْتِلُهُ، وهم يَقُولُونَ أنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، قالَ: فَواللَّهِ ما دَنا مِنّا أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا ويُتَلْتِلُ هَذا، وهو يَقُولُ: ويْلَكم أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَ بُرْدَةً كانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكى حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم أمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أمْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: ألا تُجِيبُونَ ؟ فَواللَّهِ لَساعَةٌ مِن أبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِن مِثْلِ مُؤْمِنٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وذاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ وهَذا رَجُلٌ أعْلَنَ إيمانَهُ» .