Fath Al-Qadir Al-Shawkani — فصلت 41:1 – فصلت 41:21
المحتويات
فصلت 41:1
أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يُخْبِرَ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ نَهاهُ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ وأمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الأصْنامُ.
ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ النَّهْيِ فَقالَ: ﴿لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ وهي الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ، فَإنَّها تُوجِبُ التَّوْحِيدَ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أسْتَسْلِمَ لَهُ بِالِانْقِيادِ والخُضُوعِ.
ثُمَّ أرْدَفَ هَذا بِذِكْرِ دَلِيلٍ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: خَلَقَ أباكُمُ الأوَّلَ، وهو آدَمُ، وخَلْقُهُ مِن تُرابٍ يَسْتَلْزِمُ خَلْقَ ذُرِّيَّتِهِ مِنهُ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ: أطْفالًا، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ عَلى مَعْنى يُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم طِفْلًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ وهي الحالَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيها القُوَّةُ والعَقْلُ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأشُدِّ مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ، واللّامُ التَّعْلِيلِيَّةُ في ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى، لِيُخْرِجَكم مُناسِبَةٌ لَها والتَّقْدِيرُ: لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا غايَةَ الكَمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لِتَبْلُغُوا، قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ وهِشامٌ ﴿شُيُوخًا﴾ بِضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، وقُرِئَ " شَيْخًا " عَلى الإفْرادِ لِقَوْلِهِ طِفْلًا، والشَّيْخُ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ أيْ: وقْتَ المَوْتِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، واللّامُ هي لامُ العاقِبَةِ ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَعْقِلُوا تَوْحِيدَ رَبِّكم وقُدْرَتَهُ البالِغَةَ في خَلْقِكم عَلى هَذِهِ الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ.
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُها ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ في المَقْدُوراتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في البَقَرَةِ وفِيما بَعْدَها.
ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن أحْوالِ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى المُجادَلَةِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ أيْ: (p-١٣٠٧)كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْها مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّتِها، وأنَّها في أنْفُسِها مُوجِبَةٌ لِلتَّوْحِيدِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ. قالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ.
ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ وصَفَ هَؤُلاءِ بِصِفَةٍ تَدُلُّ عَلى غَيْرِ ما قالُوهُ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ، وهَذا وصْفٌ لا يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلى فِرْقَةٍ مِن فِرَقِ الإسْلامِ، والمَوْصُولُ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، والمُرادُ بِالكِتابِ إمّا القُرْآنُ أوْ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ بِالكِتابِ، ويُرادُ بِهِ ما يُوحى إلى الرُّسُلِ مِن غَيْرِ كِتابٍ إنْ كانَتِ اللّامُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ أوْ سائِرِ الكُتُبِ إنْ كانَ المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ ووَبالَ كُفْرِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ.
والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وقْتَ كَوْنِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ، والسَّلاسِلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأغْلالِ، والتَّقْدِيرُ: إذِ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ السَّلاسِلُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ في أعْناقِهِمْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ﴿يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ﴾ بِحَذْفِ العائِدِ أيْ: يُسْحَبُونَ بِها في الحَمِيمِ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ السَّلاسِلِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو الجَوْزاءِ بِنَصْبِها، وقَرَأُوا " يَسْحَبُونَ " بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَتَكُونُ السَّلاسِلُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا، وقَرَأ بَعْضُهم بِجَرِّ السَّلاسِلِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهَذِهِ القِراءَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، إذِ المَعْنى: أعْناقُهم في الأغْلالِ والسَّلاسِلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: وفي السَّلاسِلِ يُسْحَبُونَ، واعْتَرَضَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، ومَحَلُّ يُسْحَبُونَ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ السَّلاسِلِ عَلى الأغْلالِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مُبْتَدَأً وخَبَرُها في أعْناقِهِمُ النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوْ لا مَحَلَّ لَهُ، بَلْ هو مُسْتَأْنَفٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
والحَمِيمُ هو المُتَناهِي في الحَرِّ، وقِيلَ: الصَّدِيدُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يُقالُ: سَجَرْتُ التَّنُّورَ أيْ: أوْقَدْتُهُ وسَجَّرْتُهُ مَلَأْتُهُ بِالوَقُودِ، ومِنهُ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ، فالمَعْنى: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ أوْ تُمْلَأُ بِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها.
﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم أيْ: أيْنَ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ.
﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ: ذَهَبُوا وفَقَدْناهم فَلا نَراهم، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ وانْتَقَلُوا إلى الإخْبارِ بِعَدَمِهِمْ وأنَّهُ لا وُجُودَ لَهم فَقالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا، قالُوا هَذا لَمّا تَبَيَّنَ لَهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ ما لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولَيْسَ هَذا إنْكارًا مِنهم لِوُجُودِ الأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، بَلِ اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّ عِبادَتَهم إيّاها كانَتْ باطِلَةً ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الضَّلالِ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ حَيْثُ عَبَدُوا هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي أوْصَلَتْهم إلى النّارِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى الإضْلالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِسَبَبِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِما كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ في الدُّنْيا مِنَ الفَرَحِ بِمَعاصِي اللَّهِ والسُّرُورِ بِمُخالَفَةِ رُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وقِيلَ: بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِهِ مِنَ المالِ والأتْباعِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ: بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَرَحِ هُنا البَطَرُ والتَّكَبُّرُ، وبِالمَرَحِ الزِّيادَةُ في البَطَرِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: تَمْرَحُونَ أيْ: تَبْطَرُونَ وتَأْشَرُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: الفَرَحُ السُّرُورُ، والمَرَحُ العُدْوانُ. وقالَ مُقاتِلٌ المَرَحُ: البَطَرُ والخُيَلاءُ.
﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ حالَ كَوْنِكم خالِدِينَ فِيها أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ فِيها ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ جَهَنَّمُ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالِانْتِقامِ مِنهم كائِنٌ لا مَحالَةَ، إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ، وما في " فَإمّا " زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، والأصْلُ: ( فَإنْ نُرِكَ )، ولَحِقَتْ بِالفِعْلِ نُونُ التَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى نُرِيَنَّكَ أيْ: أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ إنْزالِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنُعَذِّبُهم.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أيْ: أنْبَأْناكَ بِأخْبارِهِمْ وما لَقُوهُ مِن قَوْمِهِمْ ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ خَبَرَهُ ولا أوْصَلْنا إلَيْكَ عِلْمَ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، والمُرادُ بِالآيَةِ: المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا جاءَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ﴿قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ فِيما بَيْنَهم فَيُنَجِّي اللَّهُ بِقَضائِهِ الحَقِّ عِبادَهُ المُحِقِّينَ ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿المُبْطِلُونَ﴾ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الباطِلَ ويَعْمَلُونَ بِهِ.
ثُمَّ امْتَنَّ - سُبْحانَهُ - عَلى عِبادِهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ نِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصى فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ أيْ: خَلَقَها لِأجْلِكم، قالَ الزَّجّاجُ: الأنْعامُ هاهُنا الإبِلُ، وقِيلَ: الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ في المَوْضِعَيْنِ ومَعْناها: ابْتِداءُ الرُّكُوبِ وابْتِداءُ الأكْلِ، والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: لِتَرْكَبُوا بَعْضَها وتَأْكُلُوا بَعْضَها.
﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أخَّرَ غَيْرَ الرُّكُوبِ والأكْلَ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعْرِ والزُّبْدِ والسَّمْنِ والجُبْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: تَحْمِلُ أثْقالَكم مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا مُسْتَوْفًى في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (p-١٣٠٨)أيْ: عَلى الإبِلِ في البَرِّ، وعَلى السُّفُنِ في البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالحَمْلِ عَلى الأنْعامِ هُنا حَمْلُ الوِلْدانِ والنِّساءِ بِالهَوادِجِ.
﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: دَلالاتِهِ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ فَإنَّها كُلَّها مِنَ الظُّهُورِ وعَدَمِ الخَفاءِ بِحَيْثُ لا يُنْكِرُها مُنْكِرٌ ولا يَجْحَدُها جاحِدٌ، وفِيهِ تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، ونُصِبَ أيَّ: بِـ ﴿تُنْكِرُونَ﴾، وإنَّما قُدِّمَ عَلى العامِلِ فِيهِ لِأنَّ لَهُ صَدْرَ الكَلامِ.
ثُمَّ أرْشَدَهم - سُبْحانَهُ - إلى الِاعْتِبارِ والتَّفَكُّرِ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي عَصَتِ اللَّهَ وكَذَّبَتْ رُسُلَها، فَإنَّ الآثارَ المَوْجُودَةَ في دِيارِهِمْ تَدُلُّ عَلى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وما صارُوا إلَيْهِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ تِلْكَ الأُمَمَ كانُوا فَوْقَ هَؤُلاءِ في الكَثْرَةِ والقُوَّةِ فَقالَ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً﴾ أيْ: أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا وأقْوى مِنهم أجْسادًا وأوْسَعَ مِنهم أمْوالًا، وأظْهَرَ مِنهم آثارًا في الأرْضِ بِالعَمائِرِ والمَصانِعِ والحَرْثِ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما الأُولى اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم، أوْ نافِيَةً أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم، وما الثّانِيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالحُجَجِ الواضِحاتِ والمُعْجِزاتِ الظّاهِراتِ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: أظْهَرُوا الفَرَحَ بِما عِنْدَهم مِمّا يَدَّعُونَ أنَّهُ مِنَ العِلْمِ مِنَ الشُّبَهِ الدّاحِضَةِ والدَّعاوى الزّائِغَةِ، وسَمّاهُ عِلْمًا تَهَكُّمًا بِهِمْ، أوْ عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُعَذَّبَ ولَنْ نُبْعَثَ، وقِيلَ: المُرادُ: مِن عِلْمِ أحْوالِ الدُّنْيا لا الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧] وقِيلَ: الَّذِينَ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ هُمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كَذَّبَهم قَوْمُهم أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ مُهْلِكٌ الكافِرِينَ ومُنْجٍ المُؤْمِنِينَ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ.
﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ أيْ: عايَنُوا عَذابَنا النّازِلَ بِهِمْ ﴿قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ وهي الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها.
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ أيْ: عِنْدَ مُعايَنَةِ عَذابِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإيمانَ لَيْسَ بِالإيمانِ النّافِعِ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ إنَّما يَنْفَعُ الإيمانُ الِاخْتِيارِيُّ لا الإيمانُ الِاضْطِرارِيُّ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ أيِ: الَّتِي قَدْ مَضَتْ في عِبادِهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ كُلِّها أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ إذا رَأوُا العَذابَ.
وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ النِّساءِ وسُورَةِ التَّوْبَةِ، وانْتِصابُ سُنَّةَ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ بِمَنزِلَةِ وعْدِ اللَّهِ وما أشْبَهَهُ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ.
وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّحْذِيرِ أيِ: احْذَرُوا يا أهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ أيْ: وقْتَ رُؤْيَتِهِمْ بَأْسَ اللَّهِ ومُعايَنَتِهِمْ لِعَذابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الكافِرُ خاسِرٌ في كُلِّ وقْتٍ، ولَكِنَّهُ يَتَبَيَّنُ لَهم خُسْرانُهم إذا رَأوُا العَذابَ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ «تَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ فَقالَ: لَوْ أنَّ رَصاصَةً مِثْلَ هَذِهِ، وأشارَ إلى جُمْجُمَةٍ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وهي مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، ولَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِن رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أصْلَها، أوْ قالَ قَعْرَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ النّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَسْبَحُونَ في الحَمِيمِ فَيَنْسَلِخُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ مِن جِلْدٍ ولَحْمٍ وعِرْقٍ حَتّى يَصِيرَ في عَقِبِهِ حَتّى إنَّ لَحْمَهُ قُدِّرَ طُولُهُ، وطُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، ثُمَّ يُكْسى جِلْدًا آخَرَ، ثُمَّ يُسْجَرُ في الحَمِيمِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَهو مِمَّنْ لَمْ يَقْصُصْ عَلى مُحَمَّدٍ.
فصلت 41:2
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:3
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:4
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:5
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:6
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:7
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:8
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:9
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:10
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:11
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:12
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:13
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:14
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «اجْتَمَعَ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقالُوا: انْظُرُوا أعْلَمَكم بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا وشَتَّتَ أمْرَنا وعابَ دِينَنا، فَلْيُكَلِّمْهُ ولْيَنْظُرْ ماذا يَرُدُّ عَلَيْهِ ؟ فَقالُوا: ما نَعْلَمُ أحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقالُوا ائْتِ يا أبا الوَلِيدِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: فَإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ خَيْرٌ مِنكَ فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ، وإنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ خَيْرٌ مِنهم فَتَكَلَّمْ حَتّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ، أما واللَّهِ ما رَأيْنا سَخْلَةً قَطُّ أشْأمَ عَلى قَوْمِكَ مِنكَ، فَرَّقْتَ جَماعَتَنا وشَتَّتَّ أمْرَنا وعِبْتَ دِينَنا وفَضَحَتَنا في العَرَبِ، حَتّى لَقَدْ طارَ فِيهِمْ أنَّ في قُرَيْشٍ ساحِرًا وأنَّ في قُرَيْشٍ كاهِنًا، واللَّهِ ما تَنْتَظِرُ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى أنْ يَقُومَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، يا رَجُلُ إنْ كانَ إنَّما بِكَ الحاجَةُ جَمَعْنا لَكَ حَتّى تَكُونَ أغْنى قُرَيْشٍ رَجُلًا، وإنْ كانَ إنَّما بِكَ الباءَةُ فاخْتَرْ أيَّ نِساءِ قُرَيْشٍ شِئْتَ فَلَنُزَوِّجَنَّكَ عَشْرًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَرَغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ ١٣] فَقالَ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ ما عِنْدَكَ غَيْرَ هَذا ؟ قالَ: لا، فَرَجَعَ إلى قُرَيْشٍ فَقالُوا ما وراءَكَ ؟ قالَ: ما تَرَكْتُ شَيْئًا أرى أنَّكم تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إلّا كَلَّمْتُهُ، فَقالُوا: (p-١٣٠٩)فَهَلْ أجابَكَ قالَ: والَّذِي نَصَبَها بِنْيَةً ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ، غَيْرَ أنَّهُ أنْذَرَكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، قالُوا: ويْلَكَ يُكَلِّمُكَ الرَّجُلُ بِالعَرَبِيَّةِ وما تَدْرِي ما قالَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ ما فَهِمْتُ شَيْئًا مِمّا قالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصّاعِقَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا قَرَأ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أتى أصْحابَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ أطِيعُونِي في هَذا اليَوْمِ واعْصُونِي بَعْدَهُ، فَواللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَلامًا ما سَمِعَتْ أُذُنِي قَطُّ كَلامًا مِثْلَهُ، وما دَرَيْتُ ما أرادَ عَلَيْهِ» .
وفِي هَذا البابِ رِواياتٌ تَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ وإرْسالِهِمْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وتِلاوَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِهِ ومَعْناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى تَنْزِيلٌ وإعْرابِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: كِتابٌ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَنْزِيلٌ، و﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَنْزِيلٌ.
ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ أوْ جُعِلَتْ أسالِيبَ مُخْتَلِفَةً، قالَ قَتادَةُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الكُلِّ.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِكِتابٍ. وقُرِئَ فُصِلَتْ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وانْتِصابُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ أيْ: فُصِّلَتْ آياتُهُ حالَ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَقْرَأُهُ قُرْآنًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وقِيلَ: عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فُصِّلَتْ أيْ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُونَها: وهم أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ.
قالَ الضَّحّاكُ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى.
وكَذَلِكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا صِفَتانِ أُخْرَيانِ لَقُرْآنًا أوْ حالانِ مِن كِتابٍ، والمَعْنى بَشِيرًا لِأوْلِياءِ اللَّهِ ونَذِيرًا لِأعْدائِهِ.
وقُرِئَ " بَشِيرٌ ونَذِيرٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ المُرادُ بِالأكْثَرِ هُنا الكُفّارُ أيْ: فَأعْرَضَ الكُفّارُ عَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّذارَةِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ مِثْلَ الكِنانَةِ الَّتِي فِيها السِّهامُ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُ ولا يَصِلُ إلَيْها قَوْلُكَ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو الغِطاءُ، قالَ مُجاهِدٌ: الكِنانُ لِلْقَلْبِ كالجُنَّةِ لِلنُّبْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في البَقَرَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمٌ وأصْلُ الوَقْرِ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرٌ " بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ والقافِ، و" مِن " في ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ جِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ لا فَراغَ فِيها، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ المُواصَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيِ: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، وقِيلَ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا عامِلُونَ لِدُنْيانا.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: إنَّما أنا كَواحِدٍ مِنكم لَوْلا الوَحْيُ، ولَمْ أكُنْ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى تَكُونَ قُلُوبُكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرٌ ومِن بَيْنِي وبَيْنِكم حِجابٌ، ولَمْ أدْعُكم إلى ما يُخالِفُ العَقْلَ، وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوحى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ.
وقِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنِّي لا أقْدِرُ عَلى أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ قَسْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ لِي عَنْكم إلّا أنِّي أُوحِيَ إلَيَّ التَّوْحِيدُ والأمْرُ بِهِ، فَعَلَيَّ البَلاغُ وحْدَهُ فَإنْ قَبِلْتُمْ رَشَدْتُمْ وإنْ أبَيْتُمْ هَلَكْتُمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم، فَصِرْتُ بِالوَحْيِ نَبِيًّا ووَجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي.
وقالَ الحَسَنُ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلَّمَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَيْفَ يَتَواضَعُ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ عَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَوَجَّهُوا، والمَعْنى: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ولا تَمِيلُوا عَنْ سَبِيلِهِ واسْتَغْفِرُوهُ لِما فَرَطَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ.
ثُمَّ هَدَّدَ (p-١٣١٠)المُشْرِكِينَ وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: يَمْنَعُونَها ولا يُخْرِجُونَها إلى الفُقَراءِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِها.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يَتَصَدَّقُونَ ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ وتَطْهِيرُها.
وقالَ الفَرّاءُ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْفِقُونَ النَّفَقاتِ ويَسْقُونَ الحَجِيجَ ويُطْعِمُونَهم فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا يُؤْتُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ: مُنْكِرُونَ لِلْآخِرَةِ جاحِدُونَ لَها والمَجِيءُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِقَصْدِ الحَصْرِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهم، يُقالُ: مَنَّنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأصْبَغِ الأزْدِيِّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما آبى بِذِي عَلَقٍ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقِيلَ: المَمْنُونُ المَنقُوصُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلَ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَنُّ القَطْعُ ويُقالُ: النَّقْصُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقالَ لَبِيدٌ:
؎غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها
وقالَ مُجاهِدٌ غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يُمَنُّ بِالتَّفَضُّلِ، فَأمّا الأجْرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُوَبِّخَهم ويُقَرِّعَهم فَقالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ أيْ: لَتَكْفُرُونَ بِمَن شَأْنُهُ هَذا الشَّأْنُ العَظِيمُ وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ.
قِيلَ: اليَوْمانِ هُما يَوْمُ الأحَدِ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ مِقْدارُ يَوْمَيْنِ لِأنَّ اليَوْمَ الحَقِيقِيَّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ الأرْضِ والسَّماءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " أإنَّكم " بِهَمْزَتَيْنِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وبَعْدَها ياءٌ خَفِيفَةٌ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أضْدادًا وشُرَكاءَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلَةٌ تَحْتَ الِاسْتِفْهامِ والإشارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ رَبُّ العالَمِينَ ومِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ ما تَجْعَلُونَها أنْدادًا لِلَّهِ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ شُرَكاءَ لَهُ في عِبادَتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِها، وقِيلَ: جُمْلَةُ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى خَلَقَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ.
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ الجُمْلَةَ الفاصِلَةَ هي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى مِن فَوْقِها أنَّها مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِأنَّها مِن أجْزاءِ الأرْضِ، وإنَّما خالَفَتْها بِاعْتِبارِ الِارْتِفاعِ، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كالمُغايِرَةِ لَها ﴿وبارَكَ فِيها﴾ أيْ: جَعَلَها مُبارَكَةً كَثِيرَةَ الخَيْرِ بِما خَلَقَ فِيها مِنَ المَنافِعِ لِلْعِبادِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أنْبَتَ فِيها شَجَرَها ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: خَلَقَ فِيها أنْهارَها وأشْجارَها ودَوابَّها، وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: قَدَّرَ فِيها أرْزاقَ أهْلِها وما يَصْلُحُ لِمَعايِشِهِمْ مِنَ التِّجاراتِ والأشْجارِ والمَنافِعِ، جَعَلَ في كُلِّ بَلَدٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ والأسْفارِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومَعْنى ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشْرَةِ أيّامٍ وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أيْ: في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حُصُولَ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْأيّامِ أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى: اسْتِواءً ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ الأرْضِ أوْ مِنَ الضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " سَواءً " وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى ويَعْقُوبُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِخَفْضِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأيّامٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الحَسَنُ: المَعْنى في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِيَةٍ تامَّةٍ، وقَوْلُهُ: لِلسّائِلِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَواءً أيْ: مُسْتَوِياتٍ لِلسّائِلِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ المُحْتاجِينَ إلَيْها.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها سَواءً لِلْمُحْتاجِينَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: عَمَدَ وقَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا.
قالَ الرّازِيُّ: هو مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا: إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَقامَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾، والمَعْنى: ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، الدُّخانُ ما ارْتَفَعَ مِن لَهَبِ النّارِ، ويُسْتَعارُ لِما يُرى مِن بُخارِ الأرْضِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الدُّخانُ هو بُخارُ الماءِ، وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الِاسْتِواءَ إلى السَّماءِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ المُتَرَتِّبِ عَلى ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْها وإلى الأرْضِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ اسْتِغْناءً بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها، ومَعْنى ائْتِيا: افْعَلا ما آمُرُكُما بِهِ وجِيئا بِهِ، كَما يُقالُ: ائْتِ ما هو الأحْسَنُ أيِ: افْعَلْهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قالَ: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فَأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ وأمّا أنْتِ يا أرْضُ فَشَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اِئْتِيا﴾ أمْرًا مِنَ الإتْيانِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ " آتِيا قالَتا آتَيْنا " بِالمَدِّ فِيهِما، وهو إمّا مِنَ المُؤاتاةِ، وهي المُوافَقَةُ (p-١٣١١)أيْ: لِتُوافِقْ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى أوْ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ فَوَزْنُهُ عَلى الأوَّلِ فاعِلًا كَقاتِلًا، وعَلى الثّانِي أفْعِلا كَأكْرِما ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ " كُرْهًا " بِالضَّمِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أطِيعا طاعَةً أوْ تَكْرَهانِ كَرْهًا.
قِيلَ: ومَعْنى هَذا الأمْرِ لَهُما التَّسْخِيرُ أيْ: كُونا فَكانَتا، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ واسْتِحالَةِ امْتِناعِها ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: أتَيْنا أمْرَكَ مُنْقادِينَ وجَمَعَهُما جَمْعَ مَن يَعْقِلُ لِخِطابِهِما بِما يُخاطَبُ بِهِ العُقَلاءُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - خَلَقَ فِيهِما الكَلامَ فَتَكَلَّمَتا كَما أرادَ - سُبْحانَهُ - وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ الطّاعَةِ مِنهُما وتَأْثِيرِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ فِيهِما.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ
والضَّمِيرُ في قَضّاهُنَّ إمّا راجِعٌ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى لِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ، أوْ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِسَبْعِ سَماواتٍ، وانْتِصابُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ أوْ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقِيلَ: إنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِقَضّاهُنَّ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى صَبْرِهِنَّ، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: قَضّاهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مَعْدُوداتٍ بِسَبْعٍ ويَكُونُ قَضى بِمَعْنى صَنَعَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى في يَوْمَيْنِ كَما سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ فالجُمْلَةُ سِتَّةُ أيّامٍ، كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ويَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الأيّامِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ ويَوْمِ الِاثْنَيْنِ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمِ الخَمِيسِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضاهُنَّ.
قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ أيْ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وأفْلاكَها وما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والبِحارِ والبَرَدِ والثُّلُوجِ.
وقِيلَ: المَعْنى: أوْحى فِيها ما أرادَهُ وما أمَرَ بِهِ، والإيحاءُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى﴾ [الزلزلة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أيْ: أمَرْتُهم.
وقَدِ اسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَإنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ خَلْقَها مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، وظاهِرُهُ يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَقِيلَ: إنَّ " ثُمَّ " في ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَيَنْدَفِعُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فالجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأنَّ الأرْضَ خَلْقُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِمَعْنى بَسْطِها هو أمْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ خَلْقِها فَهي مُتَقَدِّمَةٌ خَلْقًا مُتَأخِّرَةٌ دَحْوًا وهَذا ظاهِرٌ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِنا لِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ زِيادَةُ إيضاحٍ لِلْمَقامِ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ عَلَيْها كَتَلَأْلُؤِ المَصابِيحِ، " و" انْتِصابُ حِفْظًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ أبُو حَيّانَ: في الوَجْهِ الثّانِي هو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ السَّهْلِ البَيِّنِ، والمُرادُ بِالحِفْظِ حِفْظُها مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيِ: البَلِيغِ القُدْرَةِ الكَثِيرِ العِلْمِ.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ عَنِ التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أنْذَرْتُكم خَوَّفْتُكم ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ العَذابُ المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: الصّاعِقَةُ المَرَّةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " صاعِقَةً " في المَوْضِعَيْنِ، بِالألِفِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والنَّخَعِيُّ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " صَعْقَةً " في المَوْضِعَيْنِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الصّاعِقَةِ والصَّعْقَةِ في البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ظَرْفٌ لِ ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾، أوْ لِ صاعِقَةً، لِأنَّها بِمَعْنى العَذابِ أيْ: أنْذَرْتُكُمُ العَذابَ الواقِعَ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ حالٌ مِن صاعِقَةِ عادٍ.
وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْذارَ لَمْ يَقَعْ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهُ، وكَذَلِكَ الصّاعِقَةُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ ظَرْفًا لَها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جاءَتْهم أيْ: جاءَتْهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ مَنزِلَةَ مَجِيئِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التَّفْسِيرِيَّةَ أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أجابُوا بِهِ عَلى الرُّسُلِ فَقالَ: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم إلَيْنا ولَمْ يُرْسِلْ إلَيْنا بَشَرًا مِن جِنْسِنا.
ثُمَّ صَرَّحُوا بِالكُفْرِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، فَقالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ بِما تَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم إلَيْنا، لِأنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَكَيْفَ اخْتَصَّكم بِرِسالَتِهِ دُونَنا، وقَدْ تَقَدَّمَ دَفْعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الدّاحِضَةِ الَّتِي جاءُوا بِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قالَ: لا يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قالَ: غَيْرُ مَنقُوصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ «أنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ (p-١٣١٢)اللَّهُ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِن مَنافِعَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والحَجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنهُ، فَخَلَقَ مِن أوَّلِ ساعَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ الآجالَ حِينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثّانِيَةِ ألْقى فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وفي الثّالِثَةِ خَلَقَ آدَمَ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ وأمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وأخْرَجَهُ مِنها في آخِرِ ساعَةٍ، قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: قَدْ أصَبْتَ لَوْ أتْمَمْتَ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩، ٣٨]» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ قالَ: شَقَّ الأنْهارَ، وغَرَسَ الأشْجارَ، ووَضَعَ الجِبالَ، وأجْرى البِحارَ، وجَعَلَ في هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ وفي هَذِهِ ما لَيْسَ في هَذِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - خَلَقَ يَوْمًا فَسَمّاهُ الأحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثانِيًا فَسَمّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثالِثًا فَسَمّاهُ الثُّلاثاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رابِعًا فَسَمّاهُ الأرْبِعاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خامِسًا فَسَمّاهُ الخَمِيسَ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ» وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ قالَ: قالَ لِلسَّماءِ أخْرِجِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، ولِلْأرْضِ شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ائْتِيا قالَ أعْطِيا وفي قَوْلِهِ: قالَتا أتَيْنا قالَ: أعْطَيْنا.
فصلت 41:15
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
فصلت 41:16
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
فصلت 41:17
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
فصلت 41:18
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
فصلت 41:19
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
فصلت 41:20
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
فصلت 41:21
لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - عادًا وثَمُودَ إجْمالًا ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تَفْصِيلًا، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واسْتَعْلَوْا عَلى مَن في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِكْبارِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ، فاغْتَرُّوا بِأجْسامِهِمْ حِينَ تَهَدَّدَهم هُودٌ بِالعَذابِ، ومُرادُهم بِهَذا القَوْلِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى دَفْعِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم أيْ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن أنْواعِ عِقابِهِ ما شاءَ بِقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: بِمُعْجِزاتِ الرُّسُلِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها وجَعَلَها دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِمْ، أوْ بِآياتِنا الَّتِي أنْزَلْناها عَلى رُسُلِنا، أوْ بِآياتِنا التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي نَصَبْناها لَهم وجَعَلْناها حُجَّةً عَلَيْهِمْ، أوْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِهِ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصِّرَّةِ، وهي الصَّيْحَةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى صَرْصَرٍ: شَدِيدَةٌ عاصِفَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: هي البارِدَةُ تُحْرِقُ كَما تُحْرِقُ النّارُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هي البارِدَةُ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ:
؎المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتَوْدَوْا عَنِ النّاسِ
أيْ: إذا سُئِلُوا الدِّيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والأوْلى تَفْسِيرُها بِالبَرْدِ؛ لِأنَّ الصِّرَّ في كَلامِ العَرَبِ البَرْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَها غُدَرٌ كَقُرُونِ النِّسا ∗∗∗ ءِ رُكِّبْنَ في يَوْمِ رِيحٍ وصَرِّ
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَرْصَرَ البابَ ومِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ، ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وقْتَ نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ: مَشْؤُوماتٍ ذَواتِ نُحُوسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وذَلِكَ سَبْعُ لَيالٍ وثَمانِيَةُ أيّامٍ حُسُومًا، وقِيلَ: نَحِساتٌ بارِداتٌ، وقِيلَ: مُتَتابِعاتٌ، وقِيلَ: شِدادٌ، وقِيلَ: ذَواتُ غُبارٍ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " نَحْساتٍ " بِإسْكانِ الحاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَحْسٍ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ القِراءَةَ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: لِكَيْ نُذِيقَهم، والخِزْيُ هو الذُّلُّ (p-١٣١٣)والهَوانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ: أشَدُّ إهانَةً وذُلًّا، ووَصْفُ العَذابِ بِذَلِكَ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ صارُوا مُتَّصِفِينَ بِالخِزْيِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الطّائِفَةِ الأُخْرى فَقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ النَّجاةِ ودَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، ونَصْبِ الدَّلالاتِ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَإنَّها تُوجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويَصَدِّقَ رُسُلَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمّا ثَمُودُ﴾ بِالرَّفْعِ ومَنعِ الصَّرْفِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ والصَّرْفِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والصَّرْفِ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ بِالنَّصْبِ والمَنعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ الخَبَرُ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاشْتِغالِ وأمّا الصَّرْفُ فَعَلى تَفْسِيرِ الِاسْمِ بِالأبِ أوِ الحَيِّ، وأمّا المَنعُ فَعَلى تَأْوِيلِهِ بِالقَبِيلَةِ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وقالَ أبُو العالِيَةِ اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ وقالَ السُّدِّيُّ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الصّاعِقَةَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُهْلِكِ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، والهُونُ الهَوانُ والإهانَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: أصابَهم مَهْلِكُ العَذابِ ذِي الهَوانِ أوِ الإهانَةِ، ويُقالُ: عَذابٌ هُونٌ أيْ: مُهِينٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَكْسِبُونَهُ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ.
﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ اللَّهَ نَجّاهم مِن ذَلِكَ العَذابِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما عاقَبَهم بِهِ في الدُّنْيا ذَكَرَ ما عاقَبَهم بِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ وفي وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: يُساقُ النّاسُ يَوْمَ يُحْشَرُ، أوْ بِـ اذْكُرْ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُحْشَرُ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ أعْداءُ عَلى النِّيابَةِ، وقَرَأ نافِعٌ " نَحْشُرُ " بِالنُّونِ ونَصْبِ أعْداءٍ، ومَعْنى حَشْرِهِمْ إلى النّارِ سَوْقُهم إلَيْها أوْ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ عِنْدَهُ فَرِيقُ الجَنَّةِ وفَرِيقُ النّارِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا ويَجْتَمِعُوا، كَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ في سُورَةِ النَّمْلِ مُسْتَوْفًى.
﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيْ: جاءُوا النّارَ الَّتِي حُشِرُوا إلَيْها أوْ مَوْقِفَ الحِسابِ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي.
قالَ مُقاتِلٌ: تَنْطِقُ جَوارِحُهم بِما كَتَمَتِ الألْسُنُ مِن عَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ، والمُرادُ بِالجُلُودِ هي جُلُودُهُمُ المَعْرُوفَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ والفَرّاءُ: أرادَ بِالجُلُودِ الفُرُوجَ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالشَّهادَةِ دُونَ غَيْرِها ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ أنَّ الحَواسَّ الخَمْسَ: وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، وآلَةُ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ - سُبْحانَهُ - ذَكَرَ هُنا ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الحَواسِّ، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ، فالذَّوْقُ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ مُماسَّةً لِجُرْمِ الطَّعامِ، وكَذَلِكَ الشَّمُّ لا يَتَأتّى حَتّى تَصِيرَ جِلْدَةُ الحَنَكِ مُماسَّةً لِجُرْمِ المَشْمُومِ، فَكانا داخِلَيْنِ في جِنْسِ اللَّمْسِ، وإذا عَرَفْتَ مِن كَلامِهِ هَذا وجْهَ تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ عَرَفْتَ مِنهُ وجْهَ تَخْصِيصِ الجُلُودِ بِالسُّؤالِ لِأنَّها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثِ حَواسٍّ، فَكانَ تَأْتِي المَعْصِيَةُ مِن جِهَتِها أكْثَرَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الجُلُودَ بِالفُرُوجِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِها بِالسُّؤالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ ما يَشْهَدُ بِهِ الفَرْجُ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ قُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَنْطِقُ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما نَطَقْنا بِاخْتِيارِنا، بَلْ أنْطَقَنا اللَّهُ والأوَّلُ أوْلى.
﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قِيلَ: هَذا مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِكم وإنْشائِكُمُ ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِكم ورَجْعِكم إلَيْهِ.
﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾ هَذا تَقْرِيعٌ لَهم وتَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أوْ مِن كَلامِ الجُلُودِ أيْ: ما كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ عِنْدَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ حَذَرًا مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَخْفِيَ مِن جَوارِحِهِ عِنْدَ مُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ كانَ مَعْنى الِاسْتِخْفاءِ هُنا تَرْكَ المَعْصِيَةِ.
وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِتارِ الِاتِّقاءُ أيْ: ما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ في الدُّنْيا أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم في الآخِرَةِ فَتَتْرُكُوا المَعاصِيَ خَوْفًا مِن هَذِهِ الشَّهادَةِ و" أنْ " في قَوْلِهِ: أنْ تَشْهَدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ أنْ تَشْهَدَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ.
وقِيلَ: مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وهو الباءُ، أوْ عَنْ، أوْ مِن.
وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِتارَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الظَّنِّ أيْ: وما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ، وهو بَعِيدٌ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي فاجْتَرَأْتُمْ عَلى فِعْلِها، قِيلَ: كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ ما في أنْفُسِنا ولَكِنْ يَعْلَمُ ما نُظْهِرُ دُونَ ما نُسِرُّ.
قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظَّنِّ مَعْنًى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وما هو فَوْقَهُ مِنَ العِلْمِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما ذَكَرَ مِن ظَنِّهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: أرْداكم خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ: وقِيلَ: إنَّ ﴿أرْداكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم بَدَلٌ مِن ذَلِكم، و﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ خَبَرُهُ، و﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ وقِيلَ: إنَّ ظَنَّكم خَبَرٌ أوَّلُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرٌ ثانٍ، وأرْداكم خَبَرٌ ثالِثٌ، والمَعْنى: أنَّ ظَنَّكم بِأنَّ اللَّهَ لا (p-١٣١٤)يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ أهْلَكَكم وطَرَحَكم في النّارِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ: الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَلى حالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى النّارِ فالنّارُ مَثْواهم أيْ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ وإقامَتِهِمْ لا خُرُوجَ لَهم مِنها.
وقِيلَ: المَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا في الدُّنْيا عَلى أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فالنّارُ مَثْوًى لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ يُقالُ: أعْتَبَنِي فُلانٌ أيْ: أرْضانِي بَعْدَ إسْخاطِهِ إيّايَ واسْتَعْتَبْتُهُ طَلَبْتُ مِنهُ أنْ يَرْضى، والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْجَعَ بِهِمْ إلى ما يُحِبُّونَ لَمْ يُرْجَعْ لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ.
قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ اسْتَعْتَبْتُهُ فَأعْتَبَنِي أيِ: اسْتَرْضَيْتُهُ فَأرْضانِي، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ يَطْلُبُوا الرِّضى لَمْ يَقَعِ الرِّضى عَنْهم، بَلْ لا بُدَّ لَهم مِنَ النّارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَءُوا ﴿مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ اسْمَ مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ " يُسْتَعْتَبُوا " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَما هم مِنَ " المُعْتِبِينَ " اسْمَ فاعِلٍ أيْ: إنَّهم إنْ أقالَهُمُ اللَّهُ ورَدَّهم إلى الدُّنْيا لَمْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨] .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ قالَ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُدْفَعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ، أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ، كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرانِ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا سَمِعَهُ وإنّا إذا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقالَ الآخَرانِ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تُحْشَرُونَ هاهُنا، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى الشّامِ، مُشاةً ورُكْبانًا وعَلى وُجُوهِكم، وتُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى أفْواهِكُمُ الفِدامُ، وأوَّلُ ما يُعْرِبُ عَنْ أحَدِكم فَخِذُهُ وكَتِفُهُ، وتَلا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ - تَعالى - فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أرْداهم سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾» .