Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الدخان 44:50 – الجاثية 45:20

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الدخان 44:50
  2. الدخان 44:51
  3. الدخان 44:52
  4. الدخان 44:53
  5. الدخان 44:54
  6. الدخان 44:55
  7. الدخان 44:56
  8. الدخان 44:57
  9. الدخان 44:58
  10. الدخان 44:59
  11. الجاثية 45:1
  12. الجاثية 45:2
  13. الجاثية 45:3
  14. الجاثية 45:4
  15. الجاثية 45:5
  16. الجاثية 45:6
  17. الجاثية 45:7
  18. الجاثية 45:8
  19. الجاثية 45:9
  20. الجاثية 45:10
  21. الجاثية 45:11
  22. الجاثية 45:12
  23. الجاثية 45:13
  24. الجاثية 45:14
  25. الجاثية 45:15
  26. الجاثية 45:16
  27. الجاثية 45:17
  28. الجاثية 45:18
  29. الجاثية 45:19
  30. الجاثية 45:20

الدخان 44:50

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأمَرُوهم بِما شَرَعَهُ لَهم فَكَذَّبُوهم، أوْ وسَّعَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ فَطَغَوْا وبَغَوْا. قالَ الزَّجّاجُ: بَلَوْناهم، والمَعْنى: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ ( فَتَّنّا ) بِالتَّشْدِيدِ ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ كَرِيمٌ في قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَسَنُ الخُلُقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ إذِ اخْتَصَّهُ بِالنُّبُوَّةِ. ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أنْ هَذِهِ هي المُفَسِّرَةُ لِتَقَدُّمِ ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنْ أدُّوا، والمَعْنى: أنَّهُ طَلَبَ مِنهم أنْ يُسَلِّمُوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أرْسِلُوا مَعِي عِبادَ اللَّهِ وأطْلِقُوهم مِنَ العَذابِ، فَعِبادُ اللَّهِ عَلى هَذا مَفْعُولٌ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مُنادًى مُضافٌ. وقِيلَ: أدُّوا إلَيَّ سَمْعَكم حَتّى أُبَلِّغَكم رِسالَةَ رَبِّكم ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم أمِينٌ عَلى الرِّسالَةِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ. ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَتَجَبَّرُوا وتَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ بِتَرَفُّعِكم عَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ رُسُلِهِ، وقِيلَ: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيِ أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها. وقالَ قَتادَةُ: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنِّي وقُرِئَ بِالفَتْحِ بِتَقْدِيرِ اللّامِ. ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، والمَعْنى: مِن أنْ تَرْجُمُونِ. قالَ قَتادَةُ: تَرْجُمُونِي بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: تَشْتُمُونِ، وقِيلَ: تَقْتُلُونِ. ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِي فاتْرُكُونِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِأذًى. قالَ مُقاتِلٌ: دَعُونِي كَفافًا لا عَلَيَّ ولا لِي، وقِيلَ: كُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنِّي، وأنا بِمَعْزِلٍ مِنكم إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، وقِيلَ: فَخَلُّوا سَبِيلِي، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ثُمَّ لَمّا لَمْ يُصَدِّقُوهُ، ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتَهُ. رَجَعَ إلى رَبِّهِ بِالدُّعاءِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: دَعاهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَكَفَرُوا فَدَعا رَبَّهُ، والمُجْرِمُونَ الكافِرُونَ، وسَمّاهُ دُعاءً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ. ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - دُعاءَهُ، فَأمَرَ أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، يُقالُ: سَرى، وأسْرى لُغَتانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ فَأسْرِ بِالقَطْعِ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ بِالوَصْلِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن أسْرى، والثّانِيَةُ مِن سَرى، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى أسْرِ بِعِبادِي ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ خُرُوجُ فِرْعَوْنَ بَعْدَهم. ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: ساكِنًا، يُقالُ: رَها يَرْهُو رَهْوًا: إذا سَكَنَ لا يَتَحَرَّكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ: ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ، وعَيْشٌ راهٍ أيْ: ساكِنٌ، ورَها البَحْرُ سَكَنَ، وكَذا قالَ الهَرَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والخَيْلَ تَمْرَحُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّرْنُوبِ ذِي الوَبَرِ أيْ: والخَيْلُ تَمْرَحُ في أعِنَّتِها ساكِنَةً، والمَعْنى: اتْرُكِ البَحْرَ ساكِنًا عَلى صِفَتِهِ بَعْدَ أنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصاكَ ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ - كَما كانَ لِيَدْخُلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ بَعْدَكَ وبَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ - (p-١٣٥٢)فَيَنْطَبِقَ عَلَيْهِمْ، فَيَغْرَقُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها بَيْنَ رِجْلَيْهِ رَهْوًا أيْ: فَتَحَ. قالَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ والمَعْنى: اتْرُكْهُ مُنْفَرِجًا كَما كانَ بَعْدَ دُخُولِكم فِيهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظاهُما؛ لِأنَّ البَحْرَ إذا سَكَنَ جَرْيُهُ انْفَرَجَ. قالَ الهَرَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( رَهْوًا ) نَعْتًا لِمُوسى أيْ: سِرْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ. وقالَ كَعْبٌ، والحَسَنُ ( رَهْوًا ) طَرِيقًا. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: سَهْلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَبَسًا كَقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمَعْنى اتْرُكْهُ ذا رَهْوٍ أوِ اتْرُكْهُ رَهْوًا عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مُغْرَقُونَ. أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - مُوسى بِذَلِكَ لِيَسْكُنَ قَلْبُهُ ويَطْمَئِنَّ جَأْشُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ لِقَصْدِ الإخْبارِ بِذَلِكَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهم. كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في مَعْنى الآيَةِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ومَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ لِلْقِيامِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ،، وقَتادَةُ، والسَّمَيْفَعُ، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ بِضَمِّها اسْمُ مَكانِ الإقامَةِ. ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ النَّعْمَةُ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ: يُقالُ: نَعَّمَهُ اللَّهُ وناعَمَهُ فَتَنَعَّمَ، وبِالكَسْرِ المِنَّةُ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وفُلانٌ واسِعُ النِّعْمَةِ أيْ: واسِعُ المالِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الجَوْهَرِيُّ: قَرَأ الجُمْهُورُ فاكِهِينَ بِالألْفِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ وأبُو الأشْهَبِ، والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ( فَكِهِينَ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: مُتَنَعِّمِينَ، طَيِّبَةً أنْفُسُهم، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ طَيِّبَ النَّفْسِ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا: الأشِرُ البَطِرُ. قالَ: وفاكِهِينَ أيْ: ناعِمِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ كالحاذِرِ والحَذِرِ والفارِهِ والفَرِهِ. وقِيلَ: إنَّ الفاكِهَ: هو المُسْتَمْتِعُ بِأنْواعِ اللَّذَّةِ كَما يَتَمَتَّعُ الرَّجُلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ. ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرَكُوا أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْبِ سَلَبْناهم إيّاها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ أهْلَكْناهم. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ( وأوْرَثْناها ) مَعْطُوفًا عَلى ( تَرَكُوا ) وعَلى الوُجُوهِ الآخِرَةِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَلَّكَهم أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصارُوا لَها وارِثِينَ أيْ: أنَّها وصَلَتْ إلَيْهِمْ كَما يَصِلُ المِيراثُ إلى الوارِثِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ بِهِ ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ طَيِّبٌ يُبْكى عَلَيْهِمْ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِفَقْدِهِمْ وهَلاكِهِمْ أحَدٌ مِن أهْلِ السَّماءِ ولا مِن أهْلِ الأرْضِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ مِنهم: بَكَتْ لَهُ السَّماءُ والأرْضُ أيْ: عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ وقالَ الحَسَنُ: في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: ما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ مَواضِعُ صَلاتِهِ، ومَصاعِدُ عَمَلِهِ ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ، بَلْ عُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ. ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: خَلَّصْناهم بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْبادِ، وقَتْلِ الأبْناءِ، واسْتِحْياءِ النِّساءِ، وتَكْلِيفِهِمْ لِلْأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقَوْلُهُ: مِن فِرْعَوْنَ بَدَلٌ مِنَ العَذابِ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ، وإمّا عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّهُ نَفْسُ العَذابِ فَأُبْدِلَ مِنهُ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العَذابِ تَقْدِيرُهُ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( مَن فِرْعَوْنُ ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّحْقِيرِيِّ كَما يُقالُ: لِمَنِ افْتَخَرَ بِحَسَبِهِ أوْ نَسَبِهِ: مَن أنْتَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: عالِيًا في التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ مِنَ المُسْرِفِينَ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وارْتِكابِ مَعاصِيهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] . ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ دَفْعِهِ لِلضُّرِّ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ بَيَّنَ ما أكْرَمَهم بِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيِ: اخْتارَهُمُ اللَّهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ اخْتارَهم عَلى جَمِيعِ العالَمِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقِيلَ: عَلى كُلِّ العالَمِينَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ومَحَلُّ ( عَلى عِلْمٍ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( اخْتَرْناهم ) أيْ: حالُ كَوْنِ اخْتِيارِنا لَهم عَلى عِلْمٍ مِنّا، وعَلى العالَمِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ اخْتَرْناهم. ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ أيْ: مُعْجِزاتِ مُوسى ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيِ: اخْتِبارٌ ظاهِرٌ وامْتِحانٌ واضِحٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ. وقالَ قَتادَةُ: الآياتُ إنْجاؤُهم مِنَ الغَرَقِ، وفَلْقُ البَحْرِ لَهم، وتَظْلِيلُ الغَمامِ عَلَيْهِمْ، وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآياتُ هي الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ، والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: البَلاءُ المُبِينُ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وقِصَّةُ فِرْعَوْنَ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِوائِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. ﴿لَيَقُولُونَ إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ (p-١٣٥٣)أيْ: ما هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى الَّتِي نَمُوتُها في الدُّنْيا ولا حَياةَ بَعْدَها ولا بَعْثَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ولَيْسَ في الكَلامِ قَصْدٌ إلى إثْباتِ مَوْتَةٍ أُخْرى، بَلِ المُرادُ: ما العاقِبَةُ، ونِهايَةُ الأمْرِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى المُزِيلَةُ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قالَ الرّازِيُّ: المَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِينا مِنَ الأحْوالِ الشَّدِيدَةِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى. ثُمَّ أوْرَدُوا عَلى مَن وعَدَهم بِالبَعْثِ ما ظَنُّوهُ دَلِيلًا، وهو حُجَّةٌ داحِضَةٌ، فَقالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أيْ: أرْجِعُوهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى الدُّنْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتُخْبِرُونا بِهِ مِنَ البَعْثِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أيْ: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ: أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ الَّذِي دارَ في الدُّنْيا بِجُيُوشِهِ وغَلَبَ أهْلَها وقَهَرَهم، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْمِ تُبَّعٍ جَمِيعُ أتْباعِهِ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - وحْدَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، والأوْلى أنَّهُ خِطابٌ لَهُ، ولِأتْباعِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ " و" المُرادُ بِـ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عادٌ وثَمُودُ ونَحْوُهم، وقَوْلُهُ: أهْلَكْناهم جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وعاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أهْلَكَ هَؤُلاءِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، فَإهْلاكُهُ لِمَن هو دُونَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا مَعَ ضَعْفِهِ وقُصُورِ قُدْرَتِهِ بِالأوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ قالَ: ابْتَلَيْنا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ قالَ: هو مُوسى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَعْثَوْا ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِعُذْرٍ مُبِينٍ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: بِالحِجارَةِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: خَلُّوا سَبِيلِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ قالَ: يَقُولُ: اتَّبِعُونِي إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَفْتَرُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: تَشْتُمُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: رَهْوًا قالَ: سَمْتًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا رَهْوًا قالَ: كَهَيْئَتِهِ، وامْضِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ قالَ: طَرِيقًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: الرَّهْوُ أنْ يُتْرَكَ كَما كانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ بابانِ: بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾» وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ صالِحٌ فَتَفْقِدَهم فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: يُقالُ: الأرْضُ تَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الحَضْرَمِيِّ مُرْسَلًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، ألا لا غُرْبَةَ عَلى مُؤْمِنٍ، ما ماتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غابَتْ عَنْهُ فِيها بَواكِيهِ، إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ ثُمَّ قالَ: إنَّهُما لا يَبْكِيانِ عَلى كافِرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ المُسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ، ومِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الأرْضَ لَتَبْكِي عَلى ابْنِ آدَمَ أرْبَعِينَ صَباحًا، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.

الدخان 44:51

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأمَرُوهم بِما شَرَعَهُ لَهم فَكَذَّبُوهم، أوْ وسَّعَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ فَطَغَوْا وبَغَوْا. قالَ الزَّجّاجُ: بَلَوْناهم، والمَعْنى: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ ( فَتَّنّا ) بِالتَّشْدِيدِ ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ كَرِيمٌ في قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَسَنُ الخُلُقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ إذِ اخْتَصَّهُ بِالنُّبُوَّةِ. ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أنْ هَذِهِ هي المُفَسِّرَةُ لِتَقَدُّمِ ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنْ أدُّوا، والمَعْنى: أنَّهُ طَلَبَ مِنهم أنْ يُسَلِّمُوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أرْسِلُوا مَعِي عِبادَ اللَّهِ وأطْلِقُوهم مِنَ العَذابِ، فَعِبادُ اللَّهِ عَلى هَذا مَفْعُولٌ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مُنادًى مُضافٌ. وقِيلَ: أدُّوا إلَيَّ سَمْعَكم حَتّى أُبَلِّغَكم رِسالَةَ رَبِّكم ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم أمِينٌ عَلى الرِّسالَةِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ. ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَتَجَبَّرُوا وتَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ بِتَرَفُّعِكم عَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ رُسُلِهِ، وقِيلَ: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيِ أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها. وقالَ قَتادَةُ: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنِّي وقُرِئَ بِالفَتْحِ بِتَقْدِيرِ اللّامِ. ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، والمَعْنى: مِن أنْ تَرْجُمُونِ. قالَ قَتادَةُ: تَرْجُمُونِي بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: تَشْتُمُونِ، وقِيلَ: تَقْتُلُونِ. ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِي فاتْرُكُونِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِأذًى. قالَ مُقاتِلٌ: دَعُونِي كَفافًا لا عَلَيَّ ولا لِي، وقِيلَ: كُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنِّي، وأنا بِمَعْزِلٍ مِنكم إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، وقِيلَ: فَخَلُّوا سَبِيلِي، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ثُمَّ لَمّا لَمْ يُصَدِّقُوهُ، ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتَهُ. رَجَعَ إلى رَبِّهِ بِالدُّعاءِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: دَعاهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَكَفَرُوا فَدَعا رَبَّهُ، والمُجْرِمُونَ الكافِرُونَ، وسَمّاهُ دُعاءً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ. ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - دُعاءَهُ، فَأمَرَ أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، يُقالُ: سَرى، وأسْرى لُغَتانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ فَأسْرِ بِالقَطْعِ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ بِالوَصْلِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن أسْرى، والثّانِيَةُ مِن سَرى، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى أسْرِ بِعِبادِي ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ خُرُوجُ فِرْعَوْنَ بَعْدَهم. ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: ساكِنًا، يُقالُ: رَها يَرْهُو رَهْوًا: إذا سَكَنَ لا يَتَحَرَّكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ: ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ، وعَيْشٌ راهٍ أيْ: ساكِنٌ، ورَها البَحْرُ سَكَنَ، وكَذا قالَ الهَرَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والخَيْلَ تَمْرَحُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّرْنُوبِ ذِي الوَبَرِ أيْ: والخَيْلُ تَمْرَحُ في أعِنَّتِها ساكِنَةً، والمَعْنى: اتْرُكِ البَحْرَ ساكِنًا عَلى صِفَتِهِ بَعْدَ أنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصاكَ ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ - كَما كانَ لِيَدْخُلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ بَعْدَكَ وبَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ - (p-١٣٥٢)فَيَنْطَبِقَ عَلَيْهِمْ، فَيَغْرَقُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها بَيْنَ رِجْلَيْهِ رَهْوًا أيْ: فَتَحَ. قالَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ والمَعْنى: اتْرُكْهُ مُنْفَرِجًا كَما كانَ بَعْدَ دُخُولِكم فِيهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظاهُما؛ لِأنَّ البَحْرَ إذا سَكَنَ جَرْيُهُ انْفَرَجَ. قالَ الهَرَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( رَهْوًا ) نَعْتًا لِمُوسى أيْ: سِرْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ. وقالَ كَعْبٌ، والحَسَنُ ( رَهْوًا ) طَرِيقًا. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: سَهْلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَبَسًا كَقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمَعْنى اتْرُكْهُ ذا رَهْوٍ أوِ اتْرُكْهُ رَهْوًا عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مُغْرَقُونَ. أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - مُوسى بِذَلِكَ لِيَسْكُنَ قَلْبُهُ ويَطْمَئِنَّ جَأْشُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ لِقَصْدِ الإخْبارِ بِذَلِكَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهم. كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في مَعْنى الآيَةِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ومَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ لِلْقِيامِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ،، وقَتادَةُ، والسَّمَيْفَعُ، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ بِضَمِّها اسْمُ مَكانِ الإقامَةِ. ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ النَّعْمَةُ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ: يُقالُ: نَعَّمَهُ اللَّهُ وناعَمَهُ فَتَنَعَّمَ، وبِالكَسْرِ المِنَّةُ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وفُلانٌ واسِعُ النِّعْمَةِ أيْ: واسِعُ المالِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الجَوْهَرِيُّ: قَرَأ الجُمْهُورُ فاكِهِينَ بِالألْفِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ وأبُو الأشْهَبِ، والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ( فَكِهِينَ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: مُتَنَعِّمِينَ، طَيِّبَةً أنْفُسُهم، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ طَيِّبَ النَّفْسِ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا: الأشِرُ البَطِرُ. قالَ: وفاكِهِينَ أيْ: ناعِمِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ كالحاذِرِ والحَذِرِ والفارِهِ والفَرِهِ. وقِيلَ: إنَّ الفاكِهَ: هو المُسْتَمْتِعُ بِأنْواعِ اللَّذَّةِ كَما يَتَمَتَّعُ الرَّجُلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ. ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرَكُوا أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْبِ سَلَبْناهم إيّاها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ أهْلَكْناهم. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ( وأوْرَثْناها ) مَعْطُوفًا عَلى ( تَرَكُوا ) وعَلى الوُجُوهِ الآخِرَةِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَلَّكَهم أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصارُوا لَها وارِثِينَ أيْ: أنَّها وصَلَتْ إلَيْهِمْ كَما يَصِلُ المِيراثُ إلى الوارِثِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ بِهِ ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ طَيِّبٌ يُبْكى عَلَيْهِمْ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِفَقْدِهِمْ وهَلاكِهِمْ أحَدٌ مِن أهْلِ السَّماءِ ولا مِن أهْلِ الأرْضِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ مِنهم: بَكَتْ لَهُ السَّماءُ والأرْضُ أيْ: عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ وقالَ الحَسَنُ: في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: ما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ مَواضِعُ صَلاتِهِ، ومَصاعِدُ عَمَلِهِ ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ، بَلْ عُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ. ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: خَلَّصْناهم بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْبادِ، وقَتْلِ الأبْناءِ، واسْتِحْياءِ النِّساءِ، وتَكْلِيفِهِمْ لِلْأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقَوْلُهُ: مِن فِرْعَوْنَ بَدَلٌ مِنَ العَذابِ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ، وإمّا عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّهُ نَفْسُ العَذابِ فَأُبْدِلَ مِنهُ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العَذابِ تَقْدِيرُهُ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( مَن فِرْعَوْنُ ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّحْقِيرِيِّ كَما يُقالُ: لِمَنِ افْتَخَرَ بِحَسَبِهِ أوْ نَسَبِهِ: مَن أنْتَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: عالِيًا في التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ مِنَ المُسْرِفِينَ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وارْتِكابِ مَعاصِيهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] . ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ دَفْعِهِ لِلضُّرِّ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ بَيَّنَ ما أكْرَمَهم بِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيِ: اخْتارَهُمُ اللَّهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ اخْتارَهم عَلى جَمِيعِ العالَمِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقِيلَ: عَلى كُلِّ العالَمِينَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ومَحَلُّ ( عَلى عِلْمٍ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( اخْتَرْناهم ) أيْ: حالُ كَوْنِ اخْتِيارِنا لَهم عَلى عِلْمٍ مِنّا، وعَلى العالَمِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ اخْتَرْناهم. ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ أيْ: مُعْجِزاتِ مُوسى ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيِ: اخْتِبارٌ ظاهِرٌ وامْتِحانٌ واضِحٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ. وقالَ قَتادَةُ: الآياتُ إنْجاؤُهم مِنَ الغَرَقِ، وفَلْقُ البَحْرِ لَهم، وتَظْلِيلُ الغَمامِ عَلَيْهِمْ، وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآياتُ هي الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ، والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: البَلاءُ المُبِينُ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وقِصَّةُ فِرْعَوْنَ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِوائِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. ﴿لَيَقُولُونَ إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ (p-١٣٥٣)أيْ: ما هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى الَّتِي نَمُوتُها في الدُّنْيا ولا حَياةَ بَعْدَها ولا بَعْثَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ولَيْسَ في الكَلامِ قَصْدٌ إلى إثْباتِ مَوْتَةٍ أُخْرى، بَلِ المُرادُ: ما العاقِبَةُ، ونِهايَةُ الأمْرِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى المُزِيلَةُ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قالَ الرّازِيُّ: المَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِينا مِنَ الأحْوالِ الشَّدِيدَةِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى. ثُمَّ أوْرَدُوا عَلى مَن وعَدَهم بِالبَعْثِ ما ظَنُّوهُ دَلِيلًا، وهو حُجَّةٌ داحِضَةٌ، فَقالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أيْ: أرْجِعُوهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى الدُّنْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتُخْبِرُونا بِهِ مِنَ البَعْثِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أيْ: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ: أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ الَّذِي دارَ في الدُّنْيا بِجُيُوشِهِ وغَلَبَ أهْلَها وقَهَرَهم، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْمِ تُبَّعٍ جَمِيعُ أتْباعِهِ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - وحْدَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، والأوْلى أنَّهُ خِطابٌ لَهُ، ولِأتْباعِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ " و" المُرادُ بِـ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عادٌ وثَمُودُ ونَحْوُهم، وقَوْلُهُ: أهْلَكْناهم جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وعاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أهْلَكَ هَؤُلاءِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، فَإهْلاكُهُ لِمَن هو دُونَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا مَعَ ضَعْفِهِ وقُصُورِ قُدْرَتِهِ بِالأوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ قالَ: ابْتَلَيْنا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ قالَ: هو مُوسى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَعْثَوْا ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِعُذْرٍ مُبِينٍ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: بِالحِجارَةِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: خَلُّوا سَبِيلِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ قالَ: يَقُولُ: اتَّبِعُونِي إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَفْتَرُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: تَشْتُمُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: رَهْوًا قالَ: سَمْتًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا رَهْوًا قالَ: كَهَيْئَتِهِ، وامْضِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ قالَ: طَرِيقًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: الرَّهْوُ أنْ يُتْرَكَ كَما كانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ بابانِ: بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾» وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ صالِحٌ فَتَفْقِدَهم فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: يُقالُ: الأرْضُ تَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الحَضْرَمِيِّ مُرْسَلًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، ألا لا غُرْبَةَ عَلى مُؤْمِنٍ، ما ماتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غابَتْ عَنْهُ فِيها بَواكِيهِ، إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ ثُمَّ قالَ: إنَّهُما لا يَبْكِيانِ عَلى كافِرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ المُسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ، ومِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الأرْضَ لَتَبْكِي عَلى ابْنِ آدَمَ أرْبَعِينَ صَباحًا، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.

الدخان 44:52

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأمَرُوهم بِما شَرَعَهُ لَهم فَكَذَّبُوهم، أوْ وسَّعَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ فَطَغَوْا وبَغَوْا. قالَ الزَّجّاجُ: بَلَوْناهم، والمَعْنى: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ ( فَتَّنّا ) بِالتَّشْدِيدِ ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ كَرِيمٌ في قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَسَنُ الخُلُقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ إذِ اخْتَصَّهُ بِالنُّبُوَّةِ. ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أنْ هَذِهِ هي المُفَسِّرَةُ لِتَقَدُّمِ ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنْ أدُّوا، والمَعْنى: أنَّهُ طَلَبَ مِنهم أنْ يُسَلِّمُوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أرْسِلُوا مَعِي عِبادَ اللَّهِ وأطْلِقُوهم مِنَ العَذابِ، فَعِبادُ اللَّهِ عَلى هَذا مَفْعُولٌ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مُنادًى مُضافٌ. وقِيلَ: أدُّوا إلَيَّ سَمْعَكم حَتّى أُبَلِّغَكم رِسالَةَ رَبِّكم ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم أمِينٌ عَلى الرِّسالَةِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ. ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَتَجَبَّرُوا وتَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ بِتَرَفُّعِكم عَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ رُسُلِهِ، وقِيلَ: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيِ أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها. وقالَ قَتادَةُ: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنِّي وقُرِئَ بِالفَتْحِ بِتَقْدِيرِ اللّامِ. ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، والمَعْنى: مِن أنْ تَرْجُمُونِ. قالَ قَتادَةُ: تَرْجُمُونِي بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: تَشْتُمُونِ، وقِيلَ: تَقْتُلُونِ. ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِي فاتْرُكُونِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِأذًى. قالَ مُقاتِلٌ: دَعُونِي كَفافًا لا عَلَيَّ ولا لِي، وقِيلَ: كُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنِّي، وأنا بِمَعْزِلٍ مِنكم إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، وقِيلَ: فَخَلُّوا سَبِيلِي، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ثُمَّ لَمّا لَمْ يُصَدِّقُوهُ، ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتَهُ. رَجَعَ إلى رَبِّهِ بِالدُّعاءِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: دَعاهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَكَفَرُوا فَدَعا رَبَّهُ، والمُجْرِمُونَ الكافِرُونَ، وسَمّاهُ دُعاءً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ. ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - دُعاءَهُ، فَأمَرَ أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، يُقالُ: سَرى، وأسْرى لُغَتانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ فَأسْرِ بِالقَطْعِ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ بِالوَصْلِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن أسْرى، والثّانِيَةُ مِن سَرى، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى أسْرِ بِعِبادِي ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ خُرُوجُ فِرْعَوْنَ بَعْدَهم. ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: ساكِنًا، يُقالُ: رَها يَرْهُو رَهْوًا: إذا سَكَنَ لا يَتَحَرَّكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ: ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ، وعَيْشٌ راهٍ أيْ: ساكِنٌ، ورَها البَحْرُ سَكَنَ، وكَذا قالَ الهَرَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والخَيْلَ تَمْرَحُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّرْنُوبِ ذِي الوَبَرِ أيْ: والخَيْلُ تَمْرَحُ في أعِنَّتِها ساكِنَةً، والمَعْنى: اتْرُكِ البَحْرَ ساكِنًا عَلى صِفَتِهِ بَعْدَ أنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصاكَ ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ - كَما كانَ لِيَدْخُلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ بَعْدَكَ وبَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ - (p-١٣٥٢)فَيَنْطَبِقَ عَلَيْهِمْ، فَيَغْرَقُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها بَيْنَ رِجْلَيْهِ رَهْوًا أيْ: فَتَحَ. قالَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ والمَعْنى: اتْرُكْهُ مُنْفَرِجًا كَما كانَ بَعْدَ دُخُولِكم فِيهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظاهُما؛ لِأنَّ البَحْرَ إذا سَكَنَ جَرْيُهُ انْفَرَجَ. قالَ الهَرَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( رَهْوًا ) نَعْتًا لِمُوسى أيْ: سِرْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ. وقالَ كَعْبٌ، والحَسَنُ ( رَهْوًا ) طَرِيقًا. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: سَهْلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَبَسًا كَقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمَعْنى اتْرُكْهُ ذا رَهْوٍ أوِ اتْرُكْهُ رَهْوًا عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مُغْرَقُونَ. أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - مُوسى بِذَلِكَ لِيَسْكُنَ قَلْبُهُ ويَطْمَئِنَّ جَأْشُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ لِقَصْدِ الإخْبارِ بِذَلِكَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهم. كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في مَعْنى الآيَةِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ومَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ لِلْقِيامِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ،، وقَتادَةُ، والسَّمَيْفَعُ، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ بِضَمِّها اسْمُ مَكانِ الإقامَةِ. ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ النَّعْمَةُ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ: يُقالُ: نَعَّمَهُ اللَّهُ وناعَمَهُ فَتَنَعَّمَ، وبِالكَسْرِ المِنَّةُ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وفُلانٌ واسِعُ النِّعْمَةِ أيْ: واسِعُ المالِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الجَوْهَرِيُّ: قَرَأ الجُمْهُورُ فاكِهِينَ بِالألْفِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ وأبُو الأشْهَبِ، والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ( فَكِهِينَ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: مُتَنَعِّمِينَ، طَيِّبَةً أنْفُسُهم، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ طَيِّبَ النَّفْسِ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا: الأشِرُ البَطِرُ. قالَ: وفاكِهِينَ أيْ: ناعِمِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ كالحاذِرِ والحَذِرِ والفارِهِ والفَرِهِ. وقِيلَ: إنَّ الفاكِهَ: هو المُسْتَمْتِعُ بِأنْواعِ اللَّذَّةِ كَما يَتَمَتَّعُ الرَّجُلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ. ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرَكُوا أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْبِ سَلَبْناهم إيّاها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ أهْلَكْناهم. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ( وأوْرَثْناها ) مَعْطُوفًا عَلى ( تَرَكُوا ) وعَلى الوُجُوهِ الآخِرَةِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَلَّكَهم أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصارُوا لَها وارِثِينَ أيْ: أنَّها وصَلَتْ إلَيْهِمْ كَما يَصِلُ المِيراثُ إلى الوارِثِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ بِهِ ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ طَيِّبٌ يُبْكى عَلَيْهِمْ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِفَقْدِهِمْ وهَلاكِهِمْ أحَدٌ مِن أهْلِ السَّماءِ ولا مِن أهْلِ الأرْضِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ مِنهم: بَكَتْ لَهُ السَّماءُ والأرْضُ أيْ: عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ وقالَ الحَسَنُ: في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: ما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ مَواضِعُ صَلاتِهِ، ومَصاعِدُ عَمَلِهِ ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ، بَلْ عُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ. ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: خَلَّصْناهم بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْبادِ، وقَتْلِ الأبْناءِ، واسْتِحْياءِ النِّساءِ، وتَكْلِيفِهِمْ لِلْأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقَوْلُهُ: مِن فِرْعَوْنَ بَدَلٌ مِنَ العَذابِ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ، وإمّا عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّهُ نَفْسُ العَذابِ فَأُبْدِلَ مِنهُ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العَذابِ تَقْدِيرُهُ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( مَن فِرْعَوْنُ ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّحْقِيرِيِّ كَما يُقالُ: لِمَنِ افْتَخَرَ بِحَسَبِهِ أوْ نَسَبِهِ: مَن أنْتَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: عالِيًا في التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ مِنَ المُسْرِفِينَ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وارْتِكابِ مَعاصِيهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] . ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ دَفْعِهِ لِلضُّرِّ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ بَيَّنَ ما أكْرَمَهم بِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيِ: اخْتارَهُمُ اللَّهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ اخْتارَهم عَلى جَمِيعِ العالَمِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقِيلَ: عَلى كُلِّ العالَمِينَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ومَحَلُّ ( عَلى عِلْمٍ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( اخْتَرْناهم ) أيْ: حالُ كَوْنِ اخْتِيارِنا لَهم عَلى عِلْمٍ مِنّا، وعَلى العالَمِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ اخْتَرْناهم. ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ أيْ: مُعْجِزاتِ مُوسى ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيِ: اخْتِبارٌ ظاهِرٌ وامْتِحانٌ واضِحٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ. وقالَ قَتادَةُ: الآياتُ إنْجاؤُهم مِنَ الغَرَقِ، وفَلْقُ البَحْرِ لَهم، وتَظْلِيلُ الغَمامِ عَلَيْهِمْ، وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآياتُ هي الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ، والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: البَلاءُ المُبِينُ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وقِصَّةُ فِرْعَوْنَ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِوائِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. ﴿لَيَقُولُونَ إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ (p-١٣٥٣)أيْ: ما هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى الَّتِي نَمُوتُها في الدُّنْيا ولا حَياةَ بَعْدَها ولا بَعْثَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ولَيْسَ في الكَلامِ قَصْدٌ إلى إثْباتِ مَوْتَةٍ أُخْرى، بَلِ المُرادُ: ما العاقِبَةُ، ونِهايَةُ الأمْرِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى المُزِيلَةُ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قالَ الرّازِيُّ: المَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِينا مِنَ الأحْوالِ الشَّدِيدَةِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى. ثُمَّ أوْرَدُوا عَلى مَن وعَدَهم بِالبَعْثِ ما ظَنُّوهُ دَلِيلًا، وهو حُجَّةٌ داحِضَةٌ، فَقالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أيْ: أرْجِعُوهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى الدُّنْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتُخْبِرُونا بِهِ مِنَ البَعْثِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أيْ: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ: أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ الَّذِي دارَ في الدُّنْيا بِجُيُوشِهِ وغَلَبَ أهْلَها وقَهَرَهم، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْمِ تُبَّعٍ جَمِيعُ أتْباعِهِ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - وحْدَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، والأوْلى أنَّهُ خِطابٌ لَهُ، ولِأتْباعِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ " و" المُرادُ بِـ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عادٌ وثَمُودُ ونَحْوُهم، وقَوْلُهُ: أهْلَكْناهم جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وعاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أهْلَكَ هَؤُلاءِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، فَإهْلاكُهُ لِمَن هو دُونَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا مَعَ ضَعْفِهِ وقُصُورِ قُدْرَتِهِ بِالأوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ قالَ: ابْتَلَيْنا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ قالَ: هو مُوسى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَعْثَوْا ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِعُذْرٍ مُبِينٍ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: بِالحِجارَةِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: خَلُّوا سَبِيلِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ قالَ: يَقُولُ: اتَّبِعُونِي إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَفْتَرُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: تَشْتُمُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: رَهْوًا قالَ: سَمْتًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا رَهْوًا قالَ: كَهَيْئَتِهِ، وامْضِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ قالَ: طَرِيقًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: الرَّهْوُ أنْ يُتْرَكَ كَما كانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ بابانِ: بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾» وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ صالِحٌ فَتَفْقِدَهم فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: يُقالُ: الأرْضُ تَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الحَضْرَمِيِّ مُرْسَلًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، ألا لا غُرْبَةَ عَلى مُؤْمِنٍ، ما ماتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غابَتْ عَنْهُ فِيها بَواكِيهِ، إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ ثُمَّ قالَ: إنَّهُما لا يَبْكِيانِ عَلى كافِرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ المُسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ، ومِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الأرْضَ لَتَبْكِي عَلى ابْنِ آدَمَ أرْبَعِينَ صَباحًا، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.

الدخان 44:53

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم، ومَعْنى الفِتْنَةِ هُنا أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأمَرُوهم بِما شَرَعَهُ لَهم فَكَذَّبُوهم، أوْ وسَّعَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ فَطَغَوْا وبَغَوْا. قالَ الزَّجّاجُ: بَلَوْناهم، والمَعْنى: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ ( فَتَّنّا ) بِالتَّشْدِيدِ ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ كَرِيمٌ في قَوْمِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَسَنُ الخُلُقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ إذِ اخْتَصَّهُ بِالنُّبُوَّةِ. ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أنْ هَذِهِ هي المُفَسِّرَةُ لِتَقَدُّمِ ما هو بِمَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنْ أدُّوا، والمَعْنى: أنَّهُ طَلَبَ مِنهم أنْ يُسَلِّمُوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أرْسِلُوا مَعِي عِبادَ اللَّهِ وأطْلِقُوهم مِنَ العَذابِ، فَعِبادُ اللَّهِ عَلى هَذا مَفْعُولٌ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مُنادًى مُضافٌ. وقِيلَ: أدُّوا إلَيَّ سَمْعَكم حَتّى أُبَلِّغَكم رِسالَةَ رَبِّكم ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ هو تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم أمِينٌ عَلى الرِّسالَةِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ. ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَتَجَبَّرُوا وتَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِ بِتَرَفُّعِكم عَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ رُسُلِهِ، وقِيلَ: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ويَحْيى بْنُ سَلامٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيِ أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها. وقالَ قَتادَةُ: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ. والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنِّي وقُرِئَ بِالفَتْحِ بِتَقْدِيرِ اللّامِ. ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ، والمَعْنى: مِن أنْ تَرْجُمُونِ. قالَ قَتادَةُ: تَرْجُمُونِي بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: تَشْتُمُونِ، وقِيلَ: تَقْتُلُونِ. ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِي فاتْرُكُونِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِأذًى. قالَ مُقاتِلٌ: دَعُونِي كَفافًا لا عَلَيَّ ولا لِي، وقِيلَ: كُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنِّي، وأنا بِمَعْزِلٍ مِنكم إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا، وقِيلَ: فَخَلُّوا سَبِيلِي، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. ثُمَّ لَمّا لَمْ يُصَدِّقُوهُ، ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتَهُ. رَجَعَ إلى رَبِّهِ بِالدُّعاءِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: دَعاهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَكَفَرُوا فَدَعا رَبَّهُ، والمُجْرِمُونَ الكافِرُونَ، وسَمّاهُ دُعاءً مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلّا مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ. ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ أجابَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - دُعاءَهُ، فَأمَرَ أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، يُقالُ: سَرى، وأسْرى لُغَتانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ فَأسْرِ بِالقَطْعِ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ بِالوَصْلِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن أسْرى، والثّانِيَةُ مِن سَرى، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى أسْرِ بِعِبادِي ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ خُرُوجُ فِرْعَوْنَ بَعْدَهم. ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ: ساكِنًا، يُقالُ: رَها يَرْهُو رَهْوًا: إذا سَكَنَ لا يَتَحَرَّكُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ: افْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ: ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ، وعَيْشٌ راهٍ أيْ: ساكِنٌ، ورَها البَحْرُ سَكَنَ، وكَذا قالَ الهَرَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والخَيْلَ تَمْرَحُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّرْنُوبِ ذِي الوَبَرِ أيْ: والخَيْلُ تَمْرَحُ في أعِنَّتِها ساكِنَةً، والمَعْنى: اتْرُكِ البَحْرَ ساكِنًا عَلى صِفَتِهِ بَعْدَ أنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصاكَ ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ - كَما كانَ لِيَدْخُلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ بَعْدَكَ وبَعْدَ بَنِي إسْرائِيلَ - (p-١٣٥٢)فَيَنْطَبِقَ عَلَيْهِمْ، فَيَغْرَقُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَها بَيْنَ رِجْلَيْهِ رَهْوًا أيْ: فَتَحَ. قالَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ والمَعْنى: اتْرُكْهُ مُنْفَرِجًا كَما كانَ بَعْدَ دُخُولِكم فِيهِ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظاهُما؛ لِأنَّ البَحْرَ إذا سَكَنَ جَرْيُهُ انْفَرَجَ. قالَ الهَرَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( رَهْوًا ) نَعْتًا لِمُوسى أيْ: سِرْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِكَ. وقالَ كَعْبٌ، والحَسَنُ ( رَهْوًا ) طَرِيقًا. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: سَهْلًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَبَسًا كَقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمَعْنى اتْرُكْهُ ذا رَهْوٍ أوِ اتْرُكْهُ رَهْوًا عَلى المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مُغْرَقُونَ. أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - مُوسى بِذَلِكَ لِيَسْكُنَ قَلْبُهُ ويَطْمَئِنَّ جَأْشُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى الِاسْتِئْنافِ لِقَصْدِ الإخْبارِ بِذَلِكَ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهم. كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في مَعْنى الآيَةِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ومَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ لِلْقِيامِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ،، وقَتادَةُ، والسَّمَيْفَعُ، ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ بِضَمِّها اسْمُ مَكانِ الإقامَةِ. ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ النَّعْمَةُ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ: يُقالُ: نَعَّمَهُ اللَّهُ وناعَمَهُ فَتَنَعَّمَ، وبِالكَسْرِ المِنَّةُ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وفُلانٌ واسِعُ النِّعْمَةِ أيْ: واسِعُ المالِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الجَوْهَرِيُّ: قَرَأ الجُمْهُورُ فاكِهِينَ بِالألْفِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ وأبُو الأشْهَبِ، والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ( فَكِهِينَ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: مُتَنَعِّمِينَ، طَيِّبَةً أنْفُسُهم، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ طَيِّبَ النَّفْسِ مَزّاحًا، والفَكِهُ أيْضًا: الأشِرُ البَطِرُ. قالَ: وفاكِهِينَ أيْ: ناعِمِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ كالحاذِرِ والحَذِرِ والفارِهِ والفَرِهِ. وقِيلَ: إنَّ الفاكِهَ: هو المُسْتَمْتِعُ بِأنْواعِ اللَّذَّةِ كَما يَتَمَتَّعُ الرَّجُلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ. ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الزَّجّاجُ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرَكُوا أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ السَّلْبِ سَلَبْناهم إيّاها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها، وقِيلَ: مِثْلَ ذَلِكَ الإهْلاكِ أهْلَكْناهم. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ( وأوْرَثْناها ) مَعْطُوفًا عَلى ( تَرَكُوا ) وعَلى الوُجُوهِ الآخِرَةِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ، فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - مَلَّكَهم أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصارُوا لَها وارِثِينَ أيْ: أنَّها وصَلَتْ إلَيْهِمْ كَما يَصِلُ المِيراثُ إلى الوارِثِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ هَذا بَيانٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ أيْ: إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ بِهِ ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ طَيِّبٌ يُبْكى عَلَيْهِمْ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِفَقْدِهِمْ وهَلاكِهِمْ أحَدٌ مِن أهْلِ السَّماءِ ولا مِن أهْلِ الأرْضِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ مِنهم: بَكَتْ لَهُ السَّماءُ والأرْضُ أيْ: عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ وقالَ الحَسَنُ: في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: ما بَكى عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وقِيلَ: إنَّهُ يَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ مَواضِعُ صَلاتِهِ، ومَصاعِدُ عَمَلِهِ ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ، بَلْ عُوجِلُوا بِالعُقُوبَةِ لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ. ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: خَلَّصْناهم بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْبادِ، وقَتْلِ الأبْناءِ، واسْتِحْياءِ النِّساءِ، وتَكْلِيفِهِمْ لِلْأعْمالِ الشّاقَّةِ. وقَوْلُهُ: مِن فِرْعَوْنَ بَدَلٌ مِنَ العَذابِ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ، وإمّا عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّهُ نَفْسُ العَذابِ فَأُبْدِلَ مِنهُ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العَذابِ تَقْدِيرُهُ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( مَن فِرْعَوْنُ ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّحْقِيرِيِّ كَما يُقالُ: لِمَنِ افْتَخَرَ بِحَسَبِهِ أوْ نَسَبِهِ: مَن أنْتَ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حالَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: عالِيًا في التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ مِنَ المُسْرِفِينَ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وارْتِكابِ مَعاصِيهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] . ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - كَيْفِيَّةَ دَفْعِهِ لِلضُّرِّ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ بَيَّنَ ما أكْرَمَهم بِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيِ: اخْتارَهُمُ اللَّهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ اخْتارَهم عَلى جَمِيعِ العالَمِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقِيلَ: عَلى كُلِّ العالَمِينَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ومَحَلُّ ( عَلى عِلْمٍ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( اخْتَرْناهم ) أيْ: حالُ كَوْنِ اخْتِيارِنا لَهم عَلى عِلْمٍ مِنّا، وعَلى العالَمِينَ مُتَعَلِّقٌ بِـ اخْتَرْناهم. ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ أيْ: مُعْجِزاتِ مُوسى ﴿ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيِ: اخْتِبارٌ ظاهِرٌ وامْتِحانٌ واضِحٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ. وقالَ قَتادَةُ: الآياتُ إنْجاؤُهم مِنَ الغَرَقِ، وفَلْقُ البَحْرِ لَهم، وتَظْلِيلُ الغَمامِ عَلَيْهِمْ، وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى لَهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآياتُ هي الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ، والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: البَلاءُ المُبِينُ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو . والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وقِصَّةُ فِرْعَوْنَ مَسُوقَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِوائِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ. ﴿لَيَقُولُونَ إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ (p-١٣٥٣)أيْ: ما هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى الَّتِي نَمُوتُها في الدُّنْيا ولا حَياةَ بَعْدَها ولا بَعْثَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ولَيْسَ في الكَلامِ قَصْدٌ إلى إثْباتِ مَوْتَةٍ أُخْرى، بَلِ المُرادُ: ما العاقِبَةُ، ونِهايَةُ الأمْرِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى المُزِيلَةُ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قالَ الرّازِيُّ: المَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِينا مِنَ الأحْوالِ الشَّدِيدَةِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى. ثُمَّ أوْرَدُوا عَلى مَن وعَدَهم بِالبَعْثِ ما ظَنُّوهُ دَلِيلًا، وهو حُجَّةٌ داحِضَةٌ، فَقالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أيْ: أرْجِعُوهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى الدُّنْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَهُ وتُخْبِرُونا بِهِ مِنَ البَعْثِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أيْ: أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ: أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ الَّذِي دارَ في الدُّنْيا بِجُيُوشِهِ وغَلَبَ أهْلَها وقَهَرَهم، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْمِ تُبَّعٍ جَمِيعُ أتْباعِهِ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - وحْدَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، والأوْلى أنَّهُ خِطابٌ لَهُ، ولِأتْباعِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ " و" المُرادُ بِـ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عادٌ وثَمُودُ ونَحْوُهم، وقَوْلُهُ: أهْلَكْناهم جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وعاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أهْلَكَ هَؤُلاءِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، فَإهْلاكُهُ لِمَن هو دُونَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا مَعَ ضَعْفِهِ وقُصُورِ قُدْرَتِهِ بِالأوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾ قالَ: ابْتَلَيْنا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ قالَ: هو مُوسى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَعْثَوْا ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِعُذْرٍ مُبِينٍ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: بِالحِجارَةِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ: خَلُّوا سَبِيلِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ قالَ: يَقُولُ: اتَّبِعُونِي إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَفْتَرُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالَ: تَشْتُمُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: رَهْوًا قالَ: سَمْتًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا رَهْوًا قالَ: كَهَيْئَتِهِ، وامْضِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ قالَ: طَرِيقًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: الرَّهْوُ أنْ يُتْرَكَ كَما كانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ بابانِ: بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾» وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ صالِحٌ فَتَفْقِدَهم فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ نَحْوَهُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: يُقالُ: الأرْضُ تَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الحَضْرَمِيِّ مُرْسَلًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ، ألا لا غُرْبَةَ عَلى مُؤْمِنٍ، ما ماتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غابَتْ عَنْهُ فِيها بَواكِيهِ، إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ ثُمَّ قالَ: إنَّهُما لا يَبْكِيانِ عَلى كافِرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ المُسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ، ومِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الأرْضَ لَتَبْكِي عَلى ابْنِ آدَمَ أرْبَعِينَ صَباحًا، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ» . وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - - فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.

الدخان 44:54

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الدخان 44:55

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الدخان 44:56

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الدخان 44:57

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الدخان 44:58

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الدخان 44:59

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:1

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:2

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:3

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:4

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:5

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:6

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:7

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:8

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:9

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:10

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:11

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:12

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:13

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:14

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:15

قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ جِنْسَيِ السَّماءِ والأرْضِ لاعِبِينَ أيْ: لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ نَخْلُقْهُما عابِثِينَ لِغَيْرِ شَيْءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لاهِينَ، وقِيلَ: غافِلِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( وما بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ جَمْعٌ، وانْتِصابُ لاعِبِينَ عَلى الحالِ. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ أيْ: وما بَيْنَهُما ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِالأمْرِ الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ (p-١٣٥٤)مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلّا لِلْحَقِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ، وقِيلَ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ وإظْهارِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهُمُ المُشْرِكُونَ. ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ مِيقاتُهم أيِ: الوَقْتُ المَجْعُولُ لِتَمْيِيزِ المُحْسِنِ مِنَ المُسِيئِ، والمُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ أجْمَعِينَ، لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ مِن ذَلِكَ. وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى رَفْعِ مِيقاتُهم عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، واسْمَها ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ . وأجازَ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ نَصْبَهُ عَلى أنَّهُ اسْمُها، و( يَوْمَ الفَصْلِ ) خَبَرُها. ثُمَّ وصَفَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، ( يَوْمَ ) بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفَصْلُ أيْ: يُفْصَلُ بَيْنَهم يَوْمَ لا يُغْنِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِلْفَصْلِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَرِيبٌ قَرِيبًا، ولا يَدْفَعُ عَنْهُ شَيْئًا، ويُطْلَقُ المَوْلى عَلى الوَلِيِّ، وهو القَرِيبُ والنّاصِرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْلى بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ أيْ: ولا هم يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: لا يُغْنِي قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَيَشْفَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ مِن ( مَوْلًى ) الأوَّلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُنْصَرُونَ ) ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ عَذابَهُ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ لَمّا وصَفَ اليَوْمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي الشَّجَرَةُ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في جَهَنَّمَ، وسَمّاها الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ، فَإذا جاعَ أهْلُ النّارِ التَجَئُوا إلَيْها فَأكَلُوا مِنها، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، والأثِيمُ الكَثِيرُ الإثْمِ. قالَ في الصِّحاحِ: أثِمَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ إثْمًا ومَأْثَمًا: إذا وقَعَ في الإثْمِ فَهو آثِمٌ وأثِيمٌ وأثُومٌ، فَمَعْنى طَعامِ الأثِيمِ: ذِي الإثْمِ. كالمُهْلِ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَكِرُ القَطِرانِ. وقِيلَ: هو النُّحاسُ المُذابُ. وقِيلَ: كُلُّ ما يَذُوبُ في النّارِ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ( تَغْلِي ) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّجَرَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تَغْلِي غَلْيًا مِثْلَ غَلْيِ الحَمِيمِ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ، عَنْ يَعْقُوبَ يَغْلِي بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطَّعامِ، وهو في مَعْنى الشَّجَرَةِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُهْلِ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: غَلْيًا كَغَلْيِ الحَمِيمِ. ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: يُقالُ: لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ النّارِ خُذُوهُ أيِ: الأثِيمَ فاعْتِلُوهُ، العَتْلُ: القَوْدُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ، إذا جَرَّهُ وذَهَبَ بِهِ إلى مَكْرُوهٍ، وقِيلَ: العَتْلُ: أنْ يَأْخُذَ بِتَلابِيبِ الرَّجُلِ ومَجامِعِهِ فَيَجُرَّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ فَرَسًا: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهْ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو جَرِيرًا: ؎حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ قَرَأ الجُمْهُورُ فاعْتِلُوهُ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: إلى وسَطِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ مِن هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ بَعْضَ هَذا النَّوْعِ، وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلْبَيانِ أيْ: عَذابٌ هو الحَمِيمُ، وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ كَما تَقَدَّمَ. ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: وقُولُوا لَهُ تَهَكُّمًا وتَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا: ذُقِ العَذابَ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ أعَزُّ أهْلِ الوادِي وأكْرَمُهم، فَيَقُولُونَ لَهُ: ذُقِ العَذابَ أيُّها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ وفِيما كُنْتَ تَقُولُهُ. قَرَأ الجُمْهُورُ إنَّكَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّكَ. قالَ الفَرّاءُ أيْ: بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ في الدُّنْيا. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ إلى العَذابِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ فِيهِ حِينَ كُنْتُمْ في الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جِنْسِ الأثِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ، فَقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الكُفْرَ والمَعاصِيَ. قَرَأ الجُمْهُورُ مَقامٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها. فَعَلى القِراءَةِ الأُولى هو مَوْضِعُ القِيامِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَوْضِعُ الإقامَةِ قالَهُ الكِسائِيُّ، وغَيْرُهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى الإقامَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مَوْضِعِ القِيامِ. ثُمَّ وصَفَ المَقامَ بِأنَّهُ أمِينٌ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِن جَمِيعِ المَخاوِفِ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ أمِينٍ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ ثالِثٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وانْتِصابُ مُتَقابِلِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَلْبَسُونَ أيْ: مُتَقابِلِينَ في مَجالِسِهِمْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. والكافُ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: نَفْعَلُ بِالمُتَّقِينَ فِعْلًا كَذَلِكَ. أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ: أكْرَمْناهم بِأنْ زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ: وهي البَيْضاءُ، والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ: وهي الواسِعَةُ العَيْنَيْنِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما سُمِّيَتِ الحَوْراءُ حَوْراءَ؛ لِأنَّهُ يَحارُ الطَّرْفُ في حُسْنِها، وقِيلَ: هو مِن حَوَرِ العَيْنِ: وهو شِدَّةُ بَياضِ العَيْنِ في شِدَّةِ سَوادِها كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: ما أدْرِي ما الحُورُ العِينُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الحُورُ أنْ تَسْوَدَّ العَيْنُ كُلُّها مِثْلَ أعْيُنِ الظِّباءِ والبَقَرِ، قالَ: ولَيْسَ في بَنِي آدَمَ حُورٌ، (p-١٣٥٥)وإنَّما قِيلَ: لِلنِّساءِ حُورٌ؛ لِأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ بِالظِّباءِ والبَقَرِ. وقِيلَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: زَوَّجْناهم قَرَنّاهم ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَعَلْناهم أزْواجًا لَهُنَّ، كَما يُزَوَّجُ البَعْلُ بِالبَعْلِ أيْ: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أيْ: يَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ حالَ كَوْنِهِمْ آمِنِينَ مِنَ التَّخَتُّمِ، والأسْقامِ، والآلامِ. قالَ قَتادَةُ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ والوَصَبِ، والشَّيْطانِ، وقِيلَ: مِنِ انْقِطاعِ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: لا يَمُوتُونَ فِيها أبَدًا إلّا المَوْتَةَ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ المَوْتَةَ الَّتِي قَدْ ذاقُوها في الدُّنْيا كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهُما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وقِيلَ: إنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، كَقَوْلِكَ: ما كَلَّمْتُ رَجُلًا اليَوْمَ إلّا رَجُلًا عِنْدَكَ أيْ: بَعْدَ رَجُلٍ عِنْدَكَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى سِوى أيْ: سِوى المَوْتَةِ الأُولى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما اسْتَثْنى المَوْتَةَ الأُولى وهي في الدُّنْيا؛ لِأنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ بِلُطْفِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إلى أسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَلْقَوْنَ الرَّوْحَ، والرَّيْحانَ، ويَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ، وتُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، فَإذا ماتُوا في الدُّنْيا فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلًا. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ " إلّا " بِمَعْنى " بَعْدَ "، واخْتارَ كَوْنَها بِمَعْنى سِوى ابْنُ عَطِيَّةَ، ﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ وقاهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ. ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الفَضْلِ مِنهُ، أوْ أعْطاهم ذَلِكَ عَطاءً فَضْلًا مِنهُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الفَوْزُ الَّذِي لا فَوْزَ بَعْدَهُ المُتَناهِي في العِظَمِ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الدَّلائِلَ، وذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ، قالَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ كَيْ يَفْهَمَهُ قَوْمُكَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ، أوْ سَهَّلْناهُ بِلُغَتِكَ عَلَيْكَ وعَلى مَن يَقْرَؤُهُ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ: فانْتَظِرْ ما وعَدْناكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِكَ، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ ما يَنْزِلُ بِكَ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: انْتَظِرْ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم، فَإنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ نَوائِبَ الدَّهْرِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ يَقُولُ: لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ. وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقُولَ لَكَ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ قالَ: فَنَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِهِ، وقالَ: ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنِّي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ، وأنا العَزِيزُ الكَرِيمُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ، وأنْزَلَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: المُهْلُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

الجاثية 45:16

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وجابِرٍ، وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ: ( ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلى ( ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ ) [الجاثية: ١٤] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الفاتِحَةِ وفي إعْرابِها في فاتِحَةِ سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها، فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ، وإنْ جُعِلَ حُرُوفًا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فِيها نَفْسِها فَإنَّها مِن فُنُونِ (p-١٣٥٦)الآياتِ أوْ في خَلْقِها. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: في خَلْقِكم أنْفُسِكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ أيْ: وفي خَلْقٍ ما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ، وارْتِفاعُ آياتٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ قَبْلَهُ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( آياتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ، أوْ عَلى أنَّها تَأْكِيدٌ لِآياتٍ الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنَصْبِها مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى الجَرِّ في اخْتِلافِ، أمّا جَرُّ اخْتِلافِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: " و" في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٌ، فَمَن رَفَعَ ( آياتٌ ) فَعَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها: في اخْتِلافِ، وأمّا النَّصْبُ فَهو مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ إنَّ، تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ لِي عَلَيْكَ مالًا وعَلى أخِيكَ مالٌ، يَنْصِبُونَ الثّانِي ويَرْفَعُونَهُ ولِلنُّحاةِ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ طَوِيلٌ. والبَحْثُ في مَسْألَةِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وحُجَجُ المُجَوِّزِينَ لَهُ وجَواباتُ المانِعِينَ لَهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ مَبْسُوطٌ في مُطَوَّلاتِهِ. ومَعْنى ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ ما يُفَرِّقُهُ ويَنْشُرُهُ. ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما في الطُّولِ والقِصَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( اخْتِلافِ )، والرِّزْقُ المَطَرُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِكُلِّ ما يَرْزُقُ اللَّهُ العِبادَ بِهِ، وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ نَباتِها، ومَوْتُها خُلُوُّها عَنِ النَّباتِ " و" مَعْنى ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أنَّها تَهُبُّ تارَةً مِن جِهَةٍ، وتارَةً مِن أُخْرى، وتارَةً تَكُونُ حارَّةً وتارَةً تَكُونُ بارِدَةً، وتارَةً نافِعَةً وتارَةً ضارَّةً. ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ هي حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ، ومَحَلُّ: ( نَتْلُوها عَلَيْكَ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وآياتُ اللَّهِ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ( بِالحَقِّ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( نَتْلُو )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الفِعْلِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وبَعْدَ آياتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وذِكْرُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَيْسَ إلّا لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الآياتِ، فَيَكُونُ مِن بابِ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ، وكَرَمُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو المُرادُ بِالآياتِ، والعَطْفُ لِمُجَرَّدِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُؤْمِنُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِأيِّ حَدِيثٍ، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ مُرْتَكِبٍ لِما يُوجِبُهُ، والوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الأفّاكَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ ( يَسْمَعُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ( تُتْلى عَلَيْهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ، ويُقِيمُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَكْبِرًا أيْ: يَتَمادى عَلى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا في نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، والإصْرارُ مَأْخُوذٌ مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ، وهو أنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْها صارًّا أُذُنَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا سَمِعَ مِن آياتِ القُرْآنِ شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ أيْ: فَبَشِّرْهُ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ وعَدَمِ اسْتِماعِهِ إلى الآياتِ بِعَذابٍ شَدِيدِ الألَمِ. ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( عَلِمَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرٌ الوَرّاقُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ اتَّخَذَها أيِ: الآياتِ هُزُوًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( اتَّخَذَها ) عائِدٌ إلى شَيْئًا؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى كُلِّ أفّاكٍ مُتَّصِفٍ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا مِنَ الإصْرارِ، والِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ آياتِ اللَّهِ، واتِّخاذِها هُزُوًا، والعَذابُ المُهِينُ هو المُشْتَمِلُ عَلى الإذْلالِ والفَضِيحَةِ. ( ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ ) أيْ: مِن وراءِ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالدُّنْيا والتَّكَبُّرِ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، فَإنَّها مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، وعَبَّرَ بِالوَراءِ عَنِ القُدّامِ، كَقَوْلِهِ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي وقِيلَ: جَعَلَها بِاعْتِبارِ إعْراضِهِمْ عَنْها كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما كَسَبُوا أيْ: ولا يُغْنِي عَنْهم ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ مِنَ الأصْنامِ، و" ما " في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وزِيادَةُ " لا " في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في جَهَنَّمَ الَّتِي هي مِن ورائِهِمْ. ( هَذا هُدًى ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ، وخَبَرٍ يَعْنِي: هَذا القُرْآنُ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ بِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القُرْآنِيَّةِ ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ الرِّجْزُ أشَدُّ العَذابِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( ألِيمٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِعَذابٍ. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ أيْ: جَعَلَهُ عَلى صِفَةٍ تَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِهِ وإقْدارِهِ لَكم ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ تارَةً، والغَوْصِ لِلدُّرِّ، والمُعالَجَةِ لِلصَّيْدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِسَبَبِ هَذا التَّسْخِيرِ لِلْبَحْرِ. ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ أيْ: سَخَّرَ لِعِبادِهِ ما خَلَقَهُ في سَماواتِهِ وأرْضِهِ (p-١٣٥٧)مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُهم وتَقُومُ بِهِ مَعايِشُهم. ومِمّا سَخَّرَهُ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ النَّيِّراتُ، والمَطَرُ، والسَّحابُ، والرِّياحُ، وانْتِصابُ " جَمِيعًا " عَلى الحالِ مِن ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، أوْ تَأْكِيدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ: مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ " جَمِيعًا " أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " سَخَّرَ "، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن " ما في السَّماواتِ "، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ لِعِبادِهِ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن تَفَكَّرَ فِيها، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ التَّفَكُّرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ اللّامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم لِيَغْفِرُوا. والمَعْنى: قُلْ لَهم يَتَجاوَزُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِأعْدائِهِ أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَها، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. والمَعْنى: لا يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الأوْقاتِ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى. والأيّامُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الوَقائِعِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] قالَ مُقاتِلٌ: لا يَخْشَوْنَ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: لا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، وإيقاعَهُ بِأعْدائِهِ، وقِيلَ: لا يَخافُونَ البَعْثَ. قِيلَ: والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " لِنَجْزِيَ " بِالنُّونِ أيْ: لِنَجْزِيَ نَحْنُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ نَصْبِ " قَوْمًا "، فَقِيلَ: النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ مَصْدَرُ الفِعْلِ أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقِيلَ: إنَّ النّائِبَ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، والكُوفِيُّونَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، أُمِرُوا بِالمَغْفِرَةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكُفّارِ، والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ، واحْتِمالُ المَكْرُوهِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَجْزِيَ الكُفّارَ بِما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ وأعْمالَهم والمُشْرِكِينَ وأعْمالَهم فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ والمَعْنى: أنَّ عَمَلَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ لِعامِلِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى غَيْرِهِ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَهْدِيدٌ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿جَمِيعًا مِنهُ﴾ ) قالَ: مِنهُ النُّورُ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَألَهُ: مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والهَواءِ والتُّرابِ، قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: لا أدْرِي. ثُمَّ أتى الرَّجُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ فَقالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ، قالَ فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ الرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آذَوْهُ، وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُقاتِلَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، فَكانَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، وبِالحُكْمِ الفَهْمُ والفِقْهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ وفَصْلُ خُصُوماتِهِمْ، وبِالنُّبُوَّةِ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيهِمْ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ المَنُّ والسَّلْوى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ الدُّخانِ. ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: شَرائِعَ واضِحاتٍ في الحَلالِ والحَرامِ، أوْ مُعْجِزاتٍ ظاهِراتٍ، وقِيلَ: العِلْمَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ، وتَعْيِينَ مُهاجَرِهِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: فَما وقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم في ذَلِكَ الأمْرِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ إلَيْهِمْ بِبَيانِهِ، وإيضاحِ مَعْناهُ، فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ (p-١٣٥٨)زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإنَّهُ آمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، وقِيلَ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا فِيها حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: بَغْيًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِطَلَبِ الرِّئاسَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ الشَّرِيعَةُ في اللُّغَةِ المَذْهَبُ. والمِلَّةُ والمِنهاجُ ويُقالُ: لِمَشْرَعَةِ الماءِ وهي مَوْرِدُ شارِبِيهِ شَرِيعَةٌ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ، فالمُرادُ بِالشَّرِيعَةِ هُنا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ مِنَ الدِّينِ، والجَمْعُ شَرائِعُ أيْ: جَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ عَلى مِنهاجٍ واضِحٍ مِن أمْرِ الدِّينِ يُوصِلُكَ إلى الحَقِّ فاتَّبِعْها فاعْمَلْ بِأحْكامِها في أُمَّتِكَ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وشَرائِعَهُ لِعِبادِهِ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم. ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُونَ عَنْكَ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ اللَّهُ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُنافِقِينَ أوْلِياءُ اليَهُودِ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: ناصِرُهم، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمَعاصِيَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، أوْ إلى اتِّباعِ الشَّرِيعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " بَصائِرُ لِلنّاسِ " أيْ: بَراهِينُ، ودَلائِلُ لَهم فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الدِّينِ، جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ وقُرِئَ " هَذِهِ بَصائِرُ " أيْ: هَذِهِ الآياتُ؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِمَعْناها كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ لِأنَّ الصَّوْتَ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، ( وهُدًى ) أيْ: رُشْدٌ، وطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ لِمَن عَمِلَ بِهِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أيْ: مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ وعَدَمُ الشَّكِّ والتَّزَلْزُلِ بِالشُّبَهِ. ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ، والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابِ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ، والمُحْسِنِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: نُسَوِّي بَيْنَهم مَعَ اجْتِراحِهُمُ السَّيِّئاتِ، وبَيْنَ أهْلِ الحَسَناتِ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ في دارِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَلّا لا يَسْتَوُونَ، فَإنَّ حالَ أهْلِ السَّعادَةِ فِيهِما غَيْرُ حالِ أهْلِ الشَّقاوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَواءٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ " مَحْياهم ومَماتُهم "، والمَعْنى: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنَّ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ( كالَّذِينِ آمَنُوا )، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ " حَسِبَ "، واخْتارَ قِراءَةَ النَّصْبِ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ مَعْناهُ: نَجْعَلُهم سَواءً، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " مَماتَهم " بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى سَواءً في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ انْتَصَبَ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ نَجْعَلُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا الَّذِي حَكَمُوا بِهِ. ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ، ومَحَلُّ " بِالحَقِّ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ، فَعَطَفَ السَّبَبَ عَلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَدُلَّ بِهِما عَلى قُدْرَتِهِ ولِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ وهم لا يُظْلَمُونَ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ. ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَعْبُدُ ما يَهْواهُ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهَواهُ اتَّخَذَهُ إلَهًا. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ قَدْ عَلِمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أضَلَّهُ عَنِ الثَّوابِ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الصَّنَمَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلى سُوءٍ في عِلْمِهِ أنَّهُ ضالٌّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، ومَحَلُّ " عَلى عِلْمٍ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ، وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدى ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: غِطاءً حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( غِشاوَةً ) بِالألْفِ مَعَ كَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( غَشْوَةً ) بِغَيْرِ ألْفٍ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِنْ كُنْتِ ألْبَسْتِنِي غَشْوَةً ∗∗∗ لَقَدْ كُنْتُ أصْغَيْتُكِ الوُدَّ حِينًا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ بِضَمِّها وهي لُغَةُ عُكْلٍ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ لَهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرَ اعْتِبارٍ حَتّى تَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الحالِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما الحَياةُ إلّا الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ، وقِيلَ: نَمُوتُ نَحْنُ ويَحْيا فِيها أوْلادُنا، وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا مَيِّتَةً، ثُمَّ نَصِيرُ أحْياءً. وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَمُرادُهم بِهَذِهِ المَقالَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وتَكْذِيبُ الآخِرَةِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ أيْ: إلّا مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السِّنِينَ والأيّامَ. وقالَ قَتادَةُ: إلّا العُمْرُ، والمَعْنى واحِدٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى وما يُهْلِكُنا إلّا المَوْتُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: وما يُهْلِكُنا إلّا اللَّهُ. ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ (p-١٣٥٩)أيْ: ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ إلّا شاكِّينَ غَيْرَ عالِمِينَ بِالحَقِيقَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ صادِرًا مِنهم لا عَنْ عِلْمٍ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا قَوْمٌ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ الظَّنُّ فَما يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِهِ، ولا يَسْتَنِدُونَ إلّا إلَيْهِ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: إذا تُلِيَتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: ما كانَ لَهم حُجَّةٌ ولا مُتَمَسَّكٌ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الحُجَّةِ في شَيْءٍ، وإنَّما سَمّاهُ حُجَّةً تَهَكُّمًا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " حُجَّتَهم " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُهُما ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " حُجَّتُهم " عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ( ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ ) أيْ: في الدُّنْيا، ثُمَّ ( يُمِيتُكم ) عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا رَيْبَ فِيهِ أيْ: في جَمْعِكم؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ، فَلِهَذا حَصَلَ مَعَهُمُ الشَّكُّ في البَعْثِ، وجاءُوا في دَفْعِهِ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، ولَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَحَصَلُوا عَلى العِلْمِ اليَقِينِ، وانْدَفَعَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ وأراحُوا أنْفُسَهم مِن ورْطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ يَقُولُ: عَلى هُدًى مِن أمْرِ دِينِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُؤْمِنٌ، والكافِرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كافِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذاكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: أضَلَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ أخَذَهُ وألْقى الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ قالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «يَقُولُ: قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ "» .

الجاثية 45:17

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وجابِرٍ، وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ: ( ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلى ( ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ ) [الجاثية: ١٤] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الفاتِحَةِ وفي إعْرابِها في فاتِحَةِ سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها، فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ، وإنْ جُعِلَ حُرُوفًا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فِيها نَفْسِها فَإنَّها مِن فُنُونِ (p-١٣٥٦)الآياتِ أوْ في خَلْقِها. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: في خَلْقِكم أنْفُسِكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ أيْ: وفي خَلْقٍ ما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ، وارْتِفاعُ آياتٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ قَبْلَهُ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( آياتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ، أوْ عَلى أنَّها تَأْكِيدٌ لِآياتٍ الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنَصْبِها مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى الجَرِّ في اخْتِلافِ، أمّا جَرُّ اخْتِلافِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: " و" في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٌ، فَمَن رَفَعَ ( آياتٌ ) فَعَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها: في اخْتِلافِ، وأمّا النَّصْبُ فَهو مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ إنَّ، تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ لِي عَلَيْكَ مالًا وعَلى أخِيكَ مالٌ، يَنْصِبُونَ الثّانِي ويَرْفَعُونَهُ ولِلنُّحاةِ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ طَوِيلٌ. والبَحْثُ في مَسْألَةِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وحُجَجُ المُجَوِّزِينَ لَهُ وجَواباتُ المانِعِينَ لَهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ مَبْسُوطٌ في مُطَوَّلاتِهِ. ومَعْنى ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ ما يُفَرِّقُهُ ويَنْشُرُهُ. ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما في الطُّولِ والقِصَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( اخْتِلافِ )، والرِّزْقُ المَطَرُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِكُلِّ ما يَرْزُقُ اللَّهُ العِبادَ بِهِ، وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ نَباتِها، ومَوْتُها خُلُوُّها عَنِ النَّباتِ " و" مَعْنى ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أنَّها تَهُبُّ تارَةً مِن جِهَةٍ، وتارَةً مِن أُخْرى، وتارَةً تَكُونُ حارَّةً وتارَةً تَكُونُ بارِدَةً، وتارَةً نافِعَةً وتارَةً ضارَّةً. ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ هي حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ، ومَحَلُّ: ( نَتْلُوها عَلَيْكَ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وآياتُ اللَّهِ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ( بِالحَقِّ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( نَتْلُو )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الفِعْلِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وبَعْدَ آياتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وذِكْرُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَيْسَ إلّا لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الآياتِ، فَيَكُونُ مِن بابِ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ، وكَرَمُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو المُرادُ بِالآياتِ، والعَطْفُ لِمُجَرَّدِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُؤْمِنُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِأيِّ حَدِيثٍ، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ مُرْتَكِبٍ لِما يُوجِبُهُ، والوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الأفّاكَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ ( يَسْمَعُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ( تُتْلى عَلَيْهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ، ويُقِيمُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَكْبِرًا أيْ: يَتَمادى عَلى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا في نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، والإصْرارُ مَأْخُوذٌ مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ، وهو أنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْها صارًّا أُذُنَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا سَمِعَ مِن آياتِ القُرْآنِ شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ أيْ: فَبَشِّرْهُ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ وعَدَمِ اسْتِماعِهِ إلى الآياتِ بِعَذابٍ شَدِيدِ الألَمِ. ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( عَلِمَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرٌ الوَرّاقُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ اتَّخَذَها أيِ: الآياتِ هُزُوًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( اتَّخَذَها ) عائِدٌ إلى شَيْئًا؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى كُلِّ أفّاكٍ مُتَّصِفٍ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا مِنَ الإصْرارِ، والِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ آياتِ اللَّهِ، واتِّخاذِها هُزُوًا، والعَذابُ المُهِينُ هو المُشْتَمِلُ عَلى الإذْلالِ والفَضِيحَةِ. ( ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ ) أيْ: مِن وراءِ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالدُّنْيا والتَّكَبُّرِ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، فَإنَّها مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، وعَبَّرَ بِالوَراءِ عَنِ القُدّامِ، كَقَوْلِهِ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي وقِيلَ: جَعَلَها بِاعْتِبارِ إعْراضِهِمْ عَنْها كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما كَسَبُوا أيْ: ولا يُغْنِي عَنْهم ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ مِنَ الأصْنامِ، و" ما " في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وزِيادَةُ " لا " في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في جَهَنَّمَ الَّتِي هي مِن ورائِهِمْ. ( هَذا هُدًى ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ، وخَبَرٍ يَعْنِي: هَذا القُرْآنُ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ بِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القُرْآنِيَّةِ ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ الرِّجْزُ أشَدُّ العَذابِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( ألِيمٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِعَذابٍ. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ أيْ: جَعَلَهُ عَلى صِفَةٍ تَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِهِ وإقْدارِهِ لَكم ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ تارَةً، والغَوْصِ لِلدُّرِّ، والمُعالَجَةِ لِلصَّيْدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِسَبَبِ هَذا التَّسْخِيرِ لِلْبَحْرِ. ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ أيْ: سَخَّرَ لِعِبادِهِ ما خَلَقَهُ في سَماواتِهِ وأرْضِهِ (p-١٣٥٧)مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُهم وتَقُومُ بِهِ مَعايِشُهم. ومِمّا سَخَّرَهُ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ النَّيِّراتُ، والمَطَرُ، والسَّحابُ، والرِّياحُ، وانْتِصابُ " جَمِيعًا " عَلى الحالِ مِن ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، أوْ تَأْكِيدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ: مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ " جَمِيعًا " أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " سَخَّرَ "، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن " ما في السَّماواتِ "، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ لِعِبادِهِ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن تَفَكَّرَ فِيها، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ التَّفَكُّرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ اللّامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم لِيَغْفِرُوا. والمَعْنى: قُلْ لَهم يَتَجاوَزُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِأعْدائِهِ أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَها، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. والمَعْنى: لا يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الأوْقاتِ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى. والأيّامُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الوَقائِعِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] قالَ مُقاتِلٌ: لا يَخْشَوْنَ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: لا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، وإيقاعَهُ بِأعْدائِهِ، وقِيلَ: لا يَخافُونَ البَعْثَ. قِيلَ: والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " لِنَجْزِيَ " بِالنُّونِ أيْ: لِنَجْزِيَ نَحْنُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ نَصْبِ " قَوْمًا "، فَقِيلَ: النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ مَصْدَرُ الفِعْلِ أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقِيلَ: إنَّ النّائِبَ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، والكُوفِيُّونَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، أُمِرُوا بِالمَغْفِرَةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكُفّارِ، والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ، واحْتِمالُ المَكْرُوهِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَجْزِيَ الكُفّارَ بِما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ وأعْمالَهم والمُشْرِكِينَ وأعْمالَهم فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ والمَعْنى: أنَّ عَمَلَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ لِعامِلِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى غَيْرِهِ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَهْدِيدٌ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿جَمِيعًا مِنهُ﴾ ) قالَ: مِنهُ النُّورُ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَألَهُ: مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والهَواءِ والتُّرابِ، قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: لا أدْرِي. ثُمَّ أتى الرَّجُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ فَقالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ، قالَ فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ الرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آذَوْهُ، وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُقاتِلَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، فَكانَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، وبِالحُكْمِ الفَهْمُ والفِقْهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ وفَصْلُ خُصُوماتِهِمْ، وبِالنُّبُوَّةِ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيهِمْ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ المَنُّ والسَّلْوى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ الدُّخانِ. ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: شَرائِعَ واضِحاتٍ في الحَلالِ والحَرامِ، أوْ مُعْجِزاتٍ ظاهِراتٍ، وقِيلَ: العِلْمَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ، وتَعْيِينَ مُهاجَرِهِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: فَما وقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم في ذَلِكَ الأمْرِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ إلَيْهِمْ بِبَيانِهِ، وإيضاحِ مَعْناهُ، فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ (p-١٣٥٨)زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإنَّهُ آمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، وقِيلَ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا فِيها حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: بَغْيًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِطَلَبِ الرِّئاسَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ الشَّرِيعَةُ في اللُّغَةِ المَذْهَبُ. والمِلَّةُ والمِنهاجُ ويُقالُ: لِمَشْرَعَةِ الماءِ وهي مَوْرِدُ شارِبِيهِ شَرِيعَةٌ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ، فالمُرادُ بِالشَّرِيعَةِ هُنا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ مِنَ الدِّينِ، والجَمْعُ شَرائِعُ أيْ: جَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ عَلى مِنهاجٍ واضِحٍ مِن أمْرِ الدِّينِ يُوصِلُكَ إلى الحَقِّ فاتَّبِعْها فاعْمَلْ بِأحْكامِها في أُمَّتِكَ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وشَرائِعَهُ لِعِبادِهِ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم. ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُونَ عَنْكَ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ اللَّهُ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُنافِقِينَ أوْلِياءُ اليَهُودِ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: ناصِرُهم، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمَعاصِيَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، أوْ إلى اتِّباعِ الشَّرِيعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " بَصائِرُ لِلنّاسِ " أيْ: بَراهِينُ، ودَلائِلُ لَهم فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الدِّينِ، جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ وقُرِئَ " هَذِهِ بَصائِرُ " أيْ: هَذِهِ الآياتُ؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِمَعْناها كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ لِأنَّ الصَّوْتَ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، ( وهُدًى ) أيْ: رُشْدٌ، وطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ لِمَن عَمِلَ بِهِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أيْ: مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ وعَدَمُ الشَّكِّ والتَّزَلْزُلِ بِالشُّبَهِ. ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ، والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابِ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ، والمُحْسِنِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: نُسَوِّي بَيْنَهم مَعَ اجْتِراحِهُمُ السَّيِّئاتِ، وبَيْنَ أهْلِ الحَسَناتِ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ في دارِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَلّا لا يَسْتَوُونَ، فَإنَّ حالَ أهْلِ السَّعادَةِ فِيهِما غَيْرُ حالِ أهْلِ الشَّقاوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَواءٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ " مَحْياهم ومَماتُهم "، والمَعْنى: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنَّ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ( كالَّذِينِ آمَنُوا )، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ " حَسِبَ "، واخْتارَ قِراءَةَ النَّصْبِ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ مَعْناهُ: نَجْعَلُهم سَواءً، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " مَماتَهم " بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى سَواءً في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ انْتَصَبَ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ نَجْعَلُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا الَّذِي حَكَمُوا بِهِ. ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ، ومَحَلُّ " بِالحَقِّ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ، فَعَطَفَ السَّبَبَ عَلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَدُلَّ بِهِما عَلى قُدْرَتِهِ ولِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ وهم لا يُظْلَمُونَ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ. ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَعْبُدُ ما يَهْواهُ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهَواهُ اتَّخَذَهُ إلَهًا. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ قَدْ عَلِمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أضَلَّهُ عَنِ الثَّوابِ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الصَّنَمَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلى سُوءٍ في عِلْمِهِ أنَّهُ ضالٌّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، ومَحَلُّ " عَلى عِلْمٍ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ، وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدى ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: غِطاءً حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( غِشاوَةً ) بِالألْفِ مَعَ كَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( غَشْوَةً ) بِغَيْرِ ألْفٍ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِنْ كُنْتِ ألْبَسْتِنِي غَشْوَةً ∗∗∗ لَقَدْ كُنْتُ أصْغَيْتُكِ الوُدَّ حِينًا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ بِضَمِّها وهي لُغَةُ عُكْلٍ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ لَهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرَ اعْتِبارٍ حَتّى تَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الحالِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما الحَياةُ إلّا الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ، وقِيلَ: نَمُوتُ نَحْنُ ويَحْيا فِيها أوْلادُنا، وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا مَيِّتَةً، ثُمَّ نَصِيرُ أحْياءً. وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَمُرادُهم بِهَذِهِ المَقالَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وتَكْذِيبُ الآخِرَةِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ أيْ: إلّا مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السِّنِينَ والأيّامَ. وقالَ قَتادَةُ: إلّا العُمْرُ، والمَعْنى واحِدٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى وما يُهْلِكُنا إلّا المَوْتُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: وما يُهْلِكُنا إلّا اللَّهُ. ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ (p-١٣٥٩)أيْ: ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ إلّا شاكِّينَ غَيْرَ عالِمِينَ بِالحَقِيقَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ صادِرًا مِنهم لا عَنْ عِلْمٍ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا قَوْمٌ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ الظَّنُّ فَما يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِهِ، ولا يَسْتَنِدُونَ إلّا إلَيْهِ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: إذا تُلِيَتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: ما كانَ لَهم حُجَّةٌ ولا مُتَمَسَّكٌ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الحُجَّةِ في شَيْءٍ، وإنَّما سَمّاهُ حُجَّةً تَهَكُّمًا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " حُجَّتَهم " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُهُما ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " حُجَّتُهم " عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ( ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ ) أيْ: في الدُّنْيا، ثُمَّ ( يُمِيتُكم ) عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا رَيْبَ فِيهِ أيْ: في جَمْعِكم؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ، فَلِهَذا حَصَلَ مَعَهُمُ الشَّكُّ في البَعْثِ، وجاءُوا في دَفْعِهِ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، ولَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَحَصَلُوا عَلى العِلْمِ اليَقِينِ، وانْدَفَعَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ وأراحُوا أنْفُسَهم مِن ورْطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ يَقُولُ: عَلى هُدًى مِن أمْرِ دِينِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُؤْمِنٌ، والكافِرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كافِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذاكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: أضَلَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ أخَذَهُ وألْقى الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ قالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «يَقُولُ: قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ "» .

الجاثية 45:18

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وجابِرٍ، وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ: ( ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلى ( ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ ) [الجاثية: ١٤] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الفاتِحَةِ وفي إعْرابِها في فاتِحَةِ سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها، فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ، وإنْ جُعِلَ حُرُوفًا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فِيها نَفْسِها فَإنَّها مِن فُنُونِ (p-١٣٥٦)الآياتِ أوْ في خَلْقِها. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: في خَلْقِكم أنْفُسِكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ أيْ: وفي خَلْقٍ ما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ، وارْتِفاعُ آياتٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ قَبْلَهُ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( آياتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ، أوْ عَلى أنَّها تَأْكِيدٌ لِآياتٍ الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنَصْبِها مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى الجَرِّ في اخْتِلافِ، أمّا جَرُّ اخْتِلافِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: " و" في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٌ، فَمَن رَفَعَ ( آياتٌ ) فَعَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها: في اخْتِلافِ، وأمّا النَّصْبُ فَهو مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ إنَّ، تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ لِي عَلَيْكَ مالًا وعَلى أخِيكَ مالٌ، يَنْصِبُونَ الثّانِي ويَرْفَعُونَهُ ولِلنُّحاةِ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ طَوِيلٌ. والبَحْثُ في مَسْألَةِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وحُجَجُ المُجَوِّزِينَ لَهُ وجَواباتُ المانِعِينَ لَهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ مَبْسُوطٌ في مُطَوَّلاتِهِ. ومَعْنى ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ ما يُفَرِّقُهُ ويَنْشُرُهُ. ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما في الطُّولِ والقِصَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( اخْتِلافِ )، والرِّزْقُ المَطَرُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِكُلِّ ما يَرْزُقُ اللَّهُ العِبادَ بِهِ، وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ نَباتِها، ومَوْتُها خُلُوُّها عَنِ النَّباتِ " و" مَعْنى ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أنَّها تَهُبُّ تارَةً مِن جِهَةٍ، وتارَةً مِن أُخْرى، وتارَةً تَكُونُ حارَّةً وتارَةً تَكُونُ بارِدَةً، وتارَةً نافِعَةً وتارَةً ضارَّةً. ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ هي حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ، ومَحَلُّ: ( نَتْلُوها عَلَيْكَ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وآياتُ اللَّهِ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ( بِالحَقِّ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( نَتْلُو )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الفِعْلِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وبَعْدَ آياتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وذِكْرُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَيْسَ إلّا لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الآياتِ، فَيَكُونُ مِن بابِ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ، وكَرَمُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو المُرادُ بِالآياتِ، والعَطْفُ لِمُجَرَّدِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُؤْمِنُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِأيِّ حَدِيثٍ، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ مُرْتَكِبٍ لِما يُوجِبُهُ، والوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الأفّاكَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ ( يَسْمَعُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ( تُتْلى عَلَيْهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ، ويُقِيمُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَكْبِرًا أيْ: يَتَمادى عَلى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا في نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، والإصْرارُ مَأْخُوذٌ مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ، وهو أنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْها صارًّا أُذُنَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا سَمِعَ مِن آياتِ القُرْآنِ شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ أيْ: فَبَشِّرْهُ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ وعَدَمِ اسْتِماعِهِ إلى الآياتِ بِعَذابٍ شَدِيدِ الألَمِ. ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( عَلِمَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرٌ الوَرّاقُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ اتَّخَذَها أيِ: الآياتِ هُزُوًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( اتَّخَذَها ) عائِدٌ إلى شَيْئًا؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى كُلِّ أفّاكٍ مُتَّصِفٍ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا مِنَ الإصْرارِ، والِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ آياتِ اللَّهِ، واتِّخاذِها هُزُوًا، والعَذابُ المُهِينُ هو المُشْتَمِلُ عَلى الإذْلالِ والفَضِيحَةِ. ( ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ ) أيْ: مِن وراءِ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالدُّنْيا والتَّكَبُّرِ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، فَإنَّها مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، وعَبَّرَ بِالوَراءِ عَنِ القُدّامِ، كَقَوْلِهِ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي وقِيلَ: جَعَلَها بِاعْتِبارِ إعْراضِهِمْ عَنْها كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما كَسَبُوا أيْ: ولا يُغْنِي عَنْهم ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ مِنَ الأصْنامِ، و" ما " في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وزِيادَةُ " لا " في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في جَهَنَّمَ الَّتِي هي مِن ورائِهِمْ. ( هَذا هُدًى ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ، وخَبَرٍ يَعْنِي: هَذا القُرْآنُ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ بِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القُرْآنِيَّةِ ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ الرِّجْزُ أشَدُّ العَذابِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( ألِيمٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِعَذابٍ. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ أيْ: جَعَلَهُ عَلى صِفَةٍ تَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِهِ وإقْدارِهِ لَكم ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ تارَةً، والغَوْصِ لِلدُّرِّ، والمُعالَجَةِ لِلصَّيْدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِسَبَبِ هَذا التَّسْخِيرِ لِلْبَحْرِ. ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ أيْ: سَخَّرَ لِعِبادِهِ ما خَلَقَهُ في سَماواتِهِ وأرْضِهِ (p-١٣٥٧)مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُهم وتَقُومُ بِهِ مَعايِشُهم. ومِمّا سَخَّرَهُ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ النَّيِّراتُ، والمَطَرُ، والسَّحابُ، والرِّياحُ، وانْتِصابُ " جَمِيعًا " عَلى الحالِ مِن ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، أوْ تَأْكِيدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ: مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ " جَمِيعًا " أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " سَخَّرَ "، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن " ما في السَّماواتِ "، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ لِعِبادِهِ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن تَفَكَّرَ فِيها، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ التَّفَكُّرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ اللّامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم لِيَغْفِرُوا. والمَعْنى: قُلْ لَهم يَتَجاوَزُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِأعْدائِهِ أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَها، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. والمَعْنى: لا يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الأوْقاتِ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى. والأيّامُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الوَقائِعِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] قالَ مُقاتِلٌ: لا يَخْشَوْنَ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: لا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، وإيقاعَهُ بِأعْدائِهِ، وقِيلَ: لا يَخافُونَ البَعْثَ. قِيلَ: والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " لِنَجْزِيَ " بِالنُّونِ أيْ: لِنَجْزِيَ نَحْنُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ نَصْبِ " قَوْمًا "، فَقِيلَ: النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ مَصْدَرُ الفِعْلِ أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقِيلَ: إنَّ النّائِبَ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، والكُوفِيُّونَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، أُمِرُوا بِالمَغْفِرَةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكُفّارِ، والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ، واحْتِمالُ المَكْرُوهِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَجْزِيَ الكُفّارَ بِما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ وأعْمالَهم والمُشْرِكِينَ وأعْمالَهم فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ والمَعْنى: أنَّ عَمَلَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ لِعامِلِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى غَيْرِهِ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَهْدِيدٌ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿جَمِيعًا مِنهُ﴾ ) قالَ: مِنهُ النُّورُ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَألَهُ: مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والهَواءِ والتُّرابِ، قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: لا أدْرِي. ثُمَّ أتى الرَّجُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ فَقالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ، قالَ فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ الرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آذَوْهُ، وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُقاتِلَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، فَكانَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، وبِالحُكْمِ الفَهْمُ والفِقْهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ وفَصْلُ خُصُوماتِهِمْ، وبِالنُّبُوَّةِ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيهِمْ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ المَنُّ والسَّلْوى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ الدُّخانِ. ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: شَرائِعَ واضِحاتٍ في الحَلالِ والحَرامِ، أوْ مُعْجِزاتٍ ظاهِراتٍ، وقِيلَ: العِلْمَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ، وتَعْيِينَ مُهاجَرِهِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: فَما وقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم في ذَلِكَ الأمْرِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ إلَيْهِمْ بِبَيانِهِ، وإيضاحِ مَعْناهُ، فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ (p-١٣٥٨)زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإنَّهُ آمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، وقِيلَ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا فِيها حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: بَغْيًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِطَلَبِ الرِّئاسَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ الشَّرِيعَةُ في اللُّغَةِ المَذْهَبُ. والمِلَّةُ والمِنهاجُ ويُقالُ: لِمَشْرَعَةِ الماءِ وهي مَوْرِدُ شارِبِيهِ شَرِيعَةٌ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ، فالمُرادُ بِالشَّرِيعَةِ هُنا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ مِنَ الدِّينِ، والجَمْعُ شَرائِعُ أيْ: جَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ عَلى مِنهاجٍ واضِحٍ مِن أمْرِ الدِّينِ يُوصِلُكَ إلى الحَقِّ فاتَّبِعْها فاعْمَلْ بِأحْكامِها في أُمَّتِكَ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وشَرائِعَهُ لِعِبادِهِ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم. ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُونَ عَنْكَ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ اللَّهُ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُنافِقِينَ أوْلِياءُ اليَهُودِ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: ناصِرُهم، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمَعاصِيَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، أوْ إلى اتِّباعِ الشَّرِيعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " بَصائِرُ لِلنّاسِ " أيْ: بَراهِينُ، ودَلائِلُ لَهم فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الدِّينِ، جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ وقُرِئَ " هَذِهِ بَصائِرُ " أيْ: هَذِهِ الآياتُ؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِمَعْناها كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ لِأنَّ الصَّوْتَ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، ( وهُدًى ) أيْ: رُشْدٌ، وطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ لِمَن عَمِلَ بِهِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أيْ: مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ وعَدَمُ الشَّكِّ والتَّزَلْزُلِ بِالشُّبَهِ. ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ، والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابِ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ، والمُحْسِنِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: نُسَوِّي بَيْنَهم مَعَ اجْتِراحِهُمُ السَّيِّئاتِ، وبَيْنَ أهْلِ الحَسَناتِ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ في دارِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَلّا لا يَسْتَوُونَ، فَإنَّ حالَ أهْلِ السَّعادَةِ فِيهِما غَيْرُ حالِ أهْلِ الشَّقاوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَواءٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ " مَحْياهم ومَماتُهم "، والمَعْنى: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنَّ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ( كالَّذِينِ آمَنُوا )، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ " حَسِبَ "، واخْتارَ قِراءَةَ النَّصْبِ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ مَعْناهُ: نَجْعَلُهم سَواءً، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " مَماتَهم " بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى سَواءً في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ انْتَصَبَ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ نَجْعَلُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا الَّذِي حَكَمُوا بِهِ. ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ، ومَحَلُّ " بِالحَقِّ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ، فَعَطَفَ السَّبَبَ عَلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَدُلَّ بِهِما عَلى قُدْرَتِهِ ولِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ وهم لا يُظْلَمُونَ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ. ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَعْبُدُ ما يَهْواهُ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهَواهُ اتَّخَذَهُ إلَهًا. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ قَدْ عَلِمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أضَلَّهُ عَنِ الثَّوابِ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الصَّنَمَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلى سُوءٍ في عِلْمِهِ أنَّهُ ضالٌّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، ومَحَلُّ " عَلى عِلْمٍ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ، وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدى ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: غِطاءً حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( غِشاوَةً ) بِالألْفِ مَعَ كَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( غَشْوَةً ) بِغَيْرِ ألْفٍ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِنْ كُنْتِ ألْبَسْتِنِي غَشْوَةً ∗∗∗ لَقَدْ كُنْتُ أصْغَيْتُكِ الوُدَّ حِينًا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ بِضَمِّها وهي لُغَةُ عُكْلٍ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ لَهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرَ اعْتِبارٍ حَتّى تَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الحالِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما الحَياةُ إلّا الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ، وقِيلَ: نَمُوتُ نَحْنُ ويَحْيا فِيها أوْلادُنا، وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا مَيِّتَةً، ثُمَّ نَصِيرُ أحْياءً. وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَمُرادُهم بِهَذِهِ المَقالَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وتَكْذِيبُ الآخِرَةِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ أيْ: إلّا مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السِّنِينَ والأيّامَ. وقالَ قَتادَةُ: إلّا العُمْرُ، والمَعْنى واحِدٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى وما يُهْلِكُنا إلّا المَوْتُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: وما يُهْلِكُنا إلّا اللَّهُ. ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ (p-١٣٥٩)أيْ: ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ إلّا شاكِّينَ غَيْرَ عالِمِينَ بِالحَقِيقَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ صادِرًا مِنهم لا عَنْ عِلْمٍ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا قَوْمٌ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ الظَّنُّ فَما يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِهِ، ولا يَسْتَنِدُونَ إلّا إلَيْهِ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: إذا تُلِيَتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: ما كانَ لَهم حُجَّةٌ ولا مُتَمَسَّكٌ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الحُجَّةِ في شَيْءٍ، وإنَّما سَمّاهُ حُجَّةً تَهَكُّمًا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " حُجَّتَهم " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُهُما ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " حُجَّتُهم " عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ( ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ ) أيْ: في الدُّنْيا، ثُمَّ ( يُمِيتُكم ) عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا رَيْبَ فِيهِ أيْ: في جَمْعِكم؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ، فَلِهَذا حَصَلَ مَعَهُمُ الشَّكُّ في البَعْثِ، وجاءُوا في دَفْعِهِ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، ولَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَحَصَلُوا عَلى العِلْمِ اليَقِينِ، وانْدَفَعَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ وأراحُوا أنْفُسَهم مِن ورْطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ يَقُولُ: عَلى هُدًى مِن أمْرِ دِينِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُؤْمِنٌ، والكافِرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كافِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذاكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: أضَلَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ أخَذَهُ وألْقى الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ قالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «يَقُولُ: قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ "» .

الجاثية 45:19

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وجابِرٍ، وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ: ( ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلى ( ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ ) [الجاثية: ١٤] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الفاتِحَةِ وفي إعْرابِها في فاتِحَةِ سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها، فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ، وإنْ جُعِلَ حُرُوفًا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فِيها نَفْسِها فَإنَّها مِن فُنُونِ (p-١٣٥٦)الآياتِ أوْ في خَلْقِها. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: في خَلْقِكم أنْفُسِكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ أيْ: وفي خَلْقٍ ما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ، وارْتِفاعُ آياتٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ قَبْلَهُ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( آياتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ، أوْ عَلى أنَّها تَأْكِيدٌ لِآياتٍ الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنَصْبِها مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى الجَرِّ في اخْتِلافِ، أمّا جَرُّ اخْتِلافِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: " و" في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٌ، فَمَن رَفَعَ ( آياتٌ ) فَعَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها: في اخْتِلافِ، وأمّا النَّصْبُ فَهو مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ إنَّ، تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ لِي عَلَيْكَ مالًا وعَلى أخِيكَ مالٌ، يَنْصِبُونَ الثّانِي ويَرْفَعُونَهُ ولِلنُّحاةِ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ طَوِيلٌ. والبَحْثُ في مَسْألَةِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وحُجَجُ المُجَوِّزِينَ لَهُ وجَواباتُ المانِعِينَ لَهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ مَبْسُوطٌ في مُطَوَّلاتِهِ. ومَعْنى ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ ما يُفَرِّقُهُ ويَنْشُرُهُ. ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما في الطُّولِ والقِصَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( اخْتِلافِ )، والرِّزْقُ المَطَرُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِكُلِّ ما يَرْزُقُ اللَّهُ العِبادَ بِهِ، وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ نَباتِها، ومَوْتُها خُلُوُّها عَنِ النَّباتِ " و" مَعْنى ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أنَّها تَهُبُّ تارَةً مِن جِهَةٍ، وتارَةً مِن أُخْرى، وتارَةً تَكُونُ حارَّةً وتارَةً تَكُونُ بارِدَةً، وتارَةً نافِعَةً وتارَةً ضارَّةً. ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ هي حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ، ومَحَلُّ: ( نَتْلُوها عَلَيْكَ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وآياتُ اللَّهِ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ( بِالحَقِّ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( نَتْلُو )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الفِعْلِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وبَعْدَ آياتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وذِكْرُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَيْسَ إلّا لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الآياتِ، فَيَكُونُ مِن بابِ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ، وكَرَمُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو المُرادُ بِالآياتِ، والعَطْفُ لِمُجَرَّدِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُؤْمِنُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِأيِّ حَدِيثٍ، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ مُرْتَكِبٍ لِما يُوجِبُهُ، والوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الأفّاكَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ ( يَسْمَعُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ( تُتْلى عَلَيْهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ، ويُقِيمُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَكْبِرًا أيْ: يَتَمادى عَلى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا في نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، والإصْرارُ مَأْخُوذٌ مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ، وهو أنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْها صارًّا أُذُنَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا سَمِعَ مِن آياتِ القُرْآنِ شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ أيْ: فَبَشِّرْهُ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ وعَدَمِ اسْتِماعِهِ إلى الآياتِ بِعَذابٍ شَدِيدِ الألَمِ. ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( عَلِمَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرٌ الوَرّاقُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ اتَّخَذَها أيِ: الآياتِ هُزُوًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( اتَّخَذَها ) عائِدٌ إلى شَيْئًا؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى كُلِّ أفّاكٍ مُتَّصِفٍ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا مِنَ الإصْرارِ، والِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ آياتِ اللَّهِ، واتِّخاذِها هُزُوًا، والعَذابُ المُهِينُ هو المُشْتَمِلُ عَلى الإذْلالِ والفَضِيحَةِ. ( ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ ) أيْ: مِن وراءِ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالدُّنْيا والتَّكَبُّرِ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، فَإنَّها مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، وعَبَّرَ بِالوَراءِ عَنِ القُدّامِ، كَقَوْلِهِ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي وقِيلَ: جَعَلَها بِاعْتِبارِ إعْراضِهِمْ عَنْها كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما كَسَبُوا أيْ: ولا يُغْنِي عَنْهم ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ مِنَ الأصْنامِ، و" ما " في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وزِيادَةُ " لا " في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في جَهَنَّمَ الَّتِي هي مِن ورائِهِمْ. ( هَذا هُدًى ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ، وخَبَرٍ يَعْنِي: هَذا القُرْآنُ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ بِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القُرْآنِيَّةِ ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ الرِّجْزُ أشَدُّ العَذابِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( ألِيمٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِعَذابٍ. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ أيْ: جَعَلَهُ عَلى صِفَةٍ تَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِهِ وإقْدارِهِ لَكم ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ تارَةً، والغَوْصِ لِلدُّرِّ، والمُعالَجَةِ لِلصَّيْدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِسَبَبِ هَذا التَّسْخِيرِ لِلْبَحْرِ. ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ أيْ: سَخَّرَ لِعِبادِهِ ما خَلَقَهُ في سَماواتِهِ وأرْضِهِ (p-١٣٥٧)مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُهم وتَقُومُ بِهِ مَعايِشُهم. ومِمّا سَخَّرَهُ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ النَّيِّراتُ، والمَطَرُ، والسَّحابُ، والرِّياحُ، وانْتِصابُ " جَمِيعًا " عَلى الحالِ مِن ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، أوْ تَأْكِيدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ: مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ " جَمِيعًا " أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " سَخَّرَ "، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن " ما في السَّماواتِ "، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ لِعِبادِهِ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن تَفَكَّرَ فِيها، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ التَّفَكُّرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ اللّامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم لِيَغْفِرُوا. والمَعْنى: قُلْ لَهم يَتَجاوَزُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِأعْدائِهِ أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَها، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. والمَعْنى: لا يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الأوْقاتِ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى. والأيّامُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الوَقائِعِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] قالَ مُقاتِلٌ: لا يَخْشَوْنَ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: لا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، وإيقاعَهُ بِأعْدائِهِ، وقِيلَ: لا يَخافُونَ البَعْثَ. قِيلَ: والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " لِنَجْزِيَ " بِالنُّونِ أيْ: لِنَجْزِيَ نَحْنُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ نَصْبِ " قَوْمًا "، فَقِيلَ: النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ مَصْدَرُ الفِعْلِ أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقِيلَ: إنَّ النّائِبَ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، والكُوفِيُّونَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، أُمِرُوا بِالمَغْفِرَةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكُفّارِ، والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ، واحْتِمالُ المَكْرُوهِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَجْزِيَ الكُفّارَ بِما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ وأعْمالَهم والمُشْرِكِينَ وأعْمالَهم فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ والمَعْنى: أنَّ عَمَلَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ لِعامِلِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى غَيْرِهِ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَهْدِيدٌ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿جَمِيعًا مِنهُ﴾ ) قالَ: مِنهُ النُّورُ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَألَهُ: مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والهَواءِ والتُّرابِ، قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: لا أدْرِي. ثُمَّ أتى الرَّجُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ فَقالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ، قالَ فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ الرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آذَوْهُ، وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُقاتِلَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، فَكانَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، وبِالحُكْمِ الفَهْمُ والفِقْهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ وفَصْلُ خُصُوماتِهِمْ، وبِالنُّبُوَّةِ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيهِمْ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ المَنُّ والسَّلْوى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ الدُّخانِ. ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: شَرائِعَ واضِحاتٍ في الحَلالِ والحَرامِ، أوْ مُعْجِزاتٍ ظاهِراتٍ، وقِيلَ: العِلْمَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ، وتَعْيِينَ مُهاجَرِهِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: فَما وقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم في ذَلِكَ الأمْرِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ إلَيْهِمْ بِبَيانِهِ، وإيضاحِ مَعْناهُ، فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ (p-١٣٥٨)زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإنَّهُ آمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، وقِيلَ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا فِيها حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: بَغْيًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِطَلَبِ الرِّئاسَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ الشَّرِيعَةُ في اللُّغَةِ المَذْهَبُ. والمِلَّةُ والمِنهاجُ ويُقالُ: لِمَشْرَعَةِ الماءِ وهي مَوْرِدُ شارِبِيهِ شَرِيعَةٌ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ، فالمُرادُ بِالشَّرِيعَةِ هُنا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ مِنَ الدِّينِ، والجَمْعُ شَرائِعُ أيْ: جَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ عَلى مِنهاجٍ واضِحٍ مِن أمْرِ الدِّينِ يُوصِلُكَ إلى الحَقِّ فاتَّبِعْها فاعْمَلْ بِأحْكامِها في أُمَّتِكَ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وشَرائِعَهُ لِعِبادِهِ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم. ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُونَ عَنْكَ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ اللَّهُ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُنافِقِينَ أوْلِياءُ اليَهُودِ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: ناصِرُهم، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمَعاصِيَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، أوْ إلى اتِّباعِ الشَّرِيعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " بَصائِرُ لِلنّاسِ " أيْ: بَراهِينُ، ودَلائِلُ لَهم فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الدِّينِ، جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ وقُرِئَ " هَذِهِ بَصائِرُ " أيْ: هَذِهِ الآياتُ؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِمَعْناها كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ لِأنَّ الصَّوْتَ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، ( وهُدًى ) أيْ: رُشْدٌ، وطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ لِمَن عَمِلَ بِهِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أيْ: مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ وعَدَمُ الشَّكِّ والتَّزَلْزُلِ بِالشُّبَهِ. ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ، والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابِ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ، والمُحْسِنِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: نُسَوِّي بَيْنَهم مَعَ اجْتِراحِهُمُ السَّيِّئاتِ، وبَيْنَ أهْلِ الحَسَناتِ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ في دارِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَلّا لا يَسْتَوُونَ، فَإنَّ حالَ أهْلِ السَّعادَةِ فِيهِما غَيْرُ حالِ أهْلِ الشَّقاوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَواءٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ " مَحْياهم ومَماتُهم "، والمَعْنى: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنَّ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ( كالَّذِينِ آمَنُوا )، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ " حَسِبَ "، واخْتارَ قِراءَةَ النَّصْبِ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ مَعْناهُ: نَجْعَلُهم سَواءً، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " مَماتَهم " بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى سَواءً في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ انْتَصَبَ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ نَجْعَلُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا الَّذِي حَكَمُوا بِهِ. ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ، ومَحَلُّ " بِالحَقِّ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ، فَعَطَفَ السَّبَبَ عَلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَدُلَّ بِهِما عَلى قُدْرَتِهِ ولِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ وهم لا يُظْلَمُونَ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ. ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَعْبُدُ ما يَهْواهُ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهَواهُ اتَّخَذَهُ إلَهًا. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ قَدْ عَلِمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أضَلَّهُ عَنِ الثَّوابِ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الصَّنَمَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلى سُوءٍ في عِلْمِهِ أنَّهُ ضالٌّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، ومَحَلُّ " عَلى عِلْمٍ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ، وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدى ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: غِطاءً حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( غِشاوَةً ) بِالألْفِ مَعَ كَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( غَشْوَةً ) بِغَيْرِ ألْفٍ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِنْ كُنْتِ ألْبَسْتِنِي غَشْوَةً ∗∗∗ لَقَدْ كُنْتُ أصْغَيْتُكِ الوُدَّ حِينًا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ بِضَمِّها وهي لُغَةُ عُكْلٍ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ لَهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرَ اعْتِبارٍ حَتّى تَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الحالِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما الحَياةُ إلّا الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ، وقِيلَ: نَمُوتُ نَحْنُ ويَحْيا فِيها أوْلادُنا، وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا مَيِّتَةً، ثُمَّ نَصِيرُ أحْياءً. وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَمُرادُهم بِهَذِهِ المَقالَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وتَكْذِيبُ الآخِرَةِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ أيْ: إلّا مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السِّنِينَ والأيّامَ. وقالَ قَتادَةُ: إلّا العُمْرُ، والمَعْنى واحِدٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى وما يُهْلِكُنا إلّا المَوْتُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: وما يُهْلِكُنا إلّا اللَّهُ. ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ (p-١٣٥٩)أيْ: ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ إلّا شاكِّينَ غَيْرَ عالِمِينَ بِالحَقِيقَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ صادِرًا مِنهم لا عَنْ عِلْمٍ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا قَوْمٌ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ الظَّنُّ فَما يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِهِ، ولا يَسْتَنِدُونَ إلّا إلَيْهِ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: إذا تُلِيَتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: ما كانَ لَهم حُجَّةٌ ولا مُتَمَسَّكٌ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الحُجَّةِ في شَيْءٍ، وإنَّما سَمّاهُ حُجَّةً تَهَكُّمًا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " حُجَّتَهم " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُهُما ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " حُجَّتُهم " عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ( ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ ) أيْ: في الدُّنْيا، ثُمَّ ( يُمِيتُكم ) عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا رَيْبَ فِيهِ أيْ: في جَمْعِكم؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ، فَلِهَذا حَصَلَ مَعَهُمُ الشَّكُّ في البَعْثِ، وجاءُوا في دَفْعِهِ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، ولَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَحَصَلُوا عَلى العِلْمِ اليَقِينِ، وانْدَفَعَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ وأراحُوا أنْفُسَهم مِن ورْطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ يَقُولُ: عَلى هُدًى مِن أمْرِ دِينِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُؤْمِنٌ، والكافِرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كافِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذاكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: أضَلَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ أخَذَهُ وألْقى الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ قالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «يَقُولُ: قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ "» .

الجاثية 45:20

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وجابِرٍ، وعِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ: ( ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلى ( ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ ) [الجاثية: ١٤] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: حم قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الفاتِحَةِ وفي إعْرابِها في فاتِحَةِ سُورَةِ غافِرٍ وما بَعْدَها، فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ، وإنْ جُعِلَ حُرُوفًا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فِيها نَفْسِها فَإنَّها مِن فُنُونِ (p-١٣٥٦)الآياتِ أوْ في خَلْقِها. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: في خَلْقِكم أنْفُسِكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ مُقاتِلٌ: مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ إلى أنْ يَصِيرَ إنْسانًا ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ أيْ: وفي خَلْقٍ ما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ، وارْتِفاعُ آياتٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ قَبْلَهُ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( آياتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ، أوْ عَلى أنَّها تَأْكِيدٌ لِآياتٍ الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنَصْبِها مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى الجَرِّ في اخْتِلافِ، أمّا جَرُّ اخْتِلافِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ: " و" في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٌ، فَمَن رَفَعَ ( آياتٌ ) فَعَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها: في اخْتِلافِ، وأمّا النَّصْبُ فَهو مِن بابِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ إنَّ، تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ لِي عَلَيْكَ مالًا وعَلى أخِيكَ مالٌ، يَنْصِبُونَ الثّانِي ويَرْفَعُونَهُ ولِلنُّحاةِ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ طَوِيلٌ. والبَحْثُ في مَسْألَةِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وحُجَجُ المُجَوِّزِينَ لَهُ وجَواباتُ المانِعِينَ لَهُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ مَبْسُوطٌ في مُطَوَّلاتِهِ. ومَعْنى ﴿وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ ما يُفَرِّقُهُ ويَنْشُرُهُ. ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما في الطُّولِ والقِصَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( اخْتِلافِ )، والرِّزْقُ المَطَرُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِكُلِّ ما يَرْزُقُ اللَّهُ العِبادَ بِهِ، وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ نَباتِها، ومَوْتُها خُلُوُّها عَنِ النَّباتِ " و" مَعْنى ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أنَّها تَهُبُّ تارَةً مِن جِهَةٍ، وتارَةً مِن أُخْرى، وتارَةً تَكُونُ حارَّةً وتارَةً تَكُونُ بارِدَةً، وتارَةً نافِعَةً وتارَةً ضارَّةً. ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ هي حُجَجُ اللَّهِ وبَراهِينُهُ، ومَحَلُّ: ( نَتْلُوها عَلَيْكَ ) النَّصْبُ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وآياتُ اللَّهِ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ( بِالحَقِّ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( نَتْلُو )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الفِعْلِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ وبَعْدَ آياتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وذِكْرُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَيْسَ إلّا لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الآياتِ، فَيَكُونُ مِن بابِ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ، وكَرَمُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وهو المُرادُ بِالآياتِ، والعَطْفُ لِمُجَرَّدِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُؤْمِنُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِأيِّ حَدِيثٍ، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ مُرْتَكِبٍ لِما يُوجِبُهُ، والوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الأفّاكَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ ( يَسْمَعُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والأوَّلُ أوْلى، وقَوْلُهُ: ( تُتْلى عَلَيْهِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ يُصِرُّ عَلى كُفْرِهِ، ويُقِيمُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَكْبِرًا أيْ: يَتَمادى عَلى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا في نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، والإصْرارُ مَأْخُوذٌ مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ، وهو أنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْها صارًّا أُذُنَيْهِ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا سَمِعَ مِن آياتِ القُرْآنِ شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا، وجُمْلَةُ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهَكُّمِ أيْ: فَبَشِّرْهُ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ وعَدَمِ اسْتِماعِهِ إلى الآياتِ بِعَذابٍ شَدِيدِ الألَمِ. ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( عَلِمَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ مُخَفَّفَةً عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرٌ الوَرّاقُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمَعْنى: أنَّهُ إذا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ مِن آياتِ اللَّهِ اتَّخَذَها أيِ: الآياتِ هُزُوًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( اتَّخَذَها ) عائِدٌ إلى شَيْئًا؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ، والأوَّلُ أوْلى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى كُلِّ أفّاكٍ مُتَّصِفٍ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا مِنَ الإصْرارِ، والِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ آياتِ اللَّهِ، واتِّخاذِها هُزُوًا، والعَذابُ المُهِينُ هو المُشْتَمِلُ عَلى الإذْلالِ والفَضِيحَةِ. ( ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ ) أيْ: مِن وراءِ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالدُّنْيا والتَّكَبُّرِ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، فَإنَّها مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، وعَبَّرَ بِالوَراءِ عَنِ القُدّامِ، كَقَوْلِهِ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم: ١٦] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي وقِيلَ: جَعَلَها بِاعْتِبارِ إعْراضِهِمْ عَنْها كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْهم ما كَسَبُوا مِن أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ ﴿ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما كَسَبُوا أيْ: ولا يُغْنِي عَنْهم ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ مِنَ الأصْنامِ، و" ما " في المَوْضِعَيْنِ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وزِيادَةُ " لا " في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في جَهَنَّمَ الَّتِي هي مِن ورائِهِمْ. ( هَذا هُدًى ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ، وخَبَرٍ يَعْنِي: هَذا القُرْآنُ هُدًى لِلْمُهْتَدِينَ بِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القُرْآنِيَّةِ ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ الرِّجْزُ أشَدُّ العَذابِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( ألِيمٍ ) بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِعَذابٍ. ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ أيْ: جَعَلَهُ عَلى صِفَةٍ تَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِهِ وإقْدارِهِ لَكم ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ تارَةً، والغَوْصِ لِلدُّرِّ، والمُعالَجَةِ لِلصَّيْدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِسَبَبِ هَذا التَّسْخِيرِ لِلْبَحْرِ. ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ أيْ: سَخَّرَ لِعِبادِهِ ما خَلَقَهُ في سَماواتِهِ وأرْضِهِ (p-١٣٥٧)مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُهم وتَقُومُ بِهِ مَعايِشُهم. ومِمّا سَخَّرَهُ لَهم مِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ: الشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ النَّيِّراتُ، والمَطَرُ، والسَّحابُ، والرِّياحُ، وانْتِصابُ " جَمِيعًا " عَلى الحالِ مِن ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، أوْ تَأْكِيدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ: مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِ " جَمِيعًا " أيْ: كائِنَةٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " سَخَّرَ "، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن " ما في السَّماواتِ "، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ لِعِبادِهِ إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن تَفَكَّرَ فِيها، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ التَّفَكُّرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ اللّامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم لِيَغْفِرُوا. والمَعْنى: قُلْ لَهم يَتَجاوَزُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِأعْدائِهِ أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَها، ومَعْنى الرَّجاءِ هُنا الخَوْفُ، وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. والمَعْنى: لا يَرْجُونَ ثَوابَهُ في الأوْقاتِ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أوْلى. والأيّامُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الوَقائِعِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] قالَ مُقاتِلٌ: لا يَخْشَوْنَ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: لا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، وإيقاعَهُ بِأعْدائِهِ، وقِيلَ: لا يَخافُونَ البَعْثَ. قِيلَ: والآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " لِنَجْزِيَ " بِالنُّونِ أيْ: لِنَجْزِيَ نَحْنُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ نَصْبِ " قَوْمًا "، فَقِيلَ: النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ مَصْدَرُ الفِعْلِ أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقِيلَ: إنَّ النّائِبَ الجارُّ والمَجْرُورُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، والكُوفِيُّونَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، أُمِرُوا بِالمَغْفِرَةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكُفّارِ، والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ، واحْتِمالُ المَكْرُوهِ. وقِيلَ: المَعْنى: لِيَجْزِيَ الكُفّارَ بِما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ وأعْمالَهم والمُشْرِكِينَ وأعْمالَهم فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ والمَعْنى: أنَّ عَمَلَ كُلِّ طائِفَةٍ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ لِعامِلِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى غَيْرِهِ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَهْدِيدٌ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿جَمِيعًا مِنهُ﴾ ) قالَ: مِنهُ النُّورُ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَسَألَهُ: مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ قالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والهَواءِ والتُّرابِ، قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: لا أدْرِي. ثُمَّ أتى الرَّجُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ ؟ فَقالَ: مِنَ الماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ، قالَ فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ ؟ فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ الرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آذَوْهُ، وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويُكَذِّبُونَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُقاتِلَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، فَكانَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ. ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، وبِالحُكْمِ الفَهْمُ والفِقْهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ وفَصْلُ خُصُوماتِهِمْ، وبِالنُّبُوَّةِ مَن بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيهِمْ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ لَهم، ومِن ذَلِكَ المَنُّ والسَّلْوى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ ونَحْوِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ الدُّخانِ. ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: شَرائِعَ واضِحاتٍ في الحَلالِ والحَرامِ، أوْ مُعْجِزاتٍ ظاهِراتٍ، وقِيلَ: العِلْمَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ، وتَعْيِينَ مُهاجَرِهِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: فَما وقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم في ذَلِكَ الأمْرِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ إلَيْهِمْ بِبَيانِهِ، وإيضاحِ مَعْناهُ، فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ (p-١٣٥٨)زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَإنَّهُ آمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، وقِيلَ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا فِيها حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: بَغْيًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِطَلَبِ الرِّئاسَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ الشَّرِيعَةُ في اللُّغَةِ المَذْهَبُ. والمِلَّةُ والمِنهاجُ ويُقالُ: لِمَشْرَعَةِ الماءِ وهي مَوْرِدُ شارِبِيهِ شَرِيعَةٌ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ، فالمُرادُ بِالشَّرِيعَةِ هُنا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ مِنَ الدِّينِ، والجَمْعُ شَرائِعُ أيْ: جَعَلْناكَ يا مُحَمَّدُ عَلى مِنهاجٍ واضِحٍ مِن أمْرِ الدِّينِ يُوصِلُكَ إلى الحَقِّ فاتَّبِعْها فاعْمَلْ بِأحْكامِها في أُمَّتِكَ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وشَرائِعَهُ لِعِبادِهِ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن وافَقَهم. ﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَدْفَعُونَ عَنْكَ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ اللَّهُ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: أنْصارٌ يَنْصُرُ بَعْضُهم بَعْضًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُنافِقِينَ أوْلِياءُ اليَهُودِ ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: ناصِرُهم، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمَعاصِيَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا، إلى القُرْآنِ، أوْ إلى اتِّباعِ الشَّرِيعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ " بَصائِرُ لِلنّاسِ " أيْ: بَراهِينُ، ودَلائِلُ لَهم فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الدِّينِ، جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ وقُرِئَ " هَذِهِ بَصائِرُ " أيْ: هَذِهِ الآياتُ؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِمَعْناها كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ لِأنَّ الصَّوْتَ بِمَعْنى الصَّيْحَةِ، ( وهُدًى ) أيْ: رُشْدٌ، وطَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ لِمَن عَمِلَ بِهِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أيْ: مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ وعَدَمُ الشَّكِّ والتَّزَلْزُلِ بِالشُّبَهِ. ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ المُقَدَّرَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ، والِاجْتِراحُ الِاكْتِسابِ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ، والمُحْسِنِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: نُسَوِّي بَيْنَهم مَعَ اجْتِراحِهُمُ السَّيِّئاتِ، وبَيْنَ أهْلِ الحَسَناتِ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ في دارِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَلّا لا يَسْتَوُونَ، فَإنَّ حالَ أهْلِ السَّعادَةِ فِيهِما غَيْرُ حالِ أهْلِ الشَّقاوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " سَواءٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ " مَحْياهم ومَماتُهم "، والمَعْنى: إنْكارُ حُسْبانِهِمْ أنَّ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ سَواءً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ( كالَّذِينِ آمَنُوا )، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ " حَسِبَ "، واخْتارَ قِراءَةَ النَّصْبِ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ مَعْناهُ: نَجْعَلُهم سَواءً، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " مَماتَهم " بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى سَواءً في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، فَلَمّا سَقَطَ الخافِضُ انْتَصَبَ، أوْ عَلى البَدَلِ مِن مَفْعُولِ نَجْعَلُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا الَّذِي حَكَمُوا بِهِ. ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ، ومَحَلُّ " بِالحَقِّ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ، فَعَطَفَ السَّبَبَ عَلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَدُلَّ بِهِما عَلى قُدْرَتِهِ ولِتُجْزى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ وهم لا يُظْلَمُونَ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ. ثُمَّ عَجِبَ - سُبْحانَهُ - مِن حالِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ ما يَهْواهُ فَلا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَعْبُدُ ما يَهْواهُ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، فَإذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وهَواهُ اتَّخَذَهُ إلَهًا. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ أحَدُهم يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا رَأى ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ قَدْ عَلِمَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: أضَلَّهُ عَنِ الثَّوابِ عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الصَّنَمَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلى سُوءٍ في عِلْمِهِ أنَّهُ ضالٌّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، ومَحَلُّ " عَلى عِلْمٍ " النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ أيْ: طَبَعَ عَلى سَمْعِهِ حَتّى لا يَسْمَعَ الوَعْظَ، وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ حَتّى لا يَفْقَهَ الهُدى ﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أيْ: غِطاءً حَتّى لا يُبْصِرَ الرُّشْدَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ( غِشاوَةً ) بِالألْفِ مَعَ كَسْرِ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ( غَشْوَةً ) بِغَيْرِ ألْفٍ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَئِنْ كُنْتِ ألْبَسْتِنِي غَشْوَةً ∗∗∗ لَقَدْ كُنْتُ أصْغَيْتُكِ الوُدَّ حِينًا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعَ فَتْحِ الغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ بِضَمِّها وهي لُغَةُ عُكْلٍ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ لَهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرَ اعْتِبارٍ حَتّى تَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الحالِ. ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما الحَياةُ إلّا الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ، وقِيلَ: نَمُوتُ نَحْنُ ويَحْيا فِيها أوْلادُنا، وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا مَيِّتَةً، ثُمَّ نَصِيرُ أحْياءً. وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَمُرادُهم بِهَذِهِ المَقالَةِ إنْكارُ البَعْثِ، وتَكْذِيبُ الآخِرَةِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ أيْ: إلّا مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي السِّنِينَ والأيّامَ. وقالَ قَتادَةُ: إلّا العُمْرُ، والمَعْنى واحِدٌ. وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى وما يُهْلِكُنا إلّا المَوْتُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: وما يُهْلِكُنا إلّا اللَّهُ. ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ (p-١٣٥٩)أيْ: ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ إلّا شاكِّينَ غَيْرَ عالِمِينَ بِالحَقِيقَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ صادِرًا مِنهم لا عَنْ عِلْمٍ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ أيْ: ما هم إلّا قَوْمٌ غايَةُ ما عِنْدَهُمُ الظَّنُّ فَما يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِهِ، ولا يَسْتَنِدُونَ إلّا إلَيْهِ. ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ: إذا تُلِيَتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِها بَيِّناتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ المَعْنى والدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: ما كانَ لَهم حُجَّةٌ ولا مُتَمَسَّكٌ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الحُجَّةِ في شَيْءٍ، وإنَّما سَمّاهُ حُجَّةً تَهَكُّمًا بِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " حُجَّتَهم " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُهُما ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " حُجَّتُهم " عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ( ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ ) أيْ: في الدُّنْيا، ثُمَّ ( يُمِيتُكم ) عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ لا رَيْبَ فِيهِ أيْ: في جَمْعِكم؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ، فَلِهَذا حَصَلَ مَعَهُمُ الشَّكُّ في البَعْثِ، وجاءُوا في دَفْعِهِ بِما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، ولَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ لَحَصَلُوا عَلى العِلْمِ اليَقِينِ، وانْدَفَعَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ وأراحُوا أنْفُسَهم مِن ورْطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ يَقُولُ: عَلى هُدًى مِن أمْرِ دِينِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ قالَ: المُؤْمِنُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُؤْمِنٌ، والكافِرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كافِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذاكَ الكافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يَقُولُ: أضَلَّهُ في سابِقِ عِلْمِهِ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ أخَذَهُ وألْقى الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيْلُ والنَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ قالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ " . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «يَقُولُ: قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ "» .