Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الطور 52:22 – الطور 52:49
المحتويات
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
الطور 52:22
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:23
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:24
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:25
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:26
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:27
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:28
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:29
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:30
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:31
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:32
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:33
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:34
(p-١٤١٣)لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى العُمُومِ ذَكَرَ حالَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى الخُصُوصِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذَرِّيَّتَهم﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ألْحَقْنا بِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ وأكْرَمْنا الَّذِينَ آمَنُوا، ويَكُونُ ألْحَقْنا مُفَسِّرًا لِهَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ واتَّبَعَتْهم بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أتْبَعْناهم " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ألْحَقْنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ذُرِّيَّتَهم بِالإفْرادِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالجَمْعِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِكَوْنِهِ قَرَأ: وأتْبَعْناهم، ورُوِيَتْ قِراءَةُ الجَمْعِ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ، والمَشْهُورُ عَنْهُ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِالإفْرادِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ عَلى الجَمْعِ، وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنُوا أوْ مُعْتَرِضَةٌ، وبِإيمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّباعِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ إلَيْهِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ عَيْنُهُ وتَطِيبَ نَفْسُهُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ وهُمُ البالِغُونَ دُونَ الصِّغارِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا لاحِقِينَ بِآبائِهِمْ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقِيلَ إنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الكِبارِ والصِّغارِ كَما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، فَيَلْحَقُ بِالآباءِ المُؤْمِنِينَ صِغارُ ذَرِّيَّتِهِمْ وكِبارُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: بِإيمانٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ بِإيمانٍ مِنَ الآباءِ.
وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِهِمْ راجِعٌ إلى الذُّرِّيَّةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا: أيْ ألْحَقَنا بِالذُّرِّيَّةِ المُتَّبِعَةِ لِآبائِهِمْ بِإيمانٍ ذُرِّيَّتَهم.
وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُهاجِرُونَ والأنْصارُ فَقَطْ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كَوْنُهُمُ السَّبَبَ في نُزُولِها إنْ صَحَّ ذَلِكَ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ مِن ألَتْنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها أيْ: وما نَقَصْنا الآباءَ بِإلْحاقِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِهِمْ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا، فَضَمِيرُ المَفْعُولِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ آمَنُوا.
وقِيلَ المَعْنى: وما نَقَصْنا الذَّرِّيَّةَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا لِقِصَرِ أعْمارِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ مَعْنى لاتَهُ وألاتَهُ في سُورَةِ الحُجُراتِ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ " آلَتْناهم " بِالمَدِّ، وهو لُغَةٌ، قالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ ما آلَتَهُ مِن عَمَلِهِ شَيْئًا، أيْ: ما نَقَصَهُ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ورَهِينٌ بِمَعْنى مَرْهُونٍ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ وأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَإنْ قامَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَكَّهُ وإلّا أهْلَكَهُ.
وقِيلَ هو بِمَعْنى راهِنٍ، والمَعْنى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ دائِمٌ ثابِتٌ.
وقِيلَ هَذا خاصٌّ بِالكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩، ٣٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أمَدَّهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ زِدْناهم عَلى ما كانَ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بِفاكِهَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ولَحْمٍ مِن أنْواعِ اللُّحْمانِ مِمّا تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ويَسْتَطِيبُونَهُ.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويَتَناوَلُونَ كَأْسًا، والكَأْسُ إناءُ الخَمْرِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَمْلُوءٍ مَن خَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ، فَإذا فَرَغَ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغِي ولا ما فِيهِ إثْمٌ كَما يَجْرِي بَيْنَ مَن يَشْرَبُ الخَمْرَ في الدُّنْيا، والتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الإثْمِ، والضَّمِيرُ في فِيها راجِعٌ إلى الكَأْسِ، وقِيلَ " لا لَغْوٌ فِيها ": أيْ في الجَنَّةِ ولا يَجْرِي فِيها ما فِيهِ إثْمٌ والأوَّلُ أوْلى.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغَوْا كَما يَكُونُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، ولا يَكُونُ مِنهم ما يُؤَثِّمُهم.
وقالَ الضَّحّاكُ: لا تَأْثِيمَ: أيْ لا كَذِبَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قالَ قَتادَةُ: اللَّغْوُ الباطِلُ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لا فُضُولَ فِيها.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا رَفَثَ فِيها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا سِبابَ ولا تَخاصُمَ فِيها.
والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ صِفَةً لِ كَأْسًا.
﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالكَأْسِ والفَواكِهِ والطَّعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَمالِيكٌ لَهم، وقِيلَ أوْلادُهم كَأنَّهم في الحُسْنِ والبَهاءِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَسْتُورٌ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي.
قالَ الكِسائِيُّ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ: سَتَرْتُهُ وصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ، وأكْنَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ في الكِنِّ، ومِنهُ كَنَنْتُ الجارِيَةَ وأكْنَنْتُها فَهي مَكْنُونَةٌ.
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا في الجَنَّةِ عَنْ حالِهِ، وما كانَ فِيهِ مِن تَعَبِ الدُّنْيا وخَوْفِ العاقِبَةِ، فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ الَّذِي أذْهَبَ عَنْهُمُ الحَزَنَ والخَوْفَ والهَمَّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الكَدِّ والنَّكَدِ بِطَلَبِ المَعاشِ وتَحْصِيلِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ.
وقِيلَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: بِمَ صِرْتُمْ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ؟ وقِيلَ إنَّ التَّساؤُلَ بَيْنَهم عِنْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
والأوَّلُ أوْلى لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ التَّساؤُلِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ: أيْ قَبْلَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ في الدُّنْيا في أهْلِنا خائِفِينَ وجِلِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ كُنّا خائِفِينَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ ﴿ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ، والسَّمُومُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ كَذا قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ.
وقالَ الكَلْبِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو عَذابُ النّارِ وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُومُ جَهَنَّمَ ما يُوجَدُ مِن حَرِّها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّمُومُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، والحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ السَّمُومُ في لَفْحِ البَرْدِ، وفي لَفْحِ الشَّمْسِ والحَرِّ أكْثَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ
وقِيلَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ سَمُومًا لِأنَّها تَدْخُلُ المَسامَّ.
﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أيْ نُوَحِّدُ اللَّهَ ونَعْبُدُهُ: أوْ نَسْألُهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ﴿إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ قَرَأ (p-١٤١٤)الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها أيْ: لِأنَّهُ، والبَرُّ كَثِيرُ الإحْسانِ، وقِيلَ اللَّطِيفُ، والرَّحِيمُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ.
﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو الحالُ: أيْ ما أنْتَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكَ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ: أيْ ما أنْتَ حالَ إذْكارِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، وقِيلَ الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الكِهانَةُ والجُنُونُ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ كَما تَقُولُ ما أنا بِمُعْسِرٍ بِحَمْدِ اللَّهِ.
وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ اسْمِ ما وخَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ اللَّهِ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ، والكاهِنُ هو الَّذِي يُوهِمُ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن دُونِ وحْيٍ: أيْ لَيْسَ ما تَقُولُهُ كِهانَةٌ، فَإنَّكَ إنَّما تَنْطِقُ بِالوَحْيِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ رَدُّ ما كانَ يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ.
﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ هَلْ هي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، أوْ بِبَلْ وحْدَها.
قالَ الخَلِيلُ: هي هُنا لِلِاسْتِفْهامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: خُوطِبَ العِبادُ بِما جَرى في كَلامِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ أنَّ " أمْ " في كَلامِ العَرَبِ لِلْخُرُوجِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ونَتَرَبَّصُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِشاعِرٍ، ورَيْبُ المَنُونِ: صُرُوفُ الدَّهْرِ، والمَعْنى: نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الأيّامِ فَيَمُوتُ كَما ماتَ غَيْرُهُ، أوْ يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ، والمَنُونُ يَكُونُ بِمَعْنى الدَّهْرِ، ويَكُونُ بِمَعْنى المَنِيَّةِ.
قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى نَتَرَبَّصُ إلى رَيْبِ المَنُونِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ زَيْدًا وقَصَدْتُ إلى زَيْدٍ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ خَلِيلُها
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّعُ ∗∗∗ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.
وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم، فَقالَ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ انْتَظِرُوا مَوْتِي أوْ هَلاكِي، فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِمَوْتِكم أوْ هَلاكِكم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " نَتَرَبَّصُ " بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ.
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ أيْ بَلْ أتَأْمُرُهم عُقُولُهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ، أنَّ الكاهِنَ هو المُفْرِطُ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ، والمَجْنُونُ: هو ذاهِبُ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ فِطْنَةٌ وذَكاءٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ كانَتْ عُظَماءُ قُرَيْشٍ تُوصَفُ بِالأحْلامِ والعُقُولِ فَأزْرَأ اللَّهُ بِحُلُومِهِمْ حِينَ لَمْ تُثْمِرْ لَهم مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيْ بَلْ أطْغَوْا وجاوَزُوا الحَدَّ في العِنادِ، فَقالُوا ما قالُوا، وهَذِهِ الإضْراباتُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مَعَ الِاسْتِفْهامِ كَما هو مَدْلُولُ أمِ المُنْقَطِعَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما تَعَقَّبَها أشْنَعُ مِمّا تَقَدَّمَها، وأكْثَرُ جُرْأةً وعِنادًا.
﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أيِ اخْتَلَقَ القُرْآنَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ وافْتَعَلَهُ، والتَّقَوُّلُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الكَذِبِ في الغالِبِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ تَكَلُّفَ القَوْلِ، ومِنهُ اقْتالَ عَلَيْهِ، ويُقالُ اقْتالَ عَلَيْهِ: بِمَعْنى تَحَكَّمَ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَنزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ ∗∗∗ وما اقْتالَ في حُكْمٍ عَلَيَّ طَبِيبُ
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْلِهِ: تَقَوَّلَهُ وانْتَقَلَ إلى ما هو أشَدُّ شَناعَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أيْ سَبَبُ صُدُورِ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ عَنْهم كَوْنُهم كُفّارًا لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا يُصَدِّقُونَ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
ثُمَّ تَحَدّاهم سُبْحانَهُ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ مِثْلِ القُرْآنِ في نَظْمِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما زَعَمُوا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَقَوَّلَهُ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ مَعَ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ، وهم رُؤُوسُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهم والمُمارِسُونَ لِجَمِيعِ الأوْضاعِ العَرَبِيَّةِ مِن نَظْمٍ ونَثْرٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِنِ مَعَهُ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ وإنْ كانُوا دُونَهُ في العَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِ عَيْنُهُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، فَيُقالُ إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وعَمَلَكَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم، فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المَسْنَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» وإسْنادُهُ هَكَذا.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ زاذانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ولَدَيْنِ ماتا لَها في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُما في النّارِ، فَلَمّا رَأى الكَراهَةَ في وجْهِها قالَ: لَوْ رَأيْتِ مَكانَهُما لَأبْغَضْتِهِما، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنكَ. قالَ: في الجَنَّةِ، قالَ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ المُؤْمِنِينَ وأوْلادَهم في الجَنَّةِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ وأوْلادَهم في النّارِ، ثُمَّ قَرَأ والَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ» .
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ لِي هَذا، فَيَقُولُ بِاسْتِغْفارِ ولَدِكَ لَكَ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ قالَ: ما نَقَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ يَقُولُ: (p-١٤١٥)باطِلٌ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَقُولُ كَذِبٌ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ اشْتاقُوا إلى الإخْوانِ، فَيَجِيءُ سَرِيرُ هَذا حَتّى يُحاذِيَ سَرِيرَ هَذا، فَيَتَحَدَّثانِ فَيَتَّكِئُ ذا ويَتَّكِئُ ذا فَيَتَحَدَّثانِ بِما كانُوا في الدُّنْيا، فَيَقُولُ أحَدُهُما: يا فُلانُ تَدْرِي أيَّ يَوْمٍ غَفَرَ اللَّهُ لَنا ؟ يَوْمَ كُنّا في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، فَدَعَوْنا اللَّهَ فَغَفَرَ لَنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَوْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ مِن عَذابِ السَّمُومِ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو البَرُّ﴾ قالَ: اللَّطِيفُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا اجْتَمَعُوا إلى دارِ النَّدْوَةِ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ احْبِسُوهُ في وثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ المَنُونَ حَتّى يَهْلِكَ كَما هَلَكَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ: زُهَيْرٌ والنّابِغَةُ، إنَّما هو كَأحَدِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ المَنُونِ﴾ قالَ: المَوْتُ.
الطور 52:35
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:36
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:37
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:38
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:39
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:40
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:41
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:42
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:43
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:44
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:45
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:46
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:47
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:48
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
الطور 52:49
قَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ كَما تَقَدَّمَ فِيما قَبْلَها، وكَما سَيَأْتِي فِيما بَعْدَها: أيْ بَلْ أخُلِقُوا عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ البَدِيعَةِ والصَّنْعَةِ العَجِيبَةِ مِن غَيْرِ خالِقٍ لَهم.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ أخُلِقُوا باطِلًا لِغَيْرِ شَيْءٍ لا يُحاسَبُونَ ولا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، وجَعَلَ " مِن " بِمَعْنى اللّامِ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: أمْ خُلِقُوا عَبَثًا وتُرِكُوا سُدًى لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، فَهم كالجَمادِ لا يَفْهَمُونَ ولا تَقُومُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ هُمُ الخالِقُونَ لِأنْفُسِهِمْ فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُهم، وإذا أقَرُّوا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ.
﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ، ولِهَذا أضْرَبَ عَنْ هَذا وقالَ ﴿بَل لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ مِنَ الأمْرِ، بَلْ يَخْبِطُونَ في ظُلُماتِ الشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ.
﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ أيْ خَزائِنُ أرْزاقِ العِبادِ، وقِيلَ: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسالَةِ فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاءُوا ؟ وكَذا قالَ عِكْرِمَةُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَزائِنُ المَطَرِ والرِّزْقِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ أيِ المُسَلَّطُونَ الجَبّارُونَ.
قالَ في الصِّحاحِ: المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ، ويَكْتُبَ عَمَلَهُ، وأصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ لِأنَّ الكِتابَ يُسَطَّرُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَطَّرْتَ عَلَيَّ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا لَكَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ المُصَيْطِرُونَ بِالصّادِ الخالِصَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، وقُنْبُلٌ، وهِشامٌ بِالسِّينِ الخالِصَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ خَلّادٌ بِصادٍ مُشَمَّةٍ زايًا.
﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ إنَّ لَهم سُلَّمًا مَنصُوبًا إلى السَّماءِ يَصْعَدُونَ بِهِ ويَسْتَمِعُونَ فِيهِ كَلامَ المَلائِكَةِ وما يُوحى إلَيْهِمْ ويَصِلُونَ بِهِ إلى عِلْمِ الغَيْبِ كَما يَصِلُ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
وقَوْلِهِ فِيهِ صِفَةٌ لِسُلَّمٍ، وهي لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى بابِها، وقِيلَ هي بِمَعْنى عَلى: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قالَهُ الأخْفَشُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم كَجِبْرِيلَ الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ صاعِدِينَ فِيهِ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ.
﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ أيْ بَلْ أتَقُولُونَ لِلَّهِ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ، سَفَّهَ سُبْحانَهُ أحْلامَهم، وضَلَّلَ عُقُولَهم ووَبَّخَهم: أيْ أيُضِيفُونَ إلى اللَّهِ البَناتِ وهي أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ وهم أعْلاهُما، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن كانَ هَذا رَأْيُهُ فَهو بِمَحَلٍّ سافِلٍ في الفَهْمِ والعَقْلِ، فَلا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْكارُ البَعْثِ وجَحْدُ التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ بَلْ أتَسْألُهم أجْرًا يَدْفَعُونَهُ إلَيْكَ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التِزامِ غَرامَةٍ تَطْلُبُها مِنهم مُثْقَلُونَ: أيْ مَجْهُودُونَ بِحَمْلِهِمْ ذَلِكَ المَغْرَمَ الثَّقِيلَ.
قالَ قَتادَةُ: يَقُولُ: هَلْ سَألْتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ أجْرًا فَجَهَدَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ الإسْلامَ.
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ بَلْ أيَدَّعُونَ أنَّ عِنْدَهم عِلْمَ الغَيْبِ، وهو ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهم يَكْتُبُونَ لِلنّاسِ ما أرادُوا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ قَتادَةُ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ حَتّى عَلِمُوا أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم فَهم يَكْتُبُونَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى يَكْتُبُونَ يَحْكُمُونَ بِما يَقُولُونَ.
﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُهْلِكُونَهُ بِذَلِكَ المَكْرِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيِ المَمْكُورُ بِهِمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، فَضَرَرُ كَيْدِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وقَدْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وأذَلَّهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ، ومَكَرَ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ بَلْ يَدَّعُونَ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْفَظُهم ويَرْزُقُهم ويَنْصُرُهم.
ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ، أوْ عَنِ (p-١٤١٦)الَّذِينَ يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ جَهالاتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الكِسْفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ: وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وانْتِصابُ ساقِطًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَرْكُومُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
والمَعْنى: أنَّهم إنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا عَلَيْهِمْ لِعَذابِهِمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بَلْ يَقُولُونَ هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في كِسْفًا.
قالَ الأخْفَشُ: مَن قَرَأ كِسْفًا، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ جَعَلَهُ واحِدًا، ومَن قَرَأ " كِسَفًا "، يَعْنِي بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ جَعَلَهُ جَمْعًا.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم، فَقالَ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيِ اتْرُكْهم وخَلِّ عَنْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَ مَوْتِهِمْ، أوْ يَوْمَ قَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ " يَلْقَوْا " وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُصْعَقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والصَّعْقَةُ: الهَلاكُ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ هو بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ: أيْ لا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ كَيْدُهُمُ الَّذِي كادُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَمْنَعُ عَنْهُمُ العَذابَ النّازِلَ بِهِمْ مانِعٌ، بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ.
﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي عَذابًا في الدُّنْيا دُونَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ: أيْ قَبْلَهُ، وهو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا مِنَ الأوْجاعِ والأسْقامِ والبَلايا، وذَهابِ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ والجَهْدُ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ عَذابُ القَبْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالعَذابِ هو القَحْطُ، وبِالعَذابِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ هو قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إلى أنْ يَقَعَ لَهُمُ العَذابُ الَّذِي وعَدْناهم بِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى ومَنظَرٍ مِنّا، وفي حِفْظِنا وحِمايَتِنا فَلا تُبالِ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكَ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ.
قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو الأحْوَصِ: يُسَبِّحُ اللَّهَ حِينَ يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أوْ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ عِنْدَ قِيامِهِ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ يَجْلِسُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ.
قالَ الضَّحّاكُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ لا حالَ القِيامِ، ويَكُونُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، وهَذا غَيْرُ مَعْنى الآيَةِ، فالأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وبِهِ قالَ أبُو الجَوْزاءِ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: واذْكُرِ اللَّهَ بِاللِّسانِ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ الصَّلاةَ، وهي صَلاةُ الفَجْرِ.
﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُسَبِّحَهُ في بَعْضِ اللَّيْلِ، قالَ مُقاتِلٌ: أيْ صِلِّ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وقِيلَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وقْتَ إدْبارِها مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقِيلَ صَلاةُ الفَجْرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ هو التَّسْبِيحُ في إدْبارِ الصَّلَواتِ، قَرَأ الجُمْهُورُ إدْبارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ، والمِنهالُ بْنُ عُمَرٍو بِفَتْحِها عَلى الجَمْعِ: أيْ أعْقابَ النُّجُومِ وأدْبارَها: إذا غَرَبَتْ، ودُبُرُ الأمْرِ: آخِرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في سُورَةِ " ق " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ قالَ: المُسَلَّطُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أمْ هُمُ المُنْزِلُونَ.
وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالَ: عَذابُ القَبْرِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِآخِرَةٍ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لِتَقُولَ قَوْلًا ما كُنْتَ تَقُولُهُ فِيما مَضى، قالَ: كَفّارَةٌ لِما يَكُونُ في المَجْلِسِ» .
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقالَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفِي البابِ أحادِيثُ مُسْنَدَةٌ ومُرْسَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ: الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ قالَ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.