Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النجم 53:58 – القمر 54:18

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. النجم 53:58
  2. النجم 53:59
  3. النجم 53:60
  4. النجم 53:61
  5. النجم 53:62
  6. القمر 54:1
  7. القمر 54:2
  8. القمر 54:3
  9. القمر 54:4
  10. القمر 54:5
  11. القمر 54:6
  12. القمر 54:7
  13. القمر 54:8
  14. القمر 54:9
  15. القمر 54:10
  16. القمر 54:11
  17. القمر 54:12
  18. القمر 54:13
  19. القمر 54:14
  20. القمر 54:15
  21. القمر 54:16
  22. القمر 54:17
  23. القمر 54:18

النجم 53:58

قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ هو الخالِقُ لِذَلِكَ والقاضِي بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ، وقِيلَ أضْحَكَ مَن شاءَ في الدُّنْيا بِأنْ سَرَّهُ وأبْكى مَن شاءَ بِأنْ غَمَّهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أضْحَكَ المُطِيعِينَ بِالرَّحْمَةِ وأبْكى العاصِينَ بِالسُّخْطِ. ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ أيْ قَضى أسْبابَ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وقِيلَ خَلَقَ نَفْسَ المَوْتِ والحَياةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقِيلَ أماتَ الآباءَ وأحْيا الأبْناءَ، وقِيلَ أماتَ في الدُّنْيا وأحْيا لِلْبَعْثِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما النَّوْمُ واليَقَظَةُ. وقالَ عَطاءٌ: أماتَ بِعَدْلِهِ وأحْيا بِفَضْلِهِ، وقِيلَ أماتَ الكافِرَ وأحْيا المُؤْمِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ المُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ وحَوّاءُ فَإنَّهُما لَمْ يُخْلَقا مِنَ النُّطْفَةِ: والنُّطْفَةُ الماءُ القَلِيلُ، ومَعْنى إذا تُمْنى إذْ تُصَبُّ في الرَّحِمِ وتَدْفُقُ فِيهِ، كَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهم، يُقالُ مَنى الرَّجُلُ وأمْنى: أيْ صَبَّ المَنِيَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿إذا تُمْنى﴾ إذا تُقَدَّرُ: يُقالُ مَنَيْتُ الشَّيْءَ: إذا قَدَّرْتُهُ ومُنِيَ لَهُ أيْ قُدِّرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تُلاقِي ما يُمَنِّي لَكِ المانِي والمَعْنى: أنَّهُ يُقَدِّرُ مِنها الوَلَدَ. ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيْ إعادَةَ الأرْواحِ إلى الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ وفاءً بِوَعْدِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " النَّشْأةَ " بِالقَصْرِ بِوَزْنِ الضَّرْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ بِوَزْنِ الكَفالَةِ، وهُما عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرانِ. ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ أيْ أغْنى مَن شاءَ وأفْقَرَ مَن شاءَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: أغْنى: مَوَّلَ، وأقْنى: أخْدَمَ، وقِيلَ مَعْنى أقْنى: أعْطى القِنْيَةَ، وهي ما يُتَأثَّلُ مِنَ الأمْوالِ. وقِيلَ مَعْنى أقْنى أرْضى بِما أعْطى: أيْ أغْناهُ، ثُمَّ رَضّاهُ بِما أعْطاهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قَنّى الرَّجُلُ قِنًى، مِثْلَ غَنِيَ غِنًى: أيْ أعْطاهُ ما يَقْتَنِي، وأقْناهُ أرْضاهُ، والقِنى الرِّضا: قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ مَن أعْطى مِائَةً مِنَ البَقَرِ فَقَدْ أعْطى القِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ فَقَدْ أعْطى الغِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الإبِلِ فَقَدْ أعْطى المُنى. قالَ الأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ: أقْنى أفْقَرَ، وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي كَوْكَبٌ خَلَفَ الجَوْزاءِ كانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، والمُرادُ بِها الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها العُبُورُ، وهي أشَدُّ ضِياءً مِنَ الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها الغُمَيْصاءُ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَبُّ الشِّعْرى مَعَ كَوْنِهِ رَبًّا لِكُلِّ الأشْياءِ لِلرَّدِّ عَلى مَن كانَ يَعْبُدُها، وأوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ، وكانَ مِن أشْرافِ العَرَبِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم كَما خالَفَهم أبُو كَبْشَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي (p-١٤٢٥)كَبْشَةَ. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ وصَفَ عادًا بِالأُولى لِكَوْنِهِمْ كانُوا مِن قَبْلِ ثَمُودَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِيلَ لَها " عادًا الأُولى "؛ لِأنَّهم أوَّلُ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بَعْدَ نُوحٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ هُما عادانِ، فالأُوْلى أُهْلِكَتْ بِالصَّرْصَرِ، والأُخْرى أُهْلِكَتْ بِالصَّيْحَةِ. وقِيلَ عادٌ الأُولى قَوْمُ هُودٍ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عادًا الأُولى﴾ بِالتَّنْوِينِ والهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ وإدْغامِ التَّنْوِينِ فِيها. ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ أيْ وأهْلَكَ ثَمُودَ كَما أهْلَكَ عادًا فَما أبْقى أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عادٍ وثَمُودَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ. ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ أظْلَمَ مِن عادٍ وثَمُودَ وأطْغى مِنهم، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن جَمِيعِ الفِرَقِ الكُفْرِيَّةِ، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم عَتَوْا عَلى اللَّهِ بِالمَعاصِي مَعَ طُولِ مُدَّةِ دَعْوَةِ نُوحٍ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ الِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ: والمُؤْتَفِكَةُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، وسُمِّيَتِ المُؤْتَفِكَةَ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها، تَقُولُ أفَكْتُهُ إذا قَلَبْتُهُ، ومَعْنى أهْوى: أسْقَطَ، أيْ أهْواها جِبْرِيلُ بَعْدَ أنْ رَفَعَها. قالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي. ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أيْ ألْبَسَها ما ألْبَسَها مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَهْوِيلٌ لِلْأمْرِ الَّذِي غَشّاها بِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَغَشّاها مِنَ العَذابِ ما غَشّى عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ المُكَذِّبِ: أيْ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ أيُّها الإنْسانُ المُكَذِّبُ تُشَكِّكُ وتَمْتَرِي، وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ، وقِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وإسْنادُ فِعْلِ التَّمارِي إلى الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ وسَمّى هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ آلاءً: أيْ نِعَمًا مَعَ كَوْنِ بَعْضِها نِقَمًا لا نِعَمًا، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى العِبَرِ والمَواعِظِ، ولِكَوْنِ فِيها انْتِقامٌ مِنَ العُصاةِ، وفي ذَلِكَ نُصْرَةٌ لِلْأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَتَمارى مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى. ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ أيْ هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولٌ إلَيْكم مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ فَإنَّهُ أنْذَرَكم كَما أنْذَرُوا قَوْمَهم، كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ القُرْآنَ، وأنَّهُ أنْذَرَ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الكُتُبُ الأُولى، وقِيلَ هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. كَذا قالَ أبُو مالِكٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: " هَذا " إلى ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ. والأوَّلُ أوْلى. ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ ودَنَتْ، سَمّاها آزِفَةً لِقُرْبِ قِيامِها، وقِيلَ لِدُنُوِّها مِنَ النّاسِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْتَعِدُّوا لَها. قالَ في الصِّحاحِ: أزِفَتِ الآزِفَةُ: يَعْنِي القِيامَةَ وأزِفَ الرَّجُلُ عَجِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَها نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها عِنْدَ وُقُوعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى انْكِشافٍ، والهاءُ فِيها كالهاءِ في العاقِبَةِ والدّاهِيَةِ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى كاشِفٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، والأوَّلُ أوْلى. وكاشِفَةٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَما ذَكَرْنا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِها إذا غَشَتِ الخَلْقَ بِشَدائِدِها وأهْوالِها أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، كَذا قالَ عَطاءٌ،، والضَّحّاكُ،، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبُونَ مِنهُ تَكْذِيبًا. وتَضْحَكُونَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا مَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ ولا تَبْكُونَ خَوْفًا وانْزِجارًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ ما فِيها، والسُّمُودُ: الغَفْلَةُ والسَّهْوُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ في الصِّحاحِ: سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا، فَهو سامِدٌ قالَ الشّاعِرُ: ؎سَوامِدَ اللَّيْلِ خِفافَ الأزْوادِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: السُّمُودُ اللَّهْوُ، والسّامِدُ اللّاهِي، يُقالُ لِلْقَيْنَةِ: أسَمِدِينا، أيْ ألْهِينا بِالغِناءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: سامِدُونَ خامِدُونَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ عَمْرٍو ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا ؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ لَمّا وبَّخَ سُبْحانَهُ المُشْرِكِينَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والضَّحِكِ مِنهُ والسُّخْرِيَةِ بِهِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمَواعِظِهِ وزَواجِرِهِ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ والعِبادَةِ لَهُ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إذا كانَ الأمْرُ مِنَ الكُفّارِ كَذَلِكَ، فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا، فَإنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مِنكم، وقَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَجَدَ مَعَهُ الكُفّارُ، فَيَكُونُ المُرادُ بِها سُجُودَ التِّلاوَةِ، وقِيلَ سُجُودُ الفَرْضِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ قالَ: أعْطى وأرْضى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يُدْعى الشِّعْرى. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خُزاعَةَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرى، وهو الكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الجَوْزاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الآزِفَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ فَما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ» . (p-١٤٢٦)ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَما رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ ضاحِكًا ولا مُتَبَسِّمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: لاهُونَ مُعْرِضُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قالَ: الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ، كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ شامِخِينَ، ألَمْ تَرَ إلى البَعِيرِ كَيْفَ يَخْطُرُ شامِخًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْنا وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُهُ لِيَتَقَدَّمَ فَقالَ: ما لَكم سامِدُونَ، لا أنْتُمْ في صَلاةٍ ولا أنْتُمْ في جُلُوسٍ تَنْتَظِرُونَ ؟ .

النجم 53:59

قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ هو الخالِقُ لِذَلِكَ والقاضِي بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ، وقِيلَ أضْحَكَ مَن شاءَ في الدُّنْيا بِأنْ سَرَّهُ وأبْكى مَن شاءَ بِأنْ غَمَّهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أضْحَكَ المُطِيعِينَ بِالرَّحْمَةِ وأبْكى العاصِينَ بِالسُّخْطِ. ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ أيْ قَضى أسْبابَ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وقِيلَ خَلَقَ نَفْسَ المَوْتِ والحَياةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقِيلَ أماتَ الآباءَ وأحْيا الأبْناءَ، وقِيلَ أماتَ في الدُّنْيا وأحْيا لِلْبَعْثِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما النَّوْمُ واليَقَظَةُ. وقالَ عَطاءٌ: أماتَ بِعَدْلِهِ وأحْيا بِفَضْلِهِ، وقِيلَ أماتَ الكافِرَ وأحْيا المُؤْمِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ المُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ وحَوّاءُ فَإنَّهُما لَمْ يُخْلَقا مِنَ النُّطْفَةِ: والنُّطْفَةُ الماءُ القَلِيلُ، ومَعْنى إذا تُمْنى إذْ تُصَبُّ في الرَّحِمِ وتَدْفُقُ فِيهِ، كَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهم، يُقالُ مَنى الرَّجُلُ وأمْنى: أيْ صَبَّ المَنِيَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿إذا تُمْنى﴾ إذا تُقَدَّرُ: يُقالُ مَنَيْتُ الشَّيْءَ: إذا قَدَّرْتُهُ ومُنِيَ لَهُ أيْ قُدِّرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تُلاقِي ما يُمَنِّي لَكِ المانِي والمَعْنى: أنَّهُ يُقَدِّرُ مِنها الوَلَدَ. ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيْ إعادَةَ الأرْواحِ إلى الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ وفاءً بِوَعْدِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " النَّشْأةَ " بِالقَصْرِ بِوَزْنِ الضَّرْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ بِوَزْنِ الكَفالَةِ، وهُما عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرانِ. ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ أيْ أغْنى مَن شاءَ وأفْقَرَ مَن شاءَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: أغْنى: مَوَّلَ، وأقْنى: أخْدَمَ، وقِيلَ مَعْنى أقْنى: أعْطى القِنْيَةَ، وهي ما يُتَأثَّلُ مِنَ الأمْوالِ. وقِيلَ مَعْنى أقْنى أرْضى بِما أعْطى: أيْ أغْناهُ، ثُمَّ رَضّاهُ بِما أعْطاهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قَنّى الرَّجُلُ قِنًى، مِثْلَ غَنِيَ غِنًى: أيْ أعْطاهُ ما يَقْتَنِي، وأقْناهُ أرْضاهُ، والقِنى الرِّضا: قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ مَن أعْطى مِائَةً مِنَ البَقَرِ فَقَدْ أعْطى القِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ فَقَدْ أعْطى الغِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الإبِلِ فَقَدْ أعْطى المُنى. قالَ الأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ: أقْنى أفْقَرَ، وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي كَوْكَبٌ خَلَفَ الجَوْزاءِ كانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، والمُرادُ بِها الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها العُبُورُ، وهي أشَدُّ ضِياءً مِنَ الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها الغُمَيْصاءُ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَبُّ الشِّعْرى مَعَ كَوْنِهِ رَبًّا لِكُلِّ الأشْياءِ لِلرَّدِّ عَلى مَن كانَ يَعْبُدُها، وأوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ، وكانَ مِن أشْرافِ العَرَبِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم كَما خالَفَهم أبُو كَبْشَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي (p-١٤٢٥)كَبْشَةَ. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ وصَفَ عادًا بِالأُولى لِكَوْنِهِمْ كانُوا مِن قَبْلِ ثَمُودَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِيلَ لَها " عادًا الأُولى "؛ لِأنَّهم أوَّلُ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بَعْدَ نُوحٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ هُما عادانِ، فالأُوْلى أُهْلِكَتْ بِالصَّرْصَرِ، والأُخْرى أُهْلِكَتْ بِالصَّيْحَةِ. وقِيلَ عادٌ الأُولى قَوْمُ هُودٍ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عادًا الأُولى﴾ بِالتَّنْوِينِ والهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ وإدْغامِ التَّنْوِينِ فِيها. ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ أيْ وأهْلَكَ ثَمُودَ كَما أهْلَكَ عادًا فَما أبْقى أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عادٍ وثَمُودَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ. ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ أظْلَمَ مِن عادٍ وثَمُودَ وأطْغى مِنهم، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن جَمِيعِ الفِرَقِ الكُفْرِيَّةِ، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم عَتَوْا عَلى اللَّهِ بِالمَعاصِي مَعَ طُولِ مُدَّةِ دَعْوَةِ نُوحٍ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ الِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ: والمُؤْتَفِكَةُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، وسُمِّيَتِ المُؤْتَفِكَةَ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها، تَقُولُ أفَكْتُهُ إذا قَلَبْتُهُ، ومَعْنى أهْوى: أسْقَطَ، أيْ أهْواها جِبْرِيلُ بَعْدَ أنْ رَفَعَها. قالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي. ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أيْ ألْبَسَها ما ألْبَسَها مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَهْوِيلٌ لِلْأمْرِ الَّذِي غَشّاها بِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَغَشّاها مِنَ العَذابِ ما غَشّى عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ المُكَذِّبِ: أيْ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ أيُّها الإنْسانُ المُكَذِّبُ تُشَكِّكُ وتَمْتَرِي، وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ، وقِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وإسْنادُ فِعْلِ التَّمارِي إلى الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ وسَمّى هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ آلاءً: أيْ نِعَمًا مَعَ كَوْنِ بَعْضِها نِقَمًا لا نِعَمًا، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى العِبَرِ والمَواعِظِ، ولِكَوْنِ فِيها انْتِقامٌ مِنَ العُصاةِ، وفي ذَلِكَ نُصْرَةٌ لِلْأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَتَمارى مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى. ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ أيْ هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولٌ إلَيْكم مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ فَإنَّهُ أنْذَرَكم كَما أنْذَرُوا قَوْمَهم، كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ القُرْآنَ، وأنَّهُ أنْذَرَ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الكُتُبُ الأُولى، وقِيلَ هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. كَذا قالَ أبُو مالِكٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: " هَذا " إلى ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ. والأوَّلُ أوْلى. ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ ودَنَتْ، سَمّاها آزِفَةً لِقُرْبِ قِيامِها، وقِيلَ لِدُنُوِّها مِنَ النّاسِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْتَعِدُّوا لَها. قالَ في الصِّحاحِ: أزِفَتِ الآزِفَةُ: يَعْنِي القِيامَةَ وأزِفَ الرَّجُلُ عَجِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَها نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها عِنْدَ وُقُوعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى انْكِشافٍ، والهاءُ فِيها كالهاءِ في العاقِبَةِ والدّاهِيَةِ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى كاشِفٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، والأوَّلُ أوْلى. وكاشِفَةٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَما ذَكَرْنا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِها إذا غَشَتِ الخَلْقَ بِشَدائِدِها وأهْوالِها أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، كَذا قالَ عَطاءٌ،، والضَّحّاكُ،، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبُونَ مِنهُ تَكْذِيبًا. وتَضْحَكُونَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا مَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ ولا تَبْكُونَ خَوْفًا وانْزِجارًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ ما فِيها، والسُّمُودُ: الغَفْلَةُ والسَّهْوُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ في الصِّحاحِ: سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا، فَهو سامِدٌ قالَ الشّاعِرُ: ؎سَوامِدَ اللَّيْلِ خِفافَ الأزْوادِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: السُّمُودُ اللَّهْوُ، والسّامِدُ اللّاهِي، يُقالُ لِلْقَيْنَةِ: أسَمِدِينا، أيْ ألْهِينا بِالغِناءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: سامِدُونَ خامِدُونَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ عَمْرٍو ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا ؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ لَمّا وبَّخَ سُبْحانَهُ المُشْرِكِينَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والضَّحِكِ مِنهُ والسُّخْرِيَةِ بِهِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمَواعِظِهِ وزَواجِرِهِ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ والعِبادَةِ لَهُ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إذا كانَ الأمْرُ مِنَ الكُفّارِ كَذَلِكَ، فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا، فَإنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مِنكم، وقَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَجَدَ مَعَهُ الكُفّارُ، فَيَكُونُ المُرادُ بِها سُجُودَ التِّلاوَةِ، وقِيلَ سُجُودُ الفَرْضِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ قالَ: أعْطى وأرْضى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يُدْعى الشِّعْرى. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خُزاعَةَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرى، وهو الكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الجَوْزاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الآزِفَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ فَما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ» . (p-١٤٢٦)ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَما رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ ضاحِكًا ولا مُتَبَسِّمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: لاهُونَ مُعْرِضُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قالَ: الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ، كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ شامِخِينَ، ألَمْ تَرَ إلى البَعِيرِ كَيْفَ يَخْطُرُ شامِخًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْنا وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُهُ لِيَتَقَدَّمَ فَقالَ: ما لَكم سامِدُونَ، لا أنْتُمْ في صَلاةٍ ولا أنْتُمْ في جُلُوسٍ تَنْتَظِرُونَ ؟ .

النجم 53:60

قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ هو الخالِقُ لِذَلِكَ والقاضِي بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ، وقِيلَ أضْحَكَ مَن شاءَ في الدُّنْيا بِأنْ سَرَّهُ وأبْكى مَن شاءَ بِأنْ غَمَّهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أضْحَكَ المُطِيعِينَ بِالرَّحْمَةِ وأبْكى العاصِينَ بِالسُّخْطِ. ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ أيْ قَضى أسْبابَ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وقِيلَ خَلَقَ نَفْسَ المَوْتِ والحَياةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقِيلَ أماتَ الآباءَ وأحْيا الأبْناءَ، وقِيلَ أماتَ في الدُّنْيا وأحْيا لِلْبَعْثِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما النَّوْمُ واليَقَظَةُ. وقالَ عَطاءٌ: أماتَ بِعَدْلِهِ وأحْيا بِفَضْلِهِ، وقِيلَ أماتَ الكافِرَ وأحْيا المُؤْمِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ المُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ وحَوّاءُ فَإنَّهُما لَمْ يُخْلَقا مِنَ النُّطْفَةِ: والنُّطْفَةُ الماءُ القَلِيلُ، ومَعْنى إذا تُمْنى إذْ تُصَبُّ في الرَّحِمِ وتَدْفُقُ فِيهِ، كَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهم، يُقالُ مَنى الرَّجُلُ وأمْنى: أيْ صَبَّ المَنِيَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿إذا تُمْنى﴾ إذا تُقَدَّرُ: يُقالُ مَنَيْتُ الشَّيْءَ: إذا قَدَّرْتُهُ ومُنِيَ لَهُ أيْ قُدِّرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تُلاقِي ما يُمَنِّي لَكِ المانِي والمَعْنى: أنَّهُ يُقَدِّرُ مِنها الوَلَدَ. ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيْ إعادَةَ الأرْواحِ إلى الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ وفاءً بِوَعْدِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " النَّشْأةَ " بِالقَصْرِ بِوَزْنِ الضَّرْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ بِوَزْنِ الكَفالَةِ، وهُما عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرانِ. ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ أيْ أغْنى مَن شاءَ وأفْقَرَ مَن شاءَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: أغْنى: مَوَّلَ، وأقْنى: أخْدَمَ، وقِيلَ مَعْنى أقْنى: أعْطى القِنْيَةَ، وهي ما يُتَأثَّلُ مِنَ الأمْوالِ. وقِيلَ مَعْنى أقْنى أرْضى بِما أعْطى: أيْ أغْناهُ، ثُمَّ رَضّاهُ بِما أعْطاهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قَنّى الرَّجُلُ قِنًى، مِثْلَ غَنِيَ غِنًى: أيْ أعْطاهُ ما يَقْتَنِي، وأقْناهُ أرْضاهُ، والقِنى الرِّضا: قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ مَن أعْطى مِائَةً مِنَ البَقَرِ فَقَدْ أعْطى القِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ فَقَدْ أعْطى الغِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الإبِلِ فَقَدْ أعْطى المُنى. قالَ الأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ: أقْنى أفْقَرَ، وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي كَوْكَبٌ خَلَفَ الجَوْزاءِ كانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، والمُرادُ بِها الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها العُبُورُ، وهي أشَدُّ ضِياءً مِنَ الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها الغُمَيْصاءُ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَبُّ الشِّعْرى مَعَ كَوْنِهِ رَبًّا لِكُلِّ الأشْياءِ لِلرَّدِّ عَلى مَن كانَ يَعْبُدُها، وأوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ، وكانَ مِن أشْرافِ العَرَبِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم كَما خالَفَهم أبُو كَبْشَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي (p-١٤٢٥)كَبْشَةَ. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ وصَفَ عادًا بِالأُولى لِكَوْنِهِمْ كانُوا مِن قَبْلِ ثَمُودَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِيلَ لَها " عادًا الأُولى "؛ لِأنَّهم أوَّلُ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بَعْدَ نُوحٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ هُما عادانِ، فالأُوْلى أُهْلِكَتْ بِالصَّرْصَرِ، والأُخْرى أُهْلِكَتْ بِالصَّيْحَةِ. وقِيلَ عادٌ الأُولى قَوْمُ هُودٍ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عادًا الأُولى﴾ بِالتَّنْوِينِ والهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ وإدْغامِ التَّنْوِينِ فِيها. ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ أيْ وأهْلَكَ ثَمُودَ كَما أهْلَكَ عادًا فَما أبْقى أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عادٍ وثَمُودَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ. ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ أظْلَمَ مِن عادٍ وثَمُودَ وأطْغى مِنهم، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن جَمِيعِ الفِرَقِ الكُفْرِيَّةِ، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم عَتَوْا عَلى اللَّهِ بِالمَعاصِي مَعَ طُولِ مُدَّةِ دَعْوَةِ نُوحٍ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ الِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ: والمُؤْتَفِكَةُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، وسُمِّيَتِ المُؤْتَفِكَةَ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها، تَقُولُ أفَكْتُهُ إذا قَلَبْتُهُ، ومَعْنى أهْوى: أسْقَطَ، أيْ أهْواها جِبْرِيلُ بَعْدَ أنْ رَفَعَها. قالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي. ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أيْ ألْبَسَها ما ألْبَسَها مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَهْوِيلٌ لِلْأمْرِ الَّذِي غَشّاها بِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَغَشّاها مِنَ العَذابِ ما غَشّى عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ المُكَذِّبِ: أيْ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ أيُّها الإنْسانُ المُكَذِّبُ تُشَكِّكُ وتَمْتَرِي، وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ، وقِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وإسْنادُ فِعْلِ التَّمارِي إلى الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ وسَمّى هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ آلاءً: أيْ نِعَمًا مَعَ كَوْنِ بَعْضِها نِقَمًا لا نِعَمًا، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى العِبَرِ والمَواعِظِ، ولِكَوْنِ فِيها انْتِقامٌ مِنَ العُصاةِ، وفي ذَلِكَ نُصْرَةٌ لِلْأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَتَمارى مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى. ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ أيْ هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولٌ إلَيْكم مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ فَإنَّهُ أنْذَرَكم كَما أنْذَرُوا قَوْمَهم، كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ القُرْآنَ، وأنَّهُ أنْذَرَ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الكُتُبُ الأُولى، وقِيلَ هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. كَذا قالَ أبُو مالِكٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: " هَذا " إلى ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ. والأوَّلُ أوْلى. ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ ودَنَتْ، سَمّاها آزِفَةً لِقُرْبِ قِيامِها، وقِيلَ لِدُنُوِّها مِنَ النّاسِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْتَعِدُّوا لَها. قالَ في الصِّحاحِ: أزِفَتِ الآزِفَةُ: يَعْنِي القِيامَةَ وأزِفَ الرَّجُلُ عَجِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَها نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها عِنْدَ وُقُوعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى انْكِشافٍ، والهاءُ فِيها كالهاءِ في العاقِبَةِ والدّاهِيَةِ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى كاشِفٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، والأوَّلُ أوْلى. وكاشِفَةٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَما ذَكَرْنا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِها إذا غَشَتِ الخَلْقَ بِشَدائِدِها وأهْوالِها أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، كَذا قالَ عَطاءٌ،، والضَّحّاكُ،، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبُونَ مِنهُ تَكْذِيبًا. وتَضْحَكُونَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا مَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ ولا تَبْكُونَ خَوْفًا وانْزِجارًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ ما فِيها، والسُّمُودُ: الغَفْلَةُ والسَّهْوُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ في الصِّحاحِ: سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا، فَهو سامِدٌ قالَ الشّاعِرُ: ؎سَوامِدَ اللَّيْلِ خِفافَ الأزْوادِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: السُّمُودُ اللَّهْوُ، والسّامِدُ اللّاهِي، يُقالُ لِلْقَيْنَةِ: أسَمِدِينا، أيْ ألْهِينا بِالغِناءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: سامِدُونَ خامِدُونَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ عَمْرٍو ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا ؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ لَمّا وبَّخَ سُبْحانَهُ المُشْرِكِينَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والضَّحِكِ مِنهُ والسُّخْرِيَةِ بِهِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمَواعِظِهِ وزَواجِرِهِ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ والعِبادَةِ لَهُ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إذا كانَ الأمْرُ مِنَ الكُفّارِ كَذَلِكَ، فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا، فَإنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مِنكم، وقَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَجَدَ مَعَهُ الكُفّارُ، فَيَكُونُ المُرادُ بِها سُجُودَ التِّلاوَةِ، وقِيلَ سُجُودُ الفَرْضِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ قالَ: أعْطى وأرْضى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يُدْعى الشِّعْرى. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خُزاعَةَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرى، وهو الكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الجَوْزاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الآزِفَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ فَما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ» . (p-١٤٢٦)ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَما رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ ضاحِكًا ولا مُتَبَسِّمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: لاهُونَ مُعْرِضُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قالَ: الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ، كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ شامِخِينَ، ألَمْ تَرَ إلى البَعِيرِ كَيْفَ يَخْطُرُ شامِخًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْنا وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُهُ لِيَتَقَدَّمَ فَقالَ: ما لَكم سامِدُونَ، لا أنْتُمْ في صَلاةٍ ولا أنْتُمْ في جُلُوسٍ تَنْتَظِرُونَ ؟ .

النجم 53:61

قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ هو الخالِقُ لِذَلِكَ والقاضِي بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ، وقِيلَ أضْحَكَ مَن شاءَ في الدُّنْيا بِأنْ سَرَّهُ وأبْكى مَن شاءَ بِأنْ غَمَّهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أضْحَكَ المُطِيعِينَ بِالرَّحْمَةِ وأبْكى العاصِينَ بِالسُّخْطِ. ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ أيْ قَضى أسْبابَ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وقِيلَ خَلَقَ نَفْسَ المَوْتِ والحَياةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقِيلَ أماتَ الآباءَ وأحْيا الأبْناءَ، وقِيلَ أماتَ في الدُّنْيا وأحْيا لِلْبَعْثِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما النَّوْمُ واليَقَظَةُ. وقالَ عَطاءٌ: أماتَ بِعَدْلِهِ وأحْيا بِفَضْلِهِ، وقِيلَ أماتَ الكافِرَ وأحْيا المُؤْمِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ المُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ وحَوّاءُ فَإنَّهُما لَمْ يُخْلَقا مِنَ النُّطْفَةِ: والنُّطْفَةُ الماءُ القَلِيلُ، ومَعْنى إذا تُمْنى إذْ تُصَبُّ في الرَّحِمِ وتَدْفُقُ فِيهِ، كَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهم، يُقالُ مَنى الرَّجُلُ وأمْنى: أيْ صَبَّ المَنِيَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿إذا تُمْنى﴾ إذا تُقَدَّرُ: يُقالُ مَنَيْتُ الشَّيْءَ: إذا قَدَّرْتُهُ ومُنِيَ لَهُ أيْ قُدِّرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تُلاقِي ما يُمَنِّي لَكِ المانِي والمَعْنى: أنَّهُ يُقَدِّرُ مِنها الوَلَدَ. ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيْ إعادَةَ الأرْواحِ إلى الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ وفاءً بِوَعْدِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " النَّشْأةَ " بِالقَصْرِ بِوَزْنِ الضَّرْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ بِوَزْنِ الكَفالَةِ، وهُما عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرانِ. ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ أيْ أغْنى مَن شاءَ وأفْقَرَ مَن شاءَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: أغْنى: مَوَّلَ، وأقْنى: أخْدَمَ، وقِيلَ مَعْنى أقْنى: أعْطى القِنْيَةَ، وهي ما يُتَأثَّلُ مِنَ الأمْوالِ. وقِيلَ مَعْنى أقْنى أرْضى بِما أعْطى: أيْ أغْناهُ، ثُمَّ رَضّاهُ بِما أعْطاهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قَنّى الرَّجُلُ قِنًى، مِثْلَ غَنِيَ غِنًى: أيْ أعْطاهُ ما يَقْتَنِي، وأقْناهُ أرْضاهُ، والقِنى الرِّضا: قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ مَن أعْطى مِائَةً مِنَ البَقَرِ فَقَدْ أعْطى القِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ فَقَدْ أعْطى الغِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الإبِلِ فَقَدْ أعْطى المُنى. قالَ الأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ: أقْنى أفْقَرَ، وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي كَوْكَبٌ خَلَفَ الجَوْزاءِ كانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، والمُرادُ بِها الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها العُبُورُ، وهي أشَدُّ ضِياءً مِنَ الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها الغُمَيْصاءُ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَبُّ الشِّعْرى مَعَ كَوْنِهِ رَبًّا لِكُلِّ الأشْياءِ لِلرَّدِّ عَلى مَن كانَ يَعْبُدُها، وأوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ، وكانَ مِن أشْرافِ العَرَبِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم كَما خالَفَهم أبُو كَبْشَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي (p-١٤٢٥)كَبْشَةَ. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ وصَفَ عادًا بِالأُولى لِكَوْنِهِمْ كانُوا مِن قَبْلِ ثَمُودَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِيلَ لَها " عادًا الأُولى "؛ لِأنَّهم أوَّلُ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بَعْدَ نُوحٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ هُما عادانِ، فالأُوْلى أُهْلِكَتْ بِالصَّرْصَرِ، والأُخْرى أُهْلِكَتْ بِالصَّيْحَةِ. وقِيلَ عادٌ الأُولى قَوْمُ هُودٍ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عادًا الأُولى﴾ بِالتَّنْوِينِ والهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ وإدْغامِ التَّنْوِينِ فِيها. ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ أيْ وأهْلَكَ ثَمُودَ كَما أهْلَكَ عادًا فَما أبْقى أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عادٍ وثَمُودَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ. ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ أظْلَمَ مِن عادٍ وثَمُودَ وأطْغى مِنهم، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن جَمِيعِ الفِرَقِ الكُفْرِيَّةِ، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم عَتَوْا عَلى اللَّهِ بِالمَعاصِي مَعَ طُولِ مُدَّةِ دَعْوَةِ نُوحٍ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ الِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ: والمُؤْتَفِكَةُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، وسُمِّيَتِ المُؤْتَفِكَةَ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها، تَقُولُ أفَكْتُهُ إذا قَلَبْتُهُ، ومَعْنى أهْوى: أسْقَطَ، أيْ أهْواها جِبْرِيلُ بَعْدَ أنْ رَفَعَها. قالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي. ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أيْ ألْبَسَها ما ألْبَسَها مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَهْوِيلٌ لِلْأمْرِ الَّذِي غَشّاها بِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَغَشّاها مِنَ العَذابِ ما غَشّى عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ المُكَذِّبِ: أيْ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ أيُّها الإنْسانُ المُكَذِّبُ تُشَكِّكُ وتَمْتَرِي، وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ، وقِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وإسْنادُ فِعْلِ التَّمارِي إلى الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ وسَمّى هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ آلاءً: أيْ نِعَمًا مَعَ كَوْنِ بَعْضِها نِقَمًا لا نِعَمًا، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى العِبَرِ والمَواعِظِ، ولِكَوْنِ فِيها انْتِقامٌ مِنَ العُصاةِ، وفي ذَلِكَ نُصْرَةٌ لِلْأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَتَمارى مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى. ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ أيْ هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولٌ إلَيْكم مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ فَإنَّهُ أنْذَرَكم كَما أنْذَرُوا قَوْمَهم، كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ القُرْآنَ، وأنَّهُ أنْذَرَ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الكُتُبُ الأُولى، وقِيلَ هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. كَذا قالَ أبُو مالِكٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: " هَذا " إلى ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ. والأوَّلُ أوْلى. ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ ودَنَتْ، سَمّاها آزِفَةً لِقُرْبِ قِيامِها، وقِيلَ لِدُنُوِّها مِنَ النّاسِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْتَعِدُّوا لَها. قالَ في الصِّحاحِ: أزِفَتِ الآزِفَةُ: يَعْنِي القِيامَةَ وأزِفَ الرَّجُلُ عَجِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَها نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها عِنْدَ وُقُوعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى انْكِشافٍ، والهاءُ فِيها كالهاءِ في العاقِبَةِ والدّاهِيَةِ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى كاشِفٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، والأوَّلُ أوْلى. وكاشِفَةٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَما ذَكَرْنا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِها إذا غَشَتِ الخَلْقَ بِشَدائِدِها وأهْوالِها أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، كَذا قالَ عَطاءٌ،، والضَّحّاكُ،، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبُونَ مِنهُ تَكْذِيبًا. وتَضْحَكُونَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا مَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ ولا تَبْكُونَ خَوْفًا وانْزِجارًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ ما فِيها، والسُّمُودُ: الغَفْلَةُ والسَّهْوُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ في الصِّحاحِ: سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا، فَهو سامِدٌ قالَ الشّاعِرُ: ؎سَوامِدَ اللَّيْلِ خِفافَ الأزْوادِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: السُّمُودُ اللَّهْوُ، والسّامِدُ اللّاهِي، يُقالُ لِلْقَيْنَةِ: أسَمِدِينا، أيْ ألْهِينا بِالغِناءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: سامِدُونَ خامِدُونَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ عَمْرٍو ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا ؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ لَمّا وبَّخَ سُبْحانَهُ المُشْرِكِينَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والضَّحِكِ مِنهُ والسُّخْرِيَةِ بِهِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمَواعِظِهِ وزَواجِرِهِ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ والعِبادَةِ لَهُ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إذا كانَ الأمْرُ مِنَ الكُفّارِ كَذَلِكَ، فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا، فَإنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مِنكم، وقَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَجَدَ مَعَهُ الكُفّارُ، فَيَكُونُ المُرادُ بِها سُجُودَ التِّلاوَةِ، وقِيلَ سُجُودُ الفَرْضِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ قالَ: أعْطى وأرْضى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يُدْعى الشِّعْرى. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خُزاعَةَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرى، وهو الكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الجَوْزاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الآزِفَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ فَما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ» . (p-١٤٢٦)ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَما رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ ضاحِكًا ولا مُتَبَسِّمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: لاهُونَ مُعْرِضُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قالَ: الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ، كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ شامِخِينَ، ألَمْ تَرَ إلى البَعِيرِ كَيْفَ يَخْطُرُ شامِخًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْنا وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُهُ لِيَتَقَدَّمَ فَقالَ: ما لَكم سامِدُونَ، لا أنْتُمْ في صَلاةٍ ولا أنْتُمْ في جُلُوسٍ تَنْتَظِرُونَ ؟ .

النجم 53:62

قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ هو الخالِقُ لِذَلِكَ والقاضِي بِسَبَبِهِ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ في النّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ، وقِيلَ أضْحَكَ مَن شاءَ في الدُّنْيا بِأنْ سَرَّهُ وأبْكى مَن شاءَ بِأنْ غَمَّهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أضْحَكَ المُطِيعِينَ بِالرَّحْمَةِ وأبْكى العاصِينَ بِالسُّخْطِ. ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ أيْ قَضى أسْبابَ المَوْتِ والحَياةِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، وقِيلَ خَلَقَ نَفْسَ المَوْتِ والحَياةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقِيلَ أماتَ الآباءَ وأحْيا الأبْناءَ، وقِيلَ أماتَ في الدُّنْيا وأحْيا لِلْبَعْثِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما النَّوْمُ واليَقَظَةُ. وقالَ عَطاءٌ: أماتَ بِعَدْلِهِ وأحْيا بِفَضْلِهِ، وقِيلَ أماتَ الكافِرَ وأحْيا المُؤْمِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ المُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ الذَّكَرُ والأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ولا يَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ وحَوّاءُ فَإنَّهُما لَمْ يُخْلَقا مِنَ النُّطْفَةِ: والنُّطْفَةُ الماءُ القَلِيلُ، ومَعْنى إذا تُمْنى إذْ تُصَبُّ في الرَّحِمِ وتَدْفُقُ فِيهِ، كَذا قالَ الكَلْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهم، يُقالُ مَنى الرَّجُلُ وأمْنى: أيْ صَبَّ المَنِيَّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿إذا تُمْنى﴾ إذا تُقَدَّرُ: يُقالُ مَنَيْتُ الشَّيْءَ: إذا قَدَّرْتُهُ ومُنِيَ لَهُ أيْ قُدِّرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تُلاقِي ما يُمَنِّي لَكِ المانِي والمَعْنى: أنَّهُ يُقَدِّرُ مِنها الوَلَدَ. ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيْ إعادَةَ الأرْواحِ إلى الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ وفاءً بِوَعْدِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " النَّشْأةَ " بِالقَصْرِ بِوَزْنِ الضَّرْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ بِوَزْنِ الكَفالَةِ، وهُما عَلى القِراءَتَيْنِ مَصْدَرانِ. ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ أيْ أغْنى مَن شاءَ وأفْقَرَ مَن شاءَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: أغْنى: مَوَّلَ، وأقْنى: أخْدَمَ، وقِيلَ مَعْنى أقْنى: أعْطى القِنْيَةَ، وهي ما يُتَأثَّلُ مِنَ الأمْوالِ. وقِيلَ مَعْنى أقْنى أرْضى بِما أعْطى: أيْ أغْناهُ، ثُمَّ رَضّاهُ بِما أعْطاهُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: قَنّى الرَّجُلُ قِنًى، مِثْلَ غَنِيَ غِنًى: أيْ أعْطاهُ ما يَقْتَنِي، وأقْناهُ أرْضاهُ، والقِنى الرِّضا: قالَ أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ مَن أعْطى مِائَةً مِنَ البَقَرِ فَقَدْ أعْطى القِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الضَّأْنِ فَقَدْ أعْطى الغِنى، ومَن أعْطى مِائَةً مِنَ الإبِلِ فَقَدْ أعْطى المُنى. قالَ الأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ: أقْنى أفْقَرَ، وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي كَوْكَبٌ خَلَفَ الجَوْزاءِ كانَتْ خُزاعَةُ تَعْبُدُها، والمُرادُ بِها الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها العُبُورُ، وهي أشَدُّ ضِياءً مِنَ الشِّعْرى الَّتِي يُقالُ لَها الغُمَيْصاءُ. وإنَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ رَبُّ الشِّعْرى مَعَ كَوْنِهِ رَبًّا لِكُلِّ الأشْياءِ لِلرَّدِّ عَلى مَن كانَ يَعْبُدُها، وأوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ، وكانَ مِن أشْرافِ العَرَبِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم كَما خالَفَهم أبُو كَبْشَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي (p-١٤٢٥)كَبْشَةَ. ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ وصَفَ عادًا بِالأُولى لِكَوْنِهِمْ كانُوا مِن قَبْلِ ثَمُودَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِيلَ لَها " عادًا الأُولى "؛ لِأنَّهم أوَّلُ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بَعْدَ نُوحٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ هُما عادانِ، فالأُوْلى أُهْلِكَتْ بِالصَّرْصَرِ، والأُخْرى أُهْلِكَتْ بِالصَّيْحَةِ. وقِيلَ عادٌ الأُولى قَوْمُ هُودٍ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عادًا الأُولى﴾ بِالتَّنْوِينِ والهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى اللّامِ وإدْغامِ التَّنْوِينِ فِيها. ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ أيْ وأهْلَكَ ثَمُودَ كَما أهْلَكَ عادًا فَما أبْقى أحَدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عادٍ وثَمُودَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾ أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ. ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ أظْلَمَ مِن عادٍ وثَمُودَ وأطْغى مِنهم، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن جَمِيعِ الفِرَقِ الكُفْرِيَّةِ، أوْ أظْلَمَ وأطْغى مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم عَتَوْا عَلى اللَّهِ بِالمَعاصِي مَعَ طُولِ مُدَّةِ دَعْوَةِ نُوحٍ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ الِائْتِفاكُ الِانْقِلابُ: والمُؤْتَفِكَةُ مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، وسُمِّيَتِ المُؤْتَفِكَةَ لِأنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها، تَقُولُ أفَكْتُهُ إذا قَلَبْتُهُ، ومَعْنى أهْوى: أسْقَطَ، أيْ أهْواها جِبْرِيلُ بَعْدَ أنْ رَفَعَها. قالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي. ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أيْ ألْبَسَها ما ألْبَسَها مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَهْوِيلٌ لِلْأمْرِ الَّذِي غَشّاها بِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ: أيْ فَغَشّاها مِنَ العَذابِ ما غَشّى عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ. ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ المُكَذِّبِ: أيْ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ أيُّها الإنْسانُ المُكَذِّبُ تُشَكِّكُ وتَمْتَرِي، وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ، وقِيلَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وإسْنادُ فِعْلِ التَّمارِي إلى الواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ وسَمّى هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ آلاءً: أيْ نِعَمًا مَعَ كَوْنِ بَعْضِها نِقَمًا لا نِعَمًا، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى العِبَرِ والمَواعِظِ، ولِكَوْنِ فِيها انْتِقامٌ مِنَ العُصاةِ، وفي ذَلِكَ نُصْرَةٌ لِلْأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَتَمارى مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى. ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ أيْ هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولٌ إلَيْكم مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ فَإنَّهُ أنْذَرَكم كَما أنْذَرُوا قَوْمَهم، كَذا قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُما. وقالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ القُرْآنَ، وأنَّهُ أنْذَرَ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الكُتُبُ الأُولى، وقِيلَ هَذا الَّذِي أخْبَرَنا بِهِ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. كَذا قالَ أبُو مالِكٍ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: " هَذا " إلى ما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ. والأوَّلُ أوْلى. ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ قَرُبَتِ السّاعَةُ ودَنَتْ، سَمّاها آزِفَةً لِقُرْبِ قِيامِها، وقِيلَ لِدُنُوِّها مِنَ النّاسِ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْتَعِدُّوا لَها. قالَ في الصِّحاحِ: أزِفَتِ الآزِفَةُ: يَعْنِي القِيامَةَ وأزِفَ الرَّجُلُ عَجِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا ∗∗∗ لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَها نَفْسٌ قادِرَةٌ عَلى كَشْفِها عِنْدَ وُقُوعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى انْكِشافٍ، والهاءُ فِيها كالهاءِ في العاقِبَةِ والدّاهِيَةِ، وقِيلَ كاشِفَةٌ بِمَعْنى كاشِفٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، والأوَّلُ أوْلى. وكاشِفَةٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَما ذَكَرْنا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِها إذا غَشَتِ الخَلْقَ بِشَدائِدِها وأهْوالِها أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، كَذا قالَ عَطاءٌ،، والضَّحّاكُ،، وقَتادَةُ وغَيْرُهم. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ المُرادُ بِالحَدِيثِ القُرْآنُ: أيْ كَيْفَ تَعْجَبُونَ مِنهُ تَكْذِيبًا. وتَضْحَكُونَ مِنهُ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا مَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ ولا تَبْكُونَ خَوْفًا وانْزِجارًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ ما فِيها، والسُّمُودُ: الغَفْلَةُ والسَّهْوُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ في الصِّحاحِ: سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا، فَهو سامِدٌ قالَ الشّاعِرُ: ؎سَوامِدَ اللَّيْلِ خِفافَ الأزْوادِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: السُّمُودُ اللَّهْوُ، والسّامِدُ اللّاهِي، يُقالُ لِلْقَيْنَةِ: أسَمِدِينا، أيْ ألْهِينا بِالغِناءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: سامِدُونَ خامِدُونَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ عَمْرٍو ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا ؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ لَمّا وبَّخَ سُبْحانَهُ المُشْرِكِينَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والضَّحِكِ مِنهُ والسُّخْرِيَةِ بِهِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمَواعِظِهِ وزَواجِرِهِ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ والعِبادَةِ لَهُ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ: أيْ إذا كانَ الأمْرُ مِنَ الكُفّارِ كَذَلِكَ، فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا، فَإنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مِنكم، وقَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَجَدَ مَعَهُ الكُفّارُ، فَيَكُونُ المُرادُ بِها سُجُودَ التِّلاوَةِ، وقِيلَ سُجُودُ الفَرْضِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ قالَ: أعْطى وأرْضى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ قالَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يُدْعى الشِّعْرى. وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خُزاعَةَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرى، وهو الكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الجَوْزاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الآزِفَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ فَما ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ» . (p-١٤٢٦)ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَما رُؤِيَ النَّبِيُّ ﷺ ضاحِكًا ولا مُتَبَسِّمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: لاهُونَ مُعْرِضُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قالَ: الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ، كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا ولَعِبُوا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: سامِدُونَ قالَ: كانُوا يَمُرُّونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ شامِخِينَ، ألَمْ تَرَ إلى البَعِيرِ كَيْفَ يَخْطُرُ شامِخًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ قالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْنا وقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُهُ لِيَتَقَدَّمَ فَقالَ: ما لَكم سامِدُونَ، لا أنْتُمْ في صَلاةٍ ولا أنْتُمْ في جُلُوسٍ تَنْتَظِرُونَ ؟ .

القمر 54:1

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:2

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:3

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:4

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:5

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:6

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:7

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:8

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:9

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:10

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:11

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:12

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:13

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:14

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:15

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:16

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:17

وهي مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والنَّحّاسُ،، والبَيْهَقِيُّ، في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " اقْتَرَبَتْ " تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ: مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ رَفَعَهُ «مَن قَرَأ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ في كُلِّ لَيْلَتَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ نَحْوَهُ عَنْ لَيْثِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِن هَمْدانَ رَفَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ بِقافٍ، واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ في الأضْحى والفِطْرِ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ قَرُبَتْ ولا شَكَّ أنَّها قَدْ صارَتْ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ قِيامِ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى ما مَضى مِنَ الدُّنْيا قَرِيبَةً. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها لَمّا كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ كانَتْ قَرِيبَةً، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أيْ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ، وكَذا قَرَأ حُذَيْفَةُ بِزِيادَةِ " قَدْ " والمُرادُ الِانْشِقاقُ الواقِعُ في أيّامِ النُّبُوَّةِ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. قالَ الواحِدِيُّ: وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا إلّا ما رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى سَيَنْشَقُّ القَمَرُ، والعُلَماءُ كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. قالَ: وإنَّما ذَكَرَ اقْتِرابَ السّاعَةِ مَعَ انْشِقاقِ القَمَرِ، لِأنَّ انْشِقاقَهُ مِن عَلاماتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ مَن أشْراطِ اقْتِرابِ السّاعَةِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيِ انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ الحَسَنِ مِثْلَ قَوْلِ عَطاءٍ أنَّهُ الِانْشِقاقُ الكائِنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ مَعْنى ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾: وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ، والعَرَبُ تَضْرِبُ بِالقَمَرِ المَثَلَ فِيما وضَحَ. وقِيلَ انْشِقاقُ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وطُلُوعُهُ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ كانَ الِانْشِقاقُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ. قالَ: وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ قَدْ وقَعَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّهُ كانَ إحْدى المُعْجِزاتِ الباهِراتِ. قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ. والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا كانَ في الدُّنْيا لا في القِيامَةِ. انْتَهى، ولَمْ يَأْتِ مَن خالَفَ الجُمْهُورَ وقالَ إنَّ الِانْشِقاقَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادٍ، فَقالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّهُ آيَةٌ، والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عادَةً، ومَعَ هَذا فَقَدْ نُقِلَ إلَيْنا بِطْرِيقِ التَّواتُرِ، وهَذا بِمُجَرَّدِهِ يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ويَضْرِبُ بِهِ في وجْهِ قائِلِهِ. والحاصِلُ أنّا إذا نَظَرْنا إلى كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ أخْبَرَنا بِأنَّهُ انْشَقَّ، ولَمْ يُخْبِرْنا بِأنَّهُ سَيَنْشَقُّ، وإنْ نَظَرْنا إلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ في أيّامِ النُّبُوَّةِ، وإنْ نَظَرْنا إلى أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى هَذا، ولا يُلْتَفَتُ إلى شُذُوذِ مَن شَذَّ واسْتِبْعادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِ ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَ المُشْرِكُونَ (p-١٤٢٧)سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ والإيمانِ بِها، ويَقُولُوا سِحْرٌ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إذا قَوِيَ واسْتَحْكَمَ، وقَدْ قالَ بِأنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٍّ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ، جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ واخْتارَهُ النَّحّاسُ، ومِنهُ قَوْلُ لَقِيطٍ: ؎حَتّى اسْتَمَرَّ عَلى شَرٍّ لا يَزِينُهُ صِدْقُ العَزِيمَةِ لا رَثًّا ولا ضَرَعًا وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. وقِيلَ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ: دائِمٌ مُطَّرِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرْ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَدِيمٍ بِمُسْتَمِرْ أيْ بِدائِمٍ باقٍ، وقِيلَ مُسْتَمِرٌّ باطِلٌ، رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا. وقِيلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ قَدْ مَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ هو مِنَ المَرارَةِ: يُقالُ مَرَّ الشَّيْءُ صارَ مُرًّا: أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الِانْشِقاقَ قَدْ كانَ كَما قَرَّرْنا سابِقًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهم فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم﴾ أيْ وكَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ، وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم وما زَيَّنَهُ لَهُمُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ بُطْلانِ ما قالُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ واتِّباعِ الأهْواءِ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ. قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ يَسْتَقِرُّ قَرارُ تَكْذِيبِهِمْ وقَرارُ قَوْلِ المُصَدِّقِينَ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى لِكُلِّ أمْرٍ حَقِيقَةٌ، ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا فَسَيَظْهَرُ، وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " مُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ القافِ، وهو مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو " كُلُّ " . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِجَرِّ " مُسْتَقِرٍّ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِأمْرٍ، وقَرَأ شَيْبَةُ بِفَتْحِ القافِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ. قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا وجْهَ لَها، وقِيلَ لَها وجْهٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وكُلُّ أمْرٍ ذُو اسْتِقْرارٍ، أوْ زَمانُ اسْتِقْرارٍ، أوْ مَكانُ اسْتِقْرارٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ. ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ ولَقَدْ جاءَ كَفارَ مَكَّةَ، أوِ الكُفّارَ عَلى العُمُومِ مِنَ الأنْباءِ، وهي أخْبارُ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المَقْصُوصَةُ عَلَيْنا في القُرْآنِ ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيِ ازْدِجارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ زَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ ووَعَظْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والمَعْنى: جاءَهم ما فِيهِ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ: أيْ أنَّهُ في نَفْسِهِ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، وأصْلُهُ " مُزْتَجَرٌ " وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الزّايِ والدّالِ والذّالِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " مُزَّجَرٌ " بِقَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ زايًا وإدْغامِ الزّايِ في الزّايِ، و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ الأنْباءِ لِلتَّبْعِيضِ وهي وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وارْتِفاعُ " حِكْمَةٌ بالِغَةٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن " ما " بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ حِكْمَةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ما: أيْ حالَ كَوْنِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةً بالِغَةً ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ " ما " يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وأنْ تَكُونَ نافِيَةً: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، أوْ لَمْ تُغَنِ النُّذُرُ شَيْئًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوْ بِمَعْنى الإنْذارِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم فَقالَ: فَتَوَلَّ عَنْهم أيْ أعْرِضْ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمُ الإنْذارُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ انْتَصَبَ الظَّرْفُ إمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ، وإمّا بِـ " يَخْرُجُونَ " المَذْكُورُ بَعْدَهُ، وإمّا بِقَوْلِهِ: " فَما تُغْنِ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعْتِراضٌ، أوْ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُ الكافِرُونَ " . أوْ بِقَوْلِهِ: خُشَّعًا وسَقَطَتِ الواوُ مِن " يَدْعُ " اتِّباعًا لِلَّفْظِ، وقَدْ وقَعَتْ في الرَّسْمِ هَكَذا وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ " الدّاعِ " لِلتَّخْفِيفِ واكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، و" الدّاعِ " هو إسْرافِيلُ، والشَّيْءُ النُّكُرُ: الأمْرُ الفَظِيعُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظامًا لَهُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ العَهْدِ لَهم بِمِثْلِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِها تَخْفِيفًا. وقَرَأ مُجاهِدٌ،، وقَتادَةُ، بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ المَجْهُولِ. ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " خُشَّعًا " جَمْعُ خاشِعٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو خاشِعًا عَلى الإفْرادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وشَبابٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " خاشِعَةً " قالَ الفَرّاءُ: الصِّفَةُ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ جازَ فِيها التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ: يَعْنِي جَمْعَ التَّكْسِيرِ لا جَمْعَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاعِلَيْنِ، ومِثْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَلَّدِ وانْتِصابُ " خُشَّعًا " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَخْرُجُونَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَنْهم، والخُشُوعُ في البَصَرِ: الخُضُوعُ والذِّلَّةُ، وأضافَ الخُشُوعَ إلى الأبْصارِ لِأنَّ العِزَّ والذُّلَّ يَتَبَيَّنُ فِيها ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أيْ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ، وواحِدُ الأجْداثِ جَدَثٌ وهو القَبْرُ، كَأنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ واخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ: أيْ مُنْبَثٌّ في الأقْطارِ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الإهْطاعُ: الإسْراعُ أيْ قالَ كَوْنُهم مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، وهو إسْرافِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُقْبِلِينَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ مُهْطِعِينَ، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ، فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ. والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ، وفي إسْنادِ هَذا القَوْلِ إلى الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَوْمَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ (p-١٤٢٨)عَلى المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَفْصِيلَ بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ المُجْمَلَةِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ كَذَّبُوا نَبِيَّهم، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وتَأْكِيدٍ: أيْ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا، وقِيلَ المَعْنى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نُوحًا بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ فَإنَّهُ مِنهم. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ أيْ نَسَبُوا نُوحًا إلى الجُنُونِ، وقَوْلُهُ: وازْدُجِرَ مَعْطُوفٌ عَلى قالُوا: أيْ وزُجِرَ عَنْ دَعْوى النُّبُوَّةِ وعَنْ تَبْلِيغِ ما أُرْسِلَ بِهِ بِأنْواعِ الزَّجْرِ، والدّالُ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " مَجْنُونٌ ": أيِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ مُجاهِدٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ انْتُهِرَ وزُجِرَ بِالسَّبِّ بِأنْواعِ الأذى. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ عَلى قَوْمِهِ بِأنِّي مَغْلُوبٌ مِن جِهَةِ قَوْمِي لِتَمَرُّدِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ وزَجْرِهِمْ لِي عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فانْتَصِرْ لِي: أيِ انْتَقِمْ لِي مِنهم. طَلَبَ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمّا أيِسَ مِن إجابَتِهِمْ وعَلِمَ تَمَرُّدَهم وعُتُوَّهم وإصْرارَهم عَلى ضَلالَتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ " أنِّي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: أيْ بِأنِّي. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقالَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما عاقَبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أيْ مَنصَبٍّ انْصِبابًا شَدِيدًا، والهَمْرُ: الصَّبُّ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: هَمَرَ الماءَ والدَّمْعَ يَهْمِرُ هَمْرًا وهُمُورًا: إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيْنَيَّ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ ∗∗∗ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعَدٍّ وحاضِرِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ عَيْنًا: ؎راحٌ تَمُرُّ بِهِ الصَّبا ثُمَّ انْتَحى ∗∗∗ فِيهِ بِشُؤْبُوبِ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ قَرَأ الجُمْهُورُ " فَتَحْنا " مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ أيْ جَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها عُيُونًا مُتَفَجِّرَةً، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ إلى الأرْضِ أنْ تُخْرِجَ ماءَها فَتَفَجَّرَتْ بِالعُيُونِ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيِ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى أمْرٍ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدَّرَها اللَّهُ وقَضى بِها. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ المَعْنى: عَلى مِقْدارٍ لَمْ يَزِدْ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ عَلى سَواءٍ. قالَ قَتادَةُ: قُدِّرَ لَهم إذْ كَفَرُوا أنْ يَغْرَقُوا. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ " فالتَقى الماآنِ " وقَرَأ الحَسَنُ " فالتَقى الماوانِ " ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ أيْ وحَمَلْنا نُوحًا عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ، وهي الأخْشابُ العَرِيضَةُ " ودُسُرٍ " قالَ الزَّجّاجُ: هي المَسامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِها الألْواحُ واحِدُها دِسارٌ، وكُلُّ شَيْءٍ أُدْخِلَ في شَيْءٍ يَشُدُّهُ فَهو الدُّسُرُ، وكَذا قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم. وقالَ الحَسَنُ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةُ: الدَّسُرُ ظَهْرُ السَّفِينَةِ الَّتِي يَضْرِبُها المَوْجُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدْسُرُ الماءَ: أيْ تَدْفَعُهُ، والدَّسْرُ الدَّفْعُ. وقالَ اللَّيْثُ: الدِّسارُ خَيْطٌ تُشَدُّ بِهِ ألْواحُ السَّفِينَةِ. قالَ في الصِّحاحِ: الدِّسارُ واحِدُ الدَّسُرِ وهي خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ، ويُقالُ هي المَسامِيرُ. ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَنظَرٍ ومَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ لَها كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] وقِيلَ بِأمْرِنا، وقِيلَ بِوَحْيِنا، وقِيلَ بِالأعْيُنِ النّابِعَةِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ بِأعْيُنِ أوْلِيائِنا مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِحِفْظِها ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْنا بِهِ وبِهِمْ ما فَعَلْنا مِن إنْجائِهِ وإغْراقِهِمْ ثَوابًا لِمَن كَفَرَ بِهِ وجَحَدَ أمْرَهُ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ لَهم نِعْمَةٌ كَفَرُوها فانْتِصابُ " جَزاءً " عَلى العِلَّةِ، وقِيلَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ جازَيْناهم جَزاءً. قَرَأ الجُمْهُورُ " كُفِرَ " مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ نُوحٌ. وقِيلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا نِعْمَتَهُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ،، وقَتادَةُ،، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وعِيسى " كَفَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والفاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ: أيْ جَزاءً وعِقابًا لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ. ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ أيِ السَّفِينَةَ تَرْكَها اللَّهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ المَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْناها بِهِمْ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أصْلُهُ " مُذْتَكِرٍ " فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا مُهْمَلَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ المُعْجَمَةُ مُهْمَلَةً لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتِ الدّالُ في الذّالِ، والمَعْنى: هَلْ مِن مُتَّعِظٍ ومُعْتَبِرٍ يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ ويَعْتَبِرُ بِها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ إنْذارِي. قالَ الفَرّاءُ: الإنْذارُ والنُّذُرُ مَصْدَرانِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ: أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ عَجِيبَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقِيلَ نُذُرٌ جَمْعُ نَذِيرٍ، ونَذِيرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ كَنَكِيرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ. ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أيْ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ، وأعَنّا عَلَيْهِ مَن أرادَ حِفْظَهُ، وقِيلَ هَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ مُتَّعِظٍ بِمَواعِظِهِ ومُعْتَبِرٍ بِعِبَرِهِ. وفِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ والِاسْتِكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والمُسارَعَةِ في تَعَلُّمِهِ ومُدَّكِرٌ أصْلُهُ مُذْتَكِرٌ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ» سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءً بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عِنْدَ مُسْلِمٍ، والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ قالَ: فَنَزَلَتِ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الجَبَلِ، وفِرْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ: شِقَّةٌ عَلى (p-١٤٢٩)أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْداءِ. وذَكَرَ أنَّ هَذا سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ وقَدِ انْشَقَّ. وأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ. ولَهُ طَرُقٌ عَنْهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ مِن دُونِ الجَبَلِ وفِرْقَةٌ خَلْفَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ بِمَكَّةَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى صارَ فِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ وفِرْقَةً عَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ كانَ سَحَرَكم فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: خَطَبَنا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ بِالمَدائِنِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ألا وإنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، ألا وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِفِراقٍ، اليَوْمُ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: مُهْطِعِينَ قالَ: ناظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قالَ كَثِيرٌ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ، فالتَقى الماآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ قالَ: الألْواحُ ألْواحُ السَّفِينَةِ، والدَّسُرُ: مَعارِيضُها الَّتِي تُشَدُّ بِها السَّفِينَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: " ودُسُرٍ " قالَ: المَسامِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدَّسْرُ كَلْكَلُ السَّفِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ قالَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قالَ: هَلْ مِن مُتَذَكِّرٍ.

القمر 54:18

قَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ هم قَوْمُ عادٍ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أيْ فاسْمَعُوا كَيْفَ كانَ عَذابِي لَهم وإنْذارِي إيّاهم، و" نُذُرِ " مَصْدَرٌ بِمَعْنى إنْذارٍ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ. ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما أجْمَلَهُ سابِقًا مِنَ العَذابِ، والصَّرْصَرُ شِدَّةُ البَرْدِ: أيْ رِيحًا شَدِيدَةَ البَرْدِ، وقِيلَ الصَّرْصَرُ شِدَّةُ الصَّوْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ " حم " السَّجْدَةِ ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ أيْ دائِمِ الشُّؤْمِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنُحُوسِهِ، وقَدْ كانُوا يَتَشاءَمُونَ بِذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ في يَوْمِ الأرْبِعاءِ في آخِرِ الشَّهْرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ بِإضافَةِ يَوْمٍ إلى نَحْسٍ مَعَ سُكُونِ الحاءِ، وهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ في يَوْمِ عَذابِ نَحْسٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَنْوِينِ " يَوْمٍ " عَلى أنَّ " نَحْسٍ " صِفَةٌ لَهُ. وقَرَأ هارُونُ بِكَسْرِ الحاءِ. قالَ الضَّحّاكُ: كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ مُرًّا عَلَيْهِمْ. وكَذا حَكى الكِسائِيُّ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: هو مِنَ المَرارَةِ، وقِيلَ هو مِنَ المِرَّةِ بِمَعْنى القُوَّةِ: أيْ في يَوْمٍ قَوِيِّ الشُّؤْمِ مُسْتَحْكَمِهِ كالشَّيْءِ المُحْكَمِ الفَتْلِ الَّذِي لا يُطاقُ نَقْضُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الِاسْتِمْرارِ، لا مِنَ المَرارَةِ ولا مِنَ المِرَّةِ: أيْ دامَ عَلَيْهِمُ العَذابُ فِيهِ حَتّى أهْلَكَهم، وشَمَلَ بِهَلاكِهِ كَبِيرَهم وصَغِيرَهم. وجُمْلَةُ ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ " رِيحًا " أوْ حالٌ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا: أيْ تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمُ اقْتِلاعَ النَّخْلَةِ مِن أصْلِها. قالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ تَقْلَعُهم مِنَ الأرْضِ فَتَرْمِي بِهِمْ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَتَدُقُّ أعْناقَهم وتُبَيِّنُ رُؤُوسَهم مِن أجْسادِهِمْ، وقِيلَ تَنْزِعُ النّاسَ مِنَ البُيُوتِ، وقِيلَ مِن قُبُورِهِمْ لِأنَّهم حَفَرُوا حَفائِرَ ودَخَلُوها ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ الأعْجازُ جَمْعُ عَجُزٍ، وهو مُؤَخَّرُ الشَّيْءِ، والمُنْقَعِرُ: المُنْقَطِعُ المُنْقَلِعُ مِن أصْلِهِ، يُقالُ قَعَّرْتُ النَّخْلَةَ: إذا قَلَعْتُها مِن أصْلِها حَتّى تَسْقُطَ، شَبَّهَهم في طُولِ قاماتِهِمْ حِينَ صَرَعَتْهُمُ الرِّيحُ وطَرَحَتْهم عَلى وُجُوهِهِمْ بِالنَّخْلِ السّاقِطِ عَلى الأرْضِ الَّتِي لَيْسَتْ لَها رُؤُوسٌ، وذَلِكَ أنَّ الرِّيحَ قَلَعَتْ رُؤُوسَهم أوَّلًا ثُمَّ كَبَّتْهم عَلى وُجُوهِهِمْ وتَذْكِيرُ مُنْقَعِرٍ مَعَ كَوْنِهِ صِفَةً لِأعْجازِ نَخْلٍ وهي مُؤَنَّثَةٌ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ ويَجُوزُ تَأْنِيثُهُ اعْتِبارًا بِالمَعْنى كَما قالَ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] قالَ المُبَرِّدُ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْكَ مِن هَذا البابِ إنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ إلى اللَّفْظِ تَذْكِيرًا أوْ إلى المَعْنى تَأْنِيثًا. وقِيلَ إنَّ النَّخْلَ والنَّخِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ (p-١٤٣٠)قَرِيبًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَ عادٍ أتْبَعَهُ بِتَكْذِيبِ ثَمُودٍ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَذِيرٍ: أيْ كَذَّبَتْ بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ: أيْ كَذَّبَتْ بِالإنْذارِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ، وإنَّما كانَ تَكْذِيبُهم لِرَسُولِهِمْ وهو صالِحٌ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ كَذَّبَ سائِرَهم لِاتِّفاقِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى كُلِّيّاتِ الشَّرائِعِ. ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ كَيْفَ نَتَّبِعُ بَشَرًا كائِنًا مِن جِنْسِنا مُنْفَرِدًا وحْدَهُ لا مُتابِعَ لَهُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " بَشَرًا " عَلى الِاشْتِغالِ: أيْ أنَتَّبِعُ بَشَرًا واحِدًا. وقَرَأ أبُو السِّماكِ، والدّانِيُّ، وأبُو الأشْهَبِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و" واحِدًا " صِفَتُهُ، و" نَتَّبِعُهُ " خَبَرُهُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي السِّماكِ أنَّهُ قَرَأ بِرَفْعِ " بَشَرًا " ونَصْبِ " واحِدًا " عَلى الحالِ ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ﴾ أيْ إنّا إذا اتَّبَعْناهُ لَفي خَطَأٍ وذَهابٍ عَنِ الحَقِّ وسُعُرٍ أيْ عَذابٍ وعَناءٍ وشِدَّةٍ كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ سَعِيرٍ، وهو لَهَبُ النّارِ، والسُّعُرُ: الجُنُونُ يَذْهَبُ كَذا وكَذا لِما يَلْتَهِبُ بِهِ مِنَ الحِدَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: وسُعُرٍ وبُعْدٍ عَنِ الحَقِّ. وقالَ السُّدِّيُّ: في احْتِراقٍ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ هُنا الجُنُونُ، مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ: أيْ كَأنَّها مِن شِدَّةِ نَشاطِها مَجْنُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ ناقَةً: ؎تَخالُ بِها سُعُرًا إذا السُّعُرُ هَزَّها ذَمِيلٌ وإيقاعٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ ثُمَّ كَرَّرُوا الإنْكارَ والِاسْتِبْعادَ فَقالُوا: ٢٥ - ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ كَيْفَ خُصَّ مِن بَيْنِنا بِالوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، وفِينا مَن هو أحَقُّ بِذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنِ الِاسْتِنْكارِ وانْتَقَلُوا إلى الجَزْمِ بِكَوْنِهِ كَذّابًا أشِرًا فَقالُوا: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ والأشَرُ: المَرَحُ والنَّشاطُ، أوِ البَطَرُ والتَّكَبُّرُ، وتَفْسِيرُهُ بِالبَطَرِ والتَّكَبُّرِ أنْسَبُ بِالمَقامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أشِرْتُمْ بِلُبْسِ الخَزِّ لَمّا لَبِسْتُمُ ∗∗∗ ومِن قَبْلُ لا تَدْرُونَ مَن فَتَحَ القُرى قَرَأ الجُمْهُورُ أُشِرْ كَفَرِحْ. وقَرَأ أبُو قِلابَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ. ونَقَلَ الكِسائِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ الشِّينِ مَعَ فَتْحِ الهَمْزَةِ. ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ غَدًا وقْتَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ جَرْيًا عَلى عادَةِ النّاسِ في التَّعْبِيرِ بِالغَدِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ مِنَ الأمْرِ وإنْ بَعُدَ، كَما في قَوْلِهِمْ: إنَّ مَعَ اليَوْمِ غَدًا، وكَما في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ: ؎لِلْمَوْتِ فِيها سِهامٌ غَيْرُ مُخْطِئَةٍ ∗∗∗ مَن لَمْ يَكُنْ مَيْتًا في اليَوْمِ ماتَ غَدا ومِنهُ قَوْلُ أبِي الطِّرِمّاحِ: ؎ألا عَلِّلانِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوائِحِ ∗∗∗ وقَبْلَ اضْطِرابِ النَّفْسِ بَيْنَ الجَوانِحِ ؎وقَبْلَ غَدٍ يا لَهْفَ نَفْسِي عَلى غَدٍ ∗∗∗ إذا راحَ أصْحِابِي ولَسْتُ بِرائِحِ قَرَأ الجُمْهُورُ " سَيَعْلَمُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِصالِحٍ عَنْ وُقُوعِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ مِن صالِحٍ لِقَوْمِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَ إجْمالُهُ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنّا مُخْرِجُوها مِنَ الصَّخْرَةِ عَلى حَسَبِ ما اقْتَرَحُوهُ ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيِ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، وانْتِصابُ " فِتْنَةً " عَلى العِلَّةِ فارْتَقِبْهم أيِ انْتَظِرْ ما يَصْنَعُونَ واصْطَبِرْ عَلى ما يُصِيبُكَ مِنَ الأذى مِنهم. ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ النّاقَةِ، لَها يَوْمٌ ولَهم يَوْمٌ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وقالَ: نَبِّئْهم بِضَمِيرِ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ الشِّرْبُ بِكَسْرِ الشِّينِ الحَظُّ مِنَ الماءِ. ومَعْنى مُحْتَضَرٍ: أنَّهُ يَحْضُرُهُ مَن هو لَهُ، فالنّاقَةُ تَحْضُرُهُ يَوْمًا وهم يَحْضُرُونَهُ يَوْمًا. قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ ثَمُودَ يَحْضُرُونَ الماءَ يَوْمَ نَوْبَتِهِمْ، فَيَشْرَبُونَ ويَحْضُرُونَ يَوْمَ نَوْبَتِها فَيَحْتَلِبُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ " قِسْمَةٌ " بِكَسْرِ القافِ بِمَعْنى مَقْسُومٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها. ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم﴾ أيْ نادى ثَمُودُ صاحِبَهم وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ عاقِرُ النّاقَةِ يَحُضُّونَهُ عَلى عَقْرِها ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ أيْ تَناوَلَ النّاقَةَ بِالعَقْرِ فَعَقَرَها، أوِ اجْتَرَأ عَلى تَعاطِي أسْبابِ العَقْرِ فَعَقَرَ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كَمَنَ لَها في أصْلِ شَجَرَةٍ عَلى طَرِيقِها، فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةَ ساقِها، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَسَرَ عُرْقُوبَها ثُمَّ نَحَرَها والتَّعاطِي: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِتَكَلُّفٍ. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ ما أجْمَلَهُ مِنَ العَذابِ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ صَيْحَةَ جِبْرِيلَ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا في سُورَةِ هُودٍ وفي الأعْرافِ ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الظّاءِ، والهَشِيمُ: حُطامُ الشَّجَرِ ويابِسُهُ، والمُحْتَظِرُ: صاحِبُ الحَظِيرَةِ، وهو الَّذِي يَتَّخِذُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً تَمْنَعُها عَنْ بَرْدِ الرِّيحِ، يُقالُ احْتَظَرَ عَلى غَنَمِهِ: إذا جَمَعَ الشَّجَرَ ووَضَعَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ. قالَ في الصِّحاحِ: والمُحْتَظِرُ: الَّذِي يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ بِفَتْحِ الظّاءِ: أيْ كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ أرادَ الفاعِلَ لِلِاحْتِظارِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ أرادَ الحَظِيرَةَ، وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعُولَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم صارُوا كالشَّجَرِ إذا يَبِسَ في الحَظِيرَةِ وداسَتْهُ الغَنَمُ بَعْدَ سُقُوطِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثَرْنَ عَجاجَهُ كَدُخانِ نارٍ ∗∗∗ تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بالٍ هَشِيمِ وقالَ قَتادَةُ: هو العِظامُ النَّخِرَةُ المُحْتَرِقَةُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو التُّرابُ المُتَناثِرُ مِنَ الحِيطانِ في يَوْمِ رِيحٍ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: هو ما يَتَناثَرُ مِنَ الحَظِيرَةِ إذا ضَرَبْتَها بِالعِصِيِّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ هَشِيمًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَرى جِيَفَ المَطِيِّ بِجانِبَيْهِ ∗∗∗ كَأنَّ عِظامَها خَشَبُ الهَشِيمِ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هَذِهِ السُّورَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِأنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ كَما كَذَّبَهم غَيْرُهم فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّذُرِ قَرِيبًا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ (p-١٤٣١)ما عَذَّبَهم بِهِ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ أيْ رِيحًا تَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحاصِبُ: الحِجارَةُ في الرِّيحِ. قالَ في الصِّحاحِ: الحاصِبُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تُثِيرُ الحَصْباءَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ يَضْرِبُها ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ يَعْنِي لُوطًا ومَن تَبِعَهُ، والسَّحَرُ آخِرُ اللَّيْلِ، وقِيلَ هو في كَلامِ العَرَبِ اخْتِلاطُ سَوادِ اللَّيْلِ بِبَياضِ أوَّلِ النَّهارِ، وانْصَرَفَ " سَحَرٍ " لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ سَحَرَ لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ولَوْ قَصَدَ مُعَيَّنًا لامْتَنَعَ. كَذا قالَ الزَّجّاجُ، والأخْفَشُ وغَيْرُهُما. وانْتِصابُ ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ عَلى العِلَّةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ إنْعامًا مِنّا عَلى لُوطٍ ومَن تَبِعَهُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن شَكَرَ نِعْمَتَنا ولَمْ يَكْفُرْها. ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾ أيْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ بَطْشَةَ اللَّهِ بِهِمْ وهي عَذابُهُ الشَّدِيدُ وعُقُوبَتُهُ البالِغَةُ ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أيْ شَكُّوا في الإنْذارِ ولَمْ يُصَدِّقُوهُ، وهو تَفاعَلُوا مِنَ المِرْيَةِ، وهي الشَّكُّ. ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أيْ أرادُوا مِنهُ تَمْكِينَهم مِمَّنْ أتاهُ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَفْجُرُوا بِهِمْ كَما هو دَأْبُهم، يُقالُ راوَدْتُهُ عَنْ كَذا مُراوَدَةً ورِوادًا: أيْ أرَدْتُهُ، ورادَ الكَلامَ يَرُودُهُ رَوْدًا: أيْ طَلَبَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المُراوَدَةِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ أيْ صَيَّرْنا أعْيُنَهم مَمْسُوحَةً لا يُرى لَها شِقٌّ كَما تَطْمِسُ الرِّيحُ الأعْلامَ بِما تَسْفِي عَلَيْها مِنَ التُّرابِ. وقِيلَ أذْهَبَ اللَّهُ نُورَ أبْصارِهِمْ مَعَ بَقاءِ الأعْيُنِ عَلى صُورَتِها. قالَ الضَّحّاكُ طَمَسَ اللَّهُ عَلى أبْصارِهِمْ فَلَمْ يَرَوُا الرُّسُلَ فَرَجَعُوا ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيْ أتاهم صَباحًا عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ بِهِمْ نازِلٌ عَلَيْهِمْ لا يُفارِقُهم ولا يَنْفَكُّ عَنْهم. قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً، وانْصِرافُ " بُكْرَةً " لِكَوْنِهِ لَمْ يُرِدْ بِها وقْتًا بِعَيْنِهِ كَما سَبَقَ في " بِسَحَرٍ " . ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَعَلَّ وجْهَ تَكْرِيرِ تَيْسِيرِ القُرْآنِ لِلذِّكْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ الإشْعارُ بِأنَّهُ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَغْفُلَ عَنْ شُكْرِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قالَ: بارِدَةً ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ قالَ أيّامٌ شِدادٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَوْمُ الأرْبِعاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، وفِيهِ «قِيلَ: وكَيْفَ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وأهْلَكَ فِيهِ عادًا وثَمُودَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آخِرُ أرْبِعاءٍ في الشَّهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهم ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: أُصُولُ النَّخْلِ مُنْقَعِرٌ قالَ: مُنْقَلِعٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: أعْجازُ سَوادِ النَّخْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا " وسُعُرٍ " قالَ شَقاءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ قالَ: كَحَظائِرَ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: كالعِظامِ المُحْتَرِقَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: كالحَشِيشِ تَأْكُلُهُ الغَنَمُ.