Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الرحمن 55:76 – الواقعة 56:15
المحتويات
الرحمن 55:76
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الثَّقَلَيْنِ ذَكَرَ نِعَمَهُ الأُخْرَوِيَّةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ مَقامُهُ سُبْحانَهُ هو المَوْقِفُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فالمَقامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ، وقِيلَ المَعْنى خافَ قِيامَ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو إشْرافُهُ عَلى أحْوالِهِ واطِّلاعُهُ عَلى أفْعالِهِ وأقْوالِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُها مِن خَوْفِهِ.
واخْتُلِفَ في الجَنَّتَيْنِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جَنَّةَ عَدْنٍ وجَنَّةَ النَّعِيمِ، وقِيلَ إحْداهُما الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ والأُخْرى ورِثَها.
وقِيلَ إحْداهُما مَنزِلُهُ والأُخْرى مَنزِلُ أزْواجِهِ.
وقِيلَ إحْداهُما أسافِلُ القُصُورِ والأُخْرى أعالِيها.
وقِيلَ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ.
وقِيلَ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعَةِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ جَنَّةٌ لِلْعَقِيدَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُها، وأُخْرى لِلْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ، وقِيلَ جَنَّةٌ بِالعَمَلِ وجَنَّةٌ بِالتَّفَضُّلِ وقِيلَ جَنَّةٌ رُوحانِيَّةٌ وجَنَّةٌ جُسْمانِيَّةٌ وقِيلَ جَنَّةٌ لِخَوْفِهِ مِن رَبِّهِ وجَنَّةٌ لِتَرْكِهِ شَهْوَتَهُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما هي جَنَّةٌ واحِدَةٌ، والتَّثْنِيَةُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ مِن أعْظَمِ الغَلَطِ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿جَنَّتانِ﴾ ويَصِفُهُما بِقَوْلِهِ فِيهِما إلَخْ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، وهي إعْطاءُ الخائِفِ مِن مَقامِ رَبِّهِ جَنَّتَيْنِ مُتَّصِفَتَيْنِ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ.
﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ لَلَجْنَّتانِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والأفْنانُ: (p-١٤٣٩)الأغْصانُ، واحِدُها فَنَنٌ وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا، وبِهَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ وغَيْرُهم.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأفْنانُ الألْوانُ واحِدُها فَنٌّ، وهو الضَّرْبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وجَمَعَ عَطاءٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: في كُلِّ غُصْنِ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ، ومِن إطْلاقِ الفَنَنِ عَلى الغُصْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎دُعاءَ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا مُفَجَّعَةً عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ما هاجَ شَوْقَكَ مِن هَدِيرِ حَمامَةٍ ∗∗∗ تَدْعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَماما
وقِيلَ مَعْنى ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ذَواتا فَضْلٍ وسَعَةٍ عَلى ما سِواهُما، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ الأفْنانُ: ظِلُّ الأغْصانِ عَلى الحِيطانِ، رُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا بِمَوْضِعٍ لِلْإنْكارِ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ هَذا أيْضًا صِفَةٌ أُخْرى لِجَنَّتانِ: أيْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَيْنٌ جارِيَةٌ.
قالَ الحَسَنُ: إحْداهُما السَّلْسَبِيلُ والأُخْرى التَّسْنِيمُ.
وقالَ عَطِيَّةُ: إحْداهُما مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى مَن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، قِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةَ الكائِنَةَ في الجَنَّةِ لِأهْلِ السَّعادَةِ.
﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ هَذا صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِجَنَّتانِ، والزَّوْجانِ الصِّنْفانِ والنَّوْعانِ، والمَعْنى: أنْ في الجَنَّتَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ يُتَفَكَّهُ بِهِ ضَرْبَيْنِ يُسْتَلَذُّ بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ، قِيلَ أحَدُ الصِّنْفَيْنِ رَطْبٌ والآخَرُ يابِسٌ لا يَقْصُرُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في الفَضْلِ والطِّيبِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ في مُجَرَّدِ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمَ ووَصْفِها في هَذا الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ التَّرْغِيبِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ والتَّرْهِيبِ عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ ما لا يَخْفى عَلى مَن يَفْهَمُ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عُظْمى ومِنَّةٌ كُبْرى، فَكَيْفَ بِالتَّنَعُّمِ بِهِ عِنْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ انْتِصابُ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ وإنَّما جَمَعَ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وقِيلَ عامِلُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ.
وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والفُرُشُ جَمْعُ فَرْشٍ، والبَطائِنُ: هي الَّتِي تَحْتَ الظَّهائِرِ، وهي جَمْعُ بِطانَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هي ما يَلِي الأرْضَ، والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، وإذا كانَتِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ تَكُونُ الظَّهائِرُ ؟ قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَما الظَّواهِرُ ؟ قالَ: هَذا بِما قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قِيلَ إنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ البَطائِنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ في الأرْضِ يَعْرِفُ ما في الظَّهائِرِ.
وقالَ الحَسَنُ: بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وظَهائِرُها مِن نُورٍ جامِدٍ.
وقالَ الحَسَنُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: وقالَ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها الَّذِي نَراهُ، وأنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا، وقالَ لا يَكُونُ هَذا إلّا في الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، والجَنى: ما يُجْتَنى مِنَ الثِّمارِ، قِيلَ إنَّ الشَّجَرَةَ تَدْنُو حَتّى يَجْنِيَها مَن يُرِيدُ جَناها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَذا جَنايَ وخَيارُهُ فِيهِ ∗∗∗ إذْ كَلُّ جانٍ يَدَهُ إلى فِيهِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فُرُشٍ﴾ بِضَمَّتَيْنِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ جَنى بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها، وقَرَأ عِيسى أيْضًا بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإمالَةِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها بِمَوْضِعٍ لا يَتَيَسَّرُ لِمُكَذِّبٍ أنْ يُكَذِّبَ بِشَيْءٍ مِنها لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ في الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ ﴿فِيهِنَّ﴾ لِأنَّهُ عَنى الجَنَّتَيْنِ وما أعَدَّ لِصاحِبِهِما فِيهِما مِنَ النَّعِيمِ، وقِيلَ فِيهِنَّ: أيْ في الفُرِشِ الَّتِي بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ، ومَعْنى ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أنَّهُنَّ يَقْصُرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الطَّمْثُ الِافْتِضاضُ وهو النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، يُقالُ طَمَثَ الجارِيَةَ: إذا افْتَرَعَها.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَمْ يَطَأْهُنَّ ولَمْ يَغْشَهُنَّ ولَمْ يُجامِعْهُنَّ قَبْلَهم أحَدٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ في الجَنَّةِ، والضَّمِيرُ في " قَبْلَهم " يَعُودُ إلى الأزْواجِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقاصِراتِ الطَّرْفِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى مُتَّكِئِينَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِ " قاصِراتُ "، لِأنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، وقِيلَ الطَّمْثُ: المَسُّ، أيْ لَمْ يَمْسَسْهُنَّ قالَهُ أبُو عَمْرٍو.
وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ لَمْ يُذَلِّلْهُنَّ، والطَّمْثُ التَّذْلِيلُ، ومِنَ اسْتِعْمالِ الطَّمْثِ فِيما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنَّ أصَحُّ مِن بَيْضِ النَّعامِ
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَطْمِثْهُنَّ " بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَلْ في كَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلٌ أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إذا آمَنُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ وانْتَهَوْا عَنْ مَناهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ في مُجَرَّدِ هَذا التَّرْغِيبِ في هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةً جَلِيلَةً ومِنَّةً عَظِيمَةً، لِأنَّ بِهِ يَحْصُلُ الحِرْصُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والفِرارُ مِنَ الأعْمالِ الطّالِحَةِ فَكَيْفَ بِالوُصُولِ إلى هَذِهِ النِّعَمِ والتَّنَعُّمِ بِها في جَنّاتِ النَّعِيمِ بِلا انْقِطاعٍ ولا زَوالٍ.
﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ هَذا صِفَةٌ لِ " قاصِراتُ "، أوْ حالٌ مِنهُنَّ، شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ في صَفاءِ اللَّوْنِ مَعَ حُمْرَتِهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، والياقُوتُ هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ، والمَرْجانُ قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ فِيهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى الخِلافِ في كَوْنِهِ صِغارَ الدُّرِّ، أوِ الأحْمَرَ المَعْرُوفَ.
قالَ الحَسَنُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ، وإنَّما خَصَّ المَرْجانَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ صِغارُ الدُّرِّ، لِأنَّ صَفاءَها أشَدُّ مِن صَفاءِ كِبارِ الدُّرِّ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ نِعَمَهُ كُلَّها لا يَتَيَسَّرُ تَكْذِيبُ شَيْءٍ مِنها كائِنَةً ما كانَتْ، فَكَيْفَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمِنَنِ الجَزِيلَةِ.
﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ (p-١٤٤٠)لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، والمَعْنى ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ العَمَلَ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، كَذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةُ، وقالَ الصّادِقُ: هَلْ جَزاءُ مَن أحْسَنْتَ إلَيْهِ في الأزَلِ إلّا حِفْظُ الإحْسانِ عَلَيْهِ في الأبَدِ.
قالَ الرّازِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ حَتّى قِيلَ: إنَّ في القُرْآنِ ثَلاثَ آياتٍ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِائَةُ قَوْلٍ، إحْداها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ وثانِيها ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ وثالِثُها ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ .
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ: البَرُّ في الآخِرَةِ، والفاجِرُ في الدُّنْيا.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها الإحْسانَ إلَيْكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ والزَّجْرِ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَرْضاهُ.
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أيْ ومَن دُونِ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْصُوفَتَيْنِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ لِمَن دُونَ أصْحابِ الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَعْنى مِن دُونِهِما: أيْ مِن أمامِهِما ومِن قَبْلِهِما، أيْ هُما أقْرَبُ مِنهُما وأدْنى إلى العَرْشِ، وقِيلَ الجَنَّتانِ الأُولَيانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وجَنَّةُ النَّعِيمِ، والأُخْرَيانِ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ وجَنَّةُ المَأْوى.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي أرْبَعُ جَنّاتٍ: جَنَّتانِ مِنهُما لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وعَيْنانِ تَجْرِيانِ، وجَنَّتانِ لِأصْحابِ اليَمِينِ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ و﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ الأُولَيَيْنِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، والأُخْرَيَيْنِ مِن ورِقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها حَقٌّ ونِعَمٌ لا يُمْكِنُ جَحْدُها.
﴿مُدْهامَّتانِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: مِن خُضْرَتِهِما قَدِ اسْوَدَّتا مِنَ الرِّيِّ، وكُلُّ ما عَلاهُ السَّوادُ رِيًّا فَهو مُدْهَمٌّ.
قالَ مُجاهِدٌ: مُسْوَدَّتانِ، والدُّهْمَةُ في اللُّغَةِ: السَّوادُ، يُقالُ فَرَسٌ أدْهَمُ وبَعِيرٌ أدْهَمُ: إذا اشْتَدَّتْ وُرْقَتُهُ حَتّى ذَهَبَ البَياضُ الَّذِي فِيهِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ جَمِيعَها نِعَمٌ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ لا تُجْحَدُ ولا تُنْكَرُ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ النَّضْخُ فَوَرانُ الماءِ مِنَ العَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ في الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ عَيْنَيْنِ فَوّارَتَيْنِ.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: والنَّضْخُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ.
قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: تَنْضَخُ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ والكافُورِ في دُورِ أهْلِ الجَنَّةِ كَما يَنْضَخُ رَشُّ المَطَرِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها تَنْضَخُ بِأنْواعِ الفَواكِهِ والماءِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها لَيْسَتْ بِمَوْضِعٍ لِلتَّكْذِيبِ ولا بِمَكانٍ لِلْجَحْدِ.
﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ هَذا مِن صِفاتِ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَرِيبًا، والنَّخْلُ والرُّمّانُ وإنْ كانا مِنَ الفاكِهَةِ لَكِنَّهُما خُصِّصا بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِما وكَثْرَةِ نَفْعِهِما بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الفَواكِهِ كَما حَكاهُ الزَّجّاجُ، والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ إنَّما خَصَّهُما لِكَثْرَتِهِما في أرْضِ العَرَبِ، وقِيلَ خَصَّهُما لِأنَّ النَّخْلَ فاكِهَةٌ وطَعامٌ، والرُّمّانُ فاكِهَةٌ ودَواءٌ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُما مِن جُمْلَةِ الفاكِهَةِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا أبُو حَنِيفَةَ وقَدْ خالَفَهُ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي في جَنّاتِ النَّعِيمِ، ومُجَرَّدُ الحِكايَةِ لَها أثَرٌ في نُفُوسِ السّامِعِينَ وتَجْذِبُهم إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَيْراتٌ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ والنَّهْدِيُّ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هي جَمْعُ خَيْرَةٍ بِزِنَةِ فَعْلَةٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، يُقالُ امْرَأةٌ خَيْرَةٌ وأُخْرى شَرَّةٌ، أوْ جَمْعُ خَيْرَةٍ مُخَفَّفُ خَيِّرَةٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَمْعُ خَيِّرَةٍ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: الخَيِّراتُ: النِّساءُ خَيِّراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ.
قِيلَ وهَذِهِ الصِّفَةُ عائِدَةٌ إلى الجِنانِ الأرْبَعِ، ولا وجْهَ لِهَذا فَإنَّهُ قَدْ وصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِأنَّهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ شَيْئًا مِنها كائِنًا ما كانَ لا يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أيْ مَحْبُوساتٌ، ومِنهُ القَصْرُ؛ لِأنَّهُ يَحْبِسُ مَن فِيهِ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي شَدِيدَةُ بَياضِ العَيْنِ شَدِيدَةُ سَوادِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الحَوْراءِ والخِلافُ فِيهِ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾: أنَّهُنَّ قُصِرْنَ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يُرِدْنَ غَيْرَهم، وحَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهُما.
قالَ في الصِّحاحِ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ أقْصُرُهُ قَصْرًا حَبَسْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُنَّ خُدِّرْنَ في الخِيامِ.
والخِيامُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وقِيلَ جَمْعُ خِيَمٍ، والخِيَمُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وهي أعْوادٌ تُنْصَبُ وتُظَلَّلُ بِالثِّيابِ، فَتَكُونُ أبْرَدَ مِنَ الأخْبِيَةِ، قِيلَ الخَيْمَةُ مِن خِيامِ الجَنَّةِ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، وارْتِفاعُ " حُورٌ " عَلى البَدَلِيَّةِ مِن " خَيْراتٌ " .
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في صِفَةِ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها نِعَمٌ لا تُكْفَرُ ومِنَنٌ لا تُجْحَدُ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ انْتِصابُ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ أوِ المَدْحِ كَما سَبَقَ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، الرَّفارِفُ البُسُطُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، والضَّحّاكُ وغَيْرُهم.
وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هي الزَّرابِيُّ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هي المَرافِقُ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: هي حاشِيَةُ الثَّوْبِ.
وقالَ اللَّيْثُ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيابِ الخُضْرِ وقِيلَ الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، وقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ.
قالَ في الصِّحاحِ: والرَّفْرَفُ ثِيابٌ خُضْرٌ يُتَّخَذُ مِنها المَحابِسُ، والواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا الرَّفْرَفُ هَنا رِياضُ الجَنَّةِ.
وقالُوا الرَّفْرَفُ الوَسائِدُ، وقالُوا الرَّفْرَفُ المَحابِسُ.
اهـ.
ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها رِياضُ الجَنَّةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واشْتِقاقُ الرَّفْرَفِ مِن رَفَّ يَرِفُّ: إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ، وهي تَحْرِيكُ جَناحَيْهِ في الهَواءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَفْرَفٍ﴾ عَلى الإفْرادِ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " رَفارِفٍ " عَلى الجَمْعِ ﴿وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ العَبْقَرِيُّ الزَّرابِيُّ، والطَّنافِسُ المَوْشِيَّةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ وشْيٍ مِنَ البُسُطِ عَبْقَرِيٌّ، وهو مَنسُوبٌ إلى أرْضٍ (p-١٤٤١)يُعْمَلُ فِيها الوَشْيُ، قالَ الفَرّاءُ: العَبْقَرِيُّ الطَّنافِسُ الثِّمانُ، وقِيلَ الزَّرابِيُّ، وقِيلَ البُسُطُ، وقِيلَ الدِّيباجُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ عَبْقَرَ قَرْيَةٌ تَسْكُنُها الجِنُّ يُنْسَبُ إلَيْها كُلُّ فائِقٍ، قالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ عِنْدَ العَرَبِ كُلُّ جَلِيلٍ فاضِلٍ فاخِرٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَبْقَرِيُّ مَوْضِعٌ تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ مِن أرْضِ الجِنِّ.
قالَ لَبِيدٌ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ كَجِنَّةِ عَبْقَرِ
ثُمَّ نَسَبُوا إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ تَعَجَّبُوا مِن حِذْقِهِ وجَوْدَةِ صَنْعَتِهِ وقُوَّتِهِ فَقالُوا عَبْقَرِيٌّ، وهو واحِدٌ وجَمْعٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْقَرِيٍّ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " عَباقِرِيٍّ " وقُرِئَ " " عَباقِرَ " " وهُما نِسْبَةٌ إلى عَباقِرَ اسْمِ بَلَدِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: لَيْسَ بِمَنسُوبٍ، وهو مِثْلُ كُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ.
وبُخْتِيٍّ وبَخاتِيٍّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خُضْرٍ﴾ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الضّادِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها أجَلُّ مَن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّكْذِيبُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَجْحَدَهُ جاحِدٌ أوْ يُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، وقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وجْهَ تَكْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ التَّبارُكِ مِنَ التَّبَرُّكِ، وهو الدَّوامُ والثَّباتُ، ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ وبِرْكَةُ الماءِ فَإنَّ الماءَ يَكُونُ دائِمًا، والمَعْنى: دامَ اسْمُهُ وثَبَتَ أوْ دامَ الخَيْرُ عِنْدَهُ، لِأنَّ البَرَكَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الثَّباتِ لَكِنَّها تُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ شَأْنُهُ.
وقِيلَ مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيسُهُ، وإذا كانَ هَذا التَّبارُكُ مَنسُوبًا إلى اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ؟ وقِيلَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقِيلَ هو مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ذِي الجَلالِ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ذُو الجَلالِ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ " اسْمُ " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خافُوا مَقامَهُ فَأدَّوْا فَرائِضَهُ الجَنَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: خافَ ثُمَّ اتَّقى، والخائِفُ: مِن رَكِبَ طاعَةَ اللَّهِ وتَرَكَ مَعْصِيَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: لِمَن خافَهُ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الثّانِيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، فَقالَ الثّالِثَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، قالَ: نَعَمْ وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَسارٍ مَوْلًى لِآلِ مُعاوِيَةَ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: قِيلَ لِأبِي الدَّرْداءِ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ قالَ: مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ لَمْ يَزْنِ ولَمْ يَسْرِقْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ: «قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ فَقُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الفَرائِضُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الفَرائِضَ ذَهَبَ هَذا» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعُ جَنّاتٍ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وأبْنِيَتُهُما وما فِيهِما، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وأبْنِيَتُهُما وما فِيهِما وما بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءُ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قالَ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وجَنَّتانِ مِن ورِقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ قالَ: ذَواتا ألْوانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: فَنُّ غُصُونُها يَمَسُّ بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الفَنُّ الغُصْنُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ قالَ: أُخْبِرْتُمْ بِالبَطائِنِ، فَكَيْفَ بِالظَّهائِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ " بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ "، فَما الظَّواهِرُ ؟ قالَ: ذَلِكَ مِمّا قالَ اللَّهُ " ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ " .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ قالَ: جَناها: ثَمَرُها، والدّانِي: القَرِيبُ مِنكَ يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا (p-١٤٤٢)فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ يَقُولُ: عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ يَقُولُ: لَمْ يَدْنُ مِنهُنَّ أوْ لَمْ يُدْمِهِنَّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ قالَ: تَنْظُرُ إلى وجْهِها في خِدْرِها أصْفى مِنَ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وإنَّهُ يَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبًا ويَنْفُذُها بَصَرُهُ حَتّى يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ ذَلِكَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المَرْأةَ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ لَيُرى بَياضُ ساقِها مِن وراءِ سَبْعِينَ حُلَّةً حَتّى يُرى مُخُّها، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ:﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ فَأمّا الياقُوتُ فَإنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأيْتَهُ مِن ورائِهِ» وقَدْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مَوْقُوفًا وقالَ هو أصَحٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي قَوْلِهِ: " ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ " قالَ: ما جَزاءُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا في الآيَةِ قالَ: «هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالإسْلامِ إلّا أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ " قالَ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في الدُّنْيا إلّا الجَنَّةُ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ لِلْكافِرِ والمُسْلِمِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ " قالَ: هُما خَضْراوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: قَدِ اسْوَدَّتا مِنَ الخُضْرَةِ مِنَ الرِّيِّ مِنَ الماءِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قالَ: خَضْراوانِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿نَضّاخَتانِ﴾ قالَ: فائِضَتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: يَنْضَخانِ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: " ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ " قالَ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ خَيْرَةٌ ولِكُلِّ خَيْرَةٍ خَيْمَةٌ، ولِكُلِّ خَيْمَةٍ أرْبَعَةُ أبْوابٍ يَدْخُلُ عَلَيْها مِنَ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ وكَرامَةٌ وهَدِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، لا مَرّاحاتٍ ولا طَمّاحاتٍ ولا بَخِراتٍ ولا دَفِراتٍ، حُورٌ عِينٌ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿حُورٌ﴾ " قالَ: بِيضٌ " ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ " قالَ: مَحْبُوساتٌ في الخِيامِ قالَ: في بُيُوتِ اللُّؤْلُؤِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الحَوَرُ سُودُ الحَدَقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الخِيامُ دُرٌّ مُجَوَّفٌ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها لِلْمُؤْمِنِ أهْلٌ لا يَراهُمُ الآخَرُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ قالَ: فُضُولُ المَحابِسِ والفُرُشِ والبُسُطِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: هي فُضُولُ المَحابِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ " قالَ: المَحابِسُ " ﴿وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ " قالَ: الزَّرابِيُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّفْرَفُ الرِّياضُ، والعَبْقَرِيُّ الزَّرابِيُّ.
الرحمن 55:77
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الثَّقَلَيْنِ ذَكَرَ نِعَمَهُ الأُخْرَوِيَّةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ مَقامُهُ سُبْحانَهُ هو المَوْقِفُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فالمَقامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ، وقِيلَ المَعْنى خافَ قِيامَ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو إشْرافُهُ عَلى أحْوالِهِ واطِّلاعُهُ عَلى أفْعالِهِ وأقْوالِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُها مِن خَوْفِهِ.
واخْتُلِفَ في الجَنَّتَيْنِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جَنَّةَ عَدْنٍ وجَنَّةَ النَّعِيمِ، وقِيلَ إحْداهُما الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ والأُخْرى ورِثَها.
وقِيلَ إحْداهُما مَنزِلُهُ والأُخْرى مَنزِلُ أزْواجِهِ.
وقِيلَ إحْداهُما أسافِلُ القُصُورِ والأُخْرى أعالِيها.
وقِيلَ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ.
وقِيلَ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعَةِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ جَنَّةٌ لِلْعَقِيدَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُها، وأُخْرى لِلْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ، وقِيلَ جَنَّةٌ بِالعَمَلِ وجَنَّةٌ بِالتَّفَضُّلِ وقِيلَ جَنَّةٌ رُوحانِيَّةٌ وجَنَّةٌ جُسْمانِيَّةٌ وقِيلَ جَنَّةٌ لِخَوْفِهِ مِن رَبِّهِ وجَنَّةٌ لِتَرْكِهِ شَهْوَتَهُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما هي جَنَّةٌ واحِدَةٌ، والتَّثْنِيَةُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ مِن أعْظَمِ الغَلَطِ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿جَنَّتانِ﴾ ويَصِفُهُما بِقَوْلِهِ فِيهِما إلَخْ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، وهي إعْطاءُ الخائِفِ مِن مَقامِ رَبِّهِ جَنَّتَيْنِ مُتَّصِفَتَيْنِ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ.
﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ لَلَجْنَّتانِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والأفْنانُ: (p-١٤٣٩)الأغْصانُ، واحِدُها فَنَنٌ وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا، وبِهَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ وغَيْرُهم.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأفْنانُ الألْوانُ واحِدُها فَنٌّ، وهو الضَّرْبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وجَمَعَ عَطاءٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: في كُلِّ غُصْنِ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ، ومِن إطْلاقِ الفَنَنِ عَلى الغُصْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎دُعاءَ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا مُفَجَّعَةً عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ما هاجَ شَوْقَكَ مِن هَدِيرِ حَمامَةٍ ∗∗∗ تَدْعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَماما
وقِيلَ مَعْنى ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ذَواتا فَضْلٍ وسَعَةٍ عَلى ما سِواهُما، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ الأفْنانُ: ظِلُّ الأغْصانِ عَلى الحِيطانِ، رُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا بِمَوْضِعٍ لِلْإنْكارِ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ هَذا أيْضًا صِفَةٌ أُخْرى لِجَنَّتانِ: أيْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَيْنٌ جارِيَةٌ.
قالَ الحَسَنُ: إحْداهُما السَّلْسَبِيلُ والأُخْرى التَّسْنِيمُ.
وقالَ عَطِيَّةُ: إحْداهُما مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى مَن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، قِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةَ الكائِنَةَ في الجَنَّةِ لِأهْلِ السَّعادَةِ.
﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ هَذا صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِجَنَّتانِ، والزَّوْجانِ الصِّنْفانِ والنَّوْعانِ، والمَعْنى: أنْ في الجَنَّتَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ يُتَفَكَّهُ بِهِ ضَرْبَيْنِ يُسْتَلَذُّ بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ، قِيلَ أحَدُ الصِّنْفَيْنِ رَطْبٌ والآخَرُ يابِسٌ لا يَقْصُرُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في الفَضْلِ والطِّيبِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ في مُجَرَّدِ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمَ ووَصْفِها في هَذا الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ التَّرْغِيبِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ والتَّرْهِيبِ عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ ما لا يَخْفى عَلى مَن يَفْهَمُ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عُظْمى ومِنَّةٌ كُبْرى، فَكَيْفَ بِالتَّنَعُّمِ بِهِ عِنْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ انْتِصابُ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ وإنَّما جَمَعَ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وقِيلَ عامِلُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ.
وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والفُرُشُ جَمْعُ فَرْشٍ، والبَطائِنُ: هي الَّتِي تَحْتَ الظَّهائِرِ، وهي جَمْعُ بِطانَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هي ما يَلِي الأرْضَ، والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، وإذا كانَتِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ تَكُونُ الظَّهائِرُ ؟ قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَما الظَّواهِرُ ؟ قالَ: هَذا بِما قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قِيلَ إنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ البَطائِنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ في الأرْضِ يَعْرِفُ ما في الظَّهائِرِ.
وقالَ الحَسَنُ: بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وظَهائِرُها مِن نُورٍ جامِدٍ.
وقالَ الحَسَنُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: وقالَ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها الَّذِي نَراهُ، وأنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا، وقالَ لا يَكُونُ هَذا إلّا في الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، والجَنى: ما يُجْتَنى مِنَ الثِّمارِ، قِيلَ إنَّ الشَّجَرَةَ تَدْنُو حَتّى يَجْنِيَها مَن يُرِيدُ جَناها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَذا جَنايَ وخَيارُهُ فِيهِ ∗∗∗ إذْ كَلُّ جانٍ يَدَهُ إلى فِيهِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فُرُشٍ﴾ بِضَمَّتَيْنِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ جَنى بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها، وقَرَأ عِيسى أيْضًا بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإمالَةِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها بِمَوْضِعٍ لا يَتَيَسَّرُ لِمُكَذِّبٍ أنْ يُكَذِّبَ بِشَيْءٍ مِنها لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ في الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ ﴿فِيهِنَّ﴾ لِأنَّهُ عَنى الجَنَّتَيْنِ وما أعَدَّ لِصاحِبِهِما فِيهِما مِنَ النَّعِيمِ، وقِيلَ فِيهِنَّ: أيْ في الفُرِشِ الَّتِي بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ، ومَعْنى ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أنَّهُنَّ يَقْصُرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الطَّمْثُ الِافْتِضاضُ وهو النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، يُقالُ طَمَثَ الجارِيَةَ: إذا افْتَرَعَها.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَمْ يَطَأْهُنَّ ولَمْ يَغْشَهُنَّ ولَمْ يُجامِعْهُنَّ قَبْلَهم أحَدٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ في الجَنَّةِ، والضَّمِيرُ في " قَبْلَهم " يَعُودُ إلى الأزْواجِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقاصِراتِ الطَّرْفِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى مُتَّكِئِينَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِ " قاصِراتُ "، لِأنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، وقِيلَ الطَّمْثُ: المَسُّ، أيْ لَمْ يَمْسَسْهُنَّ قالَهُ أبُو عَمْرٍو.
وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ لَمْ يُذَلِّلْهُنَّ، والطَّمْثُ التَّذْلِيلُ، ومِنَ اسْتِعْمالِ الطَّمْثِ فِيما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنَّ أصَحُّ مِن بَيْضِ النَّعامِ
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَطْمِثْهُنَّ " بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَلْ في كَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلٌ أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إذا آمَنُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ وانْتَهَوْا عَنْ مَناهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ في مُجَرَّدِ هَذا التَّرْغِيبِ في هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةً جَلِيلَةً ومِنَّةً عَظِيمَةً، لِأنَّ بِهِ يَحْصُلُ الحِرْصُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والفِرارُ مِنَ الأعْمالِ الطّالِحَةِ فَكَيْفَ بِالوُصُولِ إلى هَذِهِ النِّعَمِ والتَّنَعُّمِ بِها في جَنّاتِ النَّعِيمِ بِلا انْقِطاعٍ ولا زَوالٍ.
﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ هَذا صِفَةٌ لِ " قاصِراتُ "، أوْ حالٌ مِنهُنَّ، شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ في صَفاءِ اللَّوْنِ مَعَ حُمْرَتِهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، والياقُوتُ هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ، والمَرْجانُ قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ فِيهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى الخِلافِ في كَوْنِهِ صِغارَ الدُّرِّ، أوِ الأحْمَرَ المَعْرُوفَ.
قالَ الحَسَنُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ، وإنَّما خَصَّ المَرْجانَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ صِغارُ الدُّرِّ، لِأنَّ صَفاءَها أشَدُّ مِن صَفاءِ كِبارِ الدُّرِّ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ نِعَمَهُ كُلَّها لا يَتَيَسَّرُ تَكْذِيبُ شَيْءٍ مِنها كائِنَةً ما كانَتْ، فَكَيْفَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمِنَنِ الجَزِيلَةِ.
﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ (p-١٤٤٠)لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، والمَعْنى ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ العَمَلَ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، كَذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةُ، وقالَ الصّادِقُ: هَلْ جَزاءُ مَن أحْسَنْتَ إلَيْهِ في الأزَلِ إلّا حِفْظُ الإحْسانِ عَلَيْهِ في الأبَدِ.
قالَ الرّازِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ حَتّى قِيلَ: إنَّ في القُرْآنِ ثَلاثَ آياتٍ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِائَةُ قَوْلٍ، إحْداها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ وثانِيها ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ وثالِثُها ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ .
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ: البَرُّ في الآخِرَةِ، والفاجِرُ في الدُّنْيا.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها الإحْسانَ إلَيْكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ والزَّجْرِ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَرْضاهُ.
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أيْ ومَن دُونِ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْصُوفَتَيْنِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ لِمَن دُونَ أصْحابِ الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَعْنى مِن دُونِهِما: أيْ مِن أمامِهِما ومِن قَبْلِهِما، أيْ هُما أقْرَبُ مِنهُما وأدْنى إلى العَرْشِ، وقِيلَ الجَنَّتانِ الأُولَيانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وجَنَّةُ النَّعِيمِ، والأُخْرَيانِ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ وجَنَّةُ المَأْوى.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي أرْبَعُ جَنّاتٍ: جَنَّتانِ مِنهُما لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وعَيْنانِ تَجْرِيانِ، وجَنَّتانِ لِأصْحابِ اليَمِينِ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ و﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ الأُولَيَيْنِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، والأُخْرَيَيْنِ مِن ورِقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها حَقٌّ ونِعَمٌ لا يُمْكِنُ جَحْدُها.
﴿مُدْهامَّتانِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: مِن خُضْرَتِهِما قَدِ اسْوَدَّتا مِنَ الرِّيِّ، وكُلُّ ما عَلاهُ السَّوادُ رِيًّا فَهو مُدْهَمٌّ.
قالَ مُجاهِدٌ: مُسْوَدَّتانِ، والدُّهْمَةُ في اللُّغَةِ: السَّوادُ، يُقالُ فَرَسٌ أدْهَمُ وبَعِيرٌ أدْهَمُ: إذا اشْتَدَّتْ وُرْقَتُهُ حَتّى ذَهَبَ البَياضُ الَّذِي فِيهِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ جَمِيعَها نِعَمٌ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ لا تُجْحَدُ ولا تُنْكَرُ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ النَّضْخُ فَوَرانُ الماءِ مِنَ العَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ في الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ عَيْنَيْنِ فَوّارَتَيْنِ.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: والنَّضْخُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ.
قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: تَنْضَخُ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ والكافُورِ في دُورِ أهْلِ الجَنَّةِ كَما يَنْضَخُ رَشُّ المَطَرِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها تَنْضَخُ بِأنْواعِ الفَواكِهِ والماءِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها لَيْسَتْ بِمَوْضِعٍ لِلتَّكْذِيبِ ولا بِمَكانٍ لِلْجَحْدِ.
﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ هَذا مِن صِفاتِ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَرِيبًا، والنَّخْلُ والرُّمّانُ وإنْ كانا مِنَ الفاكِهَةِ لَكِنَّهُما خُصِّصا بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِما وكَثْرَةِ نَفْعِهِما بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الفَواكِهِ كَما حَكاهُ الزَّجّاجُ، والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ إنَّما خَصَّهُما لِكَثْرَتِهِما في أرْضِ العَرَبِ، وقِيلَ خَصَّهُما لِأنَّ النَّخْلَ فاكِهَةٌ وطَعامٌ، والرُّمّانُ فاكِهَةٌ ودَواءٌ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُما مِن جُمْلَةِ الفاكِهَةِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا أبُو حَنِيفَةَ وقَدْ خالَفَهُ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي في جَنّاتِ النَّعِيمِ، ومُجَرَّدُ الحِكايَةِ لَها أثَرٌ في نُفُوسِ السّامِعِينَ وتَجْذِبُهم إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَيْراتٌ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ والنَّهْدِيُّ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هي جَمْعُ خَيْرَةٍ بِزِنَةِ فَعْلَةٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، يُقالُ امْرَأةٌ خَيْرَةٌ وأُخْرى شَرَّةٌ، أوْ جَمْعُ خَيْرَةٍ مُخَفَّفُ خَيِّرَةٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَمْعُ خَيِّرَةٍ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: الخَيِّراتُ: النِّساءُ خَيِّراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ.
قِيلَ وهَذِهِ الصِّفَةُ عائِدَةٌ إلى الجِنانِ الأرْبَعِ، ولا وجْهَ لِهَذا فَإنَّهُ قَدْ وصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِأنَّهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ شَيْئًا مِنها كائِنًا ما كانَ لا يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أيْ مَحْبُوساتٌ، ومِنهُ القَصْرُ؛ لِأنَّهُ يَحْبِسُ مَن فِيهِ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي شَدِيدَةُ بَياضِ العَيْنِ شَدِيدَةُ سَوادِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الحَوْراءِ والخِلافُ فِيهِ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾: أنَّهُنَّ قُصِرْنَ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يُرِدْنَ غَيْرَهم، وحَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهُما.
قالَ في الصِّحاحِ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ أقْصُرُهُ قَصْرًا حَبَسْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُنَّ خُدِّرْنَ في الخِيامِ.
والخِيامُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وقِيلَ جَمْعُ خِيَمٍ، والخِيَمُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وهي أعْوادٌ تُنْصَبُ وتُظَلَّلُ بِالثِّيابِ، فَتَكُونُ أبْرَدَ مِنَ الأخْبِيَةِ، قِيلَ الخَيْمَةُ مِن خِيامِ الجَنَّةِ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، وارْتِفاعُ " حُورٌ " عَلى البَدَلِيَّةِ مِن " خَيْراتٌ " .
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في صِفَةِ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها نِعَمٌ لا تُكْفَرُ ومِنَنٌ لا تُجْحَدُ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ انْتِصابُ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ أوِ المَدْحِ كَما سَبَقَ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، الرَّفارِفُ البُسُطُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، والضَّحّاكُ وغَيْرُهم.
وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هي الزَّرابِيُّ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هي المَرافِقُ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: هي حاشِيَةُ الثَّوْبِ.
وقالَ اللَّيْثُ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيابِ الخُضْرِ وقِيلَ الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، وقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ.
قالَ في الصِّحاحِ: والرَّفْرَفُ ثِيابٌ خُضْرٌ يُتَّخَذُ مِنها المَحابِسُ، والواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا الرَّفْرَفُ هَنا رِياضُ الجَنَّةِ.
وقالُوا الرَّفْرَفُ الوَسائِدُ، وقالُوا الرَّفْرَفُ المَحابِسُ.
اهـ.
ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها رِياضُ الجَنَّةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واشْتِقاقُ الرَّفْرَفِ مِن رَفَّ يَرِفُّ: إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ، وهي تَحْرِيكُ جَناحَيْهِ في الهَواءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَفْرَفٍ﴾ عَلى الإفْرادِ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " رَفارِفٍ " عَلى الجَمْعِ ﴿وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ العَبْقَرِيُّ الزَّرابِيُّ، والطَّنافِسُ المَوْشِيَّةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ وشْيٍ مِنَ البُسُطِ عَبْقَرِيٌّ، وهو مَنسُوبٌ إلى أرْضٍ (p-١٤٤١)يُعْمَلُ فِيها الوَشْيُ، قالَ الفَرّاءُ: العَبْقَرِيُّ الطَّنافِسُ الثِّمانُ، وقِيلَ الزَّرابِيُّ، وقِيلَ البُسُطُ، وقِيلَ الدِّيباجُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ عَبْقَرَ قَرْيَةٌ تَسْكُنُها الجِنُّ يُنْسَبُ إلَيْها كُلُّ فائِقٍ، قالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ عِنْدَ العَرَبِ كُلُّ جَلِيلٍ فاضِلٍ فاخِرٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَبْقَرِيُّ مَوْضِعٌ تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ مِن أرْضِ الجِنِّ.
قالَ لَبِيدٌ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ كَجِنَّةِ عَبْقَرِ
ثُمَّ نَسَبُوا إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ تَعَجَّبُوا مِن حِذْقِهِ وجَوْدَةِ صَنْعَتِهِ وقُوَّتِهِ فَقالُوا عَبْقَرِيٌّ، وهو واحِدٌ وجَمْعٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْقَرِيٍّ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " عَباقِرِيٍّ " وقُرِئَ " " عَباقِرَ " " وهُما نِسْبَةٌ إلى عَباقِرَ اسْمِ بَلَدِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: لَيْسَ بِمَنسُوبٍ، وهو مِثْلُ كُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ.
وبُخْتِيٍّ وبَخاتِيٍّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خُضْرٍ﴾ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الضّادِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها أجَلُّ مَن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّكْذِيبُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَجْحَدَهُ جاحِدٌ أوْ يُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، وقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وجْهَ تَكْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ التَّبارُكِ مِنَ التَّبَرُّكِ، وهو الدَّوامُ والثَّباتُ، ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ وبِرْكَةُ الماءِ فَإنَّ الماءَ يَكُونُ دائِمًا، والمَعْنى: دامَ اسْمُهُ وثَبَتَ أوْ دامَ الخَيْرُ عِنْدَهُ، لِأنَّ البَرَكَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الثَّباتِ لَكِنَّها تُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ شَأْنُهُ.
وقِيلَ مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيسُهُ، وإذا كانَ هَذا التَّبارُكُ مَنسُوبًا إلى اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ؟ وقِيلَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقِيلَ هو مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ذِي الجَلالِ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ذُو الجَلالِ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ " اسْمُ " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خافُوا مَقامَهُ فَأدَّوْا فَرائِضَهُ الجَنَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: خافَ ثُمَّ اتَّقى، والخائِفُ: مِن رَكِبَ طاعَةَ اللَّهِ وتَرَكَ مَعْصِيَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: لِمَن خافَهُ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الثّانِيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، فَقالَ الثّالِثَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، قالَ: نَعَمْ وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَسارٍ مَوْلًى لِآلِ مُعاوِيَةَ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: قِيلَ لِأبِي الدَّرْداءِ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ قالَ: مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ لَمْ يَزْنِ ولَمْ يَسْرِقْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ: «قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ فَقُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الفَرائِضُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الفَرائِضَ ذَهَبَ هَذا» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعُ جَنّاتٍ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وأبْنِيَتُهُما وما فِيهِما، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وأبْنِيَتُهُما وما فِيهِما وما بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءُ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قالَ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وجَنَّتانِ مِن ورِقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ قالَ: ذَواتا ألْوانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: فَنُّ غُصُونُها يَمَسُّ بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الفَنُّ الغُصْنُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ قالَ: أُخْبِرْتُمْ بِالبَطائِنِ، فَكَيْفَ بِالظَّهائِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ " بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ "، فَما الظَّواهِرُ ؟ قالَ: ذَلِكَ مِمّا قالَ اللَّهُ " ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ " .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ قالَ: جَناها: ثَمَرُها، والدّانِي: القَرِيبُ مِنكَ يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا (p-١٤٤٢)فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ يَقُولُ: عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ يَقُولُ: لَمْ يَدْنُ مِنهُنَّ أوْ لَمْ يُدْمِهِنَّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ قالَ: تَنْظُرُ إلى وجْهِها في خِدْرِها أصْفى مِنَ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وإنَّهُ يَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبًا ويَنْفُذُها بَصَرُهُ حَتّى يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ ذَلِكَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المَرْأةَ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ لَيُرى بَياضُ ساقِها مِن وراءِ سَبْعِينَ حُلَّةً حَتّى يُرى مُخُّها، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ:﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ فَأمّا الياقُوتُ فَإنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأيْتَهُ مِن ورائِهِ» وقَدْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مَوْقُوفًا وقالَ هو أصَحٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي قَوْلِهِ: " ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ " قالَ: ما جَزاءُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا في الآيَةِ قالَ: «هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالإسْلامِ إلّا أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ " قالَ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في الدُّنْيا إلّا الجَنَّةُ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ لِلْكافِرِ والمُسْلِمِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ " قالَ: هُما خَضْراوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: قَدِ اسْوَدَّتا مِنَ الخُضْرَةِ مِنَ الرِّيِّ مِنَ الماءِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قالَ: خَضْراوانِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿نَضّاخَتانِ﴾ قالَ: فائِضَتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: يَنْضَخانِ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: " ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ " قالَ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ خَيْرَةٌ ولِكُلِّ خَيْرَةٍ خَيْمَةٌ، ولِكُلِّ خَيْمَةٍ أرْبَعَةُ أبْوابٍ يَدْخُلُ عَلَيْها مِنَ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ وكَرامَةٌ وهَدِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، لا مَرّاحاتٍ ولا طَمّاحاتٍ ولا بَخِراتٍ ولا دَفِراتٍ، حُورٌ عِينٌ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿حُورٌ﴾ " قالَ: بِيضٌ " ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ " قالَ: مَحْبُوساتٌ في الخِيامِ قالَ: في بُيُوتِ اللُّؤْلُؤِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الحَوَرُ سُودُ الحَدَقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الخِيامُ دُرٌّ مُجَوَّفٌ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها لِلْمُؤْمِنِ أهْلٌ لا يَراهُمُ الآخَرُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ قالَ: فُضُولُ المَحابِسِ والفُرُشِ والبُسُطِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: هي فُضُولُ المَحابِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ " قالَ: المَحابِسُ " ﴿وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ " قالَ: الزَّرابِيُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّفْرَفُ الرِّياضُ، والعَبْقَرِيُّ الزَّرابِيُّ.
الرحمن 55:78
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الثَّقَلَيْنِ ذَكَرَ نِعَمَهُ الأُخْرَوِيَّةَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ مَقامُهُ سُبْحانَهُ هو المَوْقِفُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فالمَقامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ، وقِيلَ المَعْنى خافَ قِيامَ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وهو إشْرافُهُ عَلى أحْوالِهِ واطِّلاعُهُ عَلى أفْعالِهِ وأقْوالِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُها مِن خَوْفِهِ.
واخْتُلِفَ في الجَنَّتَيْنِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي جَنَّةَ عَدْنٍ وجَنَّةَ النَّعِيمِ، وقِيلَ إحْداهُما الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ والأُخْرى ورِثَها.
وقِيلَ إحْداهُما مَنزِلُهُ والأُخْرى مَنزِلُ أزْواجِهِ.
وقِيلَ إحْداهُما أسافِلُ القُصُورِ والأُخْرى أعالِيها.
وقِيلَ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ، وجَنَّةٌ لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ.
وقِيلَ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعَةِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ جَنَّةٌ لِلْعَقِيدَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُها، وأُخْرى لِلْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ، وقِيلَ جَنَّةٌ بِالعَمَلِ وجَنَّةٌ بِالتَّفَضُّلِ وقِيلَ جَنَّةٌ رُوحانِيَّةٌ وجَنَّةٌ جُسْمانِيَّةٌ وقِيلَ جَنَّةٌ لِخَوْفِهِ مِن رَبِّهِ وجَنَّةٌ لِتَرْكِهِ شَهْوَتَهُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما هي جَنَّةٌ واحِدَةٌ، والتَّثْنِيَةُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ مِن أعْظَمِ الغَلَطِ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿جَنَّتانِ﴾ ويَصِفُهُما بِقَوْلِهِ فِيهِما إلَخْ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، وهي إعْطاءُ الخائِفِ مِن مَقامِ رَبِّهِ جَنَّتَيْنِ مُتَّصِفَتَيْنِ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ.
﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ لَلَجْنَّتانِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والأفْنانُ: (p-١٤٣٩)الأغْصانُ، واحِدُها فَنَنٌ وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا، وبِهَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ وغَيْرُهم.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأفْنانُ الألْوانُ واحِدُها فَنٌّ، وهو الضَّرْبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وجَمَعَ عَطاءٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: في كُلِّ غُصْنِ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ، ومِن إطْلاقِ الفَنَنِ عَلى الغُصْنِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎دُعاءَ حَمامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا مُفَجَّعَةً عَلى فَنَنٍ تُغَنِّي
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ما هاجَ شَوْقَكَ مِن هَدِيرِ حَمامَةٍ ∗∗∗ تَدْعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَماما
وقِيلَ مَعْنى ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ ذَواتا فَضْلٍ وسَعَةٍ عَلى ما سِواهُما، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ الأفْنانُ: ظِلُّ الأغْصانِ عَلى الحِيطانِ، رُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلتَّكْذِيبِ ولا بِمَوْضِعٍ لِلْإنْكارِ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ هَذا أيْضًا صِفَةٌ أُخْرى لِجَنَّتانِ: أيْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَيْنٌ جارِيَةٌ.
قالَ الحَسَنُ: إحْداهُما السَّلْسَبِيلُ والأُخْرى التَّسْنِيمُ.
وقالَ عَطِيَّةُ: إحْداهُما مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى مَن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، قِيلَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مِثْلُ الدُّنْيا أضْعافًا مُضاعَفَةً.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةَ الكائِنَةَ في الجَنَّةِ لِأهْلِ السَّعادَةِ.
﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ هَذا صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِجَنَّتانِ، والزَّوْجانِ الصِّنْفانِ والنَّوْعانِ، والمَعْنى: أنْ في الجَنَّتَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ يُتَفَكَّهُ بِهِ ضَرْبَيْنِ يُسْتَلَذُّ بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِهِ، قِيلَ أحَدُ الصِّنْفَيْنِ رَطْبٌ والآخَرُ يابِسٌ لا يَقْصُرُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في الفَضْلِ والطِّيبِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ في مُجَرَّدِ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمَ ووَصْفِها في هَذا الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ التَّرْغِيبِ إلى فِعْلِ الخَيْرِ والتَّرْهِيبِ عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ ما لا يَخْفى عَلى مَن يَفْهَمُ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عُظْمى ومِنَّةٌ كُبْرى، فَكَيْفَ بِالتَّنَعُّمِ بِهِ عِنْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ انْتِصابُ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ﴾ وإنَّما جَمَعَ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وقِيلَ عامِلُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ.
وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والفُرُشُ جَمْعُ فَرْشٍ، والبَطائِنُ: هي الَّتِي تَحْتَ الظَّهائِرِ، وهي جَمْعُ بِطانَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هي ما يَلِي الأرْضَ، والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، وإذا كانَتِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ تَكُونُ الظَّهائِرُ ؟ قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَما الظَّواهِرُ ؟ قالَ: هَذا بِما قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قِيلَ إنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ البَطائِنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ في الأرْضِ يَعْرِفُ ما في الظَّهائِرِ.
وقالَ الحَسَنُ: بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وظَهائِرُها مِن نُورٍ جامِدٍ.
وقالَ الحَسَنُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ: وقالَ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةَ والظِّهارَةُ البِطانَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها الَّذِي نَراهُ، وأنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذا، وقالَ لا يَكُونُ هَذا إلّا في الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، والجَنى: ما يُجْتَنى مِنَ الثِّمارِ، قِيلَ إنَّ الشَّجَرَةَ تَدْنُو حَتّى يَجْنِيَها مَن يُرِيدُ جَناها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَذا جَنايَ وخَيارُهُ فِيهِ ∗∗∗ إذْ كَلُّ جانٍ يَدَهُ إلى فِيهِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فُرُشٍ﴾ بِضَمَّتَيْنِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ جَنى بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِها، وقَرَأ عِيسى أيْضًا بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإمالَةِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها بِمَوْضِعٍ لا يَتَيَسَّرُ لِمُكَذِّبٍ أنْ يُكَذِّبَ بِشَيْءٍ مِنها لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ في الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ ﴿فِيهِنَّ﴾ لِأنَّهُ عَنى الجَنَّتَيْنِ وما أعَدَّ لِصاحِبِهِما فِيهِما مِنَ النَّعِيمِ، وقِيلَ فِيهِنَّ: أيْ في الفُرِشِ الَّتِي بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ، ومَعْنى ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أنَّهُنَّ يَقْصُرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الطَّمْثُ الِافْتِضاضُ وهو النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، يُقالُ طَمَثَ الجارِيَةَ: إذا افْتَرَعَها.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَمْ يَطَأْهُنَّ ولَمْ يَغْشَهُنَّ ولَمْ يُجامِعْهُنَّ قَبْلَهم أحَدٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ في الجَنَّةِ، والضَّمِيرُ في " قَبْلَهم " يَعُودُ إلى الأزْواجِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقاصِراتِ الطَّرْفِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى مُتَّكِئِينَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِ " قاصِراتُ "، لِأنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ، وقِيلَ الطَّمْثُ: المَسُّ، أيْ لَمْ يَمْسَسْهُنَّ قالَهُ أبُو عَمْرٍو.
وقالَ المُبَرِّدُ: أيْ لَمْ يُذَلِّلْهُنَّ، والطَّمْثُ التَّذْلِيلُ، ومِنَ اسْتِعْمالِ الطَّمْثِ فِيما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنَّ أصَحُّ مِن بَيْضِ النَّعامِ
قَرَأ الجُمْهُورُ " يَطْمِثْهُنَّ " بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَلْ في كَثِيرٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلٌ أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إذا آمَنُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وعَمِلُوا بِفَرائِضِهِ وانْتَهَوْا عَنْ مَناهِيهِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ في مُجَرَّدِ هَذا التَّرْغِيبِ في هَذِهِ النِّعَمِ نِعْمَةً جَلِيلَةً ومِنَّةً عَظِيمَةً، لِأنَّ بِهِ يَحْصُلُ الحِرْصُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والفِرارُ مِنَ الأعْمالِ الطّالِحَةِ فَكَيْفَ بِالوُصُولِ إلى هَذِهِ النِّعَمِ والتَّنَعُّمِ بِها في جَنّاتِ النَّعِيمِ بِلا انْقِطاعٍ ولا زَوالٍ.
﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ هَذا صِفَةٌ لِ " قاصِراتُ "، أوْ حالٌ مِنهُنَّ، شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ في صَفاءِ اللَّوْنِ مَعَ حُمْرَتِهِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، والياقُوتُ هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ، والمَرْجانُ قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ فِيهِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى الخِلافِ في كَوْنِهِ صِغارَ الدُّرِّ، أوِ الأحْمَرَ المَعْرُوفَ.
قالَ الحَسَنُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ، وإنَّما خَصَّ المَرْجانَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ صِغارُ الدُّرِّ، لِأنَّ صَفاءَها أشَدُّ مِن صَفاءِ كِبارِ الدُّرِّ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ نِعَمَهُ كُلَّها لا يَتَيَسَّرُ تَكْذِيبُ شَيْءٍ مِنها كائِنَةً ما كانَتْ، فَكَيْفَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمِنَنِ الجَزِيلَةِ.
﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ (p-١٤٤٠)لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، والمَعْنى ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ العَمَلَ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، كَذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةُ، وقالَ الصّادِقُ: هَلْ جَزاءُ مَن أحْسَنْتَ إلَيْهِ في الأزَلِ إلّا حِفْظُ الإحْسانِ عَلَيْهِ في الأبَدِ.
قالَ الرّازِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ حَتّى قِيلَ: إنَّ في القُرْآنِ ثَلاثَ آياتٍ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِائَةُ قَوْلٍ، إحْداها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ وثانِيها ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ وثالِثُها ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ .
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ: البَرُّ في الآخِرَةِ، والفاجِرُ في الدُّنْيا.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها الإحْسانَ إلَيْكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإرْشادِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ والزَّجْرِ عَنِ العَمَلِ الَّذِي لا يَرْضاهُ.
﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أيْ ومَن دُونِ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ المَوْصُوفَتَيْنِ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ لِمَن دُونَ أصْحابِ الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَعْنى مِن دُونِهِما: أيْ مِن أمامِهِما ومِن قَبْلِهِما، أيْ هُما أقْرَبُ مِنهُما وأدْنى إلى العَرْشِ، وقِيلَ الجَنَّتانِ الأُولَيانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وجَنَّةُ النَّعِيمِ، والأُخْرَيانِ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ وجَنَّةُ المَأْوى.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي أرْبَعُ جَنّاتٍ: جَنَّتانِ مِنهُما لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وعَيْنانِ تَجْرِيانِ، وجَنَّتانِ لِأصْحابِ اليَمِينِ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ و﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ الأُولَيَيْنِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، والأُخْرَيَيْنِ مِن ورِقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها حَقٌّ ونِعَمٌ لا يُمْكِنُ جَحْدُها.
﴿مُدْهامَّتانِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: مِن خُضْرَتِهِما قَدِ اسْوَدَّتا مِنَ الرِّيِّ، وكُلُّ ما عَلاهُ السَّوادُ رِيًّا فَهو مُدْهَمٌّ.
قالَ مُجاهِدٌ: مُسْوَدَّتانِ، والدُّهْمَةُ في اللُّغَةِ: السَّوادُ، يُقالُ فَرَسٌ أدْهَمُ وبَعِيرٌ أدْهَمُ: إذا اشْتَدَّتْ وُرْقَتُهُ حَتّى ذَهَبَ البَياضُ الَّذِي فِيهِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ جَمِيعَها نِعَمٌ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ لا تُجْحَدُ ولا تُنْكَرُ.
﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ النَّضْخُ فَوَرانُ الماءِ مِنَ العَيْنِ، والمَعْنى: أنَّ في الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ عَيْنَيْنِ فَوّارَتَيْنِ.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: والنَّضْخُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ.
قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: تَنْضَخُ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ والكافُورِ في دُورِ أهْلِ الجَنَّةِ كَما يَنْضَخُ رَشُّ المَطَرِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها تَنْضَخُ بِأنْواعِ الفَواكِهِ والماءِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها لَيْسَتْ بِمَوْضِعٍ لِلتَّكْذِيبِ ولا بِمَكانٍ لِلْجَحْدِ.
﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ هَذا مِن صِفاتِ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قَرِيبًا، والنَّخْلُ والرُّمّانُ وإنْ كانا مِنَ الفاكِهَةِ لَكِنَّهُما خُصِّصا بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِما وكَثْرَةِ نَفْعِهِما بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الفَواكِهِ كَما حَكاهُ الزَّجّاجُ، والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ إنَّما خَصَّهُما لِكَثْرَتِهِما في أرْضِ العَرَبِ، وقِيلَ خَصَّهُما لِأنَّ النَّخْلَ فاكِهَةٌ وطَعامٌ، والرُّمّانُ فاكِهَةٌ ودَواءٌ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّهُما مِن جُمْلَةِ الفاكِهَةِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا أبُو حَنِيفَةَ وقَدْ خالَفَهُ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي في جَنّاتِ النَّعِيمِ، ومُجَرَّدُ الحِكايَةِ لَها أثَرٌ في نُفُوسِ السّامِعِينَ وتَجْذِبُهم إلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَيْراتٌ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ والنَّهْدِيُّ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هي جَمْعُ خَيْرَةٍ بِزِنَةِ فَعْلَةٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، يُقالُ امْرَأةٌ خَيْرَةٌ وأُخْرى شَرَّةٌ، أوْ جَمْعُ خَيْرَةٍ مُخَفَّفُ خَيِّرَةٍ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَمْعُ خَيِّرَةٍ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: الخَيِّراتُ: النِّساءُ خَيِّراتُ الأخْلاقِ حِسانُ الوُجُوهِ.
قِيلَ وهَذِهِ الصِّفَةُ عائِدَةٌ إلى الجِنانِ الأرْبَعِ، ولا وجْهَ لِهَذا فَإنَّهُ قَدْ وصَفَ نِساءَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِأنَّهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ وبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ شَيْئًا مِنها كائِنًا ما كانَ لا يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ أيْ مَحْبُوساتٌ، ومِنهُ القَصْرُ؛ لِأنَّهُ يَحْبِسُ مَن فِيهِ، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي شَدِيدَةُ بَياضِ العَيْنِ شَدِيدَةُ سَوادِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الحَوْراءِ والخِلافُ فِيهِ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾: أنَّهُنَّ قُصِرْنَ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يُرِدْنَ غَيْرَهم، وحَكاهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومُقاتِلٌ وغَيْرُهُما.
قالَ في الصِّحاحِ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ أقْصُرُهُ قَصْرًا حَبَسْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُنَّ خُدِّرْنَ في الخِيامِ.
والخِيامُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وقِيلَ جَمْعُ خِيَمٍ، والخِيَمُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وهي أعْوادٌ تُنْصَبُ وتُظَلَّلُ بِالثِّيابِ، فَتَكُونُ أبْرَدَ مِنَ الأخْبِيَةِ، قِيلَ الخَيْمَةُ مِن خِيامِ الجَنَّةِ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، وارْتِفاعُ " حُورٌ " عَلى البَدَلِيَّةِ مِن " خَيْراتٌ " .
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في صِفَةِ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّها كُلَّها نِعَمٌ لا تُكْفَرُ ومِنَنٌ لا تُجْحَدُ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ انْتِصابُ مُتَّكِئِينَ عَلى الحالِ أوِ المَدْحِ كَما سَبَقَ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، الرَّفارِفُ البُسُطُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، والضَّحّاكُ وغَيْرُهم.
وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هي الزَّرابِيُّ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هي المَرافِقُ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: هي حاشِيَةُ الثَّوْبِ.
وقالَ اللَّيْثُ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيابِ الخُضْرِ وقِيلَ الفُرُشُ المُرْتَفِعَةُ، وقِيلَ: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ.
قالَ في الصِّحاحِ: والرَّفْرَفُ ثِيابٌ خُضْرٌ يُتَّخَذُ مِنها المَحابِسُ، والواحِدَةُ رَفْرَفَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا الرَّفْرَفُ هَنا رِياضُ الجَنَّةِ.
وقالُوا الرَّفْرَفُ الوَسائِدُ، وقالُوا الرَّفْرَفُ المَحابِسُ.
اهـ.
ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها رِياضُ الجَنَّةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واشْتِقاقُ الرَّفْرَفِ مِن رَفَّ يَرِفُّ: إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ رَفْرَفَةُ الطّائِرِ، وهي تَحْرِيكُ جَناحَيْهِ في الهَواءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَفْرَفٍ﴾ عَلى الإفْرادِ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " رَفارِفٍ " عَلى الجَمْعِ ﴿وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ العَبْقَرِيُّ الزَّرابِيُّ، والطَّنافِسُ المَوْشِيَّةُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ وشْيٍ مِنَ البُسُطِ عَبْقَرِيٌّ، وهو مَنسُوبٌ إلى أرْضٍ (p-١٤٤١)يُعْمَلُ فِيها الوَشْيُ، قالَ الفَرّاءُ: العَبْقَرِيُّ الطَّنافِسُ الثِّمانُ، وقِيلَ الزَّرابِيُّ، وقِيلَ البُسُطُ، وقِيلَ الدِّيباجُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ عَبْقَرَ قَرْيَةٌ تَسْكُنُها الجِنُّ يُنْسَبُ إلَيْها كُلُّ فائِقٍ، قالَ الخَلِيلُ: العَبْقَرِيُّ عِنْدَ العَرَبِ كُلُّ جَلِيلٍ فاضِلٍ فاخِرٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَبْقَرِيُّ مَوْضِعٌ تَزْعُمُ العَرَبُ أنَّهُ مِن أرْضِ الجِنِّ.
قالَ لَبِيدٌ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ كَجِنَّةِ عَبْقَرِ
ثُمَّ نَسَبُوا إلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ تَعَجَّبُوا مِن حِذْقِهِ وجَوْدَةِ صَنْعَتِهِ وقُوَّتِهِ فَقالُوا عَبْقَرِيٌّ، وهو واحِدٌ وجَمْعٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ عَبْقَرِيٍّ وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " عَباقِرِيٍّ " وقُرِئَ " " عَباقِرَ " " وهُما نِسْبَةٌ إلى عَباقِرَ اسْمِ بَلَدِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: لَيْسَ بِمَنسُوبٍ، وهو مِثْلُ كُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ.
وبُخْتِيٍّ وبَخاتِيٍّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خُضْرٍ﴾ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الضّادِ، وقُرِئَ بِضَمِّهِما، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها أجَلُّ مَن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّكْذِيبُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَجْحَدَهُ جاحِدٌ أوْ يُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، وقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وجْهَ تَكْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا نُعِيدُهُ.
﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ " تَبارَكَ " تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ التَّبارُكِ مِنَ التَّبَرُّكِ، وهو الدَّوامُ والثَّباتُ، ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ وبِرْكَةُ الماءِ فَإنَّ الماءَ يَكُونُ دائِمًا، والمَعْنى: دامَ اسْمُهُ وثَبَتَ أوْ دامَ الخَيْرُ عِنْدَهُ، لِأنَّ البَرَكَةَ وإنْ كانَتْ مِنَ الثَّباتِ لَكِنَّها تُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، أوْ يَكُونُ مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ شَأْنُهُ.
وقِيلَ مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيسُهُ، وإذا كانَ هَذا التَّبارُكُ مَنسُوبًا إلى اسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما ظَنُّكَ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ؟ وقِيلَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقِيلَ هو مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ذِي الجَلالِ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ذُو الجَلالِ " عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ " اسْمُ " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خافُوا مَقامَهُ فَأدَّوْا فَرائِضَهُ الجَنَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: خافَ ثُمَّ اتَّقى، والخائِفُ: مِن رَكِبَ طاعَةَ اللَّهِ وتَرَكَ مَعْصِيَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: لِمَن خافَهُ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحاكِمُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الثّانِيَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، فَقالَ الثّالِثَةَ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، قالَ: نَعَمْ وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَسارٍ مَوْلًى لِآلِ مُعاوِيَةَ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: قِيلَ لِأبِي الدَّرْداءِ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ قالَ: مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ لَمْ يَزْنِ ولَمْ يَسْرِقْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَقالَ: «قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ ؟ فَقُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الفَرائِضُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الفَرائِضَ ذَهَبَ هَذا» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعُ جَنّاتٍ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وأبْنِيَتُهُما وما فِيهِما، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وأبْنِيَتُهُما وما فِيهِما وما بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلّا رِداءُ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قالَ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وجَنَّتانِ مِن ورِقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قالَ: جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلسّابِقِينَ، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ لِلتّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ قالَ: ذَواتا ألْوانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: فَنُّ غُصُونُها يَمَسُّ بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الفَنُّ الغُصْنُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ قالَ: أُخْبِرْتُمْ بِالبَطائِنِ، فَكَيْفَ بِالظَّهائِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ " بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ "، فَما الظَّواهِرُ ؟ قالَ: ذَلِكَ مِمّا قالَ اللَّهُ " ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ " .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ قالَ: جَناها: ثَمَرُها، والدّانِي: القَرِيبُ مِنكَ يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا (p-١٤٤٢)فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ يَقُولُ: عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ يَقُولُ: لَمْ يَدْنُ مِنهُنَّ أوْ لَمْ يُدْمِهِنَّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي قَوْلِهِ: كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ قالَ: تَنْظُرُ إلى وجْهِها في خِدْرِها أصْفى مِنَ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وإنَّهُ يَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبًا ويَنْفُذُها بَصَرُهُ حَتّى يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ ذَلِكَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المَرْأةَ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ لَيُرى بَياضُ ساقِها مِن وراءِ سَبْعِينَ حُلَّةً حَتّى يُرى مُخُّها، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ:﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ فَأمّا الياقُوتُ فَإنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأيْتَهُ مِن ورائِهِ» وقَدْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مَوْقُوفًا وقالَ هو أصَحٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي قَوْلِهِ: " ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ " قالَ: ما جَزاءُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا في الآيَةِ قالَ: «هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالإسْلامِ إلّا أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ " قالَ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في الدُّنْيا إلّا الجَنَّةُ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ لِلْكافِرِ والمُسْلِمِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ " قالَ: هُما خَضْراوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: قَدِ اسْوَدَّتا مِنَ الخُضْرَةِ مِنَ الرِّيِّ مِنَ الماءِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قالَ: خَضْراوانِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿نَضّاخَتانِ﴾ قالَ: فائِضَتانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: يَنْضَخانِ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: " ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ " قالَ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ خَيْرَةٌ ولِكُلِّ خَيْرَةٍ خَيْمَةٌ، ولِكُلِّ خَيْمَةٍ أرْبَعَةُ أبْوابٍ يَدْخُلُ عَلَيْها مِنَ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ وكَرامَةٌ وهَدِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، لا مَرّاحاتٍ ولا طَمّاحاتٍ ولا بَخِراتٍ ولا دَفِراتٍ، حُورٌ عِينٌ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿حُورٌ﴾ " قالَ: بِيضٌ " ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ " قالَ: مَحْبُوساتٌ في الخِيامِ قالَ: في بُيُوتِ اللُّؤْلُؤِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الحَوَرُ سُودُ الحَدَقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الخِيامُ دُرٌّ مُجَوَّفٌ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها لِلْمُؤْمِنِ أهْلٌ لا يَراهُمُ الآخَرُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ﴾ قالَ: فُضُولُ المَحابِسِ والفُرُشِ والبُسُطِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: هي فُضُولُ المَحابِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ " قالَ: المَحابِسُ " ﴿وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ " قالَ: الزَّرابِيُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّفْرَفُ الرِّياضُ، والعَبْقَرِيُّ الزَّرابِيُّ.
الواقعة 56:1
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:2
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:3
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:4
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:5
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:6
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:7
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:8
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:9
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:10
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:11
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:12
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:13
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:14
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
الواقعة 56:15
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: " وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ " وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها، وهي أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ وقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الواقِعَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضُّرَيْسِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى، فاقْرَءُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكم» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِّمُوا نِسائَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» اهـ.
(p-١٤٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، الواقِعَةُ اسْمٌ لِلْقِيامَةِ كالآزِفَةِ وغَيْرِها، وسُمِّيَتْ واقِعَةً لِأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، أوْ لِقُرْبِ وُقُوعِها، أوْ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ، وانْتِصابُ " إذا " بِمُضْمَرٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
أوْ بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أيْ لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها تَكْذِيبٌ، والكاذِبَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ: أيْ لَيْسَ لِمَجِيئِها وظُهُورِها كَذِبٌ أصْلًا، وقِيلَ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّرٌ: أيْ إذا وقَعَتْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والجَوابُ هَذا هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ إنَّها شَرْطِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا مَكِّيٌّ فَقالَ: والعامِلُ " وقَعَتْ " .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ هُنا هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّها إذا وقَعَتِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ عِنْدَ البَعْثِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَكْذِيبٌ بِها أصْلًا، أوْ لا يَكُونُ هُناكَ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وتُكَذِّبُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ: أيْ لا يَرُدُّها شَيْءٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها أحَدٌ يُكَذِّبُ بِها.
وقالَ الكِسائِيُّ: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ: أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَذِّبَ بِها أحَدٌ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ قَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِهِما عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: خَفَضَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن دَنا، ورَفَعَتِ الصَّوْتَ فَأسْمَعَتْ مَن نَأى: أيْ أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وقالَ قَتادَةُ: خَفَضَتْ أقْوامًا في عَذابِ اللَّهِ، ورَفَعَتْ أقْوامًا إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَرْفُوعِينَ، ورَفَعَتْ أقْوامًا كانُوا في الدُّنْيا مَخْفُوضِينَ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الخَفْضَ والرَّفْعَ في المَكانِ والمَكانَةِ والعِزِّ والإهانَةِ، ونِسْبَةُ الخَفْضِ والرَّفْعِ إلَيْها عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والخافِضُ الرّافِعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا أيْ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، يُقالُ رَجَّهُ يَرُجُّهُ رَجًّا إذا حَرَّكَهُ، والرَّجَّةُ الِاضْطِرابُ، وارْتَجَّ البَحْرُ اضْطَرَبَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَرْتَجُّ كَما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ في المَهْدِ حَتّى يَنْهَدِمَ كُلُّ ما عَلَيْها ويَنْكَسِرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها.
قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى " رُجَّتْ " زُلْزِلَتْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خافِضَةٌ رافِعَةٌ أيْ تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ ويَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ.
وقِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ والأوَّلُ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ مَعْنى وُقُوعِ الواقِعَةِ هو رَجُّ الأرْضِ، وبَسُّ الجِبالِ.
﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، البَسُّ: الفَتُّ، يُقالُ: بَسَّ الشَّيْءَ إذا فَتَّهُ حَتّى يَصِيرَ فُتاتًا، ويُقالُ بَسَّ السَّوِيقَ: إذا لَتَّهُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى أنَّ الجِبالَ فُتِّتَتْ فَتًّا.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا.
وقالَ الحَسَنُ: قُلِعَتْ مِن أصْلِها.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: بُسَّتْ كَما يُبَسُّ الدَّقِيقُ بِالسَّمْنِ أوْ بِالزَّيْتِ، والمَعْنى: أنَّها خُلِطَتْ فَصارَتْ كالدَّقِيقِ المَلْتُوتِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: البَسُّ السَّوْقُ، والمَعْنى عَلى هَذا: سِيقَتِ الجِبالُ سَوْقًا.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: بَسَّ الإبِلَ وأبَسَّها لُغَتانِ: إذا زَجَرَها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى هُدَّتْ هَدًّا.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا أيْ غُبارًا مُتَفَرِّقًا مُنْتَشِرًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الهَباءُ الشُّعاعُ الَّذِي يَكُونُ في الكُوَّةِ كَهَيْئَةِ الغُبارِ، وقِيلَ هو الرَّهَجُ الَّذِي يَسْطَعُ مِن حَوافِرِ الدَّوابِّ ثُمَّ يَذْهَبُ، وقِيلَ ما تَطايَرَ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ عَلى سَوْرَةِ الشَّرَرِ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في الفُرْقانِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] قَرَأ الجُمْهُورُ " مُنْبَثًا " بِالمُثَلَّثَةِ.
وقَرَأ مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ: أيْ مُنْقَطِعًا، مِن قَوْلِهِمْ بَتَّهُ اللَّهُ: أيْ قَطَعَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ واخْتِلافَهم فَقالَ: " ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ " والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ أوْ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ، والأزْواجُ الأصْنافُ، والمَعْنى: وكُنْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أصْنافًا ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأصْنافَ فَقالَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ أصْحابُ اليَمِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، أوِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، أصْحابُ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ المُبْتَدَأِ هُنا بِلَفْظِهِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢، ١] ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢، ١] ولا يَجُوزُ مِثْلُ هَذا إلّا في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
والكَلامُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ كالكَلامِ في " أصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ "، والمُرادُ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ أوْ يَأْخُذُونَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ بِشِمالِهِمْ، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في نِهايَةِ السَّعادَةِ وحُسْنِ الحالِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ الشَّقاوَةِ وسُوءِ الحالِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذَّرِّيَّةُ مِن صُلْبِهِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَنْ شِمالِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مَن شِقِّهِ الأيْسَرِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ هم أهْلُ الحَسَناتِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أهْلُ السَّيِّئاتِ.
وقالَ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ: (p-١٤٤١)أصْحابُ المَيْمَنَةِ هُمُ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ التَّقَدُّمِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ التَّأخُّرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ: أيِ اجْعَلْنِي مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:
؎أبُنَيَّتِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ والتَّكْرِيرُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما مَرَّ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، كَما تَقُولُ أنْتَ أنْتَ وزَيْدٌ، زَيْدٌ، والسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ السّابِقُونَ.
وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِمَعْنى: السّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ حالُهم بِذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ مُتَعَلَّقَ السّابِقِينَ مُخْتَلِفٌ، والتَّقْدِيرُ: والسّابِقُونَ إلى الإيمانِ السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ. والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ.
قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كَلامِهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الجِهادِ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ .
قِيلَ ووَجْهُ تَأْخِيرِ هَذا الصِّنْفِ الثّالِثِ مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالإشارَةُ هي إلَيْهِمْ: أيِ المُقَرَّبُونَ إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّهِ وعَظِيمِ كَرامَتِهِ، أوِ الَّذِينَ قَرُبَتْ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " المُقَرَّبُونَ ": أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في المُقَرَّبُونَ: أيْ كائِنِينَ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " في جَنَّةِ " بِالإفْرادِ، وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى النَّعِيمِ مِن إضافَةِ المَكانِ إلى ما يَكُونُ فِيهِ كَما يُقالُ: دارُ الضِّيافَةِ ودارُ الدَّعْوَةِ ودارُ العَدْلِ.
وارْتِفاعُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي لا يُحْصَرُ عَدَدُها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ثُلَّةٍ مَعْنى فِرْقَةٍ، مِن ثَلَلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ هُمُ الأُمَمُ السّابِقَةُ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا ﷺ .
﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وسُمُّوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن كانَ قَبْلَهم، وهم كَثِيرُونَ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ وكَثْرَةِ مَن أجابَهم.
قالَ الحَسَنُ: سابِقُو مَن مَضى أكْثَرُ مِن سابِقِينا.
قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ الأنْبِياءِ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ ﷺ، ولا يُخالِفُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: " ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ "، ثُمَّ قالَ: " نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ "» لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ إنَّما هو تَفْضِيلٌ لِلسّابِقِينَ فَقَطْ كَما سَيَأْتِي في ذِكْرِ أصْحابِ اليَمِينِ أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هو أكْثَرُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ مِن قَلِيلِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن ثُلَّةِ أصْحابِ اليَمِينِ مِنها مَن يَكُونُ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، والمُقابَلَةُ بَيْنَ الثُّلَّتَيْنِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا تَسْتَلْزِمُ اسْتِواءَهُما لِجَوازِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثُّلَّةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الثُّلَّةِ كَما يُقالُ: هَذِهِ الجَماعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، وهَذِهِ الفِرْقَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ، وهَذِهِ القِطْعَةُ أكْثَرُ مِن هَذِهِ القِطْعَةِ.
وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يُصِبْ مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً أُخْرى لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سُرُرٍ بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ كَما تَقَدَّمَ، والمَوْضُونَةُ المَنسُوجَةُ، والوَضْنُ: النَّسْجُ المُضاعَفُ.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، وقِيلَ إنَّ المَوْضُونَةَ المَصْفُوفَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المَوْضُونَةُ المَرْمُولَةُ بِالذَّهَبِ.
وانْتِصابُ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ عَلى الحالِ، وكَذا انْتِصابُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ والمَعْنى: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، والمَعْنى يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ غِلْمانٌ لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بَلْ شَكْلُهم شَكْلُ الوِلْدانِ دائِمًا.
قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى لا يَمُوتُونَ.
وقالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: لا يَهْرَمُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا كَبِرَ ولَمْ يُمَشَّطْ إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ مُخَلَّدُونَ مُقَرَّطُونَ، يُقالُ خَلَّدَ جارِيَتَهُ: إذا حَلّاها بِالخَلَدَةِ، وهي القِرَطَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمْنَ إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وقِيلَ مَسْتُورُونَ بِالحِلْيَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومُخَلَّداتٌ بِاللُّجَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ
وقِيلَ مُخَلَّدُونَ مُمَنطَقُونَ، قِيلَ وهم وِلْدانُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا ولا حَسَنَةَ لَهم ولا سَيِّئَةَ، وقِيلَ هم أطْفالُ المُشْرِكِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ في الجَنَّةِ لِلْقِيامِ بِهَذِهِ الخِدْمَةِ، والأكْوابُ: هي الأقْداحُ المُسْتَدِيرَةُ الأفْواهِ الَّتِي لا آذانَ لَها ولا عُرًى، وقَدْ مَضى بَيانُ مَعْناها في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، والأبارِيقُ: هي ذاتُ العُرى والخَراطِيمِ، واحِدُها إبْرِيقٌ، وهو الَّذِي يَبْرُقُ لَوْنُهُ مِن صَفائِهِ.
﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ أوْ ماءٍ جارٍ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا الخَمْرُ الجارِيَةُ مِنَ العُيُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الكَأْسِ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ لا تَتَصَدَّعُ رُؤُوسُهم مِن شُرْبِها كَما تَتَصَدَّعُ مِن شُرْبِ خَمْرِ الدُّنْيا.
والصُّداعُ هو الدّاءُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ في رَأْسِهِ، وقِيلَ مَعْنى لا يُصَدَّعُونَ لا يَتَفَرَّقُونَ كَما يَتَفَرَّقُ الشُّرّابُ، (p-١٤٤٥)ويُقَوِّي هَذا المَعْنى قِراءَةُ مُجاهِدٍ " يَصَّدَّعُونَ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَتَصَدَّعُونَ: أيْ يَتَفَرَّقُونَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ مِن سُورَةِ الصّافّاتِ، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: أيْ لا يَسْكَرُونَ فَتَذْهَبُ عُقُولُهم، مِن أنْزَفَ الشّارِبُ: إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ يَخْتارُونَهُ، يُقالُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " وفاكِهَةٍ " بِالجَرِّ.
وكَذا " لَحْمِ " عَطْفًا عَلى أكْوابٍ: أيْ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمُتَفَكَّهِ بِهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو عَلِيٍّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَفْعِها عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ: أيْ ولَهم فاكِهَةٌ ولَحْمٌ، ومَعْنى مِمّا يَشْتَهُونَ مِمّا يَتَمَنَّوْنَهُ وتَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ حُورٌ عِينٌ بِرَفْعِهِما عَطْفًا عَلى " وِلْدانٌ " أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ نِساؤُهم حُورٌ عِينٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ: أيْ ولَهم حُورٌ عِينٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِجَرِّهِما عَطْفًا عَلى أكْوابٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَنّاتٍ: أيْ هم في جَنّاتٍ وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ وفي مُعاشَرَةِ حُورٍ.
قالَ الفَرّاءُ: في تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى أكْوابٍ إنَّهُ يَجُوزُ الجَرُّ عَلى الإتْباعِ في اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفا في المَعْنى، لِأنَّ الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنَّما تُكَحَّلُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
قالَ قُطْرُبٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الأكْوابِ والأبارِيقِ مِن غَيْرِ حَمْلٍ عَلى المَعْنى.
قالَ: ولا يُنْكَرُ أنْ يُطافَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ: ويَكُونُ لَهم في ذَلِكَ لَذَّةٌ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا، أوْ ويُعْطَوْنَ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ شَبَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ بِاللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، وهو الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولا وقَعَ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَهو أشَدُّ ما يَكُونُ صَفاءً.
وانْتِصابُ جَزاءً في قَوْلِهِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ: أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجَزاءِ بِأعْمالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحُورِ العِينِ في سُورَةِ الطُّورِ وغَيْرِها.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ اللَّغْوُ: الباطِلُ مِنَ الكَلامِ، والتَّأْثِيمُ النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا يُؤَثِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْمَعُونَ شَتْمًا ولا مَأْثَمًا، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضِهِمْ أثِمْتَ لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِما فِيهِ إثْمٌ.
﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ القِيلُ القَوْلُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ يَقُولُونَ قِيلًا، أوْ يَسْمَعُونَ قِيلًا، وانْتِصابُ " سَلامًا سَلامًا " عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " قِيلًا "، أوْ صِفَةٌ لَهُ، أوْ هو مَفْعُولٌ بِهِ لِقِيلًا: أيْ إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ: أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ هو مَحْكِيٌّ بِقِيلًا: أيْ إلّا قِيلًا سَلِّمُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
قالَ عَطاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقِيلَ إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّغْوِ والتَّأْثِيمِ، قُرِئَ " سَلامٌ سَلامٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: " ﴿سَلامٌ عَلَيْكم﴾ "، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قالَ: يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَ لَها مَرَدٌّ يَرُدُّ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: تَخْفِضُ ناسًا وتَرْفَعُ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: أسْمَعَتِ القَرِيبَ والبَعِيدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قالَ: السّاعَةُ خَفَضَتْ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ، ورَفَعَتْ أوْلِياءَ اللَّهِ إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قالَ: زُلْزِلَتْ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ قالَ: فُتِّتَتْ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا أُضْرِمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الهَباءُ ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ، وانْبِثاثُهُ تَفَرُّقُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ المُنْبَثُّ رَهَجُ الدَّوابِّ، والهَباءُ المَنثُورُ غُبارُ الشَّمْسِ الَّذِي تَراهُ في شُعاعِ الكُوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا﴾ قالَ: أصْنافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قالَ: هي الَّتِي في سُورَةِ المَلائِكَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ سَبَقَ إلى مُوسى، ومُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ سَبَقَ إلى عِيسى، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَبَقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في حَزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وحَبِيبٍ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في " يس "، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّ رَجُلٍ مِنهم سابِقُ أُمَّتِهِ، وعَلِيٌّ أفْضَلُهم سَبْقًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «تَلا هَذِهِ الآيَةَ وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ فَقَبَضَ بِيَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ فَقالَ: هَذِهِ في الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وهَذِهِ في النّارِ ولا أُبالِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٤٤٦)أنَّهُ قالَ: «أتَدْرُونَ مَنِ السّابِقُونَ إلى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوا بَذَلُوا، وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ شَقَّ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُلُثَ الجَنَّةِ، بَلْ أنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قالَ: مَصْفُوفَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ.
قالَ: مَرْمُولَةٍ بِالذَّهَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ في الجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ والضِّياءُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ طَيْرَ الجَنَّةِ كَأمْثالِ البُخْتِ تَرْعى في شَجَرِ الجَنَّةِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ، قالَ: آكِلُها أنْعَمُ مِنها، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنها» وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ قالَ: الَّذِي في الصُّدَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قالَ: باطِلًا ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قالَ: كَذِبًا.