Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الملك 67:24 – القلم 68:23

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الملك 67:24
  2. الملك 67:25
  3. الملك 67:26
  4. الملك 67:27
  5. الملك 67:28
  6. الملك 67:29
  7. الملك 67:30
  8. القلم 68:1
  9. القلم 68:2
  10. القلم 68:3
  11. القلم 68:4
  12. القلم 68:5
  13. القلم 68:6
  14. القلم 68:7
  15. القلم 68:8
  16. القلم 68:9
  17. القلم 68:10
  18. القلم 68:11
  19. القلم 68:12
  20. القلم 68:13
  21. القلم 68:14
  22. القلم 68:15
  23. القلم 68:16
  24. القلم 68:17
  25. القلم 68:18
  26. القلم 68:19
  27. القلم 68:20
  28. القلم 68:21
  29. القلم 68:22
  30. القلم 68:23

الملك 67:24

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

الملك 67:25

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

الملك 67:26

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

الملك 67:27

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

الملك 67:28

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

الملك 67:29

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

الملك 67:30

ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ لِإيضاحِ حالِهِما وبَيانِ مَآلِهِما، فَقالَ: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى﴾ والمُكِبُّ والمُنْكَبُّ: السّاقِطُ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ وانْكَبَّ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَكُبُّ رَأْسَهُ فَلا يَنْظُرُ يَمِينًا ولا شِمالًا ولا أمامًا فَهو لا يَأْمَنُ العُثُورَ والِانْكِبابَ عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَلا يَزالُ (p-١٥١٤)مَشْيُهُ يُنَكِّسُهُ عَلى وجْهِهِ. قالَ قَتادَةُ: هو الكافِرُ يَكُبُّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ في الدُّنْيا فَيَحْشُرُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، أيْ: هَلْ هَذا الَّذِي يَمْشِي عَلى وجْهِهِ أهْدى إلى المَقْصِدِ الَّذِي يُرِيدُهُ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مُعْتَدِلًا ناظِرًا إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ لا اعْوِجاجَ بِهِ ولا انْحِرافَ فِيهِ، وخَبَرُ " مَن " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ " مَنِ " الأُولى وهو " أهْدى " عَلَيْهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ " مَنِ " الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى " مَنِ " الأُولى عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَقَوْلِكَ أزْيَدٌ قائِمٌ أمْ عَمْرٌو ؟ وقِيلَ: أرادَ بِمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ مَن يُحْشَرُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ومَن يَمْشِي سَوِيًّا مَن يُحْشَرُ عَلى قَدَمَيْهِ إلى الجَنَّةِ، وهو كَقَوْلِ قَتادَةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] . ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي أنْشَأهُمُ النَّشْأةَ الأُولى وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ لِيَسْمَعُوا بِهِ والأبْصارَ لِيُبْصِرُوا بِها، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الأبْصارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ هَذا في مَواضِعَ مَعَ زِيادَةٍ في البَيانِ والأفْئِدَةَ القُلُوبُ الَّتِي يَتَفَكَّرُونَ بِها في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهم ما يُدْرِكُونَ بِهِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ إيضاحًا لِلْحُجَّةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وذَمًّا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وانْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقِيلَ: أرادَ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ عَدَمَ وُجُودِهِ مِنهم. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّكم لا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ. ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَهم في الأرْضِ ونَشَرَهم فِيها وفَرَّقَهم عَلى ظَهْرِها وأنَّ حَشْرَهم لِلْجَزاءِ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: مَتى هَذا الوَعْدُ الَّذِي تَذْكُرُونَهُ لَنا مِنَ الحَشْرِ والقِيامَةِ والنّارِ والعَذابِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذَلِكَ. والخِطابُ مِنهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا بِهِ أوْ فَبَيِّنُوهُ لَنا. وهَذا مِنهُمُ اسْتِهْزاءٌ وسُخْرِيَةٌ. ثُمَّ لَمّا قالُوا هَذا القَوْلَ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ مَبْعُوثٌ لِلْإنْذارِ لا لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقالَ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنْذِرُكم وأُخَوِّفُكم عاقِبَةَ كُفْرِكم وأُبَيِّنُ لَكم ما أمَرَنِي اللَّهُ بِبَيانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي رَأوُا العَذابَ قَرِيبًا، وزُلْفَةٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: مُزْدَلِفًا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ " رَأوْا " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذا زُلْفَةٍ وقُرْبٍ. أوْ ظَرْفٌ، أيْ: رَأوْهُ في مَكانٍ ذِي زُلْفَةٍ. قالَ مُجاهِدٌ، أيْ: قَرِيبًا. وقالَ الحَسَنُ: عَيانًا. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ عَذابُ بَدْرٍ، وقِيلَ: رَأوْا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ قَرِيبًا مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقِيلَ: لَمّا رَأوْا عَمَلَهُمُ السَّيِّئَ قَرِيبًا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَتْها الذِّلَّةُ، يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، أيْ: ساءَهم ذَلِكَ العَذابُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ في وُجُوهِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ السِّينِ بِدُونِ إشْمامٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالإشْمامِ ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: هَذا المُشاهَدُ الحاضِرُ مِنَ العَذابِ هو العَذابُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ في الدُّنْيا، أيْ: تَطْلُبُونَهُ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً، عَلى أنَّ مَعْنى " تَدَّعُونَ " الدُّعاءُ. قالَ الفَرّاءُ: تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: تَتَمَنَّوْنَ وتَسْألُونَ، وبِهَذا قالَ الأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأحادِيثَ. وقِيلَ: مَعْنى تَدَّعُونَ: تَكْذِبُونَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَدَّعُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَهو إمّا مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ الأكْثَرُ، أوْ مِنَ الدَّعْوى كَما قالَ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا حَشْرَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، والضَّحّاكُ: " تَدْعُونَ " مُخَفَّفًا، ومَعْناها ظاهِرٌ. قالَ قَتادَةَ: هو قَوْلُهم ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهُمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. قالَ النَّحّاسُ: تَدَّعُونَ وتَدْعُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَما تَقُولُ قَدَرَ واقْتَدَرَ، وغَدا واغْتَدى، إلّا أنَّ أفْعَلَ مَعْناهُ مَضى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وفِعْلٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ أهْلَكَنِي اللَّهُ ومَن مَعِي بِالعَذابِ، أوْ رَحِمَنا فَلَمْ يُعَذِّبْنا ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَمَن يَمْنَعُهم ويُؤَمِّنُهم مِنَ العَذابِ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ أحَدٌ سَواءٌ أهَلَكَ اللَّهُ رَسُولَهَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ كَما كانَ الكُفّارُ يَتَمَنَّوْنَهُ، أوْ أمْهَلَهم. وقِيلَ: المَعْنى: إنّا مَعَ إيمانِنا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَمَن يُجِيرُكم مَعَ كُفْرِكم مِنَ العَذابِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وبَيانِ أنَّهُ السَّبَبُ في عَدَمِ نَجاتِهِمْ. ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ﴾ وحْدَهُ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ. والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنّا ومِنكم. وفِي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ مَعَ إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الإنْصافِ. قَرَأ الجُمْهُورُ سَتَعْلَمُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ. ثُمَّ احْتَجَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ نِعَمِهِ، وخَوَّفَهم بِسَلْبِ تِلْكَ (p-١٥١٥)النِّعْمَةِ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم غائِرًا في الأرْضِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ وُجُودٌ فِيها أصْلًا، أوْ صارَ ذاهِبًا في الأرْضِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الدِّلاءُ. يُقالُ غارَ الماءُ غَوْرًا، أيْ: نَضَبَ، والغَوْرُ الغائِرُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما يُقالُ رَجُلٌ عَدْلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ تَراهُ العُيُونُ، وتَنالُهُ الدِّلاءُ، وقِيلَ: هو مِن مَعَنَ الماءُ، أيْ: كَثُرَ. وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، أيْ: جارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَعِينِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ عَذْبٍ " . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قالَ: مُهْتَدِيًا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولِيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اشْتَكى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ، ولْيَقْرَأْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾» [الأنعام: ٩٨] «و ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّهُ يَبْرَأُ بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: داخِلًا في الأرْضِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: الجارِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ قالَ: يَرْجِعُ في الأرْضِ: وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: ظاهِرٌ. وأخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بِماءٍ مَعِينٍ﴾ قالَ: عَذْبٌ.

القلم 68:1

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:2

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:3

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:4

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:5

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:6

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:7

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:8

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:9

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:10

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:11

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:12

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:13

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:14

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:15

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:16

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ مِن أُولاها إلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِيها مَكِّيٌّ كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ إذا نَزَلَتْ فاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ، وكانَ أوَّلَ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ثُمَّ " نُونُ "، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ " ن " بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿ن﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ، ووَرْشٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ هُبَيْرَةَ بِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن هِجائِها في الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإظْهارِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونَصْرٌ، وابْنُ إسْحاقَ بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَسَمِ، أوْ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعَ، وهارُونُ بِضَمِّها عَلى البِناءِ. قالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والسُّدِّيُّ: هو الحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الأرْضَ، وبِهِ قالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والكَلْبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ " نُونَ " آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ " الرَّحْمَنِ " . وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو فاتِحَةُ السُّورَةِ. وقالَ عَطاءُ، وأبُو العالِيَةِ: هي النُّونُ مِن نَصْرٍ وناصِرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، كالفَواتِحِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وقَدْ عَرَّفْناكَ ما هو الحَقُّ في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿والقَلَمِ﴾ واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِالقَلَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِ القَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قالَ قَتادَةُ: القَلَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ، أيْ: والَّذِي يَسْطُرُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ آلَةِ الكِتابَةِ تَدُلُّ عَلى الكاتِبِ. والمَعْنى: والَّذِي يَسْطُرُونَ، أيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ ما يُكْتَبُ، أوِ الحَفَظَةُ عَلى ما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَصْدَرِيَّةً، أيْ: وسَطْرُهم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القَلَمِ خاصَّةً مِن بابِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِها مَجْرى العُقَلاءِ. وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ " ما " نافِيَةٌ، و" أنْتَ " اسْمُها، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها. قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونِ " خَبَرُها، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في الوَسَطِ، أيِ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، قِيلَ: الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ والرِّياسَةُ العامَّةُ. وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ، أيْ: وما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنا الرَّحْمَةُ، والآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] . ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَلى ما تَحَمَّلْتَ مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ، وقاسَيْتَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقالُ مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ. وقالَ الضَّحّاكُ: (p-١٥١٦)أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ. ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: هو الإسْلامُ والدِّينُ، حَكى هَذا الواحِدِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، والعَوْفِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ويَنْتَهِي عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنَّكَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ، وقِيلَ: هو رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وإكْرامُهُ إيّاهم، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا هو الظّاهِرُ، وحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ ما يَأْخُذُ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الأدَبِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ»، وهَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها مَعْطُوفَتانِ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ. ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: سَتُبْصِرُ يا مُحَمَّدُ ويُبْصِرُ الكُفّارُ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ الباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: أيُّكُمُ المَفْتُونُ بِالجُنُونِ، كَذا قالَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ العَلِجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ وقِيلَ: لَيْسَتِ الباءُ زائِدَةً، والمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى مَفْعُولٍ، كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّكُمُ الفُتُونُ أوِ الفِتْنَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ الرّاعِي: ؎حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ ∗∗∗ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا أيْ عَقْلًا. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى في، أيْ: في أيِّكُمُ المَفْتُونُ، أفِي الفَرِيقِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، أمْ في الفَرِيقِ الآخَرِ ؟ ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ " في أيِّكُمُ المَفْتُونُ " وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِأيِّكم فُتِنَ المَفْتُونُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، رُوِيَ هَذا عَنِ الأخْفَشِ أيْضًا. وقِيلَ: المَفْتُونُ المُعَذَّبُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحْمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] وقِيلَ: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ، والمَعْنى: سَتَرى ويَرى أهْلُ مَكَّةَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ الحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالجُنُونِ لِمُخالَفَتِهِمْ لِما فِيهِ نَفْعُهم في العاجِلِ والآجِلِ، واخْتِيارِهِمْ ما فِيهِ ضَرُّهم فِيهِما، والمَعْنى: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلى تِلْكَ السَّعادَةِ الآجِلَةِ والعاجِلَةِ، فَهو مُجازٍ كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ مُمايَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهم رُؤَساءُ كُفّارِ مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يَدْعُونَهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أنْ يُطِيعَ الكُفّارَ، أوِ المُرادُ بِالطّاعَةِ مُجَرَّدُ المُداراةِ بِإظْهارِ خِلافِ ما في الضَّمِيرِ. فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ فَإنَّ الإدْهانَ هو المُلايَنَةُ والمُسامَحَةُ والمُداراةُ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمادَوْا عَلى الكُفْرِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ودُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ. وقالَ قَتادَةُ: ودُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وقالَ الحَسَنُ: ودُّوا لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ فَيُمايِلُونَكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى تُدْهِنُ داخِلٌ في حَيِّزِ لَوْ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ قالُونُ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ " ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا " بِدُونِ نُونٍ، والنَّصْبُ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مَن ودُّوا، والظّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ في مَعْنى الإدْهانِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ بِالباطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، وهي القِلَّةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الكَذّابُ. وقالَ قَتادَةُ: المِكْثارُ في الشَّرِّ، وكَذا قالَ الحَسَنُ. وقِيلَ: هو الفاجِرُ العاجِزُ، وقِيلَ: هو الحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: هو الذَّلِيلُ، وقِيلَ: هو الوَضِيعُ. ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الهَمّازُ المُغْتابُ لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَهْمِزُ بِأخِيهِ، وقِيلَ: الهَمّازُ الَّذِي يَذْكُرُ النّاسَ في وُجُوهِهِمْ، واللَّمّازُ الَّذِي يَذْكُرُهم في مَغِيِبِهِمْ، كَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقالَ مُقاتِلٌ عَكْسَ هَذا. والمَشّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ نَمَّ يَنِمُّ: إذا سَعى بِالفَسادِ بَيْنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةِ. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ لا يُنْفِقُهُ في وجْهِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَمْنَعُ أهْلَهُ وعَشِيرَتَهُ عَنِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: يَقُولُ لَهم مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِ الحَدِّ في الظُّلْمِ كَثِيرِ الإثْمِ. ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هو الشَّدِيدُ الخَلْقِ الفاحِشُ الخُلُقِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ في الباطِلِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. وقالَ اللَّيْثُ: هو الأكُولُ المَنُوعُ، يُقالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أعْتِلُهُ: إذا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَقْرَعُهُ قَرْعًا ولَسْنا نَعْتِلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أيْ: هو بَعْدَ ما عَدَّ مِن مَعايِبِهِ زَنِيمٌ، والزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ هو مِنهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ المُتَدَلِّيَةِ في حَلْقِ الشّاةِ، أوِ الماعِزِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ المَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وقِيلَ: هو مِن قُرَيْشٍ كانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، وقِيلَ: هو الظَّلُومُ. ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لا تُطِعْ " أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذا مالٍ وبَنِينَ. قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، أيْ: لِأنْ كانَ، والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ " أنْ كانَ " بِهَمْزَةٍ (p-١٥١٧)واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " أأنْ كانَ ": بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، وعَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجازاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ أنْ كَفَرَ بِهِ وبِرَسُولِهِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الشَّرْطِ. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى " أساطِيرِ الأوَّلِينَ " في غَيْرِ مَوْضِعٍ. ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ: سَنَسِمُهُ بِالكَيِّ عَلى خُرْطُومِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو زَيْدٍ، والمُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ الأنْفُ. قالَ مُقاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوادِ عَلى الأنْفِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْوَدُّ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ. قالَ الفَرّاءُ: والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وقالَ قَتادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ، وقِيلَ: مَعْنى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ يُسَمّى الخَمْرُ بِالخُرْطُومِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظْمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَقالَ: يا رَبِّ وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الكِتابُ ورُفِعَ القَلَمُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، فارْتَفَعَ بُخارُ الماءِ فَفُتِقَتْ مِنهُ السَّماواتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ، والأرْضُ عَلى ظَهْرِ النُّونِ، فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتِ الجِبالُ، فَإنَّ الجِبالَ لَتَفْخَرُ عَلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، فَقالَ لَهُ اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ، قالَ: وما أكْتُبُ ؟ قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ن " الدَّواةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النُّونُ السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْها قَرارُ الأرَضِينَ، والقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ القَدَرَ خَيْرَهُ وشَرَّهُ وضُرَّهُ ونَفْعَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: الكِرامُ الكاتِبُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: ما يَكْتُبُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ قالَ: وما يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامِ قالَ: أتَيْتُ عائِشَةَ فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، أما تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿إنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ عَنْها قالَتْ: «ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفاحِشًا، ولا صَخّابًا في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ: تَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ شَيْطانٌ وإنَّهُ مَجْنُونٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: بِأيِّكُمُ المَجْنُونُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ قالَ: يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: قالَ مَرْوانُ لَمّا بايَعَ النّاسُ لِيَزِيدَ: سَنَةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِسَنَةِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ ولَكِنَّها سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقالَ مَرْوانُ: هَذا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] الآيَةَ. قالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ فَقالَتْ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ولَكِنْ نَزَلَ في أبِيكَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ، لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: العُتُلُّ هو الدَّعِيُّ، والزَّنِيمُ هو المُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: الزَّنِيمُ: هو الدَّعِيُّ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الزَّنِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما (p-١٥١٨)تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿زَنِيمٍ﴾ قالَ: ظَلُومٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

القلم 68:17

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.

القلم 68:18

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.

القلم 68:19

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.

القلم 68:20

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.

القلم 68:21

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.

القلم 68:22

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.

القلم 68:23

قَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، فَإنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم بِالجُوعِ والقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ، والمَعْنى: أعْطَيْناهُمُ الأمْوالَ لِيَشْكُرُوا لا لِيَبْطَرُوا، فَلَمّا بَطِرُوا ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ والقَحْطِ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ، المَعْرُوفُ خَبَرُهم عِنْدَهم، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنها، فَماتَ وصارَتْ إلى أوْلادِهِ، فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها، وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيها. قالَ الواحِدِيُّ: هم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ كانُوا بِاليَمَنِ مُسْلِمِينَ ورِثُوا مِن أبِيهِمْ ضَيْعَةً، فِيها جَنّاتٌ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكانَ أبُوهم يَجْعَلُ مِمّا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَساكِينِ عِنْدَ الحَصادِ والصِّرامِ، فَقالَتْ بَنُوهُ: المالُ قَلِيلٌ، والعِيالُ كَثِيرٌ، ولا يَسَعُنا أنْ نَفْعَلَ كَما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، وعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، فَصارَتْ عاقِبَتُهم إلى ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَنْعاءَ فَرْسَخانِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِأنْ حَرَّقَ جَنَّتَهم. وقِيلَ: هي جَنَّةٌ كانَتْ بِصُورانَ، وصُورانُ عَلى فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِيَسِيرٍ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أيْ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ، والصَّرْمُ القَطْعُ لِلثَّمَرِ والزَّرْعِ، وانْتِصابُ " مُصْبِحِينَ " عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " لِيَصْرِمُنَّها "، والكافُ في " كَما بَلَوْنا " نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَلَوْناهُمُ ابْتِلاءً كَما بَلَوْنا، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، و" إذْ " ظَرْفٌ لِ " بَلَوْنا " مُنْتَصِبٌ بِهِ، و" لَيَصْرِمُنَّها " جَوابُ القَسَمِ. ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي: ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم، أوْ حالٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلَيْهِمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: طافَ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ طائِفٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والطّائِفُ قِيلَ: هو نارٌ أحْرَقَتْها حَتّى صارَتْ سَوْداءَ، كَذا قالَمُقاتِلٌ. وقِيلَ: الطّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَها، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ أيْ كالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ، أيْ: قُطِعَتْ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ الفَرّاءُ: كالصَّرِيمِ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ الصَّرِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ والمَعْنى: أنَّها حُرِقَتْ فَصارَتْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ قالَ: والصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وقالَ الأخْفَشُ أيْ كالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أنَّها يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ. وقالَ المُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ النَّهارُ، أيْ: يَنْصَرِمُ هَذا عَنْ هَذا، وذاكَ عَنْ هَذا، وقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقالَ المُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ الرَّمْلَةُ لِأنَّها لا يَثْبُتُ عَلَيْها شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: صُرِمَ مِنها الخَيْرُ، أيْ: قُطِعَ. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا داخِلِينَ في الصَّباحِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم، و" أنْ " في قَوْلِهِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في التَّنادِي مَعْنى القَوْلِ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اغْدُوا، والمُرادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، والمُرادُ بِالحَرْثِ الثِّمارُ والزَّرْعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، والغُدُوِّ يَتَعَدّى بِإلى وعَلى، فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ كَما قِيلَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فاغْدُوا، وقِيلَ: مَعْنى صارِمِينَ ماضِينَ في العَزْمِ، مِن قَوْلِكَ: سَيْفٌ صارِمٌ. ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ وهم يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِمْ، يُقالُ خَفَتَ يَخْفِتُ: إذا سَكَنَ ولَمْ يَنْبِسْ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎وإنِّي لَمْ أهْلِكْ مَلالًا ولَمْ أمُتْ ∗∗∗ خِفاتًا وكُلًّا ظَنَّهُ بِي عُوَيْمِرُ وقِيلَ: المَعْنى: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم، فَيَقْصِدُوهم كَما كانُوا يَقْصِدُونَ أباهم وقْتَ الحَصادِ. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ فَإنَّ " أنْ " هي المُفَسِّرَةُ لِلتَّخافُتِ المَذْكُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَوْلِ. والمَعْنى: يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَذا القَوْلَ، وهو: لا يَدْخُلُ هَذِهِ الجَنَّةَ اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنكم أنْ تُعْطُوهُ مِنها ما كانَ يُعْطِيهِ أبُوكم. ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ الحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ والقَصْدِ. قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: الحَرْدُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ؛ لِأنَّ القاصِدَ إلى الشَّيْءِ حارِدٌ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ؛ إذا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُحِلَّةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والمُبَرِّدُ، والقُتَيْبِيُّ: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ حَرَدَتِ الإبِلُ حَرْدًا: إذا قَلَّتْ ألْبانُها، والحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هي القَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، والشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلى غَضَبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرْدى ∗∗∗ مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرْدِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ ومِنهُ قِيلَ: أسَدٌ حارِدٌ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا (p-١٥١٩)أنَّهُما قالا: عَلى حَرْدٍ، أيْ: عَلى حَسَدٍ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عَلى حاجَةٍ وفاقَةٍ. وقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلى انْفِرادٍ، يُقالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أوْ حُرُودًا: إذا تَنَحّى عَنْ قَوْمِهِ ونَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهم ولَمْ يُخالِطْهم، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِفَتْحِها. وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى قادِرِينَ: قَدْ قَدَرُوا وبَنَوْا عَلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ. ﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم وشاهَدُوا ما قَدْ حَلَّ بِها مِنَ الآفَةِ الَّتِي أذْهَبَتْ ما فِيها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا ولَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَلِمُوا أنَّها جَنَّتُهم، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ عاقَبَهم بِإذْهابِ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ والزَّرْعِ قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أيْ حُرِمْنا جَنَّتَنا بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنّا مِنَ العَزْمِ عَلى مَنعِ المَساكِينِ مِن خَيْرِها، فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ إلى هَذا القَوْلِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم ضَلُّوا عَنِ الصَّوابِ بِما وقَعَ مِنهم. ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أمْثَلُهم وأعْقَلُهم وخَيْرُهم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ هَلّا تُسَبِّحُونَ: يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وسُمِّيَ الِاسْتِثْناءُ تَسْبِيحًا، لِأنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وإقْرارٌ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أوْسَطَهم كانَ أمَرَهم بِالِاسْتِثْناءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ وغَيْرُهُما: كانَ اسْتِثْناؤُهم تَسْبِيحًا. قالَ النَّحّاسُ: أصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ في مَوْضِعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِن فِعْلِكم وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْها، وكانَ أوْسَطُهم قَدْ قالَ لَهم ذَلِكَ، فَلَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الجَنَّةَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ بِجَنَّتِنا، فَإنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنا الَّذِي فَعَلْناهُ، وقِيلَ: مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ: الِاسْتِغْفارُ، أيْ: نَسْتَغْفِرُ رَبَّنا مِن ذَنْبِنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا في مَنعِنا لِلْمَساكِينِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِهِمْ لِلْمَساكِينِ وعَزْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ حَيْثُ قالُوا ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أيْ: عاصِينَ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنعِ الفُقَراءِ وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ، أيْ: طَغَيْنا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْها كَما شَكَرَها أبُونا مِن قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ وسَألُوهُ أنْ يُعَوِّضَهم بِخَيْرٍ مِنها فَقالُوا: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ لَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُبْدِلَهم جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَعاقَدُوا فِيما بَيْنَهم، وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ وتَضَرَّعُوا فَأبْدَلَهم مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُبْدِلَنا﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ، والتَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ ذاتِ الشَّيْءِ، أوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، والإبْدالُ رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً ووَضْعُ آخَرَ مَكانَهُ، كَما مَضى في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيْ: طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ راجِعُونَ إلَيْهِ وعُدِّيَ بِإلى وهو إنَّما يَتَعَدّى بِعْنَ أوْ في لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الرُّجُوعِ. ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْناهم بِهِ وبَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ عَذابَ الدُّنْيا، و" العَذابُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و" كَذَلِكَ " خَبَرُهُ، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ وأعْظَمُ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ، فَماتَ أبُوهم فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ كانَ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وأنْ لا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ﴾ قالَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الواحِدَ فَيَنْسى بِهِ البابَ مِنَ العِلْمِ، وإنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالصَّرِيمِ﴾ قالَ: مِثْلُ اللَّيْلِ الأسْوَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿وهم يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ: الإسْرارُ والكَلامُ الخَفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ يَقُولُ: ذُو قُدْرَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ قالَ: أُضْلِلْنا مَكانَ جَنَّتِنا. وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ قالَ: أعْدَلُهم.