Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — القلم 68:52 – الحاقة 69:22

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. القلم 68:52
  2. الحاقة 69:1
  3. الحاقة 69:2
  4. الحاقة 69:3
  5. الحاقة 69:4
  6. الحاقة 69:5
  7. الحاقة 69:6
  8. الحاقة 69:7
  9. الحاقة 69:8
  10. الحاقة 69:9
  11. الحاقة 69:10
  12. الحاقة 69:11
  13. الحاقة 69:12
  14. الحاقة 69:13
  15. الحاقة 69:14
  16. الحاقة 69:15
  17. الحاقة 69:16
  18. الحاقة 69:17
  19. الحاقة 69:18
  20. الحاقة 69:19
  21. الحاقة 69:20
  22. الحاقة 69:21
  23. الحاقة 69:22

القلم 68:52

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ حالِ الكُفّارِ، وتَشْبِيهِ ابْتِلائِهِمْ بِابْتِلاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ ذَكَرَ حالَ المُتَّقِينَ وما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ. فَقالَ: (p-١٥٢٠)﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: لِلْمُتَّقِينَ ما يُوجِبُ سُخْطَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ في الدّارِ الآخِرَةِ - جَنّاتُ النَّعِيمِ الخالِصِ الَّذِي لا يَشُوبُهُ كَدَرٌ ولا يُنَغِّصُهُ خَوْفُ زَوالٍ. ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وكانَ صَنادِيدُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ وُفُورَ حَظِّهِمْ في الدُّنْيا وقِلَّةَ حُظُوظِ المُسْلِمِينَ فِيها، فَلَمّا سَمِعُوا بِذِكْرِ الآخِرَةِ، وما يُعْطِي اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها قالُوا: إنْ صَحَّ ما يَزْعُمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا، فَقالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهم رادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمَ الأعْوَجَ كَأنَّ أمْرَ الجَزاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْكم تَحْكُمُونَ فِيهِ بِما شِئْتُمْ. ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ فِيهِ فَتَجِدُونَ المُطِيعَ كالعاصِي، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧، ١٥٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: «إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِتَدْرُسُونَ، أيْ: تَدْرُسُونَ في الكِتابِ. ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ فَلَمّا دَخَلَتِ اللّامُ كُسِرَتِ الهَمْزَةُ كَقَوْلِهِ: عَلِمْتُ إنَّكَ لَعاقِلٌ، بِالكَسْرِ، أوْ عَلى الحِكايَةِ لِلْمَدْرُوسِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩، ٧٨] وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ " أنَّ لَكم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ " تَدْرُسُونَ " مَعَ زِيادَةِ لامِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى " تَخَيَّرُونَ " تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في التَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ أيْ عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ مُوَثَّقَةٌ مُتَناهِيَةٌ، والمَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلى اللَّهِ اسْتَوْثَقْتُمْ بِها في أنْ يُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكم أيْ: ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى يَحْكُمَكم يَوْمَئِذٍ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ أيْ أمْ أقْسَمْنا لَكم. قالَ الرّازِيُّ: والمَعْنى أمْ ضَمِنّا لَكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بالِغَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِأيْمانٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الحالِ مِن أيْمانٍ، لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْنا. ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أيْ سَلْ يا مُحَمَّدُ الكُفّارَ مُوَبِخًا لَهم ومُقَرِّعًا، أيُّهُمُّ بِذَلِكَ الحُكْمِ الخارِجِ عَنِ الصَّوابِ كَفِيلٌ لَهم بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ فِيها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الزَّعِيمُ هُنا القائِمُ بِالحُجَّةِ والدَّعْوى. وقالَ الحَسَنُ: الزَّعِيمُ الرَّسُولُ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ يُوافِقُونَهم فِيهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما يَقُولُونَ وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: المَعْنى أمْ لَهم شُرَكاءُ يَجْعَلُونَهم مِثْلَ المُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ " يَوْمَ " ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ فَلْيَأْتُوا، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فَيُسْتَعارُ الكَشْفُ عَنِ السّاقِ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وأنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ صَبُورٌ عَلى الجَلاءِ طَلّاعُ أنْجُدِ وقالَ: وتَأْوِيلُ الآيَةِ: يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ كَما يَشْتَدُّ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ والأمْرُ قِيلَ: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقِهِ، والأصْلُ فِيهِ مَن وقَعَ في شَيْءٍ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الجِدِّ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فاسْتُعِيرَ السّاقُ والكَشْفُ عَنْ مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وهَكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقَوْلُ الآخَرِ: ؎والخَيْلُ تَعْدُو عِنْدَ وقْتِ الإشْراقِ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا في سَنَةٍ: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها حَمْرا ∗∗∗ ءُ تُبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ وقِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرَةِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُهُ، وقِيلَ: يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: عَنْ ساقِ العَرْشِ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، وقِيلَ: يَكْشِفُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ عَنْ نُورِهِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما هو الحَقُّ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ يَكْشِفُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَكْشِفُ " بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ الشِّدَّةُ أوِ السّاعَةُ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أُكْشِفَ الأمْرُ، أيْ: دَخْلَ في الكَشْفِ ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَسْجُدُ الخَلْقُ كُلُّهم لِلَّهِ سَجْدَةً واحِدَةً ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُدُوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ؛ لِأنَّ أصْلابَهم تَيْبَسُ فَلا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يُكْشَفُ عَنِ الغِطاءِ فَيَقَعُ مَن كانَ آمَنَ بِاللَّهِ في الدُّنْيا فَيَسْجُدُونَ لَهُ، ويُدْعى الآخَرُونَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِاللَّهِ في الدُّنْيا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " يُدْعَوْنَ "، و" أبْصارُهم " مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ونِسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ، وهو الخُضُوعُ والذِّلَّةُ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ تَغْشاهم ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿وهم سالِمُونَ﴾ أيْ: مُعافَوْنَ (p-١٥٢١)عَنِ العِلَلِ مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الفِعْلِ. قالَ إبْراهِيمُ التَّمِيمِيُّ: يُدْعُونَ بِالأذانِ والإقامَةِ فَيَأْبَوْنَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلى الفَلاحِ فَلا يُجِيبُونَ. قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجَماعاتِ. وقِيلَ: يُدْعُونَ بِالتَّكْلِيفِ المُتَوَجِّهِ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ فَلا يُجِيبُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم سالِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُدْعُونَ. ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ وكِلْ أمْرَهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُكَ، كِلْهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَ أمْرَهُ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، و" مَن " مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والمُرادُ بِهَذا الحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ: وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ لَهُمُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ عَلى غَفْلَةٍ ونَسُوقُهم إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتّى نُوقِعَهم فِيهِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ، لِأنَّهم يَظُنُّونَهُ إنْعامًا ولا يُفَكِّرُونَ في عاقِبَتِهِ وما سَيَلْقَوْنَ في نِهايَتِهِ. قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ ويُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وقالَ الحَسَنُ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ. والِاسْتِدْراجُ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، وأصْلُهُ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ اسْتَدْرَجَ فُلانٌ فُلانًا، أيِ اسْتَخْرَجَ ما عِنْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُقالُ دَرَجَهُ إلى كَذا واسْتَدْرَجَهُ: يَعْنِي أدْناهُ إلى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هو. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ فَقالَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ والطُّورِ، وأصْلُ المَلاوَةِ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقالُ أمْلى اللَّهُ لَهُ، أيْ: أطالَ لَهُ المُدَّةَ، والمَلا مَقْصُورٌ: الأرْضُ الواسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدادِها ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ قَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلا يَفُوتُنِي شَيْءٌ، وسَمّى سُبْحانَهُ إحْسانَهُ كَيْدًا كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ لِقُوَّةِ أثَرِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أعادَ سُبْحانَهُ الكَلامَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ أمْ تَلْتَمِسُ مِنهم ثَوابًا عَلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ المَغْرَمُ الغَرامَةُ، أيْ: فَهم مِن غَرامَةِ ذَلِكَ الأجْرِ، ومُثْقَلُونَ، أيْ: يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ لِشُحِّهِمْ بِبَذْلِ المالِ، فَأعْرَضُوا عَنْ إجابَتِكَ بِهَذا السَّبَبِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لَهم، والمَعْنى: أنَّكَ لَمْ تَسْألْهم ذَلِكَ ولَمْ تَطْلُبْهُ مِنهم. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيِ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، أوْ كُلَّ ما غابَ عَنْهم، فَهم مِن ذَلِكَ الغَيْبِ يَكْتُبُونَ ما يُرِيدُونَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ ويُخاصِمُونَكَ بِما يَكْتُبُونَهُ مِن ذَلِكَ ويَحْكُمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما يُرِيدُونَ ويَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الإجابَةِ لَكَ والِامْتِثالِ لِما تَقُولُهُ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ الَّذِي قَدْ قَضاهُ في سابِقِ عِلْمِهِ، قِيلَ: والحُكْمُ هُنا هو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَكُنْ مِثْلَهُ في الغَضَبِ والضَّجَرِ والعَجَلَةِ، والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى﴾ مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نادى، والمَكْظُومُ المَمْلُوءُ غَيْظًا وكَرْبًا. قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ ويَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ ولا يَعْجَلُ كَما عَجَلَ صاحِبُ الحُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ويُونُسَ والصّافّاتِ، وكانَ النِّداءُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: إنَّ المَكْظُومَ المَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ. قالَهُ المُبَرِّدُ، وقِيلَ: هو المَحْبُوسُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْنًا ∗∗∗ عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَ صاحِبَ الحُوتِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وهي تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ أيْ: لَأُلْقِيَ مِن بَطْنِ الحُوتِ عَلى وجْهِ الأرْضِ الخالِيَةِ مِنَ النَّباتِ وهو مَذْمُومٌ أيْ يُذَمُّ ويُلامُ بِالذَّنْبِ الَّذِي أذْنَبَهُ ويُطْرَدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " نُبِذَ " . قالَ الضَّحّاكُ: النِّعْمَةُ هُنا النُّبُوَّةُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عِبادَتُهُ الَّتِي سَلَفَتْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي نِداؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: مَذْمُومٌ مُبْعَدٌ. وقِيلَ: مُذْنِبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَدارَكَهُ﴾ عَلى صِيغَةِ الماضِي، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ، والأعْمَشُ بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، والأصْلُ تَتَدارَكُهُ بِتاءَيْنِ مُضارَعًا فَأُدْغِمَ، وتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودِ، وابْنُ عَبّاسٍ " تَدارَكَتْهُ " بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ اسْتَخْلَصَهُ واصْطَفاهُ واخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وعَصَمَهُ مِنَ الذَّنْبِ، وقِيلَ: رَدَّ إلَيْهِ النُّبُوَّةَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ وأرْسَلَهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أزْلَقَهُ، أيْ: أزَلَّ رِجْلَهُ، يُقالُ أزْلَقَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إذا نَحّاهُ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ بِفَتْحِها مِن زَلَقَ عَنْ مَوْضِعِهِ: إذا تَنَحّى. قالَ الهَرَوِيُّ، أيْ: فَيَغْتالُونَكَ بِعُيُونِهِمْ فَيُزْلِقُونَكَ عَنْ مَقامِكَ الَّذِي أقامَكَ اللَّهُ فِيهِ عَداوَةً لَكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو وائِلٍ لَيُرْهِقُونَكَ أيْ يُهْلِكُونَكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ يُزْلِقُونَكَ أيْ: يَصْرِفُونَكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والأخْفَشُ: يَفْتِنُونَكَ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: لَيَقْتُلُونَكَ. قالَ الزَّجّاجُ في الآيَةِ مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، والتَّأْوِيلُ أنَّهم مِن شِدَّةِ إبْغاضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ يَكادُونَ بِنَظَرِهِمْ نَظَرَ البَغْضاءِ أنْ يَصْرَعُوكَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، يَقُولُ القائِلُ نَظَرَ إلَيَّ (p-١٥٢٢)نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ونَظَرًا يَكادُ يَأْكُلُنِي. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُرِيدُ اللَّهُ أنَّهم يُصِيبُونَكَ بِأعْيُنِهِمْ كَما يُصِيبُ العائِنُ بِعَيْنِهِ ما يُعْجِبُهُ، وإنَّما أرادَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ نَظَرًا شَدِيدًا بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ يَكادُ يُسْقِطُكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَتَعارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: وقْتَ سَماعِهِمْ لِلْقُرْآنِ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ أشَدَّ كَراهَةٍ، و" لَمّا " ظَرْفِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ " يُزْلِقُونَكَ "، وقِيلَ: هي حَرْفٌ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كادُوا يُزْلِقُونَكَ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ إذا سَمِعُوهُ يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَقُولُونَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَذْكِيرٌ وبَيانٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوْ شَرَفٌ لَهم كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ أوْ شَرَفٌ لَهم. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ويَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودَ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا» وهَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن طُرُقٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ولَهُ ألْفاظٌ في بَعْضِها طُولٌ، وهو حَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ساقِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وضَعَّفَهُ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ مَندَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُكْشَفُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قالَ: قَدْ قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، ويَقْسُو ظَهْرَ الكافِرِ فَيَصِيرُ عَظْمًا واحِدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا يَوْمُ كَرْبٍ شَدِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ أُخْرى، وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما عَرَفْتَ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَجْسِيمًا ولا تَشْبِيهًا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ؎دَعَوْا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمَنَ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ يُدْعُونَ في الدُّنْيا وهم آمِنُونَ فاليَوْمَ يُدْعُونَ وهم خائِفُونَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ الأذانَ فَلا يُجِيبُ الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ: يُنْفِذُونَكَ بِأبْصارِهِمْ.

الحاقة 69:1

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ حالِ الكُفّارِ، وتَشْبِيهِ ابْتِلائِهِمْ بِابْتِلاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ ذَكَرَ حالَ المُتَّقِينَ وما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ. فَقالَ: (p-١٥٢٠)﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: لِلْمُتَّقِينَ ما يُوجِبُ سُخْطَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ في الدّارِ الآخِرَةِ - جَنّاتُ النَّعِيمِ الخالِصِ الَّذِي لا يَشُوبُهُ كَدَرٌ ولا يُنَغِّصُهُ خَوْفُ زَوالٍ. ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وكانَ صَنادِيدُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ وُفُورَ حَظِّهِمْ في الدُّنْيا وقِلَّةَ حُظُوظِ المُسْلِمِينَ فِيها، فَلَمّا سَمِعُوا بِذِكْرِ الآخِرَةِ، وما يُعْطِي اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها قالُوا: إنْ صَحَّ ما يَزْعُمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا، فَقالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهم رادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمَ الأعْوَجَ كَأنَّ أمْرَ الجَزاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْكم تَحْكُمُونَ فِيهِ بِما شِئْتُمْ. ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ فِيهِ فَتَجِدُونَ المُطِيعَ كالعاصِي، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧، ١٥٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: «إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِتَدْرُسُونَ، أيْ: تَدْرُسُونَ في الكِتابِ. ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ فَلَمّا دَخَلَتِ اللّامُ كُسِرَتِ الهَمْزَةُ كَقَوْلِهِ: عَلِمْتُ إنَّكَ لَعاقِلٌ، بِالكَسْرِ، أوْ عَلى الحِكايَةِ لِلْمَدْرُوسِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩، ٧٨] وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ " أنَّ لَكم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ " تَدْرُسُونَ " مَعَ زِيادَةِ لامِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى " تَخَيَّرُونَ " تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في التَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ أيْ عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ مُوَثَّقَةٌ مُتَناهِيَةٌ، والمَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلى اللَّهِ اسْتَوْثَقْتُمْ بِها في أنْ يُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكم أيْ: ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى يَحْكُمَكم يَوْمَئِذٍ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ أيْ أمْ أقْسَمْنا لَكم. قالَ الرّازِيُّ: والمَعْنى أمْ ضَمِنّا لَكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بالِغَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِأيْمانٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الحالِ مِن أيْمانٍ، لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْنا. ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أيْ سَلْ يا مُحَمَّدُ الكُفّارَ مُوَبِخًا لَهم ومُقَرِّعًا، أيُّهُمُّ بِذَلِكَ الحُكْمِ الخارِجِ عَنِ الصَّوابِ كَفِيلٌ لَهم بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ فِيها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الزَّعِيمُ هُنا القائِمُ بِالحُجَّةِ والدَّعْوى. وقالَ الحَسَنُ: الزَّعِيمُ الرَّسُولُ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ يُوافِقُونَهم فِيهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما يَقُولُونَ وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: المَعْنى أمْ لَهم شُرَكاءُ يَجْعَلُونَهم مِثْلَ المُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ " يَوْمَ " ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ فَلْيَأْتُوا، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فَيُسْتَعارُ الكَشْفُ عَنِ السّاقِ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وأنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ صَبُورٌ عَلى الجَلاءِ طَلّاعُ أنْجُدِ وقالَ: وتَأْوِيلُ الآيَةِ: يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ كَما يَشْتَدُّ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ والأمْرُ قِيلَ: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقِهِ، والأصْلُ فِيهِ مَن وقَعَ في شَيْءٍ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الجِدِّ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فاسْتُعِيرَ السّاقُ والكَشْفُ عَنْ مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وهَكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقَوْلُ الآخَرِ: ؎والخَيْلُ تَعْدُو عِنْدَ وقْتِ الإشْراقِ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا في سَنَةٍ: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها حَمْرا ∗∗∗ ءُ تُبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ وقِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرَةِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُهُ، وقِيلَ: يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: عَنْ ساقِ العَرْشِ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، وقِيلَ: يَكْشِفُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ عَنْ نُورِهِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما هو الحَقُّ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ يَكْشِفُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَكْشِفُ " بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ الشِّدَّةُ أوِ السّاعَةُ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أُكْشِفَ الأمْرُ، أيْ: دَخْلَ في الكَشْفِ ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَسْجُدُ الخَلْقُ كُلُّهم لِلَّهِ سَجْدَةً واحِدَةً ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُدُوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ؛ لِأنَّ أصْلابَهم تَيْبَسُ فَلا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يُكْشَفُ عَنِ الغِطاءِ فَيَقَعُ مَن كانَ آمَنَ بِاللَّهِ في الدُّنْيا فَيَسْجُدُونَ لَهُ، ويُدْعى الآخَرُونَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِاللَّهِ في الدُّنْيا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " يُدْعَوْنَ "، و" أبْصارُهم " مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ونِسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ، وهو الخُضُوعُ والذِّلَّةُ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ تَغْشاهم ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿وهم سالِمُونَ﴾ أيْ: مُعافَوْنَ (p-١٥٢١)عَنِ العِلَلِ مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الفِعْلِ. قالَ إبْراهِيمُ التَّمِيمِيُّ: يُدْعُونَ بِالأذانِ والإقامَةِ فَيَأْبَوْنَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلى الفَلاحِ فَلا يُجِيبُونَ. قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجَماعاتِ. وقِيلَ: يُدْعُونَ بِالتَّكْلِيفِ المُتَوَجِّهِ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ فَلا يُجِيبُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم سالِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُدْعُونَ. ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ وكِلْ أمْرَهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُكَ، كِلْهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَ أمْرَهُ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، و" مَن " مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والمُرادُ بِهَذا الحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ: وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ لَهُمُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ عَلى غَفْلَةٍ ونَسُوقُهم إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتّى نُوقِعَهم فِيهِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ، لِأنَّهم يَظُنُّونَهُ إنْعامًا ولا يُفَكِّرُونَ في عاقِبَتِهِ وما سَيَلْقَوْنَ في نِهايَتِهِ. قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ ويُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وقالَ الحَسَنُ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ. والِاسْتِدْراجُ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، وأصْلُهُ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ اسْتَدْرَجَ فُلانٌ فُلانًا، أيِ اسْتَخْرَجَ ما عِنْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُقالُ دَرَجَهُ إلى كَذا واسْتَدْرَجَهُ: يَعْنِي أدْناهُ إلى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هو. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ فَقالَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ والطُّورِ، وأصْلُ المَلاوَةِ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقالُ أمْلى اللَّهُ لَهُ، أيْ: أطالَ لَهُ المُدَّةَ، والمَلا مَقْصُورٌ: الأرْضُ الواسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدادِها ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ قَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلا يَفُوتُنِي شَيْءٌ، وسَمّى سُبْحانَهُ إحْسانَهُ كَيْدًا كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ لِقُوَّةِ أثَرِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أعادَ سُبْحانَهُ الكَلامَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ أمْ تَلْتَمِسُ مِنهم ثَوابًا عَلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ المَغْرَمُ الغَرامَةُ، أيْ: فَهم مِن غَرامَةِ ذَلِكَ الأجْرِ، ومُثْقَلُونَ، أيْ: يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ لِشُحِّهِمْ بِبَذْلِ المالِ، فَأعْرَضُوا عَنْ إجابَتِكَ بِهَذا السَّبَبِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لَهم، والمَعْنى: أنَّكَ لَمْ تَسْألْهم ذَلِكَ ولَمْ تَطْلُبْهُ مِنهم. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيِ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، أوْ كُلَّ ما غابَ عَنْهم، فَهم مِن ذَلِكَ الغَيْبِ يَكْتُبُونَ ما يُرِيدُونَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ ويُخاصِمُونَكَ بِما يَكْتُبُونَهُ مِن ذَلِكَ ويَحْكُمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما يُرِيدُونَ ويَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الإجابَةِ لَكَ والِامْتِثالِ لِما تَقُولُهُ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ الَّذِي قَدْ قَضاهُ في سابِقِ عِلْمِهِ، قِيلَ: والحُكْمُ هُنا هو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَكُنْ مِثْلَهُ في الغَضَبِ والضَّجَرِ والعَجَلَةِ، والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى﴾ مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نادى، والمَكْظُومُ المَمْلُوءُ غَيْظًا وكَرْبًا. قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ ويَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ ولا يَعْجَلُ كَما عَجَلَ صاحِبُ الحُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ويُونُسَ والصّافّاتِ، وكانَ النِّداءُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: إنَّ المَكْظُومَ المَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ. قالَهُ المُبَرِّدُ، وقِيلَ: هو المَحْبُوسُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْنًا ∗∗∗ عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَ صاحِبَ الحُوتِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وهي تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ أيْ: لَأُلْقِيَ مِن بَطْنِ الحُوتِ عَلى وجْهِ الأرْضِ الخالِيَةِ مِنَ النَّباتِ وهو مَذْمُومٌ أيْ يُذَمُّ ويُلامُ بِالذَّنْبِ الَّذِي أذْنَبَهُ ويُطْرَدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " نُبِذَ " . قالَ الضَّحّاكُ: النِّعْمَةُ هُنا النُّبُوَّةُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عِبادَتُهُ الَّتِي سَلَفَتْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي نِداؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: مَذْمُومٌ مُبْعَدٌ. وقِيلَ: مُذْنِبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَدارَكَهُ﴾ عَلى صِيغَةِ الماضِي، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ، والأعْمَشُ بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، والأصْلُ تَتَدارَكُهُ بِتاءَيْنِ مُضارَعًا فَأُدْغِمَ، وتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودِ، وابْنُ عَبّاسٍ " تَدارَكَتْهُ " بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ اسْتَخْلَصَهُ واصْطَفاهُ واخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وعَصَمَهُ مِنَ الذَّنْبِ، وقِيلَ: رَدَّ إلَيْهِ النُّبُوَّةَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ وأرْسَلَهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أزْلَقَهُ، أيْ: أزَلَّ رِجْلَهُ، يُقالُ أزْلَقَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إذا نَحّاهُ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ بِفَتْحِها مِن زَلَقَ عَنْ مَوْضِعِهِ: إذا تَنَحّى. قالَ الهَرَوِيُّ، أيْ: فَيَغْتالُونَكَ بِعُيُونِهِمْ فَيُزْلِقُونَكَ عَنْ مَقامِكَ الَّذِي أقامَكَ اللَّهُ فِيهِ عَداوَةً لَكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو وائِلٍ لَيُرْهِقُونَكَ أيْ يُهْلِكُونَكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ يُزْلِقُونَكَ أيْ: يَصْرِفُونَكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والأخْفَشُ: يَفْتِنُونَكَ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: لَيَقْتُلُونَكَ. قالَ الزَّجّاجُ في الآيَةِ مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، والتَّأْوِيلُ أنَّهم مِن شِدَّةِ إبْغاضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ يَكادُونَ بِنَظَرِهِمْ نَظَرَ البَغْضاءِ أنْ يَصْرَعُوكَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، يَقُولُ القائِلُ نَظَرَ إلَيَّ (p-١٥٢٢)نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ونَظَرًا يَكادُ يَأْكُلُنِي. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُرِيدُ اللَّهُ أنَّهم يُصِيبُونَكَ بِأعْيُنِهِمْ كَما يُصِيبُ العائِنُ بِعَيْنِهِ ما يُعْجِبُهُ، وإنَّما أرادَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ نَظَرًا شَدِيدًا بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ يَكادُ يُسْقِطُكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَتَعارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: وقْتَ سَماعِهِمْ لِلْقُرْآنِ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ أشَدَّ كَراهَةٍ، و" لَمّا " ظَرْفِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ " يُزْلِقُونَكَ "، وقِيلَ: هي حَرْفٌ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كادُوا يُزْلِقُونَكَ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ إذا سَمِعُوهُ يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَقُولُونَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَذْكِيرٌ وبَيانٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوْ شَرَفٌ لَهم كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ أوْ شَرَفٌ لَهم. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ويَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودَ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا» وهَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن طُرُقٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ولَهُ ألْفاظٌ في بَعْضِها طُولٌ، وهو حَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ساقِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وضَعَّفَهُ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ مَندَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُكْشَفُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قالَ: قَدْ قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، ويَقْسُو ظَهْرَ الكافِرِ فَيَصِيرُ عَظْمًا واحِدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا يَوْمُ كَرْبٍ شَدِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ أُخْرى، وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما عَرَفْتَ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَجْسِيمًا ولا تَشْبِيهًا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ؎دَعَوْا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمَنَ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ يُدْعُونَ في الدُّنْيا وهم آمِنُونَ فاليَوْمَ يُدْعُونَ وهم خائِفُونَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ الأذانَ فَلا يُجِيبُ الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ: يُنْفِذُونَكَ بِأبْصارِهِمْ.

الحاقة 69:2

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ حالِ الكُفّارِ، وتَشْبِيهِ ابْتِلائِهِمْ بِابْتِلاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ ذَكَرَ حالَ المُتَّقِينَ وما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ. فَقالَ: (p-١٥٢٠)﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: لِلْمُتَّقِينَ ما يُوجِبُ سُخْطَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ في الدّارِ الآخِرَةِ - جَنّاتُ النَّعِيمِ الخالِصِ الَّذِي لا يَشُوبُهُ كَدَرٌ ولا يُنَغِّصُهُ خَوْفُ زَوالٍ. ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وكانَ صَنادِيدُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ وُفُورَ حَظِّهِمْ في الدُّنْيا وقِلَّةَ حُظُوظِ المُسْلِمِينَ فِيها، فَلَمّا سَمِعُوا بِذِكْرِ الآخِرَةِ، وما يُعْطِي اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها قالُوا: إنْ صَحَّ ما يَزْعُمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا، فَقالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهم رادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمَ الأعْوَجَ كَأنَّ أمْرَ الجَزاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْكم تَحْكُمُونَ فِيهِ بِما شِئْتُمْ. ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ فِيهِ فَتَجِدُونَ المُطِيعَ كالعاصِي، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧، ١٥٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: «إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِتَدْرُسُونَ، أيْ: تَدْرُسُونَ في الكِتابِ. ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ فَلَمّا دَخَلَتِ اللّامُ كُسِرَتِ الهَمْزَةُ كَقَوْلِهِ: عَلِمْتُ إنَّكَ لَعاقِلٌ، بِالكَسْرِ، أوْ عَلى الحِكايَةِ لِلْمَدْرُوسِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩، ٧٨] وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ " أنَّ لَكم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ " تَدْرُسُونَ " مَعَ زِيادَةِ لامِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى " تَخَيَّرُونَ " تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في التَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ أيْ عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ مُوَثَّقَةٌ مُتَناهِيَةٌ، والمَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلى اللَّهِ اسْتَوْثَقْتُمْ بِها في أنْ يُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكم أيْ: ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى يَحْكُمَكم يَوْمَئِذٍ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ أيْ أمْ أقْسَمْنا لَكم. قالَ الرّازِيُّ: والمَعْنى أمْ ضَمِنّا لَكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بالِغَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِأيْمانٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الحالِ مِن أيْمانٍ، لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْنا. ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أيْ سَلْ يا مُحَمَّدُ الكُفّارَ مُوَبِخًا لَهم ومُقَرِّعًا، أيُّهُمُّ بِذَلِكَ الحُكْمِ الخارِجِ عَنِ الصَّوابِ كَفِيلٌ لَهم بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ فِيها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الزَّعِيمُ هُنا القائِمُ بِالحُجَّةِ والدَّعْوى. وقالَ الحَسَنُ: الزَّعِيمُ الرَّسُولُ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ يُوافِقُونَهم فِيهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما يَقُولُونَ وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: المَعْنى أمْ لَهم شُرَكاءُ يَجْعَلُونَهم مِثْلَ المُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ " يَوْمَ " ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ فَلْيَأْتُوا، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فَيُسْتَعارُ الكَشْفُ عَنِ السّاقِ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وأنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ صَبُورٌ عَلى الجَلاءِ طَلّاعُ أنْجُدِ وقالَ: وتَأْوِيلُ الآيَةِ: يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ كَما يَشْتَدُّ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ والأمْرُ قِيلَ: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقِهِ، والأصْلُ فِيهِ مَن وقَعَ في شَيْءٍ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الجِدِّ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فاسْتُعِيرَ السّاقُ والكَشْفُ عَنْ مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وهَكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقَوْلُ الآخَرِ: ؎والخَيْلُ تَعْدُو عِنْدَ وقْتِ الإشْراقِ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا في سَنَةٍ: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها حَمْرا ∗∗∗ ءُ تُبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ وقِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرَةِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُهُ، وقِيلَ: يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: عَنْ ساقِ العَرْشِ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، وقِيلَ: يَكْشِفُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ عَنْ نُورِهِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما هو الحَقُّ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ يَكْشِفُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَكْشِفُ " بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ الشِّدَّةُ أوِ السّاعَةُ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أُكْشِفَ الأمْرُ، أيْ: دَخْلَ في الكَشْفِ ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَسْجُدُ الخَلْقُ كُلُّهم لِلَّهِ سَجْدَةً واحِدَةً ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُدُوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ؛ لِأنَّ أصْلابَهم تَيْبَسُ فَلا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يُكْشَفُ عَنِ الغِطاءِ فَيَقَعُ مَن كانَ آمَنَ بِاللَّهِ في الدُّنْيا فَيَسْجُدُونَ لَهُ، ويُدْعى الآخَرُونَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِاللَّهِ في الدُّنْيا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " يُدْعَوْنَ "، و" أبْصارُهم " مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ونِسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ، وهو الخُضُوعُ والذِّلَّةُ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ تَغْشاهم ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿وهم سالِمُونَ﴾ أيْ: مُعافَوْنَ (p-١٥٢١)عَنِ العِلَلِ مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الفِعْلِ. قالَ إبْراهِيمُ التَّمِيمِيُّ: يُدْعُونَ بِالأذانِ والإقامَةِ فَيَأْبَوْنَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلى الفَلاحِ فَلا يُجِيبُونَ. قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجَماعاتِ. وقِيلَ: يُدْعُونَ بِالتَّكْلِيفِ المُتَوَجِّهِ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ فَلا يُجِيبُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم سالِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُدْعُونَ. ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ وكِلْ أمْرَهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُكَ، كِلْهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَ أمْرَهُ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، و" مَن " مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والمُرادُ بِهَذا الحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ: وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ لَهُمُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ عَلى غَفْلَةٍ ونَسُوقُهم إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتّى نُوقِعَهم فِيهِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ، لِأنَّهم يَظُنُّونَهُ إنْعامًا ولا يُفَكِّرُونَ في عاقِبَتِهِ وما سَيَلْقَوْنَ في نِهايَتِهِ. قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ ويُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وقالَ الحَسَنُ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ. والِاسْتِدْراجُ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، وأصْلُهُ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ اسْتَدْرَجَ فُلانٌ فُلانًا، أيِ اسْتَخْرَجَ ما عِنْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُقالُ دَرَجَهُ إلى كَذا واسْتَدْرَجَهُ: يَعْنِي أدْناهُ إلى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هو. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ فَقالَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ والطُّورِ، وأصْلُ المَلاوَةِ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقالُ أمْلى اللَّهُ لَهُ، أيْ: أطالَ لَهُ المُدَّةَ، والمَلا مَقْصُورٌ: الأرْضُ الواسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدادِها ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ قَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلا يَفُوتُنِي شَيْءٌ، وسَمّى سُبْحانَهُ إحْسانَهُ كَيْدًا كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ لِقُوَّةِ أثَرِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أعادَ سُبْحانَهُ الكَلامَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ أمْ تَلْتَمِسُ مِنهم ثَوابًا عَلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ المَغْرَمُ الغَرامَةُ، أيْ: فَهم مِن غَرامَةِ ذَلِكَ الأجْرِ، ومُثْقَلُونَ، أيْ: يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ لِشُحِّهِمْ بِبَذْلِ المالِ، فَأعْرَضُوا عَنْ إجابَتِكَ بِهَذا السَّبَبِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لَهم، والمَعْنى: أنَّكَ لَمْ تَسْألْهم ذَلِكَ ولَمْ تَطْلُبْهُ مِنهم. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيِ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، أوْ كُلَّ ما غابَ عَنْهم، فَهم مِن ذَلِكَ الغَيْبِ يَكْتُبُونَ ما يُرِيدُونَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ ويُخاصِمُونَكَ بِما يَكْتُبُونَهُ مِن ذَلِكَ ويَحْكُمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما يُرِيدُونَ ويَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الإجابَةِ لَكَ والِامْتِثالِ لِما تَقُولُهُ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ الَّذِي قَدْ قَضاهُ في سابِقِ عِلْمِهِ، قِيلَ: والحُكْمُ هُنا هو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَكُنْ مِثْلَهُ في الغَضَبِ والضَّجَرِ والعَجَلَةِ، والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى﴾ مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نادى، والمَكْظُومُ المَمْلُوءُ غَيْظًا وكَرْبًا. قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ ويَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ ولا يَعْجَلُ كَما عَجَلَ صاحِبُ الحُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ويُونُسَ والصّافّاتِ، وكانَ النِّداءُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: إنَّ المَكْظُومَ المَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ. قالَهُ المُبَرِّدُ، وقِيلَ: هو المَحْبُوسُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْنًا ∗∗∗ عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَ صاحِبَ الحُوتِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وهي تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ أيْ: لَأُلْقِيَ مِن بَطْنِ الحُوتِ عَلى وجْهِ الأرْضِ الخالِيَةِ مِنَ النَّباتِ وهو مَذْمُومٌ أيْ يُذَمُّ ويُلامُ بِالذَّنْبِ الَّذِي أذْنَبَهُ ويُطْرَدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " نُبِذَ " . قالَ الضَّحّاكُ: النِّعْمَةُ هُنا النُّبُوَّةُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عِبادَتُهُ الَّتِي سَلَفَتْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي نِداؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: مَذْمُومٌ مُبْعَدٌ. وقِيلَ: مُذْنِبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَدارَكَهُ﴾ عَلى صِيغَةِ الماضِي، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ، والأعْمَشُ بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، والأصْلُ تَتَدارَكُهُ بِتاءَيْنِ مُضارَعًا فَأُدْغِمَ، وتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودِ، وابْنُ عَبّاسٍ " تَدارَكَتْهُ " بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ اسْتَخْلَصَهُ واصْطَفاهُ واخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وعَصَمَهُ مِنَ الذَّنْبِ، وقِيلَ: رَدَّ إلَيْهِ النُّبُوَّةَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ وأرْسَلَهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أزْلَقَهُ، أيْ: أزَلَّ رِجْلَهُ، يُقالُ أزْلَقَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إذا نَحّاهُ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ بِفَتْحِها مِن زَلَقَ عَنْ مَوْضِعِهِ: إذا تَنَحّى. قالَ الهَرَوِيُّ، أيْ: فَيَغْتالُونَكَ بِعُيُونِهِمْ فَيُزْلِقُونَكَ عَنْ مَقامِكَ الَّذِي أقامَكَ اللَّهُ فِيهِ عَداوَةً لَكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو وائِلٍ لَيُرْهِقُونَكَ أيْ يُهْلِكُونَكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ يُزْلِقُونَكَ أيْ: يَصْرِفُونَكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والأخْفَشُ: يَفْتِنُونَكَ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: لَيَقْتُلُونَكَ. قالَ الزَّجّاجُ في الآيَةِ مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، والتَّأْوِيلُ أنَّهم مِن شِدَّةِ إبْغاضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ يَكادُونَ بِنَظَرِهِمْ نَظَرَ البَغْضاءِ أنْ يَصْرَعُوكَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، يَقُولُ القائِلُ نَظَرَ إلَيَّ (p-١٥٢٢)نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ونَظَرًا يَكادُ يَأْكُلُنِي. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُرِيدُ اللَّهُ أنَّهم يُصِيبُونَكَ بِأعْيُنِهِمْ كَما يُصِيبُ العائِنُ بِعَيْنِهِ ما يُعْجِبُهُ، وإنَّما أرادَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ نَظَرًا شَدِيدًا بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ يَكادُ يُسْقِطُكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَتَعارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: وقْتَ سَماعِهِمْ لِلْقُرْآنِ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ أشَدَّ كَراهَةٍ، و" لَمّا " ظَرْفِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ " يُزْلِقُونَكَ "، وقِيلَ: هي حَرْفٌ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كادُوا يُزْلِقُونَكَ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ إذا سَمِعُوهُ يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَقُولُونَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَذْكِيرٌ وبَيانٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوْ شَرَفٌ لَهم كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ أوْ شَرَفٌ لَهم. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ويَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودَ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا» وهَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن طُرُقٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ولَهُ ألْفاظٌ في بَعْضِها طُولٌ، وهو حَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ساقِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وضَعَّفَهُ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ مَندَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُكْشَفُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قالَ: قَدْ قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، ويَقْسُو ظَهْرَ الكافِرِ فَيَصِيرُ عَظْمًا واحِدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا يَوْمُ كَرْبٍ شَدِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ أُخْرى، وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما عَرَفْتَ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَجْسِيمًا ولا تَشْبِيهًا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ؎دَعَوْا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمَنَ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ يُدْعُونَ في الدُّنْيا وهم آمِنُونَ فاليَوْمَ يُدْعُونَ وهم خائِفُونَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ الأذانَ فَلا يُجِيبُ الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ: يُنْفِذُونَكَ بِأبْصارِهِمْ.

الحاقة 69:3

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ حالِ الكُفّارِ، وتَشْبِيهِ ابْتِلائِهِمْ بِابْتِلاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ ذَكَرَ حالَ المُتَّقِينَ وما أعَدَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ. فَقالَ: (p-١٥٢٠)﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: لِلْمُتَّقِينَ ما يُوجِبُ سُخْطَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ في الدّارِ الآخِرَةِ - جَنّاتُ النَّعِيمِ الخالِصِ الَّذِي لا يَشُوبُهُ كَدَرٌ ولا يُنَغِّصُهُ خَوْفُ زَوالٍ. ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وكانَ صَنادِيدُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ وُفُورَ حَظِّهِمْ في الدُّنْيا وقِلَّةَ حُظُوظِ المُسْلِمِينَ فِيها، فَلَمّا سَمِعُوا بِذِكْرِ الآخِرَةِ، وما يُعْطِي اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها قالُوا: إنْ صَحَّ ما يَزْعُمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا، فَقالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهم رادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمَ الأعْوَجَ كَأنَّ أمْرَ الجَزاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْكم تَحْكُمُونَ فِيهِ بِما شِئْتُمْ. ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَءُونَ فِيهِ فَتَجِدُونَ المُطِيعَ كالعاصِي، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧، ١٥٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: «إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ " إنَّ " عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِتَدْرُسُونَ، أيْ: تَدْرُسُونَ في الكِتابِ. ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ فَلَمّا دَخَلَتِ اللّامُ كُسِرَتِ الهَمْزَةُ كَقَوْلِهِ: عَلِمْتُ إنَّكَ لَعاقِلٌ، بِالكَسْرِ، أوْ عَلى الحِكايَةِ لِلْمَدْرُوسِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩، ٧٨] وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والضَّحّاكُ " أنَّ لَكم " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ " تَدْرُسُونَ " مَعَ زِيادَةِ لامِ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى " تَخَيَّرُونَ " تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في التَّوْبِيخِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ أيْ عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ مُوَثَّقَةٌ مُتَناهِيَةٌ، والمَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلى اللَّهِ اسْتَوْثَقْتُمْ بِها في أنْ يُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكم أيْ: ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى يَحْكُمَكم يَوْمَئِذٍ، وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ أيْ أمْ أقْسَمْنا لَكم. قالَ الرّازِيُّ: والمَعْنى أمْ ضَمِنّا لَكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بالِغَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِأيْمانٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِها عَلى الحالِ مِن أيْمانٍ، لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالوَصْفِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْنا. ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أيْ سَلْ يا مُحَمَّدُ الكُفّارَ مُوَبِخًا لَهم ومُقَرِّعًا، أيُّهُمُّ بِذَلِكَ الحُكْمِ الخارِجِ عَنِ الصَّوابِ كَفِيلٌ لَهم بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ فِيها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الزَّعِيمُ هُنا القائِمُ بِالحُجَّةِ والدَّعْوى. وقالَ الحَسَنُ: الزَّعِيمُ الرَّسُولُ. ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ يُوافِقُونَهم فِيهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ فِيما يَقُولُونَ وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: المَعْنى أمْ لَهم شُرَكاءُ يَجْعَلُونَهم مِثْلَ المُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ " يَوْمَ " ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ فَلْيَأْتُوا، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فَيُسْتَعارُ الكَشْفُ عَنِ السّاقِ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وأنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ: ؎كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ صَبُورٌ عَلى الجَلاءِ طَلّاعُ أنْجُدِ وقالَ: وتَأْوِيلُ الآيَةِ: يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ كَما يَشْتَدُّ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ والأمْرُ قِيلَ: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقِهِ، والأصْلُ فِيهِ مَن وقَعَ في شَيْءٍ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الجِدِّ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ، فاسْتُعِيرَ السّاقُ والكَشْفُ عَنْ مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وهَكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقَوْلُ الآخَرِ: ؎والخَيْلُ تَعْدُو عِنْدَ وقْتِ الإشْراقِ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا وقَوْلُ آخَرَ أيْضًا في سَنَةٍ: ؎قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها حَمْرا ∗∗∗ ءُ تُبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ وقِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرَةِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُهُ، وقِيلَ: يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: عَنْ ساقِ العَرْشِ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، وقِيلَ: يَكْشِفُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ عَنْ نُورِهِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما هو الحَقُّ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، قَرَأ الجُمْهُورُ يَكْشِفُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَكْشِفُ " بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ الشِّدَّةُ أوِ السّاعَةُ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ، وقُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أُكْشِفَ الأمْرُ، أيْ: دَخْلَ في الكَشْفِ ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَسْجُدُ الخَلْقُ كُلُّهم لِلَّهِ سَجْدَةً واحِدَةً ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَسْجُدُوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ؛ لِأنَّ أصْلابَهم تَيْبَسُ فَلا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يُكْشَفُ عَنِ الغِطاءِ فَيَقَعُ مَن كانَ آمَنَ بِاللَّهِ في الدُّنْيا فَيَسْجُدُونَ لَهُ، ويُدْعى الآخَرُونَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِاللَّهِ في الدُّنْيا. وانْتِصابُ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " يُدْعَوْنَ "، و" أبْصارُهم " مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ونِسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ، وهو الخُضُوعُ والذِّلَّةُ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ تَغْشاهم ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿وهم سالِمُونَ﴾ أيْ: مُعافَوْنَ (p-١٥٢١)عَنِ العِلَلِ مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الفِعْلِ. قالَ إبْراهِيمُ التَّمِيمِيُّ: يُدْعُونَ بِالأذانِ والإقامَةِ فَيَأْبَوْنَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلى الفَلاحِ فَلا يُجِيبُونَ. قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجَماعاتِ. وقِيلَ: يُدْعُونَ بِالتَّكْلِيفِ المُتَوَجِّهِ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ فَلا يُجِيبُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم سالِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُدْعُونَ. ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ وكِلْ أمْرَهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُكَ، كِلْهُ إلَيَّ فَأنا أكْفِيكَ أمْرَهُ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، و" مَن " مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والمُرادُ بِهَذا الحَدِيثِ القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ: وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ لَهُمُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمَعْنى: سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ عَلى غَفْلَةٍ ونَسُوقُهم إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتّى نُوقِعَهم فِيهِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ، لِأنَّهم يَظُنُّونَهُ إنْعامًا ولا يُفَكِّرُونَ في عاقِبَتِهِ وما سَيَلْقَوْنَ في نِهايَتِهِ. قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ ويُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وقالَ الحَسَنُ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ. والِاسْتِدْراجُ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، وأصْلُهُ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ اسْتَدْرَجَ فُلانٌ فُلانًا، أيِ اسْتَخْرَجَ ما عِنْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُقالُ دَرَجَهُ إلى كَذا واسْتَدْرَجَهُ: يَعْنِي أدْناهُ إلى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هو. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ فَقالَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ والطُّورِ، وأصْلُ المَلاوَةِ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقالُ أمْلى اللَّهُ لَهُ، أيْ: أطالَ لَهُ المُدَّةَ، والمَلا مَقْصُورٌ: الأرْضُ الواسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدادِها ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ قَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلا يَفُوتُنِي شَيْءٌ، وسَمّى سُبْحانَهُ إحْسانَهُ كَيْدًا كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ لِقُوَّةِ أثَرِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ. ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أعادَ سُبْحانَهُ الكَلامَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ أمْ تَلْتَمِسُ مِنهم ثَوابًا عَلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ المَغْرَمُ الغَرامَةُ، أيْ: فَهم مِن غَرامَةِ ذَلِكَ الأجْرِ، ومُثْقَلُونَ، أيْ: يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ لِشُحِّهِمْ بِبَذْلِ المالِ، فَأعْرَضُوا عَنْ إجابَتِكَ بِهَذا السَّبَبِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لَهم، والمَعْنى: أنَّكَ لَمْ تَسْألْهم ذَلِكَ ولَمْ تَطْلُبْهُ مِنهم. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيِ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، أوْ كُلَّ ما غابَ عَنْهم، فَهم مِن ذَلِكَ الغَيْبِ يَكْتُبُونَ ما يُرِيدُونَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ ويُخاصِمُونَكَ بِما يَكْتُبُونَهُ مِن ذَلِكَ ويَحْكُمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما يُرِيدُونَ ويَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الإجابَةِ لَكَ والِامْتِثالِ لِما تَقُولُهُ. ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ لِقَضائِهِ الَّذِي قَدْ قَضاهُ في سابِقِ عِلْمِهِ، قِيلَ: والحُكْمُ هُنا هو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَكُنْ مِثْلَهُ في الغَضَبِ والضَّجَرِ والعَجَلَةِ، والظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى﴾ مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نادى، والمَكْظُومُ المَمْلُوءُ غَيْظًا وكَرْبًا. قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ ويَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ ولا يَعْجَلُ كَما عَجَلَ صاحِبُ الحُوتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ويُونُسَ والصّافّاتِ، وكانَ النِّداءُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: إنَّ المَكْظُومَ المَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ. قالَهُ المُبَرِّدُ، وقِيلَ: هو المَحْبُوسُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْنًا ∗∗∗ عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَ صاحِبَ الحُوتِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وهي تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ أيْ: لَأُلْقِيَ مِن بَطْنِ الحُوتِ عَلى وجْهِ الأرْضِ الخالِيَةِ مِنَ النَّباتِ وهو مَذْمُومٌ أيْ يُذَمُّ ويُلامُ بِالذَّنْبِ الَّذِي أذْنَبَهُ ويُطْرَدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " نُبِذَ " . قالَ الضَّحّاكُ: النِّعْمَةُ هُنا النُّبُوَّةُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عِبادَتُهُ الَّتِي سَلَفَتْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي نِداؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقِيلَ: مَذْمُومٌ مُبْعَدٌ. وقِيلَ: مُذْنِبٌ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَدارَكَهُ﴾ عَلى صِيغَةِ الماضِي، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ، والأعْمَشُ بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، والأصْلُ تَتَدارَكُهُ بِتاءَيْنِ مُضارَعًا فَأُدْغِمَ، وتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودِ، وابْنُ عَبّاسٍ " تَدارَكَتْهُ " بِتاءِ التَّأْنِيثِ. ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ اسْتَخْلَصَهُ واصْطَفاهُ واخْتارَهُ لِلنُّبُوَّةِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ وعَصَمَهُ مِنَ الذَّنْبِ، وقِيلَ: رَدَّ إلَيْهِ النُّبُوَّةَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ وأرْسَلَهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ كَما تَقَدَّمَ. ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِن أزْلَقَهُ، أيْ: أزَلَّ رِجْلَهُ، يُقالُ أزْلَقَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إذا نَحّاهُ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ بِفَتْحِها مِن زَلَقَ عَنْ مَوْضِعِهِ: إذا تَنَحّى. قالَ الهَرَوِيُّ، أيْ: فَيَغْتالُونَكَ بِعُيُونِهِمْ فَيُزْلِقُونَكَ عَنْ مَقامِكَ الَّذِي أقامَكَ اللَّهُ فِيهِ عَداوَةً لَكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو وائِلٍ لَيُرْهِقُونَكَ أيْ يُهْلِكُونَكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ يُزْلِقُونَكَ أيْ: يَصْرِفُونَكَ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والأخْفَشُ: يَفْتِنُونَكَ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: لَيَقْتُلُونَكَ. قالَ الزَّجّاجُ في الآيَةِ مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، والتَّأْوِيلُ أنَّهم مِن شِدَّةِ إبْغاضِهِمْ وعَداوَتِهِمْ يَكادُونَ بِنَظَرِهِمْ نَظَرَ البَغْضاءِ أنْ يَصْرَعُوكَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، يَقُولُ القائِلُ نَظَرَ إلَيَّ (p-١٥٢٢)نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ونَظَرًا يَكادُ يَأْكُلُنِي. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُرِيدُ اللَّهُ أنَّهم يُصِيبُونَكَ بِأعْيُنِهِمْ كَما يُصِيبُ العائِنُ بِعَيْنِهِ ما يُعْجِبُهُ، وإنَّما أرادَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ نَظَرًا شَدِيدًا بِالعَداوَةِ والبَغْضاءِ يَكادُ يُسْقِطُكَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَتَعارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيْ: وقْتَ سَماعِهِمْ لِلْقُرْآنِ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ أشَدَّ كَراهَةٍ، و" لَمّا " ظَرْفِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ " يُزْلِقُونَكَ "، وقِيلَ: هي حَرْفٌ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كادُوا يُزْلِقُونَكَ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ إذا سَمِعُوهُ يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَقُولُونَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَذْكِيرٌ وبَيانٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوْ شَرَفٌ لَهم كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُ مُذَكِّرٌ لِلْعالَمِينَ أوْ شَرَفٌ لَهم. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ويَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودَ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا» وهَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن طُرُقٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، ولَهُ ألْفاظٌ في بَعْضِها طُولٌ، وهو حَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ساقِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وضَعَّفَهُ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ مَندَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُكْشَفُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قالَ: قَدْ قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، ويَقْسُو ظَهْرَ الكافِرِ فَيَصِيرُ عَظْمًا واحِدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا يَوْمُ كَرْبٍ شَدِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ أُخْرى، وقَدْ أغْنانا اللَّهُ سُبْحانَهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما عَرَفْتَ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَجْسِيمًا ولا تَشْبِيهًا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ؎دَعَوْا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَما آمَنَ في دِينِهِ كَمُخاطِرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ يُدْعُونَ في الدُّنْيا وهم آمِنُونَ فاليَوْمَ يُدْعُونَ وهم خائِفُونَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ الأذانَ فَلا يُجِيبُ الصَّلاةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ: يُنْفِذُونَكَ بِأبْصارِهِمْ.

الحاقة 69:4

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:5

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:6

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:7

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:8

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:9

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:10

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:11

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:12

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:13

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:14

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:15

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:16

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:17

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:18

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحاقَّةِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِالحاقَّةِ ونَحْوِها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ هي القِيامَةُ؛ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، وهي تَحِقُّ في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَكٍّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحِقُّهُ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ أغْلِبُهُ، فالقِيامَةُ حاقَّةٌ لِأنَّها تُحاقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ وتَخْصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ. وقالَ في الصِّحاحِ: حاقَّهُ أيْ خاصَمَهُ في صِغارِ الأشْياءِ، ويُقالُ ما لَهُ فِيها حَقٌّ ولا حِقاقٌ ولا خُصُومَةٌ، والتَّحاقُّ: التَّخاصُمُ، والحاقَّةُ والحَقَّةُ والحَقُّ ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى. قالَ الواحِدِيُّ: هي القِيامَةُ في قَوْلِ كُلِّ المُفَسِّرِينَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ذاتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ، وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، وجَمِيعُ أحْكامِ القِيامَةِ صادِقَةٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ. قالَ الكِسائِيُّ، والمُؤَرِّجُ: الحاقَّةُ يَوْمُ الحَقِّ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فِيها حَقِيقٌ بِأنْ يُجْزى بِعَمَلِهِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أحَقَّتْ لِقَوْمٍ النّارَ، وأحَقَّتْ لِقَوْمٍ الجَنَّةِ. وهِيَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ عَلى أنَّ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ " الحاقَّةُ "، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها أوْ صِفاتِها، وقِيلَ: إنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ خَبَرٌ لِما بَعْدَها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناها التَّعْظِيمُ والتَّفْخِيمُ لِشَأْنِها كَما تَقُولُ: زَيْدٌ ما زِيدٌ، (p-١٥٢٣)وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا المَعْنى في سُورَةِ الواقِعَةِ. ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَفْخِيمِ أمْرِها وتَعْظِيمِ شَأْنِها وتَهْوِيلِ حالِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي ؟ أيْ كَأنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُها إذا لَمْ تُعايِنْها وتُشاهِدْ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ فَكَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: بَلَغَنِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ " وما أدْراكَ " فَقَدْ أدْراهُ إيّاهُ وعَلَّمَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قالَ فِيهِ " وما يُدْرِيكَ " فَإنَّهُ أخْبَرَهُ بِهِ، و" ما " مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ أدْراكَ، و" ما الحاقَّةُ " جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها النَّصْبُ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وبِدُونِ الهَمْزَةِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِالباءِ نَحْوَ دَرَيْتُ بِكَذا، وإنْ كانَ بِمَعْنى العِلْمِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وجُمْلَةُ " وما أدْراكَ " مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ " ما الحاقَّةُ " . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ بِالقِيامَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنى بِالقارِعَةِ القُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ في الدُّنْيا عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكانُوا يُخَوِّفُونَهم بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم، وقِيلَ: القارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القُرْعَةِ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا وتَحُطُّ آخَرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ وضْعُ القارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ هَوْلِها وفَظاعَةِ حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ثَمُودُ هم قَوْمُ صالِحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ وبَيانُ مَنازِلِهِمْ وأيْنَ كانَتْ، والطّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جاوَزَتِ الحَدَّ، وقِيلَ: بِطُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وأصْلُ الطُّغْيانِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ. ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ عادٌ هم قَوْمُ هُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا، وذِكْرُ مَنازِلِهِمْ، وأيْنَ كانَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِ، والرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ، وقِيلَ: هي الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، والعاتِيَةُ الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطّاعَةِ فَكَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها لِشِدَّةِ هُبُوبِها، أوْ عَتَتْ عَلى عادٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها بَلْ أهْلَكَتْهم. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ، ومَعْنى سَخَّرَها: سَلَّطَها، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: أرْسَلَها. وقالَ الزَّجّاجُ: أقامَها عَلَيْهِمْ كَما شاءَ، والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وأنْ تَكُونَ حالًا مِنها لِتَخْصِيصِها بِالصِّفَةِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في عاتِيَةٍ. وثَمانِيَةُ أيّامٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعِ لَيالٍ، وانْتِصابُ حُسُومًا عَلى الحالِ، أيْ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحُسُومُ التَّتابُعُ، فَإذا تَتابَعَ الشَّيْءُ ولَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ الحُسُومُ. قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ حُسُومًا، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وتُذْهِبُهم. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَسَمَتْهم قَطَعَتْهم وأهْلَكَتْهم. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ الِاتِّباعُ، مِن حَسْمِ الدّاءِ وهو الكَيُّ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يُكْوى بِالمِكْواةِ، ثُمَّ يُتابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادَ: ؎يُفَرَّقُ بَيْنَهم زَمَنٌ طَوِيلٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامًا حُسُومًا وقالَ المُبَرِّدُ: هو مِن قَوْلِكِ حَسَمْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتُهُ وفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: الحَسْمُ الِاسْتِئْصالُ، ويُقالُ لِلسَّيْفِ حُسامٌ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوَّ عَمّا يُرِيدُهُ مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ، والمَعْنى: أنَّها حَسَمَتْهم، أيْ: قَطَعَتْهم وأذْهَبَتْهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: حَسَمَتْهم فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: حَسَمَتِ الأيّامَ واللَّيالِيَ حَتّى اسْتَوْفَتْها، لِأنَّها بَدَأتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِن آخِرِ يَوْمٍ. وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ هي الشُّؤْمُ، أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، كَقَوْلِهِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] . واخْتُلِفَ في أوَّلِها، فَقِيلَ: غَداةَ الأحَدِ، وقِيلَ: غَداةَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: غَداةَ الأرْبِعاءِ. قالَ وهْبٌ: وهَذِهِ الأيّامُ هي الَّتِي تُسَمِّيها العَرَبُ أيّامَ العَجُوزِ، كانَ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ ورِيحٌ شَدِيدَةٌ، وكانَ أوَّلُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ، وآخِرُها يَوْمَ الأرْبِعاءَ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ حاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأى ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في " فِيها " يَعُودُ إلى اللَّيالِي والأيّامِ، وقِيلَ: إلى مَهابِّ الرِّيحِ، والأُولى أوْلى. وصَرْعى جَمْعُ صَرِيعٍ: يَعْنِي مَوْتى ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ ساقِطَةٍ، أوْ بالِيَةٍ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لا جَوْفَ فِيها، والنَّخْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وهو إخْبارٌ عَنْ عِظَمِ أجْسامِهِمْ. قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: إنَّما قالَ: " خاوِيَةٍ " لِأنَّ أبْدانَهم خَلَتْ مِن أرْواحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الخاوِيَةِ. ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن فِرْقَةٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ مِن بَقِيَّةٍ عَلى أنَّ " باقِيَةٍ " مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أقامُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عَذابِ الرِّيحِ فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ. ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: ومَن هو في جِهَتِهِ مِن أتْباعِهِ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ومَن مَعَهُ، ولِقِراءَةِ أبِي مُوسى " ومَن يَلْقاهُ " . والمُؤْتَفِكاتُ قَرَأ الجُمْهُورُ " المُؤْتَفِكاتُ " بِالجَمْعِ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " المُؤْتَفِكَةُ " بِالإفْرادِ، واللّامُ لِلْجِنْسِ، فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، والمَعْنى: وجاءَتِ المُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ أيْ بِالفِعْلَةِ الخاطِئَةِ، أوِ الخَطَأِ، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ. والمُرادُ أنَّها جاءَتْ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي. قالَ مُجاهِدٌ: بِالخَطايا، وقالَ الجُرْجانِيُّ: بِالخَطَأِ العَظِيمِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها المُرْسَلَ إلَيْها. قالَ الكَلْبِيُّ: هو مُوسى، وقِيلَ لُوطٌ لِأنَّهُ أقْرَبُ، قِيلَ: ورَسُولٌ (p-١٥٢٤)هُنا بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: أخَذَهُمُ اللَّهُ أخْذَةً نامِيَةً زائِدَةً عَلى أخَذاتِ الأُمَمِ، والمَعْنى: أنَّها بالِغَةٌ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ. قالَ الزَّجّاجُ: تَزِيدُ عَلى الأخَذاتِ، قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةٌ. ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ في الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ، وذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمّا أصَرَّ قَوْمُهُ عَلى الكُفْرِ وكَذَّبُوهُ، وقِيلَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ مِنَ المَلائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى حَبْسِهِ. قالَ قَتادَةُ: زادَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ أيْ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ حَمَلْناهم وحَمَلْناكم في أصْلابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ. والجارِيَةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ، ومَحَلُّ " في الجارِيَةِ " النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأُمَمِ وذِكْرِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ زَجْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ قالَ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ لَكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، أوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ لَكم تَذْكِرَةً ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: تَحَفَظُها بَعْدَ سَماعِها أُذُنٌ حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أوَعَيْتُ كَذا، أيْ: حَفِظْتُهُ في نَفْسِي أعِيهِ وعْيًا، ووَعَيْتُ العِلْمَ ووَعَيْتُ ما قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وأوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما وعَيْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ أوْعَيْتَهُ بِالألْفِ ولِما حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ وعَيْتَهُ بِغَيْرِ ألْفٍ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وعَقَلَتْ ما سَمِعَتْ. قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَعِيَها بِكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وحُمِيدٌ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإسْكانِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وشَهِدٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن ذَلِكَ. قالَ الرّازِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إسْكانُ العَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَخَفَّفَ وأسْكَنَ كَما أسْكَنَ الحَرْفَ المُتَوَسِّطَ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ انْتَهى، والأوْلى أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ " وما يُشْعِرْكم " [الأنعام: ١٠٩] بِسُكُونِ الرّاءِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها عَنْ عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعِيَها. ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحاقَّةِ وكَيْفَ وُقُوعُها بَعْدَ بَيانِ شَأْنِها بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأُولى. وقالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ يُرِيدُ النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلى النِّيابَةِ، وواحِدَةً تَأْكِيدٌ لَها، وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ النّائِبَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: رُفِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ عَنْ مَقارِّها بِالقُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " حُمِلَتْ " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِها لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ فَكُسِرَتا كَسْرَةً واحِدَةً لا زِيادَةَ عَلَيْها، أوْ ضُرِبَتا ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْضُهُما بِبَعْضٍ حَتّى صارَتا كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ " فَدُكَّكْنَ " لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كُلَّها كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقِيلَ: دُكَّتا بُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً، ومِنهُ انْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ: إذا انْفَرَشَ عَلى ظَهْرِهِ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ. ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيِ انْشَقَّتْ بِنُزُولِ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ فَهي في ذَلِكَ اليَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وهي فَهو واهٍ، وقالَ الفَرّاءُ: وهْيُها تَشَقُّقُها. ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ عَلى أطْرافِها وجَوانِبِها، وهي جَمْعُ رَجًى مَقْصُورٌ تَثْنِيَتُهُ رَجَوانِ مِثْلَ قَفا وقَفَوانِ، والمَعْنى: أنَّها لَمّا تَشَقَّقَتِ السَّماءُ، وهي مَساكِنُهم لَجَئُوا إلى أطْرافِها. قالَ الضَّحّاكُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمَرَ اللَّهُ السَّماءَ الدُّنْيا فَتَشَقَّقَتْ، وتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى حافّاتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ ويُحِيطُونَ بِالأرْضِ ومَن عَلَيْها. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى والمَلَكُ عَلى حافّاتِ الدُّنْيا، أيْ: يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إذا صارَتِ السَّماءُ قِطَعًا يَقِفُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ القِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً في أنْفُسِها ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أيْ: يَحْمِلُهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةِ أجْزاءٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُعْرَضُ العِبادُ عَلى اللَّهِ لِحِسابِهِمْ، ومِثْلُهُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، ولَيْسَ ذَلِكَ العَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ. وإنَّما هو عَرْضُ الِاخْتِبارِ والتَّوْبِيخِ بِالأعْمالِ، وجُمْلَةُ " لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ " تُعْرَضُونَ "، أيْ: تُعْرَضُونَ حالَ كَوْنِهِ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَواتِكم أوْ أقْوالِكم وأفْعالِكم خافِيَةٌ كائِنَةٌ ما كانَتْ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ نَفْسٍ خافِيَةٍ أوْ فِعْلَةٍ خافِيَةٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحاقَّةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ما أرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِن رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرَةٍ مِن ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ إلّا يَوْمَ نُوحٍ ويَوْمَ عادٍ، فَأمّا يَوْمُ نُوحٍ فَإنَّ الماءَ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ وأمّا يَوْمُ عادٍ فَإنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ (p-١٥٢٥)نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قالَ: ما أُمِرَ الخُزّانُ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مَوْضِعِ الخاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلى الخُزّانِ فَخَرَجَتْ مِن نَواحِي الأبْوابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: عُتُوُّها عَتَتْ عَلى الخُزّانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ قالَ: الغالِبَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: مُتَتابِعاتٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ قالَ: تِباعًا، وفي لَفْظِ: مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ قالَ: هي أُصُولُها، وفي قَوْلِهِ: ﴿خاوِيَةٍ﴾ قالَ: خَرِبَةٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ قالَ: طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ، ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ ماءٌ إلّا بِمِكْيالٍ أوْ مِيزانٍ إلّا زَمَنَ نُوحٍ فَإنَّهُ طَغى عَلى خُزّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ ولا وزْنٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والواحِدِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ ولا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ تَعِيَ، وحَقٌّ لَكَ أنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فَأنْتَ أُذُنٌ واعِيَةٌ، يا عَلِيٍّ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ قالَ: تَصِيرانِ غَبَرَةً عَلى وُجُوهِ الكُفّارِ لا عَلى وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١، ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قالَ: مُتَخَرِّقَةٌ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ قالَ: عَلى حافّاتِها عَلى ما لَمْ يَهِئْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ في " تالِي التَّلْخِيصِ " عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قالَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى صُورَةِ الأوْعالِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا مِن طُرُقٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ويُقالُ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ رُءُوسُهم عِنْدَ العَرْشِ في السَّماءِ السّابِعَةِ وأقْدامُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ولَهم قُرُونٌ كَقُرُونِ الوَعْلَةِ، ما بَيْنَ أصْلِ قَرْنِ أحَدَهِمْ إلى مُنْتَهاهُ خَمْسُمِائَةُ عامٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايُرُ الصُّحُفِ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.

الحاقة 69:19

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العَرْضَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وابْتِهاجًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، والكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما يا رَجُلانِ، ولِلْجَمْعِ هاؤُمُ يا رِجالُ، قِيلَ: والأصْلُ هاؤُكم، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى هاؤُمُ تَعالَوْا. وقالَ مُقاتِلٌ: هَلُمَّ، وقِيلَ: خُذُوا، فَهي اسْمُ فِعْلٍ، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ البارِزَةِ المَرْفُوعَةِ بِها، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في عِلْمِ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ: كِتابِيَهْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ الفِعْلَيْنِ، ومَعْمُولُ " هاؤُمُ " مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ " اقْرَءُوا " والتَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ، والهاءُ في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ هي هاءُ السَّكْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ في هَذِهِ بِإثْباتِ الهاءِ وقْفًا ووَصْلًا مُطابَقَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ في الوَصْلِ كَما هو شَأْنُ هاءِ السَّكْتِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ أنْ يَتَعَمَّدَ الوَقْفَ عَلَيْها لِيُوافِقَ اللُّغَةَ (p-١٥٢٦)فِي إلْحاقِ الهاءِ في السَّكْتِ ويُوافِقَ الخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبَ بِحَذْفِها وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا في جَمِيعِ هَذِهِ الألْفاظِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ اتْباعًا لِلُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا أنِّي أُحاسَبُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي ظَنَنْتُ أنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي. قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ. قالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأحْسَنَ العَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وإنَّ الكافِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. قِيلَ: والتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطْراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا. ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ في عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لا مَكْرُوهَةٍ، أوْ ذاتِ رِضا، أيْ يَرْضى بِها صاحِبُها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: راضِيَةٍ أيْ: مَرَضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ فَقَدْ أسْنَدَ إلى العِيشَةِ ما هو لِصاحِبِها، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوْ مُرْتَفِعَةِ المَنازِلِ، أوْ عَظِيمَةٍ في النُّفُوسِ. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ القُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، والقَطافُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وقْتَ القَطْفِ، والمَعْنى: أنَّ ثِمارَها قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلَها مِن قائِمٍ أوْ قاعِدٍ أوْ مُضْطَجِعٍ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا في الجَنَّةِ هَنِيئًا أيْ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا لا تَكْدِيرَ فِيهِ ولا تَنْغِيصَ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي أيّامُ الصِّيامِ وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وكَرْبًا لِما رَأى فِيهِ مِن سَيِّئاتِهِ. ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أُعْطَ كِتابِيَهْ. ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِي لِأنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ. قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ. ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وضَلَّتْ عَنِّي، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطانَيِ الَّذِي في الدُّنْيا، وهو المُلْكُ، وقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلى جَوارِحِي. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. وحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ بِالأغْلالِ. ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ الجَحِيمَ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العَظِيمَةُ. ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ السِّلْسِلَةُ حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وذَرْعُها طُولُها. قالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو. قالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا كُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ نَوْفٌ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِنها وُضِعَتْ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، ومَعْنى فاسْلُكُوهُ فاجْعَلُوهُ فِيها، يُقالُ سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ. قالَ سُفْيانُ: بَلَغَنا أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الخَيْطِ في اللُّؤْلُؤِ. وقالَ سُوِيدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ كَتَقْدِيمِ الجَحِيمِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها. ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: لا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ مِن مالِهِ، أوْ لا يَحُثُّ الغَيْرَ عَلى إطْعامِهِ، ووَضَعَ الطَّعامَ مَوْضِعَ الإطْعامِ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المالَ الرِّعابا أيْ بَعْدَ إعْطائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ عَلى مَعْناهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحُثُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ عَلى بَذْلِ نَفْسِ طَعامِ المِسْكِينِ، وفي جَعْلِ هَذا قَرِينًا لِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ وسَدِّ فاقَتِهِمْ، وحَثِّ النَّفْسِ والنّاسِ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ ويُفِيدُ أكْمَلَ فائِدَةٍ عَلى أنَّ مَنعَهم مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ وأشَدِّ المَآثِمِ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في الآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ أوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ القَرِيبُ مِن قَرِيبِهِ، ويَهْرُبُ عِنْدَهُ الحَبِيبُ مِن حَبِيبِهِ. ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهُ طَعامٌ يَأْكُلُهُ إلّا مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، وما يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ، وغِسْلِينٌ فِعِلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هو شَرُّ الطَّعامِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَعْلَمُ ما هو ولا ما الزَّقُّومَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ عَلى أنَّ الحَمِيمَ هو الماءُ الحارُّ ﴿ولا طَعامٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ. ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، والمُرادُ أصْحابُ الخَطايا وأرْبابُ الذُّنُوبِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ الشِّرْكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ الخاطِئُونَ مَهْمُوزًا، وهو (p-١٥٢٧)اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ إذا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا، والمُخْطِئُ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والحَسَنُ " الخاطِيُونَ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ و" لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِما تُشاهِدُونَهُ وما لا تُشاهِدُونَهُ. قالَ قَتادَةُ: أقْسَمَ بِالأشْياءِ كُلِّها ما يُبْصَرُ مِنها وما لا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: إنَّ " لا " لَيْسَتْ زائِدَةً، بَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ، أيْ: لا أحْتاجُ إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتِلاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ أنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ١٩] وعَلى كُلِّ حالٍ فالقُرْآنُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هو قَوْلُ اللَّهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ التِّلاوَةِ أوِ التَّبْلِيغِ. ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أصْنافِ الشِّعْرِ ولا مُشابِهَ لَهُ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، و" ما " زائِدَةٌ. ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ، فَإنَّ الكِهانَةَ أمْرٌ آخَرُ لا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذا ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، و" ما " زائِدَةٌ، والقِلَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا. ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وهو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى لِسانِهِ. ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيْ: ولَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ، أوْ جِبْرِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقَوُّلُ تَكَلُّفُ القَوْلِ، والمَعْنى: لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وسُمِّي الِافْتِراءُ تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وكُلُّ كاذِبٍ يَتَكَلَّفُ ما يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ " ولَوْ يَقُولُ " عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، والأقاوِيلُ جَمْعُ أقْوالٍ، والأقْوالُ جَمْعُ قَوْلٍ. ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَدِهِ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإذْلالِ عَلى عادَةِ النّاسِ في الأخْذِ بِيَدِ مَن يُعاقَبُ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما أقامَ اليَمِينَ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الوَتِينُ عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حَتّى يَصِلَ بِالقَلْبِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ نِياطُ القَلْبِ. انْتَهى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْهُ ويَدْفَعُنا مِنهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعاقَبْناهُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ مِنهُ والحَجْزِ والمَنعِ، " حاجِزِينَ " صِفَةٌ لِأحَدٍ، أوْ خَبَرٌ لِما الحِجازِيَّةِ. ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأهْلِ التَّقْوى لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم يَكْذِبُ بِالقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي حَسْرَتُهم في الدُّنْيا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ فَلا يَحُولُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ قالَ: أيْقَنْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ في الآيَةِ قالَ: يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِن فَواكِهِها وهو قائِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهِ كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: إنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنها مَراجِلُ النّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إلى يَوْمِ تُلْقى في أعْناقِ النّاسِ، وقَدْ نَجّانا اللَّهُ مِن نِصْفِها بِإيمانِنا بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَحُضِّي عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يا أُمَّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ الدَّمُ والماءُ والصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ اسْمُ طَعامٍ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: بِما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ قالَ: بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ عِرْقُ القَلْبِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-١٥٢٨)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ.

الحاقة 69:20

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العَرْضَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وابْتِهاجًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، والكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما يا رَجُلانِ، ولِلْجَمْعِ هاؤُمُ يا رِجالُ، قِيلَ: والأصْلُ هاؤُكم، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى هاؤُمُ تَعالَوْا. وقالَ مُقاتِلٌ: هَلُمَّ، وقِيلَ: خُذُوا، فَهي اسْمُ فِعْلٍ، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ البارِزَةِ المَرْفُوعَةِ بِها، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في عِلْمِ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ: كِتابِيَهْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ الفِعْلَيْنِ، ومَعْمُولُ " هاؤُمُ " مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ " اقْرَءُوا " والتَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ، والهاءُ في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ هي هاءُ السَّكْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ في هَذِهِ بِإثْباتِ الهاءِ وقْفًا ووَصْلًا مُطابَقَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ في الوَصْلِ كَما هو شَأْنُ هاءِ السَّكْتِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ أنْ يَتَعَمَّدَ الوَقْفَ عَلَيْها لِيُوافِقَ اللُّغَةَ (p-١٥٢٦)فِي إلْحاقِ الهاءِ في السَّكْتِ ويُوافِقَ الخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبَ بِحَذْفِها وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا في جَمِيعِ هَذِهِ الألْفاظِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ اتْباعًا لِلُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا أنِّي أُحاسَبُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي ظَنَنْتُ أنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي. قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ. قالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأحْسَنَ العَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وإنَّ الكافِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. قِيلَ: والتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطْراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا. ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ في عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لا مَكْرُوهَةٍ، أوْ ذاتِ رِضا، أيْ يَرْضى بِها صاحِبُها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: راضِيَةٍ أيْ: مَرَضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ فَقَدْ أسْنَدَ إلى العِيشَةِ ما هو لِصاحِبِها، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوْ مُرْتَفِعَةِ المَنازِلِ، أوْ عَظِيمَةٍ في النُّفُوسِ. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ القُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، والقَطافُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وقْتَ القَطْفِ، والمَعْنى: أنَّ ثِمارَها قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلَها مِن قائِمٍ أوْ قاعِدٍ أوْ مُضْطَجِعٍ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا في الجَنَّةِ هَنِيئًا أيْ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا لا تَكْدِيرَ فِيهِ ولا تَنْغِيصَ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي أيّامُ الصِّيامِ وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وكَرْبًا لِما رَأى فِيهِ مِن سَيِّئاتِهِ. ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أُعْطَ كِتابِيَهْ. ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِي لِأنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ. قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ. ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وضَلَّتْ عَنِّي، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطانَيِ الَّذِي في الدُّنْيا، وهو المُلْكُ، وقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلى جَوارِحِي. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. وحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ بِالأغْلالِ. ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ الجَحِيمَ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العَظِيمَةُ. ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ السِّلْسِلَةُ حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وذَرْعُها طُولُها. قالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو. قالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا كُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ نَوْفٌ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِنها وُضِعَتْ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، ومَعْنى فاسْلُكُوهُ فاجْعَلُوهُ فِيها، يُقالُ سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ. قالَ سُفْيانُ: بَلَغَنا أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الخَيْطِ في اللُّؤْلُؤِ. وقالَ سُوِيدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ كَتَقْدِيمِ الجَحِيمِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها. ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: لا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ مِن مالِهِ، أوْ لا يَحُثُّ الغَيْرَ عَلى إطْعامِهِ، ووَضَعَ الطَّعامَ مَوْضِعَ الإطْعامِ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المالَ الرِّعابا أيْ بَعْدَ إعْطائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ عَلى مَعْناهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحُثُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ عَلى بَذْلِ نَفْسِ طَعامِ المِسْكِينِ، وفي جَعْلِ هَذا قَرِينًا لِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ وسَدِّ فاقَتِهِمْ، وحَثِّ النَّفْسِ والنّاسِ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ ويُفِيدُ أكْمَلَ فائِدَةٍ عَلى أنَّ مَنعَهم مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ وأشَدِّ المَآثِمِ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في الآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ أوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ القَرِيبُ مِن قَرِيبِهِ، ويَهْرُبُ عِنْدَهُ الحَبِيبُ مِن حَبِيبِهِ. ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهُ طَعامٌ يَأْكُلُهُ إلّا مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، وما يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ، وغِسْلِينٌ فِعِلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هو شَرُّ الطَّعامِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَعْلَمُ ما هو ولا ما الزَّقُّومَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ عَلى أنَّ الحَمِيمَ هو الماءُ الحارُّ ﴿ولا طَعامٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ. ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، والمُرادُ أصْحابُ الخَطايا وأرْبابُ الذُّنُوبِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ الشِّرْكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ الخاطِئُونَ مَهْمُوزًا، وهو (p-١٥٢٧)اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ إذا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا، والمُخْطِئُ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والحَسَنُ " الخاطِيُونَ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ و" لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِما تُشاهِدُونَهُ وما لا تُشاهِدُونَهُ. قالَ قَتادَةُ: أقْسَمَ بِالأشْياءِ كُلِّها ما يُبْصَرُ مِنها وما لا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: إنَّ " لا " لَيْسَتْ زائِدَةً، بَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ، أيْ: لا أحْتاجُ إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتِلاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ أنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ١٩] وعَلى كُلِّ حالٍ فالقُرْآنُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هو قَوْلُ اللَّهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ التِّلاوَةِ أوِ التَّبْلِيغِ. ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أصْنافِ الشِّعْرِ ولا مُشابِهَ لَهُ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، و" ما " زائِدَةٌ. ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ، فَإنَّ الكِهانَةَ أمْرٌ آخَرُ لا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذا ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، و" ما " زائِدَةٌ، والقِلَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا. ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وهو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى لِسانِهِ. ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيْ: ولَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ، أوْ جِبْرِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقَوُّلُ تَكَلُّفُ القَوْلِ، والمَعْنى: لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وسُمِّي الِافْتِراءُ تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وكُلُّ كاذِبٍ يَتَكَلَّفُ ما يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ " ولَوْ يَقُولُ " عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، والأقاوِيلُ جَمْعُ أقْوالٍ، والأقْوالُ جَمْعُ قَوْلٍ. ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَدِهِ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإذْلالِ عَلى عادَةِ النّاسِ في الأخْذِ بِيَدِ مَن يُعاقَبُ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما أقامَ اليَمِينَ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الوَتِينُ عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حَتّى يَصِلَ بِالقَلْبِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ نِياطُ القَلْبِ. انْتَهى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْهُ ويَدْفَعُنا مِنهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعاقَبْناهُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ مِنهُ والحَجْزِ والمَنعِ، " حاجِزِينَ " صِفَةٌ لِأحَدٍ، أوْ خَبَرٌ لِما الحِجازِيَّةِ. ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأهْلِ التَّقْوى لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم يَكْذِبُ بِالقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي حَسْرَتُهم في الدُّنْيا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ فَلا يَحُولُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ قالَ: أيْقَنْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ في الآيَةِ قالَ: يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِن فَواكِهِها وهو قائِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهِ كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: إنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنها مَراجِلُ النّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إلى يَوْمِ تُلْقى في أعْناقِ النّاسِ، وقَدْ نَجّانا اللَّهُ مِن نِصْفِها بِإيمانِنا بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَحُضِّي عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يا أُمَّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ الدَّمُ والماءُ والصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ اسْمُ طَعامٍ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: بِما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ قالَ: بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ عِرْقُ القَلْبِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-١٥٢٨)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ.

الحاقة 69:21

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العَرْضَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وابْتِهاجًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، والكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما يا رَجُلانِ، ولِلْجَمْعِ هاؤُمُ يا رِجالُ، قِيلَ: والأصْلُ هاؤُكم، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى هاؤُمُ تَعالَوْا. وقالَ مُقاتِلٌ: هَلُمَّ، وقِيلَ: خُذُوا، فَهي اسْمُ فِعْلٍ، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ البارِزَةِ المَرْفُوعَةِ بِها، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في عِلْمِ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ: كِتابِيَهْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ الفِعْلَيْنِ، ومَعْمُولُ " هاؤُمُ " مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ " اقْرَءُوا " والتَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ، والهاءُ في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ هي هاءُ السَّكْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ في هَذِهِ بِإثْباتِ الهاءِ وقْفًا ووَصْلًا مُطابَقَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ في الوَصْلِ كَما هو شَأْنُ هاءِ السَّكْتِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ أنْ يَتَعَمَّدَ الوَقْفَ عَلَيْها لِيُوافِقَ اللُّغَةَ (p-١٥٢٦)فِي إلْحاقِ الهاءِ في السَّكْتِ ويُوافِقَ الخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبَ بِحَذْفِها وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا في جَمِيعِ هَذِهِ الألْفاظِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ اتْباعًا لِلُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا أنِّي أُحاسَبُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي ظَنَنْتُ أنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي. قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ. قالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأحْسَنَ العَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وإنَّ الكافِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. قِيلَ: والتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطْراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا. ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ في عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لا مَكْرُوهَةٍ، أوْ ذاتِ رِضا، أيْ يَرْضى بِها صاحِبُها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: راضِيَةٍ أيْ: مَرَضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ فَقَدْ أسْنَدَ إلى العِيشَةِ ما هو لِصاحِبِها، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوْ مُرْتَفِعَةِ المَنازِلِ، أوْ عَظِيمَةٍ في النُّفُوسِ. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ القُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، والقَطافُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وقْتَ القَطْفِ، والمَعْنى: أنَّ ثِمارَها قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلَها مِن قائِمٍ أوْ قاعِدٍ أوْ مُضْطَجِعٍ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا في الجَنَّةِ هَنِيئًا أيْ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا لا تَكْدِيرَ فِيهِ ولا تَنْغِيصَ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي أيّامُ الصِّيامِ وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وكَرْبًا لِما رَأى فِيهِ مِن سَيِّئاتِهِ. ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أُعْطَ كِتابِيَهْ. ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِي لِأنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ. قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ. ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وضَلَّتْ عَنِّي، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطانَيِ الَّذِي في الدُّنْيا، وهو المُلْكُ، وقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلى جَوارِحِي. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. وحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ بِالأغْلالِ. ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ الجَحِيمَ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العَظِيمَةُ. ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ السِّلْسِلَةُ حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وذَرْعُها طُولُها. قالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو. قالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا كُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ نَوْفٌ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِنها وُضِعَتْ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، ومَعْنى فاسْلُكُوهُ فاجْعَلُوهُ فِيها، يُقالُ سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ. قالَ سُفْيانُ: بَلَغَنا أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الخَيْطِ في اللُّؤْلُؤِ. وقالَ سُوِيدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ كَتَقْدِيمِ الجَحِيمِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها. ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: لا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ مِن مالِهِ، أوْ لا يَحُثُّ الغَيْرَ عَلى إطْعامِهِ، ووَضَعَ الطَّعامَ مَوْضِعَ الإطْعامِ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المالَ الرِّعابا أيْ بَعْدَ إعْطائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ عَلى مَعْناهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحُثُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ عَلى بَذْلِ نَفْسِ طَعامِ المِسْكِينِ، وفي جَعْلِ هَذا قَرِينًا لِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ وسَدِّ فاقَتِهِمْ، وحَثِّ النَّفْسِ والنّاسِ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ ويُفِيدُ أكْمَلَ فائِدَةٍ عَلى أنَّ مَنعَهم مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ وأشَدِّ المَآثِمِ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في الآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ أوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ القَرِيبُ مِن قَرِيبِهِ، ويَهْرُبُ عِنْدَهُ الحَبِيبُ مِن حَبِيبِهِ. ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهُ طَعامٌ يَأْكُلُهُ إلّا مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، وما يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ، وغِسْلِينٌ فِعِلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هو شَرُّ الطَّعامِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَعْلَمُ ما هو ولا ما الزَّقُّومَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ عَلى أنَّ الحَمِيمَ هو الماءُ الحارُّ ﴿ولا طَعامٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ. ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، والمُرادُ أصْحابُ الخَطايا وأرْبابُ الذُّنُوبِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ الشِّرْكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ الخاطِئُونَ مَهْمُوزًا، وهو (p-١٥٢٧)اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ إذا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا، والمُخْطِئُ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والحَسَنُ " الخاطِيُونَ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ و" لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِما تُشاهِدُونَهُ وما لا تُشاهِدُونَهُ. قالَ قَتادَةُ: أقْسَمَ بِالأشْياءِ كُلِّها ما يُبْصَرُ مِنها وما لا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: إنَّ " لا " لَيْسَتْ زائِدَةً، بَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ، أيْ: لا أحْتاجُ إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتِلاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ أنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ١٩] وعَلى كُلِّ حالٍ فالقُرْآنُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هو قَوْلُ اللَّهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ التِّلاوَةِ أوِ التَّبْلِيغِ. ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أصْنافِ الشِّعْرِ ولا مُشابِهَ لَهُ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، و" ما " زائِدَةٌ. ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ، فَإنَّ الكِهانَةَ أمْرٌ آخَرُ لا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذا ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، و" ما " زائِدَةٌ، والقِلَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا. ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وهو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى لِسانِهِ. ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيْ: ولَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ، أوْ جِبْرِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقَوُّلُ تَكَلُّفُ القَوْلِ، والمَعْنى: لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وسُمِّي الِافْتِراءُ تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وكُلُّ كاذِبٍ يَتَكَلَّفُ ما يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ " ولَوْ يَقُولُ " عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، والأقاوِيلُ جَمْعُ أقْوالٍ، والأقْوالُ جَمْعُ قَوْلٍ. ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَدِهِ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإذْلالِ عَلى عادَةِ النّاسِ في الأخْذِ بِيَدِ مَن يُعاقَبُ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما أقامَ اليَمِينَ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الوَتِينُ عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حَتّى يَصِلَ بِالقَلْبِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ نِياطُ القَلْبِ. انْتَهى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْهُ ويَدْفَعُنا مِنهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعاقَبْناهُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ مِنهُ والحَجْزِ والمَنعِ، " حاجِزِينَ " صِفَةٌ لِأحَدٍ، أوْ خَبَرٌ لِما الحِجازِيَّةِ. ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأهْلِ التَّقْوى لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم يَكْذِبُ بِالقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي حَسْرَتُهم في الدُّنْيا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ فَلا يَحُولُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ قالَ: أيْقَنْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ في الآيَةِ قالَ: يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِن فَواكِهِها وهو قائِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهِ كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: إنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنها مَراجِلُ النّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إلى يَوْمِ تُلْقى في أعْناقِ النّاسِ، وقَدْ نَجّانا اللَّهُ مِن نِصْفِها بِإيمانِنا بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَحُضِّي عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يا أُمَّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ الدَّمُ والماءُ والصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ اسْمُ طَعامٍ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: بِما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ قالَ: بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ عِرْقُ القَلْبِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-١٥٢٨)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ.

الحاقة 69:22

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العَرْضَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وابْتِهاجًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، والكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما يا رَجُلانِ، ولِلْجَمْعِ هاؤُمُ يا رِجالُ، قِيلَ: والأصْلُ هاؤُكم، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى هاؤُمُ تَعالَوْا. وقالَ مُقاتِلٌ: هَلُمَّ، وقِيلَ: خُذُوا، فَهي اسْمُ فِعْلٍ، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ البارِزَةِ المَرْفُوعَةِ بِها، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في عِلْمِ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ: كِتابِيَهْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ الفِعْلَيْنِ، ومَعْمُولُ " هاؤُمُ " مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ " اقْرَءُوا " والتَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ، والهاءُ في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ هي هاءُ السَّكْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ في هَذِهِ بِإثْباتِ الهاءِ وقْفًا ووَصْلًا مُطابَقَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ في الوَصْلِ كَما هو شَأْنُ هاءِ السَّكْتِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ أنْ يَتَعَمَّدَ الوَقْفَ عَلَيْها لِيُوافِقَ اللُّغَةَ (p-١٥٢٦)فِي إلْحاقِ الهاءِ في السَّكْتِ ويُوافِقَ الخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبَ بِحَذْفِها وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا في جَمِيعِ هَذِهِ الألْفاظِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ اتْباعًا لِلُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا أنِّي أُحاسَبُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي ظَنَنْتُ أنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي. قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ. قالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأحْسَنَ العَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وإنَّ الكافِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. قِيلَ: والتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطْراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا. ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ في عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لا مَكْرُوهَةٍ، أوْ ذاتِ رِضا، أيْ يَرْضى بِها صاحِبُها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: راضِيَةٍ أيْ: مَرَضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ فَقَدْ أسْنَدَ إلى العِيشَةِ ما هو لِصاحِبِها، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوْ مُرْتَفِعَةِ المَنازِلِ، أوْ عَظِيمَةٍ في النُّفُوسِ. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ القُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، والقَطافُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وقْتَ القَطْفِ، والمَعْنى: أنَّ ثِمارَها قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلَها مِن قائِمٍ أوْ قاعِدٍ أوْ مُضْطَجِعٍ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا في الجَنَّةِ هَنِيئًا أيْ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا لا تَكْدِيرَ فِيهِ ولا تَنْغِيصَ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي أيّامُ الصِّيامِ وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وكَرْبًا لِما رَأى فِيهِ مِن سَيِّئاتِهِ. ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أُعْطَ كِتابِيَهْ. ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِي لِأنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ. قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ. ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وضَلَّتْ عَنِّي، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطانَيِ الَّذِي في الدُّنْيا، وهو المُلْكُ، وقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلى جَوارِحِي. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. وحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ بِالأغْلالِ. ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ الجَحِيمَ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العَظِيمَةُ. ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ السِّلْسِلَةُ حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وذَرْعُها طُولُها. قالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو. قالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا كُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ نَوْفٌ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِنها وُضِعَتْ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، ومَعْنى فاسْلُكُوهُ فاجْعَلُوهُ فِيها، يُقالُ سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ. قالَ سُفْيانُ: بَلَغَنا أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الخَيْطِ في اللُّؤْلُؤِ. وقالَ سُوِيدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ كَتَقْدِيمِ الجَحِيمِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها. ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: لا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ مِن مالِهِ، أوْ لا يَحُثُّ الغَيْرَ عَلى إطْعامِهِ، ووَضَعَ الطَّعامَ مَوْضِعَ الإطْعامِ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المالَ الرِّعابا أيْ بَعْدَ إعْطائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ عَلى مَعْناهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحُثُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ عَلى بَذْلِ نَفْسِ طَعامِ المِسْكِينِ، وفي جَعْلِ هَذا قَرِينًا لِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ وسَدِّ فاقَتِهِمْ، وحَثِّ النَّفْسِ والنّاسِ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ ويُفِيدُ أكْمَلَ فائِدَةٍ عَلى أنَّ مَنعَهم مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ وأشَدِّ المَآثِمِ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في الآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ أوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ القَرِيبُ مِن قَرِيبِهِ، ويَهْرُبُ عِنْدَهُ الحَبِيبُ مِن حَبِيبِهِ. ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهُ طَعامٌ يَأْكُلُهُ إلّا مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، وما يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ، وغِسْلِينٌ فِعِلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هو شَرُّ الطَّعامِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَعْلَمُ ما هو ولا ما الزَّقُّومَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ عَلى أنَّ الحَمِيمَ هو الماءُ الحارُّ ﴿ولا طَعامٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ. ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، والمُرادُ أصْحابُ الخَطايا وأرْبابُ الذُّنُوبِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ الشِّرْكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ الخاطِئُونَ مَهْمُوزًا، وهو (p-١٥٢٧)اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ إذا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا، والمُخْطِئُ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والحَسَنُ " الخاطِيُونَ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ و" لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِما تُشاهِدُونَهُ وما لا تُشاهِدُونَهُ. قالَ قَتادَةُ: أقْسَمَ بِالأشْياءِ كُلِّها ما يُبْصَرُ مِنها وما لا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: إنَّ " لا " لَيْسَتْ زائِدَةً، بَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ، أيْ: لا أحْتاجُ إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتِلاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ أنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ١٩] وعَلى كُلِّ حالٍ فالقُرْآنُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هو قَوْلُ اللَّهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ التِّلاوَةِ أوِ التَّبْلِيغِ. ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أصْنافِ الشِّعْرِ ولا مُشابِهَ لَهُ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، و" ما " زائِدَةٌ. ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ، فَإنَّ الكِهانَةَ أمْرٌ آخَرُ لا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذا ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، و" ما " زائِدَةٌ، والقِلَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا. ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وهو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى لِسانِهِ. ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيْ: ولَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ، أوْ جِبْرِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقَوُّلُ تَكَلُّفُ القَوْلِ، والمَعْنى: لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وسُمِّي الِافْتِراءُ تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وكُلُّ كاذِبٍ يَتَكَلَّفُ ما يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ " ولَوْ يَقُولُ " عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، والأقاوِيلُ جَمْعُ أقْوالٍ، والأقْوالُ جَمْعُ قَوْلٍ. ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَدِهِ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإذْلالِ عَلى عادَةِ النّاسِ في الأخْذِ بِيَدِ مَن يُعاقَبُ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما أقامَ اليَمِينَ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الوَتِينُ عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حَتّى يَصِلَ بِالقَلْبِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ نِياطُ القَلْبِ. انْتَهى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْهُ ويَدْفَعُنا مِنهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعاقَبْناهُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ مِنهُ والحَجْزِ والمَنعِ، " حاجِزِينَ " صِفَةٌ لِأحَدٍ، أوْ خَبَرٌ لِما الحِجازِيَّةِ. ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأهْلِ التَّقْوى لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم يَكْذِبُ بِالقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي حَسْرَتُهم في الدُّنْيا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ فَلا يَحُولُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ قالَ: أيْقَنْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ في الآيَةِ قالَ: يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِن فَواكِهِها وهو قائِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهِ كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: إنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنها مَراجِلُ النّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إلى يَوْمِ تُلْقى في أعْناقِ النّاسِ، وقَدْ نَجّانا اللَّهُ مِن نِصْفِها بِإيمانِنا بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَحُضِّي عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يا أُمَّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ الدَّمُ والماءُ والصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ اسْمُ طَعامٍ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: بِما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ قالَ: بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ عِرْقُ القَلْبِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-١٥٢٨)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ.