Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الحاقة 69:51 – المعارج 70:24

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الحاقة 69:51
  2. الحاقة 69:52
  3. المعارج 70:1
  4. المعارج 70:2
  5. المعارج 70:3
  6. المعارج 70:4
  7. المعارج 70:5
  8. المعارج 70:6
  9. المعارج 70:7
  10. المعارج 70:8
  11. المعارج 70:9
  12. المعارج 70:10
  13. المعارج 70:11
  14. المعارج 70:12
  15. المعارج 70:13
  16. المعارج 70:14
  17. المعارج 70:15
  18. المعارج 70:16
  19. المعارج 70:17
  20. المعارج 70:18
  21. المعارج 70:19
  22. المعارج 70:20
  23. المعارج 70:21
  24. المعارج 70:22
  25. المعارج 70:23
  26. المعارج 70:24

الحاقة 69:51

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العَرْضَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وابْتِهاجًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، والكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما يا رَجُلانِ، ولِلْجَمْعِ هاؤُمُ يا رِجالُ، قِيلَ: والأصْلُ هاؤُكم، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى هاؤُمُ تَعالَوْا. وقالَ مُقاتِلٌ: هَلُمَّ، وقِيلَ: خُذُوا، فَهي اسْمُ فِعْلٍ، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ البارِزَةِ المَرْفُوعَةِ بِها، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في عِلْمِ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ: كِتابِيَهْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ الفِعْلَيْنِ، ومَعْمُولُ " هاؤُمُ " مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ " اقْرَءُوا " والتَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ، والهاءُ في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ هي هاءُ السَّكْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ في هَذِهِ بِإثْباتِ الهاءِ وقْفًا ووَصْلًا مُطابَقَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ في الوَصْلِ كَما هو شَأْنُ هاءِ السَّكْتِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ أنْ يَتَعَمَّدَ الوَقْفَ عَلَيْها لِيُوافِقَ اللُّغَةَ (p-١٥٢٦)فِي إلْحاقِ الهاءِ في السَّكْتِ ويُوافِقَ الخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبَ بِحَذْفِها وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا في جَمِيعِ هَذِهِ الألْفاظِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ اتْباعًا لِلُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا أنِّي أُحاسَبُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي ظَنَنْتُ أنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي. قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ. قالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأحْسَنَ العَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وإنَّ الكافِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. قِيلَ: والتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطْراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا. ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ في عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لا مَكْرُوهَةٍ، أوْ ذاتِ رِضا، أيْ يَرْضى بِها صاحِبُها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: راضِيَةٍ أيْ: مَرَضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ فَقَدْ أسْنَدَ إلى العِيشَةِ ما هو لِصاحِبِها، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوْ مُرْتَفِعَةِ المَنازِلِ، أوْ عَظِيمَةٍ في النُّفُوسِ. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ القُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، والقَطافُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وقْتَ القَطْفِ، والمَعْنى: أنَّ ثِمارَها قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلَها مِن قائِمٍ أوْ قاعِدٍ أوْ مُضْطَجِعٍ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا في الجَنَّةِ هَنِيئًا أيْ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا لا تَكْدِيرَ فِيهِ ولا تَنْغِيصَ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي أيّامُ الصِّيامِ وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وكَرْبًا لِما رَأى فِيهِ مِن سَيِّئاتِهِ. ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أُعْطَ كِتابِيَهْ. ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِي لِأنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ. قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ. ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وضَلَّتْ عَنِّي، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطانَيِ الَّذِي في الدُّنْيا، وهو المُلْكُ، وقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلى جَوارِحِي. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. وحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ بِالأغْلالِ. ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ الجَحِيمَ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العَظِيمَةُ. ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ السِّلْسِلَةُ حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وذَرْعُها طُولُها. قالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو. قالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا كُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ نَوْفٌ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِنها وُضِعَتْ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، ومَعْنى فاسْلُكُوهُ فاجْعَلُوهُ فِيها، يُقالُ سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ. قالَ سُفْيانُ: بَلَغَنا أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الخَيْطِ في اللُّؤْلُؤِ. وقالَ سُوِيدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ كَتَقْدِيمِ الجَحِيمِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها. ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: لا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ مِن مالِهِ، أوْ لا يَحُثُّ الغَيْرَ عَلى إطْعامِهِ، ووَضَعَ الطَّعامَ مَوْضِعَ الإطْعامِ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المالَ الرِّعابا أيْ بَعْدَ إعْطائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ عَلى مَعْناهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحُثُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ عَلى بَذْلِ نَفْسِ طَعامِ المِسْكِينِ، وفي جَعْلِ هَذا قَرِينًا لِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ وسَدِّ فاقَتِهِمْ، وحَثِّ النَّفْسِ والنّاسِ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ ويُفِيدُ أكْمَلَ فائِدَةٍ عَلى أنَّ مَنعَهم مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ وأشَدِّ المَآثِمِ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في الآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ أوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ القَرِيبُ مِن قَرِيبِهِ، ويَهْرُبُ عِنْدَهُ الحَبِيبُ مِن حَبِيبِهِ. ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهُ طَعامٌ يَأْكُلُهُ إلّا مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، وما يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ، وغِسْلِينٌ فِعِلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هو شَرُّ الطَّعامِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَعْلَمُ ما هو ولا ما الزَّقُّومَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ عَلى أنَّ الحَمِيمَ هو الماءُ الحارُّ ﴿ولا طَعامٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ. ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، والمُرادُ أصْحابُ الخَطايا وأرْبابُ الذُّنُوبِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ الشِّرْكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ الخاطِئُونَ مَهْمُوزًا، وهو (p-١٥٢٧)اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ إذا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا، والمُخْطِئُ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والحَسَنُ " الخاطِيُونَ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ و" لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِما تُشاهِدُونَهُ وما لا تُشاهِدُونَهُ. قالَ قَتادَةُ: أقْسَمَ بِالأشْياءِ كُلِّها ما يُبْصَرُ مِنها وما لا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: إنَّ " لا " لَيْسَتْ زائِدَةً، بَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ، أيْ: لا أحْتاجُ إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتِلاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ أنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ١٩] وعَلى كُلِّ حالٍ فالقُرْآنُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هو قَوْلُ اللَّهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ التِّلاوَةِ أوِ التَّبْلِيغِ. ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أصْنافِ الشِّعْرِ ولا مُشابِهَ لَهُ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، و" ما " زائِدَةٌ. ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ، فَإنَّ الكِهانَةَ أمْرٌ آخَرُ لا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذا ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، و" ما " زائِدَةٌ، والقِلَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا. ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وهو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى لِسانِهِ. ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيْ: ولَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ، أوْ جِبْرِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقَوُّلُ تَكَلُّفُ القَوْلِ، والمَعْنى: لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وسُمِّي الِافْتِراءُ تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وكُلُّ كاذِبٍ يَتَكَلَّفُ ما يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ " ولَوْ يَقُولُ " عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، والأقاوِيلُ جَمْعُ أقْوالٍ، والأقْوالُ جَمْعُ قَوْلٍ. ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَدِهِ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإذْلالِ عَلى عادَةِ النّاسِ في الأخْذِ بِيَدِ مَن يُعاقَبُ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما أقامَ اليَمِينَ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الوَتِينُ عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حَتّى يَصِلَ بِالقَلْبِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ نِياطُ القَلْبِ. انْتَهى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْهُ ويَدْفَعُنا مِنهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعاقَبْناهُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ مِنهُ والحَجْزِ والمَنعِ، " حاجِزِينَ " صِفَةٌ لِأحَدٍ، أوْ خَبَرٌ لِما الحِجازِيَّةِ. ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأهْلِ التَّقْوى لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم يَكْذِبُ بِالقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي حَسْرَتُهم في الدُّنْيا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ فَلا يَحُولُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ قالَ: أيْقَنْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ في الآيَةِ قالَ: يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِن فَواكِهِها وهو قائِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهِ كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: إنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنها مَراجِلُ النّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إلى يَوْمِ تُلْقى في أعْناقِ النّاسِ، وقَدْ نَجّانا اللَّهُ مِن نِصْفِها بِإيمانِنا بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَحُضِّي عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يا أُمَّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ الدَّمُ والماءُ والصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ اسْمُ طَعامٍ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: بِما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ قالَ: بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ عِرْقُ القَلْبِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-١٥٢٨)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ.

الحاقة 69:52

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العَرْضَ ذَكَرَ ما يَكُونُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وابْتِهاجًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، والكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما يا رَجُلانِ، ولِلْجَمْعِ هاؤُمُ يا رِجالُ، قِيلَ: والأصْلُ هاؤُكم، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى هاؤُمُ تَعالَوْا. وقالَ مُقاتِلٌ: هَلُمَّ، وقِيلَ: خُذُوا، فَهي اسْمُ فِعْلٍ، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ البارِزَةِ المَرْفُوعَةِ بِها، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في عِلْمِ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ: كِتابِيَهْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ الفِعْلَيْنِ، ومَعْمُولُ " هاؤُمُ " مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْمُولُ " اقْرَءُوا " والتَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ، والهاءُ في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ هي هاءُ السَّكْتِ. قَرَأ الجُمْهُورُ في هَذِهِ بِإثْباتِ الهاءِ وقْفًا ووَصْلًا مُطابَقَةً لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ في الوَصْلِ كَما هو شَأْنُ هاءِ السَّكْتِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ أنْ يَتَعَمَّدَ الوَقْفَ عَلَيْها لِيُوافِقَ اللُّغَةَ (p-١٥٢٦)فِي إلْحاقِ الهاءِ في السَّكْتِ ويُوافِقَ الخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبَ بِحَذْفِها وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا في جَمِيعِ هَذِهِ الألْفاظِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، واخْتارَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ اتْباعًا لِلُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا أنِّي أُحاسَبُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي ظَنَنْتُ أنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي. قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ. قالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأحْسَنَ العَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وإنَّ الكافِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ. قِيلَ: والتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطْراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا. ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ في عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لا مَكْرُوهَةٍ، أوْ ذاتِ رِضا، أيْ يَرْضى بِها صاحِبُها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: راضِيَةٍ أيْ: مَرَضِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ فَقَدْ أسْنَدَ إلى العِيشَةِ ما هو لِصاحِبِها، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوْ مُرْتَفِعَةِ المَنازِلِ، أوْ عَظِيمَةٍ في النُّفُوسِ. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ القُطُوفُ: جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، والقَطافُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وقْتَ القَطْفِ، والمَعْنى: أنَّ ثِمارَها قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلَها مِن قائِمٍ أوْ قاعِدٍ أوْ مُضْطَجِعٍ. ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ أيْ يُقالُ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا في الجَنَّةِ هَنِيئًا أيْ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا لا تَكْدِيرَ فِيهِ ولا تَنْغِيصَ ﴿بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي أيّامُ الصِّيامِ وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وكَرْبًا لِما رَأى فِيهِ مِن سَيِّئاتِهِ. ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أُعْطَ كِتابِيَهْ. ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِي لِأنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيْ: لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مُتُّها كانَتِ القاضِيَةَ ولَمْ أحْيَ بَعْدَها، ومَعْنى: القاضِيَةَ القاطِعَةُ لِلْحَياةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ وعَدَمَ البَعْثِ لَمّا شاهَدَ مِن سُوءِ عَمَلِهِ وما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، فالضَّمِيرُ في لَيْتَها يَعُودُ إلى المَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كانَ ماتَها وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، لِأنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ. قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا شَيْءٌ عِنْدَهُ أكْرَهَ مِنهُ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ مِنهُ المَوْتُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ. ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وضَلَّتْ عَنِّي، كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطانَيِ الَّذِي في الدُّنْيا، وهو المُلْكُ، وقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلى جَوارِحِي. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. وحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ أيِ اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ بِالأغْلالِ. ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ الجَحِيمَ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العَظِيمَةُ. ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ السِّلْسِلَةُ حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وذَرْعُها طُولُها. قالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو. قالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا كُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ نَوْفٌ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِنها وُضِعَتْ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، ومَعْنى فاسْلُكُوهُ فاجْعَلُوهُ فِيها، يُقالُ سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ. قالَ سُفْيانُ: بَلَغَنا أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الخَيْطِ في اللُّؤْلُؤِ. وقالَ سُوِيدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ كَتَقْدِيمِ الجَحِيمِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها. ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: لا يَحُثُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ مِن مالِهِ، أوْ لا يَحُثُّ الغَيْرَ عَلى إطْعامِهِ، ووَضَعَ الطَّعامَ مَوْضِعَ الإطْعامِ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المالَ الرِّعابا أيْ بَعْدَ إعْطائِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ عَلى مَعْناهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحُثُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ عَلى بَذْلِ نَفْسِ طَعامِ المِسْكِينِ، وفي جَعْلِ هَذا قَرِينًا لِتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ وسَدِّ فاقَتِهِمْ، وحَثِّ النَّفْسِ والنّاسِ عَلى ذَلِكَ ما يَدُلُّ أبْلَغَ دَلالَةٍ ويُفِيدُ أكْمَلَ فائِدَةٍ عَلى أنَّ مَنعَهم مِن أعْظَمِ الجَرائِمِ وأشَدِّ المَآثِمِ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في الآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ أوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ القَرِيبُ مِن قَرِيبِهِ، ويَهْرُبُ عِنْدَهُ الحَبِيبُ مِن حَبِيبِهِ. ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهُ طَعامٌ يَأْكُلُهُ إلّا مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، وما يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ، وغِسْلِينٌ فِعِلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هو شَرُّ الطَّعامِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَعْلَمُ ما هو ولا ما الزَّقُّومَ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ عَلى أنَّ الحَمِيمَ هو الماءُ الحارُّ ﴿ولا طَعامٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ. ولا مُلْجِئَ لِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، والمُرادُ أصْحابُ الخَطايا وأرْبابُ الذُّنُوبِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ الشِّرْكُ. قَرَأ الجُمْهُورُ الخاطِئُونَ مَهْمُوزًا، وهو (p-١٥٢٧)اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ إذا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا، والمُخْطِئُ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والحَسَنُ " الخاطِيُونَ " بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ و" لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِما تُشاهِدُونَهُ وما لا تُشاهِدُونَهُ. قالَ قَتادَةُ: أقْسَمَ بِالأشْياءِ كُلِّها ما يُبْصَرُ مِنها وما لا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وقِيلَ: إنَّ " لا " لَيْسَتْ زائِدَةً، بَلْ هي لِنَفْيِ القَسَمِ، أيْ: لا أحْتاجُ إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتِلاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ أنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِهِ جِبْرِيلَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ١٩] وعَلى كُلِّ حالٍ فالقُرْآنُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هو قَوْلُ اللَّهِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ التِّلاوَةِ أوِ التَّبْلِيغِ. ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أصْنافِ الشِّعْرِ ولا مُشابِهَ لَهُ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، و" ما " زائِدَةٌ. ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَزْعُمُونَ، فَإنَّ الكِهانَةَ أمْرٌ آخَرُ لا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَ هَذا ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، و" ما " زائِدَةٌ، والقِلَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا. ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وهو تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى لِسانِهِ. ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ أيْ: ولَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ، أوْ جِبْرِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقَوُّلُ تَكَلُّفُ القَوْلِ، والمَعْنى: لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وجاءَ بِهِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وسُمِّي الِافْتِراءُ تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وكُلُّ كاذِبٍ يَتَكَلَّفُ ما يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأ الجُمْهُورُ تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ " ولَوْ يَقُولُ " عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، والأقاوِيلُ جَمْعُ أقْوالٍ، والأقْوالُ جَمْعُ قَوْلٍ. ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَدِهِ اليَمِينِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإذْلالِ عَلى عادَةِ النّاسِ في الأخْذِ بِيَدِ مَن يُعاقَبُ. وقالَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما أقامَ اليَمِينَ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وقَوْلُ الآخَرِ: ؎ولَمّا رَأيْتُ الشَّمْسَ أشْرَقَ نُورُها ∗∗∗ تَناوَلْتُ مِنها حاجَتِي بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الوَتِينُ عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حَتّى يَصِلَ بِالقَلْبِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعَ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ إنَّهُ نِياطُ القَلْبِ. انْتَهى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْهُ ويَدْفَعُنا مِنهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأجْلِكم مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعاقَبْناهُ ولا تَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ مِنهُ والحَجْزِ والمَنعِ، " حاجِزِينَ " صِفَةٌ لِأحَدٍ، أوْ خَبَرٌ لِما الحِجازِيَّةِ. ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: إنَّ القُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأهْلِ التَّقْوى لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنَّ بَعْضَكم يَكْذِبُ بِالقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفي هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ. ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ ونَدامَةٌ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي حَسْرَتُهم في الدُّنْيا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُعارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ. ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ فَلا يَحُولُ حَوْلَهُ رَيْبٌ ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ قالَ: أيْقَنْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قالَ: قَرِيبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ في الآيَةِ قالَ: يَتَناوَلُ الرَّجُلُ مِن فَواكِهِها وهو قائِمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِن فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهِ كَما يُنْظَمُ الجَرادُ في العُودِ ثُمَّ يُشْوى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: إنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنها مَراجِلُ النّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إلى يَوْمِ تُلْقى في أعْناقِ النّاسِ، وقَدْ نَجّانا اللَّهُ مِن نِصْفِها بِإيمانِنا بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَحُضِّي عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يا أُمَّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ الدَّمُ والماءُ والصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن لُحُومِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غِسْلِينٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغِسْلِينُ اسْمُ طَعامٍ مِن أطْعِمَةِ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَقُولُ: بِما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ قالَ: بِقُدْرَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ عِرْقُ القَلْبِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-١٥٢٨)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿الوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ.

المعارج 70:1

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:2

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:3

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:4

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:5

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:6

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:7

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:8

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:9

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:10

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:11

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:12

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:13

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:14

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:15

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:16

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:17

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:18

وهي مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بِاتِّفاقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ سَألَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَألَ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَن هَمَزَ فَهو مِنَ السُّؤالِ وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ، وهو إمّا مُضَمَّنٌ مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ كَما تَقُولُ دَعَوْتُ لِكَذا، والمَعْنى: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِهِ والباءُ بِمَعْنى " عَنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ومَن لَمْ يَهْمِزْ، فَهو إمّا مِن بابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، فَيَكُونُ مَعْناها مَعْنى قِراءَةِ مَن هَمَزَ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلانِ، والمَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ سائِلٌ كَما قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ " سالَ سَيْلٌ " وقِيلَ: إنَّ سالَ بِمَعْنى التَمَسَ، والمَعْنى: التَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذابًا لِلْكُفّارِ، فَتَكُونُ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] والوَجْهُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ خَرَجْنا نَسْألُ عَنْ فُلانٍ وبِفُلانٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإذا كانَ مِنَ السُّؤالِ فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهَذا السّائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ. والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " سالَ سالٌ " مِثْلَ: مالَ مالٌ عَلى أنَّ الأصْلَ سائِلٌ، فَحُذِفَتِ العَيْنُ تَخْفِيفًا، كَما قِيلَ: شاكٌ في شائِكِ السِّلاحِ. وقِيلَ: السّائِلُ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ العَذابَ لِلْكافِرِينَ، وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعا بِالعِقابِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ يَعْنِي إمّا في الدُّنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: لِلْكافِرِينَ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أيْ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أوْ بِسَألَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى دَعا، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرٍ: هو لِلْكافِرِينَ، أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى عَلى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ " بِعَذابٍ واقِعٍ عَلى الكافِرِينَ " . قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ: بِعَذابٍ لِلْكافِرِينَ واقِعٌ بِهِمْ، فالواقِعُ مِن نَعْتِ العَذابِ، وجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ دافِعٌ " صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يُدْفَعُ ذَلِكَ العَذابُ الواقِعُ بِهِ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، أيْ: واقِعٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ بِدافِعٍ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ أيْ: ذِي الدَّرَجاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي السَّماواتُ، وسَمّاها مَعارِجَ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ فِيها، وقِيلَ: المَعارِجُ مَراتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعارِجُ العَظَمَةُ، وقِيلَ: هي الغُرَفُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ذِي المَعارِيجِ " بِزِيادَةِ الياءِ، يُقالُ: مَعارِجُ ومَعارِيجُ مِثْلُ مِفاتِحَ ومَفاتِيحَ. ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ أيْ تَصَعَدُ في تِلْكَ المَعارِجِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرُجُ بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والرُّوحُ جِبْرِيلُ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ المَلائِكَةِ لِشَرَفِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جِبْرِيلَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: إنَّهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ النّاسِ. وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إنَّهُ رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، والأوَّلُ أوْلى. ومَعْنى " إلَيْهِ " أيْ إلى المَكانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إلى عَرْشِهِ، وقِيلَ: هو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ، والكَلْبِيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أيْ: عَرَجَ المَلائِكَةُ إلى المَكانِ الَّذِي هو مَحَلُّها في وقْتٍ كانَ مِقْدارُهُ عَلى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ - خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيا هَذا المِقْدارُ، لا يَدْرِي أحَدٌ كَمْ مَضى ولا كَمْ بَقِيَ، ولا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ. وقالَ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ المُرادَ يَوْمُ القِيامَةِ، يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ الأمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلّاهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو سُبْحانَهُ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ العِبادِ لِلْحِسابِ هي هَذا المِقْدارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: إنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى الكافِرِينَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وعَلى المُؤْمِنِينَ مِقْدارُ ما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: ذُكِرَ هَذا المِقْدارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها، أوْ لِطُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ كَما تَصِفُ العَرَبُ أيّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وأيّامَ الفَرَحِ بِالقِصَرِ، ويُشَبِّهُونَ اليَوْمَ القَصِيرَ بِإبْهامِ القَطاةِ، والطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنّا واصْطِفافُ المَزاهِرِ (p-١٥٢٩)وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ قِيلَ في الجَمْعِ: إنَّ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِن أعْلى سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ غِلَظَ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمائَةِ عامٍ، فالمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ إذا عَرَجَتْ مِن أسْفَلِ العالَمِ إلى العَرْشِ كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ عَرَجُوا مِن هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيها إلى باطِنِ هَذِهِ السَّماءِ الَّتِي هي سَماءُ الدُّنْيا كانَ مَسافَةُ ذَلِكَ ألْفَ سَنَةٍ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ ما يُؤَيِّدُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أيِ اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وكُفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا لا جَزَعَ فِيهِ ولا شَكْوى إلى غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا مَعْنى الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وقِيلَ: هو أنْ يَكُونَ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ لا يُدْرى بِأنَّهُ مُصابٌ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ الواقِعَ بِهِمْ، أوْ يَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعِيدًا، أيْ: غَيْرَ كائِنٍ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنى بَعِيدًا أيْ مُسْتَبْعَدًا مُحالًا، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قالَ الأعْمَشُ: يَرَوْنَ البَعْثَ بَعِيدًا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحالَةِ كَما تَقُولُ لِمَن تُناظِرُهُ: هَذا بَعِيدٌ، أيْ: لا يَكُونُ. ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ أيْ: نَعْلَمُهُ كائِنًا قَرِيبًا؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ. وقِيلَ: المَعْنى: ونَراهُ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ ولا مُتَعَذِّرٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ مَتى يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ واقِعٍ أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ " واقِعٍ " أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " قَرِيبًا " أوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ إلَخْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " نَراهُ "، والأوَّلُ أوْلى. والتَّقْدِيرُ: يَقَعُ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ. والمُهْلُ: ما أُذِيبُ مِنَ النُّحّاسِ والرَّصاصِ والفِضَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو القَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ والدَّمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ والدُّخانِ. ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، ولا يُقالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلّا إذا كانَ مَصْبُوغًا. قالَ الحَسَنُ: تَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ، وهو الصُّوفُ الأحْمَرُ، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، وقِيلَ: العِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ، فَشَبَّهَ الجِبالَ بِهِ في تَكَوُّنِها ألْوانًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الهَواءِ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ. ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما نَزَلَ بِهِمْ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ الَّتِي أذْهَلَتِ القَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، والخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقِيلَ: المَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الحَرْفُ ووُصِلَ الفِعْلُ. قَرَأ الجُمْهُورُ لا يَسْألُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قِيلَ: والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا شَفاعَتَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وشَيْبَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ البَزِّيُّ عَنْ عاصِمٍ، والمَعْنى: لا يَسْألُ حَمِيمٌ إحْضارَ حَمِيمِهِ، وقِيلَ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إنْسانٍ يَسْألُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ عَمَلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا﴾ أيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. ولَيْسَ في القِيامَةِ مَخْلُوقٌ وإلّا وهو نُصْبُ عَيْنِ صاحِبِهِ، ولا يَتَساءَلُونَ ولا يُكَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكُفّارَ في النّارِ الَّذِينَ أضَلُّوهم في الدُّنْيا وهُمُ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهم يَرْجِعُ إلى المَلائِكَةِ، أيْ: يَعْرِفُونَ أحْوالَ النّاسِ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في " يُبَصَّرُونَهم "، وهُما لِلْحَمِيمَيْنِ حَمْلًا عَلى مَعْنى العُمُومِ، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، قَرَأ الجُمْهُورُ يُبَصَّرُونَهم بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الكَلامَ فَقالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ المُرادُ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ، أوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ فَإنَّ هَؤُلاءِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيْهِ وأكْرَمُهم لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ لَفَدى بِهِمْ نَفْسَهَ وخَلَصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ بِمَن ذُكِرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بِإضافَةِ " عَذابِ " إلى " يَوْمِئِذٍ " . وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذابٍ وقَطْعِ الإضافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَوْمَئِذٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِها. ﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ في النَّسَبِ أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويَأْوِي إلَيْهِمْ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: هم آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ. قالَ المُبَرِّدُ: الفَصِيلَةُ القِطْعَةُ مِن أعْضاءِ الجَسَدِ. وسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَها بِالبَعْضِ مِنهُ. وقالَ مالِكٌ: إنَّ الفَصِيلَةَ هي الَّتِي تُرَبِّيهِ. ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: ويَوَدُّ المُجْرِمُ لَوِ افْتَدى بِمَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِما مِنَ الخَلائِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وكانَ العَطْفُ بِثُمَّ لِدَلالَتِها عَلى اسْتِبْعادِ النَّجاةِ، وقِيلَ: إنَّ " يَوَدُّ " تَقْتَضِي جَوابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] والجَوابُ " ثُمَّ يُنْجِيهِ "، والأوَّلُ أوْلى. وقَوْلُهُ: كَلّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الوَدادَةِ، وبَيانُ امْتِناعِ ما ودَّهُ مِنَ الِافْتِداءِ، و" كَلّا " يَأْتِي بِمَعْنى حَقًّا، وبِمَعْنى " لا " مَعَ تَضَمُّنِها لِمَعْنى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، والضَّمِيرُ في (p-١٥٣٠)قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَظى﴾ لِجَهَنَّمَ، واشْتِقاقُها مِنَ التَّلَظِّي في النّارِ وهو التَّلَهُّبُ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنى دَوامِ العَذابِ، فَقُلِبَتْ إحْدى الظّاءَيْنِ ألِفًا، وقِيلَ: لَظى: هي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ. ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " نَزّاعَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِ " إنَّ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ تَكُونُ لَظى بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، ونَزّاعَةٌ خَبَرُ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ نَزّاعَةً صِفَةٌ لِلَظى عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِها عَلَمًا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في أنَّها لِلْقِصَّةِ، ويَكُونُ لَظًى مُبْتَدَأً ونَزّاعَةٌ خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ، والزَّعْفَرانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مِقْسَمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى التَّلَظِّي، أوِ النَّصْبُ عَلى الِاخْتِصاصِ، والشَّوى الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ وقالَ الحَسَنُ، وثابِتٌ البُنانِيُّ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾، أيْ: لِمْكارِمِ الوَجْهِ وحُسْنِهِ، وكَذا قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: تَبْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ حَتّى لا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وقالَ الكِسائِيُّ: هي المَفاصِلُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: هي أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. تَدْعُو مَن أدْبَرَ أيْ: تَدْعُو لَظى مَن أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا وتَوَلّى أيْ أعْرَضَ عَنْهُ. ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ، قِيلَ: إنَّها تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: مَعْنى تَدْعُو تُهْلِكُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعاكَ اللَّهُ، أيْ: أهْلَكَكَ، وقِيلَ: لَيْسَ هو الدُّعاءُ بِاللِّسانِ، ولَكِنْ دُعاؤُها إيّاهم تَمَكُّنُها مِن عَذابِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَأسْنَدَ الدُّعاءَ إلى النّارِ، مِن بابِ إسْنادِ ما هو لِلْحالِ إلى المَحَلِّ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ، ولا دُعاءَ في الحَقِيقَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَصِيرَهم إلَيْها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَقَدْ هَبَطْنا الوادِ بَيْنَ قُوّادِنا ∗∗∗ نَدْعُو الأنِيسَ بِهِ الغَصِيصُ الأبْكَمُ والغَصِيصُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهي لا تَدْعُو، وفي هَذا ذَمٌّ لِمَن جَمَعَ المالَ فَأوْعاهُ، وكَنَزَهُ ولَمْ يُنْفِقْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، أوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: هو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ: كائِنٌ لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ قالَ: ذِي الدَّرَجاتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ قالَ: " سالَ " وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ قالَ: ذِي العُلُوِّ والفَواضِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: مُنْتَهى أمْرِهِ مِن أسْفَلِ الأرَضِينَ إلى مُنْتَهى أمْرِهِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مِقْدارُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الأمْرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: غِلَظُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وغِلَظُ كُلِّ سَماءٍ خَمْسُمِائَةُ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ومِنَ السَّماءِ إلى السَّماءِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: هَذا في الدُّنْيا تَعْرُجُ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَهَذا يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلى الكافِرِ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكانَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن أيّامِكم. قالَ: يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الوَقْفُ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ ؟ فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» . وفِي إسْنادِهِ دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، وهُما ضَعِيفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «ما قَدْرُ طُولِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إلّا كَقَدْرِ ما بَيْنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قالَ: لا تَشْكُو إلى أحَدٍ غَيْرِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ قالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعارَفُونَ ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرَّأْسِ.

المعارج 70:19

(p-١٥٣١)قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ: أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ وأفْحَشُهُ يُقالُ هَلِعَ بِالكَسْرِ فَهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ عَلى التَّكْثِيرِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الضَّجُورُ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: تَفْسِيرُ الهَلَعِ ما بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجَةُ أوِ المَرَضُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهو جَزُوعٌ، أيْ: كَثِيرُ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ مِنَ الغِنى والخِصْبِ والسَّعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو كَثِيرُ المَنعِ والإمْساكِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلُوعُ هو الَّذِي إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الهَلُوعَ: هو الَّذِي إذا أصابَهُ الشَّرُّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ هَلُوعٌ وهِلْواعٌ إذا كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎شَكا ذِعْلِبَةً إذا اسْتَدْبَرْتَها حَرَجٌ إذا اسْتَقْبَلْتَها هِلْواعُ والذِّعْلِبَةُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وانْتِصابُ هَلُوعًا وجَزُوعًا ومَنُوعًا عَلى أنَّها أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِها طَبائِعَ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، والظَّرْفانِ مَعْمُولانِ لِ " جَزُوعًا " و" مَنُوعًا " . ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ: يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الهَلَعِ، والجَزَعِ، والمَنعِ، وأنَّهم عَلى صِفاتٍ مَحْمُودَةٍ وخِلالٍ مَرْضِيَّةٍ؛ لِأنَّ إيمانَهم وما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ودِينِ الحَقِّ يَزْجُرُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ، ولا يَصْرِفُهم عَنْها صارِفٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدَّوامِ أنَّهم يُصَلُّونَ أبَدًا. قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: هو التَّطَوُّعُ مِنها. قالَ النَّخَعِيُّ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَها لِوَقْتِها والمُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الصَّحابَةُ خاصَّةً، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ لِاتِّصافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأنَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ. ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سِوى الزَّكاةِ، وقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الزَّكاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ولِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السّائِلِ والمَحْرُومِ في سُورَةِ الذّارِياتِ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يَجْحَدُونَهُ، وقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأعْمالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ. ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ وجِلُونَ مَعَ ما لَهم مِن أعْمالِ الطّاعَةِ اسْتِحْقارًا لِأعْمالِهِمْ، واعْتِرافًا بِما يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَهُ أحَدٌ، وأنَّ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَخافَهُ. ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها ولا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ العُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِأماناتِهِمْ﴾ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لِأمانَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَها عَلى مَن كانَتْ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ أوْ رَفِيعٍ أوْ وضِيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " بِشَهادَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ حَفْصٌ، ويَعْقُوبَ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ. قالَ الواحِدِيُّ، والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: عَلى أذْكارِها وأرْكانِها وشَرائِطِها لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: عَلى وُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ التَّطَوُّعُ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلاةِ لِاخْتِلافِ ما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا، وما وصَفَهم بِهِ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى الدَّوامِ: هو أنْ لا يَشْتَغِلُ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ كَما سَلَفَ، ومَعْنى المُحافَظَةِ: أنْ يُراعِيَ الأُمُورَ الَّتِي لا تَكُونُ صَلاةٌ بِدُونِها، وقِيلَ: المُرادُ يُحافِظُونَ عَلَيْها بَعْدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوابَها، وكَرَّرَ المَوْصُولاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ وصْفٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ لِجَلالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها مُكْرَمُونَ بِأنْواعِ الكَراماتِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ " مُكْرَمُونَ "، و" في جَنّاتٍ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم حَوالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قالَ الأخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ إلَيْهِمْ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقِيلَ: المَعْنى: ما بالُهم يُسْرِعُونَ إلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوالَيْكَ ولا يَعْمَلُونَ بِما تَأْمُرُهم، وقِيلَ: ما بالُهم مُسْرِعِينَ إلى التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: ما بالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إلى السَّماعِ إلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المَعْنى: مُهْطِعِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ، وقِيلَ: مُسْرِعِينَ إلَيْكَ مادِّي أعْناقِهِمْ مُدِيمِي النَّظَرِ إلَيْكَ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ شِمالِهِ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، و" عِزِينَ " جَمْعُ عِزَةٍ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-١٥٣٢) ؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا وقالَ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎وقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدى ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزِينا وقِيلَ: أصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى. قالَ في الصِّحاحِ: والعِزَةُ: الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ التّاءِ، والجَمْعُ عِزِيٌّ وعِزُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أوْ بِمُهْطِعِينَ. ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلا يَنْبَغِي لَهم هَذا التَّكَبُّرُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ، وهو امْتِثالُ الأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْرِيضُهم لِلثَّوابِ والعِقابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذاريات: ٥٦] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارا ∗∗∗ وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوى أنْ يُزارا وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ، فَقالَ: هو كَما قالَ اللَّهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿هَلُوعًا﴾ قالَ: الشَّرِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: عَلى مَواقِيتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قالَ: العُصَبُ مِنَ النّاسِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ ونَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: ما لِي أراكم عِزِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، والضِّياءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحّاشٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ وقالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ولِلْأرْضِ مِنكَ وئِيدٌ فَجَمَعْتَ ومَنَعْتَ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ أوَأتى أوانُ الصَّدَقَةِ» .

المعارج 70:20

(p-١٥٣١)قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ: أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ وأفْحَشُهُ يُقالُ هَلِعَ بِالكَسْرِ فَهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ عَلى التَّكْثِيرِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الضَّجُورُ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: تَفْسِيرُ الهَلَعِ ما بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجَةُ أوِ المَرَضُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهو جَزُوعٌ، أيْ: كَثِيرُ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ مِنَ الغِنى والخِصْبِ والسَّعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو كَثِيرُ المَنعِ والإمْساكِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلُوعُ هو الَّذِي إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الهَلُوعَ: هو الَّذِي إذا أصابَهُ الشَّرُّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ هَلُوعٌ وهِلْواعٌ إذا كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎شَكا ذِعْلِبَةً إذا اسْتَدْبَرْتَها حَرَجٌ إذا اسْتَقْبَلْتَها هِلْواعُ والذِّعْلِبَةُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وانْتِصابُ هَلُوعًا وجَزُوعًا ومَنُوعًا عَلى أنَّها أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِها طَبائِعَ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، والظَّرْفانِ مَعْمُولانِ لِ " جَزُوعًا " و" مَنُوعًا " . ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ: يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الهَلَعِ، والجَزَعِ، والمَنعِ، وأنَّهم عَلى صِفاتٍ مَحْمُودَةٍ وخِلالٍ مَرْضِيَّةٍ؛ لِأنَّ إيمانَهم وما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ودِينِ الحَقِّ يَزْجُرُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ، ولا يَصْرِفُهم عَنْها صارِفٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدَّوامِ أنَّهم يُصَلُّونَ أبَدًا. قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: هو التَّطَوُّعُ مِنها. قالَ النَّخَعِيُّ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَها لِوَقْتِها والمُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الصَّحابَةُ خاصَّةً، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ لِاتِّصافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأنَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ. ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سِوى الزَّكاةِ، وقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الزَّكاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ولِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السّائِلِ والمَحْرُومِ في سُورَةِ الذّارِياتِ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يَجْحَدُونَهُ، وقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأعْمالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ. ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ وجِلُونَ مَعَ ما لَهم مِن أعْمالِ الطّاعَةِ اسْتِحْقارًا لِأعْمالِهِمْ، واعْتِرافًا بِما يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَهُ أحَدٌ، وأنَّ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَخافَهُ. ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها ولا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ العُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِأماناتِهِمْ﴾ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لِأمانَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَها عَلى مَن كانَتْ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ أوْ رَفِيعٍ أوْ وضِيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " بِشَهادَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ حَفْصٌ، ويَعْقُوبَ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ. قالَ الواحِدِيُّ، والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: عَلى أذْكارِها وأرْكانِها وشَرائِطِها لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: عَلى وُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ التَّطَوُّعُ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلاةِ لِاخْتِلافِ ما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا، وما وصَفَهم بِهِ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى الدَّوامِ: هو أنْ لا يَشْتَغِلُ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ كَما سَلَفَ، ومَعْنى المُحافَظَةِ: أنْ يُراعِيَ الأُمُورَ الَّتِي لا تَكُونُ صَلاةٌ بِدُونِها، وقِيلَ: المُرادُ يُحافِظُونَ عَلَيْها بَعْدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوابَها، وكَرَّرَ المَوْصُولاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ وصْفٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ لِجَلالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها مُكْرَمُونَ بِأنْواعِ الكَراماتِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ " مُكْرَمُونَ "، و" في جَنّاتٍ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم حَوالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قالَ الأخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ إلَيْهِمْ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقِيلَ: المَعْنى: ما بالُهم يُسْرِعُونَ إلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوالَيْكَ ولا يَعْمَلُونَ بِما تَأْمُرُهم، وقِيلَ: ما بالُهم مُسْرِعِينَ إلى التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: ما بالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إلى السَّماعِ إلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المَعْنى: مُهْطِعِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ، وقِيلَ: مُسْرِعِينَ إلَيْكَ مادِّي أعْناقِهِمْ مُدِيمِي النَّظَرِ إلَيْكَ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ شِمالِهِ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، و" عِزِينَ " جَمْعُ عِزَةٍ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-١٥٣٢) ؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا وقالَ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎وقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدى ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزِينا وقِيلَ: أصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى. قالَ في الصِّحاحِ: والعِزَةُ: الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ التّاءِ، والجَمْعُ عِزِيٌّ وعِزُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أوْ بِمُهْطِعِينَ. ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلا يَنْبَغِي لَهم هَذا التَّكَبُّرُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ، وهو امْتِثالُ الأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْرِيضُهم لِلثَّوابِ والعِقابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذاريات: ٥٦] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارا ∗∗∗ وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوى أنْ يُزارا وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ، فَقالَ: هو كَما قالَ اللَّهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿هَلُوعًا﴾ قالَ: الشَّرِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: عَلى مَواقِيتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قالَ: العُصَبُ مِنَ النّاسِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ ونَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: ما لِي أراكم عِزِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، والضِّياءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحّاشٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ وقالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ولِلْأرْضِ مِنكَ وئِيدٌ فَجَمَعْتَ ومَنَعْتَ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ أوَأتى أوانُ الصَّدَقَةِ» .

المعارج 70:21

(p-١٥٣١)قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ: أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ وأفْحَشُهُ يُقالُ هَلِعَ بِالكَسْرِ فَهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ عَلى التَّكْثِيرِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الضَّجُورُ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: تَفْسِيرُ الهَلَعِ ما بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجَةُ أوِ المَرَضُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهو جَزُوعٌ، أيْ: كَثِيرُ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ مِنَ الغِنى والخِصْبِ والسَّعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو كَثِيرُ المَنعِ والإمْساكِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلُوعُ هو الَّذِي إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الهَلُوعَ: هو الَّذِي إذا أصابَهُ الشَّرُّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ هَلُوعٌ وهِلْواعٌ إذا كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎شَكا ذِعْلِبَةً إذا اسْتَدْبَرْتَها حَرَجٌ إذا اسْتَقْبَلْتَها هِلْواعُ والذِّعْلِبَةُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وانْتِصابُ هَلُوعًا وجَزُوعًا ومَنُوعًا عَلى أنَّها أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِها طَبائِعَ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، والظَّرْفانِ مَعْمُولانِ لِ " جَزُوعًا " و" مَنُوعًا " . ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ: يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الهَلَعِ، والجَزَعِ، والمَنعِ، وأنَّهم عَلى صِفاتٍ مَحْمُودَةٍ وخِلالٍ مَرْضِيَّةٍ؛ لِأنَّ إيمانَهم وما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ودِينِ الحَقِّ يَزْجُرُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ، ولا يَصْرِفُهم عَنْها صارِفٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدَّوامِ أنَّهم يُصَلُّونَ أبَدًا. قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: هو التَّطَوُّعُ مِنها. قالَ النَّخَعِيُّ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَها لِوَقْتِها والمُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الصَّحابَةُ خاصَّةً، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ لِاتِّصافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأنَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ. ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سِوى الزَّكاةِ، وقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الزَّكاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ولِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السّائِلِ والمَحْرُومِ في سُورَةِ الذّارِياتِ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يَجْحَدُونَهُ، وقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأعْمالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ. ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ وجِلُونَ مَعَ ما لَهم مِن أعْمالِ الطّاعَةِ اسْتِحْقارًا لِأعْمالِهِمْ، واعْتِرافًا بِما يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَهُ أحَدٌ، وأنَّ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَخافَهُ. ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها ولا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ العُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِأماناتِهِمْ﴾ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لِأمانَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَها عَلى مَن كانَتْ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ أوْ رَفِيعٍ أوْ وضِيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " بِشَهادَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ حَفْصٌ، ويَعْقُوبَ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ. قالَ الواحِدِيُّ، والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: عَلى أذْكارِها وأرْكانِها وشَرائِطِها لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: عَلى وُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ التَّطَوُّعُ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلاةِ لِاخْتِلافِ ما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا، وما وصَفَهم بِهِ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى الدَّوامِ: هو أنْ لا يَشْتَغِلُ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ كَما سَلَفَ، ومَعْنى المُحافَظَةِ: أنْ يُراعِيَ الأُمُورَ الَّتِي لا تَكُونُ صَلاةٌ بِدُونِها، وقِيلَ: المُرادُ يُحافِظُونَ عَلَيْها بَعْدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوابَها، وكَرَّرَ المَوْصُولاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ وصْفٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ لِجَلالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها مُكْرَمُونَ بِأنْواعِ الكَراماتِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ " مُكْرَمُونَ "، و" في جَنّاتٍ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم حَوالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قالَ الأخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ إلَيْهِمْ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقِيلَ: المَعْنى: ما بالُهم يُسْرِعُونَ إلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوالَيْكَ ولا يَعْمَلُونَ بِما تَأْمُرُهم، وقِيلَ: ما بالُهم مُسْرِعِينَ إلى التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: ما بالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إلى السَّماعِ إلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المَعْنى: مُهْطِعِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ، وقِيلَ: مُسْرِعِينَ إلَيْكَ مادِّي أعْناقِهِمْ مُدِيمِي النَّظَرِ إلَيْكَ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ شِمالِهِ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، و" عِزِينَ " جَمْعُ عِزَةٍ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-١٥٣٢) ؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا وقالَ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎وقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدى ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزِينا وقِيلَ: أصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى. قالَ في الصِّحاحِ: والعِزَةُ: الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ التّاءِ، والجَمْعُ عِزِيٌّ وعِزُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أوْ بِمُهْطِعِينَ. ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلا يَنْبَغِي لَهم هَذا التَّكَبُّرُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ، وهو امْتِثالُ الأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْرِيضُهم لِلثَّوابِ والعِقابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذاريات: ٥٦] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارا ∗∗∗ وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوى أنْ يُزارا وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ، فَقالَ: هو كَما قالَ اللَّهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿هَلُوعًا﴾ قالَ: الشَّرِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: عَلى مَواقِيتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قالَ: العُصَبُ مِنَ النّاسِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ ونَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: ما لِي أراكم عِزِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، والضِّياءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحّاشٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ وقالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ولِلْأرْضِ مِنكَ وئِيدٌ فَجَمَعْتَ ومَنَعْتَ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ أوَأتى أوانُ الصَّدَقَةِ» .

المعارج 70:22

(p-١٥٣١)قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ: أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ وأفْحَشُهُ يُقالُ هَلِعَ بِالكَسْرِ فَهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ عَلى التَّكْثِيرِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الضَّجُورُ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: تَفْسِيرُ الهَلَعِ ما بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجَةُ أوِ المَرَضُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهو جَزُوعٌ، أيْ: كَثِيرُ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ مِنَ الغِنى والخِصْبِ والسَّعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو كَثِيرُ المَنعِ والإمْساكِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلُوعُ هو الَّذِي إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الهَلُوعَ: هو الَّذِي إذا أصابَهُ الشَّرُّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ هَلُوعٌ وهِلْواعٌ إذا كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎شَكا ذِعْلِبَةً إذا اسْتَدْبَرْتَها حَرَجٌ إذا اسْتَقْبَلْتَها هِلْواعُ والذِّعْلِبَةُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وانْتِصابُ هَلُوعًا وجَزُوعًا ومَنُوعًا عَلى أنَّها أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِها طَبائِعَ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، والظَّرْفانِ مَعْمُولانِ لِ " جَزُوعًا " و" مَنُوعًا " . ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ: يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الهَلَعِ، والجَزَعِ، والمَنعِ، وأنَّهم عَلى صِفاتٍ مَحْمُودَةٍ وخِلالٍ مَرْضِيَّةٍ؛ لِأنَّ إيمانَهم وما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ودِينِ الحَقِّ يَزْجُرُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ، ولا يَصْرِفُهم عَنْها صارِفٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدَّوامِ أنَّهم يُصَلُّونَ أبَدًا. قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: هو التَّطَوُّعُ مِنها. قالَ النَّخَعِيُّ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَها لِوَقْتِها والمُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الصَّحابَةُ خاصَّةً، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ لِاتِّصافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأنَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ. ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سِوى الزَّكاةِ، وقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الزَّكاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ولِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السّائِلِ والمَحْرُومِ في سُورَةِ الذّارِياتِ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يَجْحَدُونَهُ، وقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأعْمالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ. ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ وجِلُونَ مَعَ ما لَهم مِن أعْمالِ الطّاعَةِ اسْتِحْقارًا لِأعْمالِهِمْ، واعْتِرافًا بِما يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَهُ أحَدٌ، وأنَّ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَخافَهُ. ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها ولا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ العُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِأماناتِهِمْ﴾ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لِأمانَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَها عَلى مَن كانَتْ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ أوْ رَفِيعٍ أوْ وضِيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " بِشَهادَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ حَفْصٌ، ويَعْقُوبَ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ. قالَ الواحِدِيُّ، والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: عَلى أذْكارِها وأرْكانِها وشَرائِطِها لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: عَلى وُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ التَّطَوُّعُ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلاةِ لِاخْتِلافِ ما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا، وما وصَفَهم بِهِ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى الدَّوامِ: هو أنْ لا يَشْتَغِلُ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ كَما سَلَفَ، ومَعْنى المُحافَظَةِ: أنْ يُراعِيَ الأُمُورَ الَّتِي لا تَكُونُ صَلاةٌ بِدُونِها، وقِيلَ: المُرادُ يُحافِظُونَ عَلَيْها بَعْدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوابَها، وكَرَّرَ المَوْصُولاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ وصْفٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ لِجَلالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها مُكْرَمُونَ بِأنْواعِ الكَراماتِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ " مُكْرَمُونَ "، و" في جَنّاتٍ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم حَوالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قالَ الأخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ إلَيْهِمْ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقِيلَ: المَعْنى: ما بالُهم يُسْرِعُونَ إلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوالَيْكَ ولا يَعْمَلُونَ بِما تَأْمُرُهم، وقِيلَ: ما بالُهم مُسْرِعِينَ إلى التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: ما بالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إلى السَّماعِ إلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المَعْنى: مُهْطِعِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ، وقِيلَ: مُسْرِعِينَ إلَيْكَ مادِّي أعْناقِهِمْ مُدِيمِي النَّظَرِ إلَيْكَ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ شِمالِهِ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، و" عِزِينَ " جَمْعُ عِزَةٍ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-١٥٣٢) ؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا وقالَ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎وقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدى ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزِينا وقِيلَ: أصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى. قالَ في الصِّحاحِ: والعِزَةُ: الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ التّاءِ، والجَمْعُ عِزِيٌّ وعِزُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أوْ بِمُهْطِعِينَ. ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلا يَنْبَغِي لَهم هَذا التَّكَبُّرُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ، وهو امْتِثالُ الأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْرِيضُهم لِلثَّوابِ والعِقابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذاريات: ٥٦] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارا ∗∗∗ وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوى أنْ يُزارا وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ، فَقالَ: هو كَما قالَ اللَّهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿هَلُوعًا﴾ قالَ: الشَّرِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: عَلى مَواقِيتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قالَ: العُصَبُ مِنَ النّاسِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ ونَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: ما لِي أراكم عِزِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، والضِّياءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحّاشٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ وقالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ولِلْأرْضِ مِنكَ وئِيدٌ فَجَمَعْتَ ومَنَعْتَ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ أوَأتى أوانُ الصَّدَقَةِ» .

المعارج 70:23

(p-١٥٣١)قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ: أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ وأفْحَشُهُ يُقالُ هَلِعَ بِالكَسْرِ فَهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ عَلى التَّكْثِيرِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الضَّجُورُ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: تَفْسِيرُ الهَلَعِ ما بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجَةُ أوِ المَرَضُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهو جَزُوعٌ، أيْ: كَثِيرُ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ مِنَ الغِنى والخِصْبِ والسَّعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو كَثِيرُ المَنعِ والإمْساكِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلُوعُ هو الَّذِي إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الهَلُوعَ: هو الَّذِي إذا أصابَهُ الشَّرُّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ هَلُوعٌ وهِلْواعٌ إذا كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎شَكا ذِعْلِبَةً إذا اسْتَدْبَرْتَها حَرَجٌ إذا اسْتَقْبَلْتَها هِلْواعُ والذِّعْلِبَةُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وانْتِصابُ هَلُوعًا وجَزُوعًا ومَنُوعًا عَلى أنَّها أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِها طَبائِعَ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، والظَّرْفانِ مَعْمُولانِ لِ " جَزُوعًا " و" مَنُوعًا " . ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ: يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الهَلَعِ، والجَزَعِ، والمَنعِ، وأنَّهم عَلى صِفاتٍ مَحْمُودَةٍ وخِلالٍ مَرْضِيَّةٍ؛ لِأنَّ إيمانَهم وما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ودِينِ الحَقِّ يَزْجُرُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ، ولا يَصْرِفُهم عَنْها صارِفٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدَّوامِ أنَّهم يُصَلُّونَ أبَدًا. قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: هو التَّطَوُّعُ مِنها. قالَ النَّخَعِيُّ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَها لِوَقْتِها والمُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الصَّحابَةُ خاصَّةً، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ لِاتِّصافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأنَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ. ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سِوى الزَّكاةِ، وقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الزَّكاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ولِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السّائِلِ والمَحْرُومِ في سُورَةِ الذّارِياتِ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يَجْحَدُونَهُ، وقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأعْمالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ. ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ وجِلُونَ مَعَ ما لَهم مِن أعْمالِ الطّاعَةِ اسْتِحْقارًا لِأعْمالِهِمْ، واعْتِرافًا بِما يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَهُ أحَدٌ، وأنَّ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَخافَهُ. ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها ولا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ العُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِأماناتِهِمْ﴾ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لِأمانَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَها عَلى مَن كانَتْ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ أوْ رَفِيعٍ أوْ وضِيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " بِشَهادَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ حَفْصٌ، ويَعْقُوبَ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ. قالَ الواحِدِيُّ، والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: عَلى أذْكارِها وأرْكانِها وشَرائِطِها لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: عَلى وُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ التَّطَوُّعُ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلاةِ لِاخْتِلافِ ما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا، وما وصَفَهم بِهِ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى الدَّوامِ: هو أنْ لا يَشْتَغِلُ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ كَما سَلَفَ، ومَعْنى المُحافَظَةِ: أنْ يُراعِيَ الأُمُورَ الَّتِي لا تَكُونُ صَلاةٌ بِدُونِها، وقِيلَ: المُرادُ يُحافِظُونَ عَلَيْها بَعْدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوابَها، وكَرَّرَ المَوْصُولاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ وصْفٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ لِجَلالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها مُكْرَمُونَ بِأنْواعِ الكَراماتِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ " مُكْرَمُونَ "، و" في جَنّاتٍ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم حَوالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قالَ الأخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ إلَيْهِمْ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقِيلَ: المَعْنى: ما بالُهم يُسْرِعُونَ إلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوالَيْكَ ولا يَعْمَلُونَ بِما تَأْمُرُهم، وقِيلَ: ما بالُهم مُسْرِعِينَ إلى التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: ما بالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إلى السَّماعِ إلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المَعْنى: مُهْطِعِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ، وقِيلَ: مُسْرِعِينَ إلَيْكَ مادِّي أعْناقِهِمْ مُدِيمِي النَّظَرِ إلَيْكَ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ شِمالِهِ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، و" عِزِينَ " جَمْعُ عِزَةٍ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-١٥٣٢) ؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا وقالَ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎وقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدى ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزِينا وقِيلَ: أصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى. قالَ في الصِّحاحِ: والعِزَةُ: الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ التّاءِ، والجَمْعُ عِزِيٌّ وعِزُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أوْ بِمُهْطِعِينَ. ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلا يَنْبَغِي لَهم هَذا التَّكَبُّرُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ، وهو امْتِثالُ الأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْرِيضُهم لِلثَّوابِ والعِقابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذاريات: ٥٦] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارا ∗∗∗ وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوى أنْ يُزارا وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ، فَقالَ: هو كَما قالَ اللَّهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿هَلُوعًا﴾ قالَ: الشَّرِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: عَلى مَواقِيتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قالَ: العُصَبُ مِنَ النّاسِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ ونَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: ما لِي أراكم عِزِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، والضِّياءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحّاشٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ وقالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ولِلْأرْضِ مِنكَ وئِيدٌ فَجَمَعْتَ ومَنَعْتَ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ أوَأتى أوانُ الصَّدَقَةِ» .

المعارج 70:24

(p-١٥٣١)قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الهَلَعُ في اللُّغَةِ: أشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَعِ وأفْحَشُهُ يُقالُ هَلِعَ بِالكَسْرِ فَهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ عَلى التَّكْثِيرِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الضَّجُورُ. قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: تَفْسِيرُ الهَلَعِ ما بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أيْ: إذا أصابَهُ الفَقْرُ والحاجَةُ أوِ المَرَضُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهو جَزُوعٌ، أيْ: كَثِيرُ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ مِنَ الغِنى والخِصْبِ والسَّعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو كَثِيرُ المَنعِ والإمْساكِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَلُوعُ هو الَّذِي إذا مَسَّهُ الخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الهَلُوعَ: هو الَّذِي إذا أصابَهُ الشَّرُّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا أصابَهُ الخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومَنَعَهُ النّاسَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ هَلُوعٌ وهِلْواعٌ إذا كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎شَكا ذِعْلِبَةً إذا اسْتَدْبَرْتَها حَرَجٌ إذا اسْتَقْبَلْتَها هِلْواعُ والذِّعْلِبَةُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وانْتِصابُ هَلُوعًا وجَزُوعًا ومَنُوعًا عَلى أنَّها أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِها طَبائِعَ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، والظَّرْفانِ مَعْمُولانِ لِ " جَزُوعًا " و" مَنُوعًا " . ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ أيِ المُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ: يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الهَلَعِ، والجَزَعِ، والمَنعِ، وأنَّهم عَلى صِفاتٍ مَحْمُودَةٍ وخِلالٍ مَرْضِيَّةٍ؛ لِأنَّ إيمانَهم وما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ودِينِ الحَقِّ يَزْجُرُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهم سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ، ولا يَصْرِفُهم عَنْها صارِفٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدَّوامِ أنَّهم يُصَلُّونَ أبَدًا. قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: هو التَّطَوُّعُ مِنها. قالَ النَّخَعِيُّ: المُرادُ بِالمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَها لِوَقْتِها والمُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الصَّحابَةُ خاصَّةً، ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْصِيصِ لِاتِّصافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأنَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ. ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: المُرادُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: سِوى الزَّكاةِ، وقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الزَّكاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ولِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السّائِلِ والمَحْرُومِ في سُورَةِ الذّارِياتِ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِيَوْمِ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ لا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يَجْحَدُونَهُ، وقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأعْمالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ. ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ وجِلُونَ مَعَ ما لَهم مِن أعْمالِ الطّاعَةِ اسْتِحْقارًا لِأعْمالِهِمْ، واعْتِرافًا بِما يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَهُ أحَدٌ، وأنَّ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَخافَهُ. ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى. ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيْ: لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها ولا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ العُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِأماناتِهِمْ﴾ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لِأمانَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَها عَلى مَن كانَتْ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ أوْ رَفِيعٍ أوْ وضِيعٍ، ولا يَكْتُمُونَها ولا يُغَيِّرُونَها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الشَّهادَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " بِشَهادَتِهِمْ " بِالإفْرادِ، وقَرَأ حَفْصٌ، ويَعْقُوبَ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ. قالَ الواحِدِيُّ، والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ. قالَ الفَرّاءُ: ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: عَلى أذْكارِها وأرْكانِها وشَرائِطِها لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: عَلى وُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ التَّطَوُّعُ، وكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلاةِ لِاخْتِلافِ ما وصَفَهم بِهِ أوَّلًا، وما وصَفَهم بِهِ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى الدَّوامِ: هو أنْ لا يَشْتَغِلُ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ كَما سَلَفَ، ومَعْنى المُحافَظَةِ: أنْ يُراعِيَ الأُمُورَ الَّتِي لا تَكُونُ صَلاةٌ بِدُونِها، وقِيلَ: المُرادُ يُحافِظُونَ عَلَيْها بَعْدَ فِعْلِها مِن أنْ يَفْعَلُوا ما يُحْبِطُها ويُبْطِلُ ثَوابَها، وكَرَّرَ المَوْصُولاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ وصْفٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ لِجَلالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيها مُكْرَمُونَ بِأنْواعِ الكَراماتِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ " مُكْرَمُونَ "، و" في جَنّاتٍ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم حَوالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قالَ الأخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ إلَيْهِمْ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقِيلَ: المَعْنى: ما بالُهم يُسْرِعُونَ إلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوالَيْكَ ولا يَعْمَلُونَ بِما تَأْمُرُهم، وقِيلَ: ما بالُهم مُسْرِعِينَ إلى التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: ما بالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إلى السَّماعِ إلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ المَعْنى: مُهْطِعِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ. وقالَ قَتادَةُ: عامِدِينَ، وقِيلَ: مُسْرِعِينَ إلَيْكَ مادِّي أعْناقِهِمْ مُدِيمِي النَّظَرِ إلَيْكَ. ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنْ شِمالِهِ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، و" عِزِينَ " جَمْعُ عِزَةٍ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-١٥٣٢) ؎تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا وقالَ الرّاعِي: ؎أخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎وقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدى ولِيٍّ ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالعُصَبِ العِزِينا وقِيلَ: أصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى. قالَ في الصِّحاحِ: والعِزَةُ: الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، والهاءُ عِوَضٌ مِنَ التّاءِ، والجَمْعُ عِزِيٌّ وعِزُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أوْ بِمُهْطِعِينَ. ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ﴿أنْ يُدْخَلَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلا يَنْبَغِي لَهم هَذا التَّكَبُّرُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ، وهو امْتِثالُ الأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْرِيضُهم لِلثَّوابِ والعِقابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، [الذاريات: ٥٦] ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارا ∗∗∗ وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوى أنْ يُزارا وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ، فَقالَ: هو كَما قالَ اللَّهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿هَلُوعًا﴾ قالَ: الشَّرِهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: عَلى مَواقِيتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ قالَ: العُصَبُ مِنَ النّاسِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ مُعْرِضِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ «عَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ ونَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: ما لِي أراكم عِزِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، والضِّياءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحّاشٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كَفِّهِ ووَضَعَ عَلَيْها أُصْبُعَهُ وقالَ: يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أنّى تُعْجِزُنِي وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ولِلْأرْضِ مِنكَ وئِيدٌ فَجَمَعْتَ ومَنَعْتَ حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ أوَأتى أوانُ الصَّدَقَةِ» .