Fath Al-Qadir Al-Shawkani — نوح 71:19 – الجن 72:15
المحتويات
نوح 71:19
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نُوحًا أوَّلُ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ، وهو نُوحُ بْنُ لامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أخْنُونَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شَيْثَ بْنِ آدَمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُدَّةُ لُبْثِهِ في قَوْمِهِ، وبَيانُ جَمِيعِ عُمُرِهِ، وبَيانُ السِّنِّ الَّتِي أُرْسِلَ وهو فِيها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أنْذِرْ، عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أنْذِرْ " بِدُونِ أنْ، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: فَقُلْنا لَهُ أنْذِرْ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ، وهو عَذابُ النّارِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ نُوحٌ ؟ فَقالَ: قالَ لَهم إلَخْ.
والمَعْنى: إنِّي لَكم مُنْذِرٌ مِن عِقابِ اللَّهِ ومُخَوِّفٌ لَكم ومُبَيِّنٌ لِما فِيهِ نَجاتُكم.
﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ " أنْ " هي التَّفْسِيرِيَّةُ لِنَذِيرٍ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ واتَّقُوهُ، أيِ اجْتَنِبُوا ما يُوقِعُكم في عَذابِهِ وأطِيعُونِ فِيما آمُرُكم بِهِ فَإنِّي رَسُولٌ إلَيْكم مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضَ ذُنُوبِكم، وهو ما سَلَفَ مِنها قَبْلَ طاعَةِ الرَّسُولِ وإجابَةِ دَعْوَتِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم، فَتَكُونُ " مِن " عَلى هَذا زائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبادِ، وقِيلَ: هي لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ما اسْتَغْفَرْتُمُوهُ مِنها ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ يُؤَخِّرْ مَوْتَكم إلى الأمَدِ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ فَوْقَ ما قَدَّرَهُ لَكم، عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ، وقِيلَ: التَّأْخِيرُ بِمَعْنى البَرَكَةِ في أعْمارِهِمْ إنْ آمَنُوا وعَدَمِ البَرَكَةِ فِيها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قالَ مُقاتِلٌ: يُؤَخِّرْكم إلى مُنْتَهى آجالِكم.
وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: يُؤَخِّرْكم عَنِ العَذابِ فَتَمُوتُوا غَيْرَ مَيْتَةِ المُسْتَأْصِلِينَ بِالعَذابِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لا يُمِيتُكم غَرَقًا ولا حَرْقًا ولا قَتْلًا: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ أيْ ما قَدَّرَهُ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى الكُفْرِ مِنَ العَذابِ إذا جاءَ وأنْتُمْ باقُونَ عَلى الكُفْرِ لا يُؤَخَّرُ بَلْ يَقَعُ لا مَحالَةَ فَبادِرُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أجَلَ اللَّهِ وهو المَوْتُ إذا جاءَ لا يُمْكِنُكُمُ الإيمانُ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا جاءَ المَوْتُ لا يُؤَخَّرُ سَواءً كانَ بِعَذابٍ أوْ بِغَيْرِ عَذابٍ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَسارَعْتُمْ إلى ما أمَرْتُكم بِهِ، أوْ لَعَلِمْتُمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ أيْ قالَ نُوحٌ مُنادِيًا لِرَبِّهِ وحاكِيًا لَهُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ وهو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ: إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى ما أمَرْتَنِي بِأنْ أدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ دُعاءً دائِمًا في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ.
(p-١٥٣٤)﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ عَمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ وبُعْدًا عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي تَباعُدًا مِنَ الإيمانِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ لِكَوْنِهِ سَبَبَها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] .
قَرَأ الجُمْهُورُ دُعائِي بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ، والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ.
﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم﴾ أيْ كُلَّما دَعَوْتُهم إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ، وهو الإيمانُ بِكَ، والطّاعَةُ لَكَ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ لِئَلّا يَسْمَعُوا صَوْتِي ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ غَطَّوْا بِها وُجُوهَهم لِئَلّا يَرَوْنِي، وقِيلَ: جَعَلُوا ثِيابَهم عَلى رُءُوسِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامِي، فَيَكُونُ اسْتِغْشاءُ الثِّيابِ عَلى هَذا زِيادَةً في سَدِّ الآذانِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ العَداوَةِ، يُقالُ لَبِسَ فُلانٌ ثِيابَ العَداوَةِ، وقِيلَ: اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم لِئَلّا يَعْرِفَهم فَيَدْعُوهم ﴿وأصَرُّوا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يُقْلِعُوا عَنْهُ ولا تابُوا عَنْهُ ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وعَنِ امْتِثالِ ما أمَرَهم بِهِ ﴿اسْتِكْبارًا﴾ شَدِيدًا.
﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ أيْ مُظْهِرًا لَهُمُ الدَّعْوَةَ مُجاهِرًا لَهم بِها.
﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أيْ دَعَوْتُهم مُعْلِنًا لَهم بِالدُّعاءِ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ وأسْرَرْتُ لَهُمُ الدَّعْوَةَ إسْرارًا كَثِيرًا، قِيلَ: المَعْنى: أنْ يَدْعُوَ الرَّجُلَ بَعْدَ الرَّجُلِ يُكَلِّمُهُ سِرًّا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، والمَقْصُودُ أنَّهُ دَعاهم عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ فَلَمْ يَنْجَعْ ذَلِكَ فِيهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى أعْلَنْتُ صِحْتُ، وقِيلَ: مَعْنى أسْرَرْتُ: أتَيْتُهم في مَنازِلِهِمْ فَدَعَوْتُهم فِيها.
وانْتِصابُ جِهارًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَكُونُ جِهارًا ويَكُونُ غَيْرَ جِهارٍ.
فالجِهارُ نَوْعٌ مِنَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دُعاءً جِهارًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُجاهِرًا، ومَعْنى " ثُمَّ " الدَّلالَةُ عَلى تَباعُدِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ أغْلَطُ مِن أحَدِهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ إنِّي بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والحَرَمِيُّونَ بِفَتْحِها.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ مِن ذُنُوبِكُمُ السّابِقَةِ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، وقِيلَ: مَعْنى اسْتَغْفِرُوا: تُوبُوا عَنِ الكُفْرِ إنَّهُ كانَ غَفّارًا لِلتّائِبِينَ.
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ يُرْسِلْ ماءَ السَّماءِ عَلَيْكم، فَفِيهِ إضْمارٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ المَطَرُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
والمِدْرارُ: الدُّرُورُ، وهو التَّحَلُّبُ بِالمَطَرِ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى الحالِ مِنَ السَّماءِ، ولَمْ يُؤَنَّثْ لِأنَّ مِفْعالًا لا يُؤَنَّثُ، تَقُولُ: امْرَأةٌ مِئْناثٌ ومِذْكارٌ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إرْسالًا مِدْرارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وجُزِمَ " يُرْسِلْ " لِكَوْنِهِ جَوابَ الأمْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ المَطَرِ وحُصُولِ أنْواعِ الأرْزاقِ، ولِهَذا قالَ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ يَعْنِي بَساتِينَ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ جارِيَةً.
قالَ عَطاءٌ: المَعْنى يُكْثِرُ أمْوالَكم وأوَّلادَكم.
أعْلَمَهم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أيْ أيُّ عُذْرٍ لَكم في تَرْكِ الرَّجاءِ، والرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، أيْ: ما لَكَمْ لا تَخافُونَ اللَّهَ، والوَقارُ العَظَمَةُ مِنَ التَّوْقِيرِ وهو التَّعْظِيمُ، والمَعْنى لا تَخافُونَ حَقَّ عَظَمَتِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتُطِيعُونَهُ، و﴿لا تَرْجُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في لَكم، ومِن إطْلاقِ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: ما لَكَمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَوابًا ولا تَخافُونَ مِنهُ عِقابًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: ما لَكَمْ لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ.
وهُذَيْلٌ وخُزاعَةُ ومُضَرُ يَقُولُونَ: لَمْ أرْجُ: لَمْ أُبَلْ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكَمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ عاقِبَةَ الإيمانِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ما لَكَمْ لا تَرْجُونَ في عِبادَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ أنْ يُثِيبَكم عَلى تَوْقِيرِكم خَيْرًا.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما لَكَمْ لا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طاعَةً.
وقالَ الحَسَنُ: ما لَكَمْ لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقًّا ولا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعْمَةً.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ: نُطْفَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، ثُمَّ عَلَقَةٍ إلى تَمامِ الخَلْقِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، والطَّوْرُ في اللُّغَةِ المَرَّةُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ الحالُ وجَمْعُهُ أطْوارٌ، وقِيلَ: أطْوارًا: صِبْيانًا ثُمَّ شُبّانًا ثُمَّ شُيُوخًا، وقِيلَ: الأطْوارُ اخْتِلافُهم في الأفْعالِ والأقْوالِ والأخْلاقِ، والمَعْنى: كَيْفَ تُقَصِّرُونَ في تَوْقِيرِ مَن خَلَقَكم عَلى هَذِهِ الأطْوارِ البَدِيعَةِ.
﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ الخِطابُ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ السَّماواتِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ. والطِّباقُ: المُتَطابِقَةُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كُلُّ سَماءٍ مُطْبِقَةٌ عَلى الأُخْرى كالقِبابِ.
قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ عَلى سَبْعِ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ وأرْضٍ وأرْضٍ خَلْقٌ وأمْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وانْتِصابُ " طِباقًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ، تَقُولُ طابَقَهُ مُطابَقَةً وطِباقًا، أوْ حالٌ بِمَعْنى ذاتِ طِباقٍ، فَحُذِفَتْ ذاتُ وأقامَ طِباقًا مَقامَهُ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ جَرَّ " طِباقًا " عَلى النَّعْتِ.
﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ أيْ مُنَوِّرًا لِوَجْهِ الأرْضِ، وجَعَلَ القَمَرَ في السَّماواتِ مَعَ كَوْنِها في سَماءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّها إذا كانَتْ في إحْداهِنَّ، فَهي فِيهِنَّ، كَذا قالَ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ أتانِي بَنُو تَمِيمٍ، والمُرادُ بَعْضُهم.
وقالَ قُطْرُبٌ فِيهِنَّ بِمَعْنى مَعَهُنَّ، أيْ: خَلَقَ القَمَرَ والشَّمْسَ مَعَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمَن مَن كانَ آخِرُ عَهْدِهِ ∗∗∗ ثَلاثِينَ شَهْرًا في ثَلاثَةِ أحْوالِ
أيْ مَعَ ثَلاثَةِ أحْوالٍ ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ أيْ كالمِصْباحِ لِأهْلِ الأرْضِ لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى التَّصَرُّفِ فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ المَعاشِ.
﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ (p-١٥٣٥)يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِن أدِيمِ الأرْضِ، والمَعْنى: أنْشَأكم مِنها إنْشاءً، فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكْوِينِ، ونَباتًا إمّا مَصْدَرٌ لِأنْبَتَ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
وقالَ الخَلِيلُ، والزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
وقالَ الخَلِيلُ، والزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكم: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا.
وقِيلَ: المَعْنى: واللَّهُ أنْبَتَ لَكم مِنَ الأرْضِ النَّباتَ، فَ " نَباتًا " عَلى هَذا مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ ابْنُ بَحْرٍ: أنْبَتَهم في الأرْضِ بِالكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ وبِالطُّولِ بَعْدَ القِصَرِ.
﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ أيْ: في الأرْضِ ﴿ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ يَعْنِي يُخْرِجُكم مِنها بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ أيْ فَرَشَها وبَسَطَها لَكم تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها تَقَلُّبَكم عَلى بُسُطِكم في بُيُوتِكم.
﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أيْ طُرُقًا واسِعَةً، والفِجاجُ جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الفَجُّ: المَسْلَكُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الحَجِّ مُسْتَوْفًى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ قالَ: لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَقُولُ ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم﴾ قالَ: لِيَتَنَكَّرُوا فَلا يَعْرِفُهم ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ قالَ: تَرَكُوا التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ قالَ: غَطَّوْا وُجُوهَهم لِئَلّا يَرَوْا نُوحًا ولا يَسْمَعُوا كَلامَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ قالَ: لا تَعْلَمُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقارًا﴾ قالَ: عَظَمَةً.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ قالَ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا تَخْشَوْنَ لَهُ عِقابًا ولا تَرْجُونَ لَهُ ثَوابًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى ناسًا يَغْتَسِلُونَ عُراةً لَيْسَ عَلَيْهِمْ أُزُرٌ، فَوَقَفَ فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ وُجُوهُهُما قِبَلَ السَّماءِ وأقْفِيَتُهُما قِبَلَ الأرْضِ، وأنا أقْرَأُ بِذَلِكَ عَلَيْكم أنَّهُ مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماواتِ كَما تُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: اجْتَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وكَعْبُ الأحْبارِ وقَدْ كانَ بَيْنَهُما بَعْضُ العَتَبِ فَتَعاتَبا فَذَهَبَ ذَلِكَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو لِكَعْبٍ: سَلْنِي عَمّا شِئْتَ فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكَ بِتَصْدِيقِ قَوْلِي مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ ضَوْءَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أهُوَ في السَّماواتِ السَّبْعِ كَما هو في الأرْضِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ألَمْ تَرَوْا إلى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ قالَ: وجْهُهُ في السَّماءِ إلى العَرْشِ وقَفاهُ إلى الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ قالَ: خَلَقَ فِيهِنَّ حِينَ خَلَقَهُنَّ ضِياءً لِأهْلِ الأرْضِ، ولَيْسَ في السَّماءِ مِن ضَوْئِهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ قالَ: طُرُقًا مُخْتَلِفَةً.
نوح 71:20
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نُوحًا أوَّلُ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ، وهو نُوحُ بْنُ لامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أخْنُونَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شَيْثَ بْنِ آدَمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُدَّةُ لُبْثِهِ في قَوْمِهِ، وبَيانُ جَمِيعِ عُمُرِهِ، وبَيانُ السِّنِّ الَّتِي أُرْسِلَ وهو فِيها في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أنْذِرْ، عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ في الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أنْذِرْ " بِدُونِ أنْ، وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: فَقُلْنا لَهُ أنْذِرْ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ عَذابٌ شَدِيدُ الألَمِ، وهو عَذابُ النّارِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ نُوحٌ ؟ فَقالَ: قالَ لَهم إلَخْ.
والمَعْنى: إنِّي لَكم مُنْذِرٌ مِن عِقابِ اللَّهِ ومُخَوِّفٌ لَكم ومُبَيِّنٌ لِما فِيهِ نَجاتُكم.
﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ " أنْ " هي التَّفْسِيرِيَّةُ لِنَذِيرٍ، أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ واتَّقُوهُ، أيِ اجْتَنِبُوا ما يُوقِعُكم في عَذابِهِ وأطِيعُونِ فِيما آمُرُكم بِهِ فَإنِّي رَسُولٌ إلَيْكم مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضَ ذُنُوبِكم، وهو ما سَلَفَ مِنها قَبْلَ طاعَةِ الرَّسُولِ وإجابَةِ دَعْوَتِهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم، فَتَكُونُ " مِن " عَلى هَذا زائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبادِ، وقِيلَ: هي لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ما اسْتَغْفَرْتُمُوهُ مِنها ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ يُؤَخِّرْ مَوْتَكم إلى الأمَدِ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكم بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ فَوْقَ ما قَدَّرَهُ لَكم، عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ، وقِيلَ: التَّأْخِيرُ بِمَعْنى البَرَكَةِ في أعْمارِهِمْ إنْ آمَنُوا وعَدَمِ البَرَكَةِ فِيها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قالَ مُقاتِلٌ: يُؤَخِّرْكم إلى مُنْتَهى آجالِكم.
وقالَ الزَّجّاجُ أيْ: يُؤَخِّرْكم عَنِ العَذابِ فَتَمُوتُوا غَيْرَ مَيْتَةِ المُسْتَأْصِلِينَ بِالعَذابِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى لا يُمِيتُكم غَرَقًا ولا حَرْقًا ولا قَتْلًا: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ أيْ ما قَدَّرَهُ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى الكُفْرِ مِنَ العَذابِ إذا جاءَ وأنْتُمْ باقُونَ عَلى الكُفْرِ لا يُؤَخَّرُ بَلْ يَقَعُ لا مَحالَةَ فَبادِرُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ أجَلَ اللَّهِ وهو المَوْتُ إذا جاءَ لا يُمْكِنُكُمُ الإيمانُ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا جاءَ المَوْتُ لا يُؤَخَّرُ سَواءً كانَ بِعَذابٍ أوْ بِغَيْرِ عَذابٍ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ لَسارَعْتُمْ إلى ما أمَرْتُكم بِهِ، أوْ لَعَلِمْتُمْ أنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ أيْ قالَ نُوحٌ مُنادِيًا لِرَبِّهِ وحاكِيًا لَهُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ وهو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ: إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى ما أمَرْتَنِي بِأنْ أدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ دُعاءً دائِمًا في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ.
(p-١٥٣٤)﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ عَمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ وبُعْدًا عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي تَباعُدًا مِنَ الإيمانِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ لِكَوْنِهِ سَبَبَها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] .
قَرَأ الجُمْهُورُ دُعائِي بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ، والدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإسْكانِها، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ.
﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم﴾ أيْ كُلَّما دَعَوْتُهم إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ، وهو الإيمانُ بِكَ، والطّاعَةُ لَكَ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ لِئَلّا يَسْمَعُوا صَوْتِي ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ غَطَّوْا بِها وُجُوهَهم لِئَلّا يَرَوْنِي، وقِيلَ: جَعَلُوا ثِيابَهم عَلى رُءُوسِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامِي، فَيَكُونُ اسْتِغْشاءُ الثِّيابِ عَلى هَذا زِيادَةً في سَدِّ الآذانِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ العَداوَةِ، يُقالُ لَبِسَ فُلانٌ ثِيابَ العَداوَةِ، وقِيلَ: اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم لِئَلّا يَعْرِفَهم فَيَدْعُوهم ﴿وأصَرُّوا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يُقْلِعُوا عَنْهُ ولا تابُوا عَنْهُ ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وعَنِ امْتِثالِ ما أمَرَهم بِهِ ﴿اسْتِكْبارًا﴾ شَدِيدًا.
﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ أيْ مُظْهِرًا لَهُمُ الدَّعْوَةَ مُجاهِرًا لَهم بِها.
﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أيْ دَعَوْتُهم مُعْلِنًا لَهم بِالدُّعاءِ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ وأسْرَرْتُ لَهُمُ الدَّعْوَةَ إسْرارًا كَثِيرًا، قِيلَ: المَعْنى: أنْ يَدْعُوَ الرَّجُلَ بَعْدَ الرَّجُلِ يُكَلِّمُهُ سِرًّا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، والمَقْصُودُ أنَّهُ دَعاهم عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ فَلَمْ يَنْجَعْ ذَلِكَ فِيهِمْ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى أعْلَنْتُ صِحْتُ، وقِيلَ: مَعْنى أسْرَرْتُ: أتَيْتُهم في مَنازِلِهِمْ فَدَعَوْتُهم فِيها.
وانْتِصابُ جِهارًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَكُونُ جِهارًا ويَكُونُ غَيْرَ جِهارٍ.
فالجِهارُ نَوْعٌ مِنَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دُعاءً جِهارًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُجاهِرًا، ومَعْنى " ثُمَّ " الدَّلالَةُ عَلى تَباعُدِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ أغْلَطُ مِن أحَدِهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ إنِّي بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والحَرَمِيُّونَ بِفَتْحِها.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ مِن ذُنُوبِكُمُ السّابِقَةِ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، وقِيلَ: مَعْنى اسْتَغْفِرُوا: تُوبُوا عَنِ الكُفْرِ إنَّهُ كانَ غَفّارًا لِلتّائِبِينَ.
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ يُرْسِلْ ماءَ السَّماءِ عَلَيْكم، فَفِيهِ إضْمارٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ المَطَرُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
والمِدْرارُ: الدُّرُورُ، وهو التَّحَلُّبُ بِالمَطَرِ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى الحالِ مِنَ السَّماءِ، ولَمْ يُؤَنَّثْ لِأنَّ مِفْعالًا لا يُؤَنَّثُ، تَقُولُ: امْرَأةٌ مِئْناثٌ ومِذْكارٌ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إرْسالًا مِدْرارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وجُزِمَ " يُرْسِلْ " لِكَوْنِهِ جَوابَ الأمْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ المَطَرِ وحُصُولِ أنْواعِ الأرْزاقِ، ولِهَذا قالَ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ يَعْنِي بَساتِينَ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ جارِيَةً.
قالَ عَطاءٌ: المَعْنى يُكْثِرُ أمْوالَكم وأوَّلادَكم.
أعْلَمَهم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أيْ أيُّ عُذْرٍ لَكم في تَرْكِ الرَّجاءِ، والرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، أيْ: ما لَكَمْ لا تَخافُونَ اللَّهَ، والوَقارُ العَظَمَةُ مِنَ التَّوْقِيرِ وهو التَّعْظِيمُ، والمَعْنى لا تَخافُونَ حَقَّ عَظَمَتِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتُطِيعُونَهُ، و﴿لا تَرْجُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في لَكم، ومِن إطْلاقِ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: ما لَكَمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَوابًا ولا تَخافُونَ مِنهُ عِقابًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: ما لَكَمْ لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ.
وهُذَيْلٌ وخُزاعَةُ ومُضَرُ يَقُولُونَ: لَمْ أرْجُ: لَمْ أُبَلْ.
وقالَ قَتادَةُ: ما لَكَمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ عاقِبَةَ الإيمانِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ما لَكَمْ لا تَرْجُونَ في عِبادَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ أنْ يُثِيبَكم عَلى تَوْقِيرِكم خَيْرًا.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما لَكَمْ لا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طاعَةً.
وقالَ الحَسَنُ: ما لَكَمْ لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقًّا ولا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعْمَةً.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَكم عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ: نُطْفَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، ثُمَّ عَلَقَةٍ إلى تَمامِ الخَلْقِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، والطَّوْرُ في اللُّغَةِ المَرَّةُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ الحالُ وجَمْعُهُ أطْوارٌ، وقِيلَ: أطْوارًا: صِبْيانًا ثُمَّ شُبّانًا ثُمَّ شُيُوخًا، وقِيلَ: الأطْوارُ اخْتِلافُهم في الأفْعالِ والأقْوالِ والأخْلاقِ، والمَعْنى: كَيْفَ تُقَصِّرُونَ في تَوْقِيرِ مَن خَلَقَكم عَلى هَذِهِ الأطْوارِ البَدِيعَةِ.
﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ الخِطابُ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ السَّماواتِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وأنَّهُ الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ. والطِّباقُ: المُتَطابِقَةُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كُلُّ سَماءٍ مُطْبِقَةٌ عَلى الأُخْرى كالقِبابِ.
قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ عَلى سَبْعِ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ وأرْضٍ وأرْضٍ خَلْقٌ وأمْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وانْتِصابُ " طِباقًا " عَلى المَصْدَرِيَّةِ، تَقُولُ طابَقَهُ مُطابَقَةً وطِباقًا، أوْ حالٌ بِمَعْنى ذاتِ طِباقٍ، فَحُذِفَتْ ذاتُ وأقامَ طِباقًا مَقامَهُ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ جَرَّ " طِباقًا " عَلى النَّعْتِ.
﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ أيْ مُنَوِّرًا لِوَجْهِ الأرْضِ، وجَعَلَ القَمَرَ في السَّماواتِ مَعَ كَوْنِها في سَماءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّها إذا كانَتْ في إحْداهِنَّ، فَهي فِيهِنَّ، كَذا قالَ ابْنُ كَيْسانَ.
قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ أتانِي بَنُو تَمِيمٍ، والمُرادُ بَعْضُهم.
وقالَ قُطْرُبٌ فِيهِنَّ بِمَعْنى مَعَهُنَّ، أيْ: خَلَقَ القَمَرَ والشَّمْسَ مَعَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وهَلْ يَنْعَمَن مَن كانَ آخِرُ عَهْدِهِ ∗∗∗ ثَلاثِينَ شَهْرًا في ثَلاثَةِ أحْوالِ
أيْ مَعَ ثَلاثَةِ أحْوالٍ ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ أيْ كالمِصْباحِ لِأهْلِ الأرْضِ لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى التَّصَرُّفِ فِيما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ المَعاشِ.
﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ (p-١٥٣٥)يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِن أدِيمِ الأرْضِ، والمَعْنى: أنْشَأكم مِنها إنْشاءً، فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكْوِينِ، ونَباتًا إمّا مَصْدَرٌ لِأنْبَتَ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
وقالَ الخَلِيلُ، والزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ فَنَبَتُّمْ نَباتًا.
وقالَ الخَلِيلُ، والزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكم: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا.
وقِيلَ: المَعْنى: واللَّهُ أنْبَتَ لَكم مِنَ الأرْضِ النَّباتَ، فَ " نَباتًا " عَلى هَذا مَفْعُولٌ بِهِ.
قالَ ابْنُ بَحْرٍ: أنْبَتَهم في الأرْضِ بِالكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ وبِالطُّولِ بَعْدَ القِصَرِ.
﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ أيْ: في الأرْضِ ﴿ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ يَعْنِي يُخْرِجُكم مِنها بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ أيْ فَرَشَها وبَسَطَها لَكم تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها تَقَلُّبَكم عَلى بُسُطِكم في بُيُوتِكم.
﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أيْ طُرُقًا واسِعَةً، والفِجاجُ جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الفَجُّ: المَسْلَكُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الحَجِّ مُسْتَوْفًى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ قالَ: لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَقُولُ ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم﴾ قالَ: لِيَتَنَكَّرُوا فَلا يَعْرِفُهم ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ قالَ: تَرَكُوا التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ قالَ: غَطَّوْا وُجُوهَهم لِئَلّا يَرَوْا نُوحًا ولا يَسْمَعُوا كَلامَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ قالَ: لا تَعْلَمُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا ﴿وقارًا﴾ قالَ: عَظَمَةً.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ قالَ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: لا تَخْشَوْنَ لَهُ عِقابًا ولا تَرْجُونَ لَهُ ثَوابًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى ناسًا يَغْتَسِلُونَ عُراةً لَيْسَ عَلَيْهِمْ أُزُرٌ، فَوَقَفَ فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ وُجُوهُهُما قِبَلَ السَّماءِ وأقْفِيَتُهُما قِبَلَ الأرْضِ، وأنا أقْرَأُ بِذَلِكَ عَلَيْكم أنَّهُ مِن كِتابِ اللَّهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: تُضِيءُ لِأهْلِ السَّماواتِ كَما تُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: اجْتَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وكَعْبُ الأحْبارِ وقَدْ كانَ بَيْنَهُما بَعْضُ العَتَبِ فَتَعاتَبا فَذَهَبَ ذَلِكَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو لِكَعْبٍ: سَلْنِي عَمّا شِئْتَ فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكَ بِتَصْدِيقِ قَوْلِي مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ ضَوْءَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أهُوَ في السَّماواتِ السَّبْعِ كَما هو في الأرْضِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ألَمْ تَرَوْا إلى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ قالَ: وجْهُهُ في السَّماءِ إلى العَرْشِ وقَفاهُ إلى الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ قالَ: خَلَقَ فِيهِنَّ حِينَ خَلَقَهُنَّ ضِياءً لِأهْلِ الأرْضِ، ولَيْسَ في السَّماءِ مِن ضَوْئِهِ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ قالَ: طُرُقًا مُخْتَلِفَةً.
نوح 71:21
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:22
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:23
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:24
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:25
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:26
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:27
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
نوح 71:28
قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِصْيانِي ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي، شَكاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْبَرَهُ بِأنَّهم عَصَوْهُ ولَمْ يَتَّبِعُوهُ وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ أيِ اتَّبَعَ الأصاغِرُ رُؤَساءَهم وأهْلَ الثَّرْوَةِ مِنهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزِدْهم كَثْرَةُ المالِ والوَلَدِ إلّا ضَلالًا في الدُّنْيا وعُقُوبَةً في الآخِرَةِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٌ ووَلَدُهُ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ومَعْنى " واتَّبَعُوا ": أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِهِمْ لا أنَّهم أحْدَثُوا الِاتِّباعَ.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ مَكْرًا كِبِيرًا عَظِيمًا، يُقالُ: كَبِيرٌ وكُبارٌ وكُبّارٌ مِثْلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ وعُجّابٍ، وجَمِيلٍ وجُمالٍ وجُمّالٍ.
قالَ المُبَرِّدُ: " كُبّارًا " بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ " كُبّارًا " قُرّاءٌ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ:
؎بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿كُبّارًا﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو جَمْعُ كَبِيرٍ كَأنَّهُ جَعَلَ " مَكْرًا " مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ بِالجَمْعِ.
وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ.
واخْتُلِفَ في مَكْرِهِمْ هَذا ما هو ؟ فَقِيلَ: هو تَحْرِيشُهم سَفَلَتَهم عَلى قَتْلِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو تَغْرِيرُهم عَلى النّاسِ بِما أُوتُوا مِنَ المالِ والوَلَدِ حَتّى قالَ الضَّعَفَةُ: لَوْلا أنَّهم عَلى الحَقِّ (p-١٥٣٦)لَما أُوتُوا هَذِهِ النِّعَمَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو قَوْلُ كُبَرائِهِمْ لِأتْباعِهِمْ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم، وقِيلَ: مَكْرُهم كُفْرُهم.
﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ آلِهَتِكم، وهي الأصْنامُ والصُّوَرُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ثُمَّ عَبَدَتْها العَرَبُ مِن بَعْدِهِمْ، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، فَنَشَأ بَعْدَهم قَوْمٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكم وأسْوَقَ إلى العِبادَةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ مِن بَعْدِهِمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهم فاعْبُدُوهم، فابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ كانَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُورَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ أسْماءً لِأوْلادِ آدَمَ، وكانَ ودٌّ أكْبَرَهم.
قالَ الماوَرْدِيُّ: فَأمّا ودٌّ فَهو أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ، سُمِّيَ ودًّا لِوُدِّهِمْ لَهُ، وكانَ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُقاتِلٍ، وفِيهِ يَقُولُ شاعِرُهم:
؎حَيّاكَ ودُّ فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا ∗∗∗ لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ غَرَبا
وأمّا سُواعٌ فَكانَ لِهُذَيْلٍ بِساحِلِ البَحْرِ.
وأمّا يَغُوثُ فَكانَ لِغُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجَرْفِ مِن سَبَأٍ في قَوْلِ قَتادَةَ.
وقالَ المَهْدَوِيُّ: لِمُرادٍ ثُمَّ لِغَطَفانَ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَ لِهَمْدانَ في قَوْلِ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: كانَ لِكَهْلانَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمَّ تَوارَثُوهُ حَتّى صارَ في هَمْدانَ، وفِيهِ يَقُولُ مالِكُ بْنُ نَمَطٍ الهَمْدانِيُّ:
؎يَرِيشُ اللَّهُ في الدُّنْيا ويَبْرِي ∗∗∗ ولا يَبْرِي يَعُوقُ ولا يَرِيشُ
وأمّا نَسْرٌ فَكانَ لِذِي الكَلاعِ مِن حِمْيَرَ في قَوْلِ قَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ودًّا﴾ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّها.
قالَ اللَّيْثُ: وُدٌّ بِضَمِّ الواوِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِفَتْحِها صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ.
قالَ في الصِّحاحِ، والوَدُّ بِالفَتْحِ: الوَتَدُ في لُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ كَأنَّهم سَكَّنُوا التّاءَ وأدْغَمُوها في الدّالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ﴾ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ فالمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وإنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ فَلِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا " بِالصَّرْفِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ وهْمٌ.
وُوَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأصْنامِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِها تَحْتَ الآلِهَةِ، لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها.
﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ أيْ أضَلَّ كُبَراؤُهم ورُؤَساؤُهم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأصْنامِ، أيْ: ضَلَّ بِسَبَبِها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها أنَّها تَعْقِلُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَدْ أضَلُّوا ومَعْنى ﴿إلّا ضَلالًا﴾ إلّا عَذابًا. كَذا قالَ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقِيلَ: إلّا خُسْرانًا. وقِيلَ: إلّا فِتْنَةً بِالمالِ والوَلَدِ، وقِيلَ: الضَّياعُ، وقِيلَ: ضَلالًا في مَكْرِهِمْ.
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ " ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى: مِن خَطِيئاتِهِمْ، أيْ: مِن أجْلِها وبِسَبَبِها أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ عَقِبَ ذَلِكَ، وهي نارُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى جَمْعِ السَّلامَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " خَطاياهم " عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ " خَطِيئَتِهِمْ " عَلى الإفْرادِ.
قالَ الضَّحّاكُ عُذِّبُوا بِالنّارِ في الدُّنْيا مَعَ الغَرَقِ في حالَةٍ واحِدَةٍ كانُوا يَغْرَقُونَ في جانَبٍ ويَحْتَرِقُونَ في جانِبٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أُغْرِقُوا﴾ مِن أغْرَقَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ غُرِّقُوا بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا أحَدًا يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ ويَدْفَعُهُ عَنْهم.
﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ لَمّا أيِسَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
قالَ قَتادَةُ: دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وأغْرَقَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَطِيَّةُ: إنَّما قالَ هَذا حِينَ أخْرَجَ اللَّهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِن أصْلابِهِمْ وأرْحامِ نِسائِهِمْ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ وأصْلابَ الآباءِ قَبْلَ العَذابِ بِسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ.
قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَبِيٌّ وقْتَ العَذابِ.
وقالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيةَ: لَوْ أهْلَكَ اللَّهُ أطْفالَهم مَعَهم كانَ عَذابًا مِنَ اللَّهِ لَهم وعَدْلًا فِيهِمْ ولَكِنْ أهْلَكَ ذُرِّيَّتَهم وأطْفالَهم بِغَيْرِ عَذابٍ ثُمَّ أهْلَكَهم بِالعَذابِ، ومَعْنى دَيّارًا: مَن يَسْكُنُ الدِّيارَ، وأصْلُهُ دَيْوارٌ عَلى فَيْعالٍ، مِن دارَ يَدُورُ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، مِثْلَ القَيّامِ، أصْلُهُ قَيْوامٌ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الدّارِ، أيْ: نازِلٌ بِالدّارِ، يُقالُ ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أيْ: أحَدٌ، وقِيلَ: الدَّيّارُ: صاحِبُ الدِّيارِ، والمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم إلّا أهْلَكْتَهُ.
﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ أيْ إنْ تَتْرُكْهم عَلى الأرْضِ يُضِلُّوا عِبادَكَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ إلّا فاجِرًا بِتَرْكِ طاعَتِكَ كَفّارًا لِنِعْمَتِكَ، أيْ: كَثِيرَ الكُفْرانِ لَها، والمَعْنى: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ.
ثُمَّ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وأبُوهُ لامَكُ بْنُ مُتُّوشَلَخَ كَما تَقَدَّمَ، وأُمُّهُ سَمْحاءُ بِنْتُ أنُوَشَ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِوالِدَيْهِ أباهُ وجَدَّهُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " ولِوالِدِي " بِكَسْرِ الدّالِّ عَلى الإفْرادِ.
﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: يَعْنِي مَسْجِدَهُ، وقِيلَ: مَنزِلَهُ الَّذِي هو ساكِنٌ فِيهِ، وقِيلَ: سَفِينَتَهُ، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِهِ، وانْتِصابُ مُؤْمِنًا عَلى الحالِ، أيْ: لِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَيَخْرُجُ مَن دَخَلَهُ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ (p-١٥٣٧)بِهَذِهِ الصِّفَةِ كامْرَأتِهِ ووَلَدِهِ الَّذِي قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] ثُمَّ عَمَّمَ الدَّعْوَةَ، فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ واغْفِرْ لِكُلِّ مُتَّصِفٍ بِالإيمانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ.
ثُمَّ عادَ إلى الدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ لا تَزِدِ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ إلّا هَلاكًا وخُسْرانًا ودَمارًا، وقَدْ شَمِلَ دُعاؤُهُ هَذا كُلَّ ظالِمٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما شَمِلَ دُعاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كُلَّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ قالَ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ تُعْبَدُ في زَمَنِ نُوحٍ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ.
أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيهِ أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى هَلَكَ أُولَئِكَ ونُسِخَ العِلْمُ فَعُبِدَتْ.
الجن 72:1
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:2
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:3
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:4
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:5
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:6
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:7
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:8
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:9
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:10
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:11
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:12
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:13
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الجِنِّ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ أُوحِيَ رُباعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ إياسٍ، والعَتَكِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو " وُحِيَ " ثُلاثِيًّا، وهُما لُغَتانِ.
واخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْ لَمْ يَرَهم ؟ فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَرَهم؛ لِأنَّ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُمَّتِكَ أُوحِيَ إلَيَّ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الجِنِّ وما رَآهم.
قالَ عِكْرِمَةُ: والسُّورَةُ الَّتِي كانَ يَقْرَؤُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْقافِ ذِكْرُ ما يُفِيدُ زِيادَةً في هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هَذا هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، ولِهَذا فُتِحَتْ أنَّ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُّ والمَجْرُورُ، والنَّفَرُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: والجِنُّ ولَدُ الجانِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: إنَّهم ولَدُ إبْلِيسَ.
قِيلَ هم أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ والهَوائِيَّةُ، وقِيلَ نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها.
وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في دُخُولِ مُؤْمِنِي الجِنِّ الجَنَّةَ، كَما يَدْخُلُ عُصاتُهُمُ النّارَ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُ الجِنِّ فِيما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُونَها وإنْ صُرِفُوا عَنِ النّارِ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ آياتٌ غَيْرُ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَراجِعْها. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحَقَّ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، بَلِ الرُّسُلُ جَمِيعًا مِنَ الإنْسِ، وإنْ أشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بِخِلافِ هَذا فَهو مَدْفُوعُ الظّاهِرِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ إلّا مِن بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ الأبْحاثُ الكَلامُ فِيها يَطُولُ. والمُرادُ الإشارَةُ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ: أيْ سَمِعْنا كَلامًا مَقْرُوءًا عَجَبًا في فَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ، وقِيلَ عَجَبًا في مَواعِظِهِ، وقِيلَ في بَرَكَتِهِ، وعَجَبًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ: أيْ ذا عَجَبٍ أوِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ: أيْ مُعْجَبًا.
﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى مَراشِدِ الأُمُورِ، وهي الحَقُّ والصَّوابُ، وقِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ صَدَّقْنا بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهُ ولا نَتَّخِذُ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؛ لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ مِن بَنِي آدَمَ حَيْثُ آمَنَتِ الجِنُّ بِسَماعِ القُرْآنِ مَرَّةً واحِدَةً وانْتَفَعُوا بِسَماعِ آياتٍ يَسِيرَةٍ مِنهُ وأدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَنْتَفِعْ كُفّارُ الإنْسِ لا سِيَّما رُؤَساؤُهم وعُظَماؤُهم بِسَماعِهِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ مِنهم يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ لا جَرَمَ صَرَعَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ (p-١٥٣٨)مَصْرَعٍ وقَتَلَهم أقْبَحَ مَقْتَلٍ، ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وعَلْقَمَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وخَلَفٌ، والسُّلَمِيُّ ﴿وأنَّهُ تَعالى﴾ بِفَتْحِ أنَّ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدَها مِمّا هو مَعْطُوفٌ عَلَيْها، وذَلِكَ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ في هَذِهِ المَواضِعِ، فَعَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلَخْ، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ في هَذِهِ المَواضِعِ فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿إنّا سَمِعْنا﴾: فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا، وقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إلى آخِرِهِ.
واخْتارَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الكَسْرِ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ ومِمّا هو مَحْكِيٌّ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشُعْبَةُ بِالفَتْحِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وهي: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾
قالا: لِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، وكَسَرا ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّهُ اسْتَمَعَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وشَيْبَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ في هَذا المَوْضِعِ عَطْفًا عَلى ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ السّابِقِ، واتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كَما اتَّفَقُوا عَلى الفَتْحِ في أنَّ المَساجِدَ وفي ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ واتَّفَقُوا عَلى الكَسْرِ في ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ و﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ و﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ و﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ﴾ .
والجَدُّ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ العَظَمَةُ والجَلالُ، يُقالُ جَدَّ في عَيْنِي: أيُّ عَظُمَ، فالمَعْنى: ارْتَفَعَ عَظَمَةُ رَبِّنا وجَلالُهُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ تَعالى غِناهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، ورَجُلٌ مَجْدُودٌ: أيْ مَحْظُوظٌ وفي الحَدِيثِ «ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ» قالَ أبُو عُبَيْدٍ والخَلِيلُ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ الغِنى: أيْ إنَّما تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ، والضَّحّاكُ: جَدُّهُ: آلاؤُهُ ونِعَمُهُ عَلى خَلْقِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ: مُلْكُهُ وسُلْطانُهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أمْرُهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ أيْ تَعالى رَبُّنا، وقِيلَ جَدُّهُ قُدْرَتُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ جَدٌّ، وإنَّما قالَتْهُ الجِنُّ لِلْجَهالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَدُّ بِفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ بِكَسْرِ الجِيمِ، وهو ضِدُّ الهَزْلِ، وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ جَدَّيْ رَبِّنا أيْ جَدْواهُ ومَنفَعَتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِتَنْوِينِ ( جَدُّ ) ورَفْعِ ( رَبِّنا ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( جَدُّ ) ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ هَذا بَيانٌ لِتَعالِي جَدِّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا، وكَأنَّ الجِنَّ نَبَّهُوا بِهَذا عَلى خَطَأِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ الصّاحِبَةَ والوَلَدَ، ونَزَّهُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ عَنْهُما ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ الضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلْحَدِيثِ أوِ الأمْرِ، و( سَفِيهُنا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، و( يَقُولُ ) الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( سَفِيهُنا ) فاعِلَ يَقُولُ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى الحَدِيثِ أوِ الأمْرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً، ومُرادُهم بِسَفِيهِهِمْ عُصاتُهم ومُشْرِكُوهم.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، والشَّطَطُ: الغُلُوُّ في الكُفْرِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: الجَوْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَذِبُ، وأصْلُهُ البُعْدُ عَنِ القَصْدِ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِأيَّةِ حالٍ حُكِّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا وما ذاكَ إلّا حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنّا حَسِبْنا أنَّ الإنْسَ والجِنَّ كانُوا لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا، فَلِذَلِكَ صَدَّقْناهم في ذَلِكَ حَتّى سَمِعْنا القُرْآنَ، فَعَلِمْنا بُطْلانَ قَوْلِهِمْ وبُطْلانَ ما كُنّا نَظُنُّهُ بِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ. وانْتِصابُ كَذِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ( يَقُولُ ) لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " أنْ لَنْ تَقُولَ " مِنَ التَّقَوُّلِ، فَيَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَذِبًا مَفْعُولٌ بِهِ.
﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: كانَ العَرَبُ إذا نَزَلَ الرَّجُلُ بِوادٍ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ. فَيَبِيتُ في جِوارِهِ حَتّى يُصْبِحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ أوَّلُ مَن تَعَوَّذَ بِالجِنِّ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ عاذُوا بِاللَّهِ وتَرَكُوهم ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أيْ زادَ رِجالُ الجِنِّ مَن تَعَوَّذَ بِهِمْ مِن رِجالِ الإنْسِ رَهَقًا: أيْ سَفَهًا وطُغْيانًا، أيْ تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ زادَ المُسْتَعِيذُونَ مِن رِجالِ الإنْسِ مَنِ اسْتَعاذُوا بِهِمْ مِن رِجالِ الجِنِّ رَهَقًا؛ لِأنَّ المُسْتَعاذَ بِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ.
وبِالأوَّلِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّهَقُ في كَلامِ العَرَبِ: الإثْمُ وغَشِيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ رَهِقٌ: إذا كانَ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ [يونس: ٢٧] أيْ تَغْشاهم، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِها ∗∗∗ هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا
يَعْنِي إثْمًا.
وقِيلَ الرَّهَقُ: الخَوْفُ أيْ: أنَّ الجِنَّ زادَتِ الإنْسَ بِهَذا التَّعَوُّذِ بِهِمْ خَوْفًا مِنهم، وقِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: أعُوذُ بِفُلانٍ مِن ساداتِ العَرَبِ مِن جِنِّ هَذا الوادِي، ويُؤَيِّدُ هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ لَفْظَ رِجالٍ لا يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِرِجالٍ وصْفًا لِمَن يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِن رِجالِ الإنْسِ: أيْ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِن شَرِّ الجِنِّ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وإطْلاقُ لَفْظِ رِجالٍ عَلى الجِنِّ عَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لُغَةً لا مانِعَ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِمْ هُنا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِلْإنْسِ: أيْ وإنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الإنْسُ أنَّهُ لا بَعْثَ.
وقِيلَ المَعْنى: وإنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، (p-١٥٣٩)والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ كَما أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ أيْضًا: أيْ طَلَبْنا خَبَرًا كَما بِهِ جَرَتْ عادَتُنا ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، والحَرَسُ جَمْعُ حارِسٍ، وشَدِيدًا صِفَةٌ لِ حَرَسًا: أيْ قَوِيًّا وشُهُبًا جَمْعُ شِهابٍ، وهو الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَوْكَبِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ وجَدْنا؛ لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وحَرَسًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَصْفُهُ بِالمُفْرِدِ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، كَما يُقالُ السَّلَفُ الصّالِحُ: أيِ الصّالِحِينَ.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ وأنّا كُنّا مَعْشَرَ الجِنِّ قَبْلَ هَذا نَقْعُدُ مِنَ السَّماءِ مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، أيْ مَواضِعَ نَقْعُدُ في مِثْلِها لِاسْتِماعِ الأخْبارِ مِنَ السَّماءِ ولِلسَّمْعِ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ، والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ، اسْمُ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّ مَرَدَةَ الجِنِّ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْمَعُوا مِنَ المَلائِكَةِ أخْبارَ السَّماءِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَحَرَسَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِبَعْثِهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالشُّهُبِ المُحْرِقَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْمى بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ لِمَنعِهِ مِنَ السَّماعِ، وقَوْلُهُ: الآنَ هو ظَرْفٌ لِلْحالِ واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْبالِ، وانْتِصابُ ﴿رَصَدًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ شِهابًا أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو مُفْرَدٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ كالحَرَسِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالشِّهابِ قَبْلَ المَبْعَثِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ نَعَمْ، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها﴾ الآيَةَ، قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في شِدَّةِ الحِراسَةِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا بُعِثَ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ أصْلًا.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سابُورَ: لَمْ تَكُنِ السَّماءُ تُحْرَسُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُمِيَتِ الشَّياطِينُ بِالشُّهُبِ، ومُنِعَتْ مِنَ الدُّنُوِّ إلى السَّماءِ.
وقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الشَّياطِينُ في الفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلا تُرْمى، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ عَنْ هَذا.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحِراسَةِ لِلسَّماءِ، أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا: أيْ خَيْرًا.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ إبْلِيسُ: لا نَدْرِي أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَنعِ أنْ يُنْزِلَ عَلى أهْلِ الأرْضِ عَذابًا أوْ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وارْتِفاعُ أشَّرٌ عَلى الِاشْتِغالِ، أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " نَدْرِي " والأوْلى أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ فِيما بَيْنَهم ولَيْسَ مِن قَوْلِ إبْلِيسَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ لَمّا دَعَوْا أصْحابَهم إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ: وأنّا كُنّا قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ مِنّا المَوْصُوفُونَ بِالصَّلاحِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ: أيْ دُونَ المَوْصُوفِينَ بِالصَّلاحِ، وقِيلَ أرادَ بِـ ﴿الصّالِحُونَ﴾ المُؤْمِنِينَ، وبِمَن هم دُونَ ذَلِكَ الكافِرِينَ، والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً وأصْنافًا مُخْتَلِفَةً، والقِدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وصارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ أحْوالُهم، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎القابِضُ الباسِطُ الهادِي لِطاعَتِهِ ∗∗∗ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
والمَعْنى: كُنّا ذَوِي طَرائِقَ قِدَدٍ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أوْ كُنّا مِثْلَ طَرائِقَ قِدَدًا، ومِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها ∗∗∗ يَوْمَ تَمْشِي الجِيادُ بِالقِدَدِ
وقَوْلُهُ أيْضًا:
؎ولَقَدْ قُلْتُ وزَيْدٌ حاسِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدًا
قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، وقالَ قَتادَةُ: أهْواءً مُتَبايِنَةً.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا مُسْلِمِينَ ويَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا، وكَذا قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: الجِنُّ أمْثالُكم قَدَرِيَّةٌ ومُرْجِئَةٌ ورافِضَةٌ وشِيعَةٌ، وكَذا قالَ السُّدِّيُّ.
﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ: أيْ وإنّا عَلِمْنا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نَفُوتَهُ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها، فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ وصَدَّقْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ نُكَذِّبْ بِهِ كَما كَذَّبَتْ بِهِ كَفَرَةُ الإنْسِ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ أيْ لا يَخافُ نَقْصًا في عَمَلِهِ وثَوابِهِ، ولا ظُلْمًا ومَكْرُوهًا يَغْشاهُ، والبَخْسُ النُّقْصانُ، والرَّهَقُ العُدْوانُ والظُّغْيانُ، والمَعْنى: لا يَخافُ أنْ يَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ ولا أنْ يُزادَ في سَيِّئاتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الرَّهَقِ قَرِيبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَخْسًا بِسُكُونِ الخاءِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِها.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ ( فَلا يَخَفْ ) جَزْمًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ولا وجْهَ لِهَذا بَعْدَ دُخُولِ الفاءِ.
والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ، والأمْرُ ظاهِرٌ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: ما لَكم ؟ فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ، قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها لِتَعْرِفُوا ما هَذا الأمْرُ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ (p-١٥٤٠)بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ حِينُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ قالَ: آلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ «عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ قالَ: إبْلِيسُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي السّائِبِ الأنْصارِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المَدِينَةِ في حاجَةٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فَلَمّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جاءَ ذِئْبٌ فَأخَذَ حَمَلًا مِنَ الغَنَمِ، فَوَثَبَ الرّاعِي فَقالَ: يا عامِرَ الوادِي أنا جارُكَ، فَنادى مُنادٍ يا سَرْحانُ أرْسِلْهُ، فَأتى الحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتّى دَخَلَ في الغَنَمِ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بِمَكَّةَ ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ: إثْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ القَوْمُ في الجاهِلِيَّةِ إذا نَزَلُوا بِالوادِي قالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ ما فِيهِ، فَلا يَكُونُ بِشَيْءٍ أشَدَّ ولَعًا مِنهُ بِهِمْ، ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنِّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الشَّياطِينُ لَهم مَقاعِدُ في السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيها الوَحْيَ، فَإذا سَمِعُوا الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، فَأمّا الكَلِمَةُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأمّا ما زادُوا، فَيَكُونُ باطِلًا، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعُوا مَقاعِدَهم، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإبْلِيسَ، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ما هَذا إلّا مِن أمْرٍ قَدْ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: هَذا الحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: مِنّا المُسْلِمُ، ومِنّا المُشْرِكُ، و﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أهْواءً شَتّى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ قالَ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
الجن 72:14
. قَوْلُهُ: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ أيِ الجائِرُونَ الظّالِمُونَ الَّذِينَ حادُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، ومالُوا إلى طَرِيقِ الباطِلِ، يُقالُ قَسَطَ: إذا جارَ، وأقْسَطَ: إذا عَدَلَ. ﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ.
قالَ الفَرّاءُ: أمُّوا الهُدى.
﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أيْ وقُودًا لِلنّارِ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِكَفَرَةِ الإنْسِ.
﴿وألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ هَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ الجِنِّ بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ والمَعْنى: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوْ كِلاهُما عَلى الطَّرِيقَةِ، وهي طَرِيقَةُ الإسْلامِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القُرّاءَ اتَّفَقُوا عَلى فَتْحِ " أنَّ " هَهُنا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والفَتْحُ هُنا عَلى إضْمارِ يَمِينٍ تَأْوِيلُها، واللَّهِ أنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ كَما فُعِلَ، يُقالُ في الكَلامِ واللَّهِ لَوْ قُمْتَ لَقُمْتُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أما واللَّهِ أنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا ولا بِالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ
قالَ: أوْ عَلَيَّ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، لَوِ اسْتَقامُوا، أوْ عَلى آمَنّا بِهِ: أيْ آمَنّا بِهِ، وبِأنْ لَوِ اسْتَقامُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الواوِ مِن " لَوِ " لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِضَمِّها ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ أيْ كَثِيرًا واسِعًا.
قالَ مُقاتِلٌ: ماءً كَثِيرًا مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ بَعْدَ ما رُفِعَ عَنْهُمُ المَطَرُ سَبْعَ سِنِينَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى لَوْ آمَنُوا جَمِيعًا لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وضُرِبَ الماءُ الغَدَقُ مَثَلًا لَأنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ والرِّزْقَ بِالمَطَرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣، ٢] وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] الآيَةَ.
وقِيلَ المَعْنى: وأنْ لَوِ اسْتَقامَ أبُوهم عَلى عِبادَتِهِ وسَجَدَ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ.
والماءُ الغَدَقُ: هو الكَثِيرُ في لُغَةِ العَرَبِ.
﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ أيْ لِنَخْتَبِرَهم فَنَعْلَمَ كَيْفَ شُكْرُهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هم عَلَيْها مِنَ الكُفْرِ فَكانُوا كُلُّهم كُفّارًا، لَأوْسَعْنا أرْزاقَهم مَكْرًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا حَتّى يُفْتَنُوا (p-١٥٤١)بِها فَنُعَذِّبَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، والثُّمالِيُّ، ويَمانُ بْنُ زَيّانٍ، وابْنُ كَيْسانَ، وأبُو مِجْلَزٍ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ الآيَةَ والأوَّلُ أوْلى ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ أيْ ومَن يُعْرِضْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنِ العِبادَةِ، أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ يَسْلُكْهُ: أيْ يُدْخِلْهُ عَذابًا صَعَدًا: أيْ شاقًّا صَعْبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَسْلُكْهُ ) بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ ذِكْرِنا.
وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ اللّامِ مِن أسْلَكَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ مِن سَلَكَهُ.
والصَّعَدُ في اللُّغَةِ المَشَقَّةِ، تَقُولُ تَصَعَّدَ بِي الأمْرُ: إذا شَقَّ عَلَيْكَ، وهو مَصْدَرُ صَعِدَ، يُقالُ صَعِدَ صَعْدًا وصُعُودًا، فَوَصَفَ بِهِ العَذابَ مُبالَغَةً؛ لِأنَّهُ يَتَصَعَّدُ المُعَذَّبَ: أيْ يَعْلُوهُ ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصَّعَدُ مَصْدَرٌ: أيْ عَذابًا ذا صَعَدٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: الصَّعَدُ هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] والصَّعُودُ العَقَبَةُ الكَئُودُ.
﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ قَدْ قَدَّمَنا اتِّفاقَ القُرّاءِ هُنا عَلى الفَتْحِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُ اسْتَمَعَ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّقْدِيرُ ولِأنَّ المَساجِدَ.
والمَساجِدُ: المَواضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلاةِ فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَتِ الجِنَّ كَيْفَ لَنا أنْ نَأْتِيَ المَساجِدَ ونَشْهَدَ مَعَكَ الصَّلاةَ ونَحْنُ ناءُونَ عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: أرادَ بِها كُلَّ البِقاعِ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أرادَ بِالمَساجِدِ الأعْضاءَ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها العَبْدُ، وهي القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ واليَدانِ والجَبْهَةُ، يَقُولُ هَذِهِ أعْضاءٌ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْكَ فَلا تَسْجُدْ بِها لِغَيْرِهِ فَتَجْحَدُ نِعْمَةَ اللَّهِ، وكَذا قالَ عَطاءٌ.
وقِيلَ المَساجِدُ هي الصَّلاةُ لِأنَّ السُّجُودَ مِن جُمْلَةِ أرْكانِها قالَهُ الحَسَنُ ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهِ كائِنًا ما كانَ.
﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ الجُمْهُورَ قَرَءُوا هُنا بِفَتْحِ ( أنَّ ) عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ أيْ وأوْحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ - وهو النَّبِيُّ ﷺ - يَدْعُوهُ أيْ يَدْعُو اللَّهَ ويَعْبُدُهُ، وذَلِكَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ كَما تَقَدَّمَ؛ حِينَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي ويَتْلُو القُرْآنَ وقَدْ قَدَّمْنا أيْضًا قِراءَةَ مَن قَرَأ بِكَسْرِ ( إنَّ ) هُنا، وفِيها غُمُوضٌ وبُعْدٌ عَنِ المَعْنى المُرادِ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ كادَ الجِنُّ يَكُونُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ لِبَدًا: أيْ مُتَراكِمِينَ مِنِ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ لِسَماعِ القُرْآنِ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى لِبَدًا: يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن هَذا اشْتِقاقُ هَذِهِ اللُّبُودِ الَّتِي تُفْرَشُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِبَدًا بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، والعُقَيْلِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الباءِ واللّامِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وعَلى قِراءَةِ ضَمِّ اللّامِ يَكُونُ المَعْنى كَثِيرًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] وقِيلَ المَعْنى: كادَ المُشْرِكُونَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا حَرْدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ الحَسَنُ،، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ بِالدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ، ويُتِمَّ نُورَهُ.
واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ مُجاهِدٌ لِبَدًا: أيْ جَماعاتٍ، وهو مَن تَلَبَّدَ الشَّيْءُ عَلى الشَّيْءِ أيِ اجْتَمَعَ ومِنهُ اللَّبَدُ الَّذِي يُفْرَشُ لِتَراكُمِ صُوفِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ ألْصَقْتَهُ إلْصاقًا شَدِيدًا فَقَدْ لَبَّدْتَهُ، ويُقالُ لِلشَّعَرِ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأسَدِ لُبْدَةٌ، وجَمْعُها لُبَدٌ ويُقالُ لِلْجَرادِ الكَثِيرِ لُبَدٌ، ويُطْلَقُ اللُّبَدُ بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ عَلى الشَّيْءِ الدّائِمِ، ومِنهُ قِيلَ لِنَسْرِ لُقْمانَ لُبَدٌ لِطُولِ بَقائِهِ، وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎أخْنى عَلَيْها الَّذِي أخْنى عَلى لُبَدٍ
﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّما أدْعُو رَبِّي وأعْبُدُهُ ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قالَ " وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ قُلْ عَلى الأمْرِ.
وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وقَدْ عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهم فارْجِعْ عَنْ هَذا فَنَحْنُ نُجِيرُكَ.
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ أنْ أدْفَعَ عَنْكم ضَرًّا ولا أسُوقُ إلَيْكم خَيْرًا، وقِيلَ الضُّرُّ الكُفْرُ، والرَّشَدُ الهُدى، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِ النَّكِرَتَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهُما يَعُمّانِ كُلَّ ضَرَرٍ وكُلَّ رَشَدٍ في الدُّنْيا والدِّينِ.
﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ أيْ لا يَدْفَعُ عَنِّي أحَدٌ عَذابَهُ إنْ أنْزَلَهُ بِي ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً ومَعْدِلًا وحِرْزًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ مِثْلَ السِّرْبِ، وقِيلَ مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا لَهَفَ نَفْسِي ولَهْفًا غَيْرَ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ( لا أمْلِكُ ): أيْ لا أمْلِكُ ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا التَّبْلِيغَ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ فِيهِ أعْظَمَ الرَّشَدِ، أوْ مِن ( مُلْتَحَدًا ) أيْ لَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَلْجَأً إلّا التَّبْلِيغَ.
قالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ الَّذِي يُجِيرُنِي مِن عَذابِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾، فَذَلِكَ الَّذِي أمْلِكُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَأمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَلا أمْلِكُهُما.
قالَ الفَرّاءُ: لَكِنْ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ، فَهو عَلى هَذا مُنْقَطِعٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ مُلْتَحَدًا أيْ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إلّا أنْ أُبَلِّغَ ما يَأْتِي مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ورِسالاتِهِ مَعْطُوفٌ عَلى بَلاغًا: أيْ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وإلّا رِسالاتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم. أوْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وأعْمَلَ بِرِسالاتِهِ فَآخُذَ نَفْسِي بِما آمُرُ بِهِ غَيْرِي. وقِيلَ: الرِّسالاتُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الِاسْمِ (p-١٥٤٢)الشَّرِيفِ، أيْ: إلّا بَلاغًا عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ، كَذا قالَ أبُو حَيّانَ ورَجَّحَهُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّ السِّياقَ فِيهِ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ ( إنَّ ) عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ مَوْضِعُ ابْتِداءٍ، والتَّقْدِيرُ فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، أوْ فَحُكْمُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ: أيْ في النّارِ أوْ في جَهَنَّمَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن " كَما أنَّ التَّوْحِيدَ في قَوْلِهِ فَإنَّ لَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقَوْلُهُ: أبَدًا تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الخُلُودِ: أيْ خالِدِينَ فِيها بِلا نِهايَةٍ.
﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
والمَعْنى لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ حَتّى إذا رَأوُا الَّذِي يُوعَدُونَ بِهِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أيْ مَن هو أضْعَفُ جُنْدًا يَنْتَصِرُ بِهِ وأقَلُّ عَدَدًا أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ .
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أقَرِيبٌ حُصُولُ ما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ أيْ غايَةً ومُدَّةً، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ لِما قالُوا لَهُ مَتى يَكُونُ هَذا الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ ؟ قالَعَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ لا يَعْرِفُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، والمَعْنى أنَّ عِلْمَ وقْتِ العَذابِ عِلْمُ غَيْبٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبِّي بِإسْكانِ الياءِ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها، و( مَن ) في ( مَن أضْعَفُ ) مَوْصُولَةٌ، و( أضْعَفُ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو أضْعَفُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُرْتَفِعَةً عَلى الِابْتِداءِ و( أضْعَفُ ) خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أدْرِي، وقَوْلُهُ أقَرِيبٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما تُوعَدُونَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن رَبِّي، أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن عَدَمِ الدِّرايَةِ.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ السَّرِيُّ " عَلِمَ الغَيْبَ " بِصِيغَةِ الفِعْلِ ونَصْبِ الغَيْبِ، والفاءُ في ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإظْهارِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ: أيْ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ الَّذِي يَعْلَمُهُ - وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ - أحَدًا مِنهم.
ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ أيْ إلّا مَنِ اصْطَفاهُ مِنَ الرُّسُلِ أوْ مَنِ ارْتَضاهُ مِنهم لِإظْهارِهِ عَلى بَعْضِ غَيْبِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دالًّا عَلى نُبُوَّتِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ كانَ فِيهِ دَلِيلٌ أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضى مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ولَيْسَ المُنَجِّمُ ومَن ضاهاهُ مِمَّنْ يَضْرِبُ بِالحَصى ويَنْظُرُ في الكَفِّ ويَزْجُرُ بِالطِّينِ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِن رَسُولٍ فَيُطْلِعُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن غَيْبِهِ، فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ بِحَدَسِهِ وتَخْمِينِهِ وكَذِبِهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾ مِن رَسُولٍ هو جِبْرِيلُ، وفِيهِ بُعْدٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ فَإنَّهُ يُطْلِعُهُ عَلى بَعْضِ غَيْبِهِ، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِرِسالَتِهِ كالمُعْجِزَةِ وأحْكامِ التَّكالِيفِ وجَزاءِ الأعْمالِ وما يُبَيِّنُهُ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ، لا ما لا يَتَعَلَّقُ بِرِسالَتِهِ مِنَ الغُيُوبِ، كَوَقْتِ قِيامِ السّاعَةِ ونَحْوِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّهُ عَلى ما يَكُونُ مِن حادِثٍ فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ، وإبْطالٍ لِلْكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ.
قالَ الرّازِيُّ: وعِنْدِي لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ إذْ لا صِيغَةَ عُمُومٍ في غَيْبِهِ، فَتُحْمَلُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ وهو وقْتُ القِيامَةِ لِأنَّهُ واقِعٌ بَعْدِ قَوْلِهِ: ﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ إذا قَرُبَتِ القِيامَةُ يُظْهِرُهُ، وكَيْفَ لا ؟ وقَدْ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] فَتَعْلَمُ المَلائِكَةُ حِينَئِذٍ قِيامَ القِيامَةِ، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ مَنِ ارْتَضاهُ مِن رَسُولٍ يَجْعَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومَن خَلْفِهِ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الجِنِّ والإنْسِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ لا يُطْلِعُ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ أنَّهُ ثَبَتَ كَما يُقارِبُ التَّواتُرَ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ وقَدْ عَرَفا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وكانا مَشْهُورَيْنِ بِهَذا العِلْمِ عِنْدَ العَرَبِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى.
فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ غَيْرَ الرُّسُلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ، وأيْضًا أطْبَقَ أهْلُ المِلَلِ عَلى أنَّ مُعَبِّرَ الرُّؤْيا يُخْبِرُ عَنْ أُمُورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ ويَكُونُ صادِقًا فِيها، وأيْضًا قَدْ نَقَلَ السُّلْطانُ سِنْجَرُ بْنُ مَلِكِ شاهْ كاهِنَةً مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ وسَألَها عَنْ أُمُورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فَأخْبَرَتْهُ بِها، فَوَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها.
قالَ: وأخْبَرَنِي ناسٌ مُحَقِّقُونَ في عِلْمِ الكَلامِ والحِكْمَةِ أنَّها أخْبَرَتْ عَنْ أُمُورٍ غائِبَةٍ بِالتَّفْصِيلِ، فَكانَتْ عَلى وفْقِ خَبَرِها.
وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ في كِتابِ التَّعْبِيرِ في شَرْحِ حالِها، وقالَ: فَحَصَّتَ عَنْ حالِها ثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَحَقَّقَتْ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ إخْبارًا مُطابِقًا.
وأيْضًا فَإنّا نُشاهِدُ ذَلِكَ في أصْحابِ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، وقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ في السَّحَرَةِ أيْضًا وقَدْ نَرى الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ مُطابَقَةً وإنْ كانَتْ قَدْ تَخْتَلِفُ، ولَوْ قُلْنا إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ هَذِهِ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ لِتَطَرَّقَ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْنا، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: أمّا قَوْلُهُ إذْ لا صِيغَةَ عُمُومٍ في غَيْبِهِ فَباطِلٌ، فَإنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ واسْمِ الجِنْسِ مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما صَرَّحَ بِهِ أئِمَّةُ الأُصُولِ وغَيْرُهم.
وأمّا قَوْلُهُ: أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَمُجَرَّدُ دَعْوى يَأْباهُ النَّظْمُ القُرْآنِيُّ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ شَقًّا وسَطِيحًا إلَخْ، فَقَدْ كانا في زَمَنٍ تَسْتَرِقُ فِيهِ الشَّياطِينُ السَّمْعَ ويُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَهُ إلى الكُهّانِ فَيَخْلِطُونَ الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، فَبابُ (p-١٥٤٣)الكِهانَةِ قَدْ ورَدَ بَيانُهُ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وأنَّهُ كانَ طَرِيقًا لِبَعْضِ الغَيْبِ بِواسِطَةِ اسْتِراقِ الشَّياطِينِ حَتّى مُنِعُوا ذَلِكَ بِالبِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وقالُوا: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩، ٨] فَبابُ الكِهانَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِأدِلَّتِهِ، فَهو مِن جُمْلَةِ ما يُخَصَّصُ بِهِ هَذا العُمُومُ، فَلا يَرُدُّ ما زَعَمَهُ مِن إيرادِ الكِهانَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ.
وأمّا حَدِيثُ المَرْأةِ الَّذِي أوْرَدَهُ فَحَدِيثُ خُرافَةٍ، ولَوْ سَلَّمَ وُقُوعَ شَيْءٍ مِمّا حَكاهُ عَنْها مِنَ الأخْبارِ لَكانَ مِن بابِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ مُحَدَّثِينَ وإنَّ مِنهم عُمَرَ» فَيَكُونُ كالتَّخْصِيصِ لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ لا اقْتِضاءً لَها، وأمّا ما اجْتَرَأ بِهِ عَلى اللَّهِ وعَلى كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ في آخِرِ كَلامِهِ: فَلَوْ قُلْنا إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ هَذِهِ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ لِتَطَرَّقَ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ - فَيُقالُ لَهُ ما هَذِهِ بِأوَّلِ زَلَّةٍ مِن زَلّاتِكَ، وسَقْطَةٍ مِن سَقَطاتِكَ، وكَمْ لَها لَدَيْكَ مِن أشْباهٍ ونَظائِرَ نَبَضَ بِها عِرْقُ فَلْسَفَتِكَ، ورَكَضَ بِها الشَّيْطانُ الَّذِي صارَ يَتَخَبَّطُكَ في مَباحِثِ تَفْسِيرِكَ، يا عَجَبًا لَكَ أيَكُونُ ما بَلَغَكَ مِن خَبَرِ هَذِهِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ مُوجِبًا لِتَطَرُّقِ الطَّعْنِ إلى القُرْآنِ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَعْضُ أُدَباءِ عَصْرِنا:
؎وإذا رامَتِ الذُّبابَةُ لِلشَّمْ ∗∗∗ سِ غِطاءً مَدَّتْ عَلَيْها جَناحًا
وقُلْتُ مِن أبْياتٍ:
؎مَهَبُّ رِياحٍ سَدَّهُ بِجَناحِ ∗∗∗ وقابَلَ بِالمِصْباحِ ضَوْءَ صَباحِ
فَإنْ قُلْتَ: إذَنْ قَدْ تَقَرَّرَ بِهَذا الدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ مَنِ ارْتَضى مِن رُسُلِهِ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ، فَهَلْ لِلرَّسُولِ الَّذِي أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ أنْ يُخْبِرَ بِهِ بَعْضَ أُمَّتِهِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن هَذا ما لا يَخْفى عَلى عارِفٍ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، فَمِن ذَلِكَ ما صَحَّ أنَّهُ قامَ مَقامًا أخْبَرَ فِيهِ بِما سَيَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وما تَرَكَ شَيْئًا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالفِتَنِ ونَحْوِها، حَفِظَ ذَلِكَ مَن حَفِظَهُ ونَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ.
وكَذَلِكَ ما ثَبَتَ مِن أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ كانَ قَدْ أخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِما يَحْدُثُ مِنَ الفِتَنِ بَعْدَهُ، حَتّى سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ أكابِرُ الصَّحابَةِ ورَجَعُوا إلَيْهِ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ عَنِ الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، فَقالَ: إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَها بابًا، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ يُفْتَحُ أوْ يُكْسَرُ ؟ فَقالَ: بَلْ يُكْسَرُ، فَعَلِمَ عُمَرُ أنَّهُ البابُ، وأنَّ كَسْرَهُ قَتْلُهُ» كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَعْرُوفِ أنَّهُ قِيلَ لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كانَ عُمَرُ يَعْلَمُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ كَما يَعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ.
وكَذَلِكَ ما ثَبَتَ مِن إخْبارِهِ لِأبِي ذَرٍّ بِما يَحْدُثُ لَهُ، وإخْبارُهُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ بِخَبَرِ ذِي الثُّدَيَّةِ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَكْثُرُ تَعَدُّدُهُ ولَوْ جَمْعٌ لَجاءَ مِنهُ مُصَنَّفٌ مُسْتَقِلٌّ.
وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَلا مانِعَ مِن أنَّ يَخْتَصَّ بَعْضُ صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الغَيْبِ الَّتِي أظْهَرُها اللَّهُ لِرَسُولِهِ، وأظْهَرَها رَسُولُهُ لِبَعْضِ أُمَّتِهِ، وأظْهَرَها هَذا البَعْضُ مِنَ الأُمَّةِ لِمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ كَراماتُ الصّالِحِينَ مِن هَذا القَبِيلِ، والكُلُّ مِنَ الفَيْضِ الرَّبّانِيِّ بِواسِطَةِ الجَنابِ النَّبَوِيِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ الغَيْبَ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِلْإظْهارِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ سُبْحانَهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ومِن خَلْفِهِ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَهُ مِن تَعَرُّضِ الشَّياطِينِ لِما أظْهَرُهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ، أوْ يَجْعَلُ بَيْنَ يَدَيِ الوَحْيِ وخَلْفَهُ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحُوطُونَهُ مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشَّياطِينُ، فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ، والمُرادُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ، فَإذا جاءَهُ شَيْطانٌ في صُورَةِ المَلَكِ قالُوا هَذا شَيْطانٌ فاحْذَرْهُ، وإنَّ جاءَهُ المَلَكُ قالُوا هَذا رَسُولُ رَبِّكَ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَصَدًا: أيْ حَفَظَةً يَحْفَظُونَ النَّبِيَّ ﷺ مِن أمامِهِ ووَرائِهِ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
قالَ قَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هم أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ حَفَظَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ جِبْرِيلُ.
قالَ في الصِّحاحِ: الرَّصَدُ القَوْمُ يَرْصُدُونَ كالحَرَسِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُؤَنَّثُ، والرَّصَدُ لِلشَّيْءِ الرّاقِبُ لَهُ، يُقالُ: رَصَدَهُ يَرْصُدُهُ رَصَدًا ورَصْدًا والتَّرَصُّدُ التَّرَقُّبُ، والمَرْصَدُ مَوْضِعُ الرَّصْدِ.
﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقٌ بِيَسْلُكُ، والمُرادُ بِهِ العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالإبْلاغِ المَوْجُودِ بِالفِعْلِ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ، والرِّسالاتُ عِبارَةٌ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي أُرِيدَ إظْهارُهُ لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ مِن رَسُولٍ، وضَمِيرُ ( أبْلَغُوا ) يَعُودُ إلى الرَّصْدِ.
وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ أبْلَغُوا الرِّسالَةَ كَما بَلَّغَ هو الرِّسالَةَ، وفِيهِ حَذْفٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ: أيْ أخْبَرْناهُ بِحِفْظِنا الوَحْيَ لِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا عَلى حالَتِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ.
وقِيلَ لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ جِبْرِيلَ ومَن مَعَهُ قَدْ أبْلَغُوا إلَيْهِ رِسالاتِ رَبِّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
وقِيلَ لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ مِن غَيْرِ تَخْلِيطٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُبْلِغِينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ.
وقالَ، مُجاهِدٌ،: لِيَعْلَمَ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَعْلَمَ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، ومُجاهِدٌ،، وحَمِيدٌ ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: أيْ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنَّ رُسُلَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ، أيْ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةٍ كَما عَلِمَهُ غَيْبًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والزُّهْرِيُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ بِما عِنْدَهُ الرَّصْدُ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ المُبَلِّغِينَ لِرِسالاتِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَسْلُكُ " بِإضْمارِ قَدْ: أيْ والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ أنَّ رَبَّهم قَدْ أحاطَ بِما لَدَيْهِمْ فَبَلَّغُوا رِسالاتِهِ ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي كانَتْ والَّتِي سَتَكُونُ، (p-١٥٤٤)وهُوَ مَعْطُوفٌ عَلى أحاطَ.
و( عَدَدًا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى التَّمْيِيزِ مُحَوَّلًا مِنَ المَفْعُولِ بِهِ: أيْ وأحْصى عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ: مَعْدُودًا، والمَعْنى: أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، بَلْ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ أيْ: أحْصى كُلَّ فَرْدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَلى حِدَةٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القاسِطُونَ العادِلُونَ عَنِ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ قالَ: أقامُوا ما أمَرُوا بِهِ ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ قالَ: مَعِينًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ عُمَرُ وألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ قالَ: حَيْثُما كانَ الماءُ كانَ المالُ.
وحَيْثُما كانَ المالُ كانَتِ الفِتْنَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ قالَ: لِنَبْتَلِيَهم بِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ قالَ: شُقَّةٌ مِنَ العَذابِ يُصَعَّدُ فِيها.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ قالَ: جَبَلًا في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ قالَ: لا راحَةَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأرْضِ مَسْجِدٌ إلّا مَسْجِدَ الحَرامِ، ومَسْجِدُ إيلِيّاءَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى نَواحِي مَكَّةَ فَخَطَّ لِي خَطًّا. وقالَ: لا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتّى آتِيَكَ، ثُمَّ قالَ: لا يَهُولَنَّكَ شَيْئًا تَراهُ، فَتَقَدَّمَ شَيْئًا، ثُمَّ جَلَسَ فَإذا رِجالٌ سُودٌ كَأنَّهم رِجالُ الزُّطِّ، وكانُوا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَتْلُو القُرْآنَ كادُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الحِرْصِ لِما سَمِعُوهُ، ودَنَوْا مِنهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتّى أتاهُ الرَّسُولُ، فَجَعَلَ يُقْرِئُهُ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ،، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أتى الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ ويَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، فَعَجِبُوا مِن طَواعِيَةِ أصْحابِهِ، فَقالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ أيْ يَدْعُو اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قالَ: أعْوانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ قالَ: أعْلَمَ اللَّهُ الرَّسُولَ مِنَ الغَيْبِ الوَحْيِ وأظْهَرَهُ عَلَيْهِ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن غَيْبِهِ وما يَحْكُمُ اللَّهُ؛ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا رَصَدًا قالَ: هي مُعَقِّباتٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الشَّياطِينِ حَتّى تَبَيَّنَ الَّذِي أرْسَلَ إلَيْهِمْ بِهِ، وذَلِكَ حَتّى يَقُولَ أهْلُ الشِّرْكِ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما نَزَّلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ آيَةً مِنَ القُرْآنِ إلّا ومَعَها أرْبَعَةٌ مِن المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَها، حَتّى يُؤَدُّوها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَرَأ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الأرْبَعَةَ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ اهـ.
الجن 72:15
. قَوْلُهُ: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ أيِ الجائِرُونَ الظّالِمُونَ الَّذِينَ حادُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، ومالُوا إلى طَرِيقِ الباطِلِ، يُقالُ قَسَطَ: إذا جارَ، وأقْسَطَ: إذا عَدَلَ. ﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ.
قالَ الفَرّاءُ: أمُّوا الهُدى.
﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أيْ وقُودًا لِلنّارِ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِكَفَرَةِ الإنْسِ.
﴿وألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ هَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ الجِنِّ بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ والمَعْنى: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوْ كِلاهُما عَلى الطَّرِيقَةِ، وهي طَرِيقَةُ الإسْلامِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القُرّاءَ اتَّفَقُوا عَلى فَتْحِ " أنَّ " هَهُنا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والفَتْحُ هُنا عَلى إضْمارِ يَمِينٍ تَأْوِيلُها، واللَّهِ أنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ كَما فُعِلَ، يُقالُ في الكَلامِ واللَّهِ لَوْ قُمْتَ لَقُمْتُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أما واللَّهِ أنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا ولا بِالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ
قالَ: أوْ عَلَيَّ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، لَوِ اسْتَقامُوا، أوْ عَلى آمَنّا بِهِ: أيْ آمَنّا بِهِ، وبِأنْ لَوِ اسْتَقامُوا.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الواوِ مِن " لَوِ " لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِضَمِّها ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ أيْ كَثِيرًا واسِعًا.
قالَ مُقاتِلٌ: ماءً كَثِيرًا مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ بَعْدَ ما رُفِعَ عَنْهُمُ المَطَرُ سَبْعَ سِنِينَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى لَوْ آمَنُوا جَمِيعًا لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وضُرِبَ الماءُ الغَدَقُ مَثَلًا لَأنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ والرِّزْقَ بِالمَطَرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣، ٢] وقَوْلُهُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] الآيَةَ.
وقِيلَ المَعْنى: وأنْ لَوِ اسْتَقامَ أبُوهم عَلى عِبادَتِهِ وسَجَدَ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ.
والماءُ الغَدَقُ: هو الكَثِيرُ في لُغَةِ العَرَبِ.
﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ أيْ لِنَخْتَبِرَهم فَنَعْلَمَ كَيْفَ شُكْرُهم عَلى تِلْكَ النِّعَمِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هم عَلَيْها مِنَ الكُفْرِ فَكانُوا كُلُّهم كُفّارًا، لَأوْسَعْنا أرْزاقَهم مَكْرًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا حَتّى يُفْتَنُوا (p-١٥٤١)بِها فَنُعَذِّبَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، والثُّمالِيُّ، ويَمانُ بْنُ زَيّانٍ، وابْنُ كَيْسانَ، وأبُو مِجْلَزٍ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ الآيَةَ والأوَّلُ أوْلى ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ أيْ ومَن يُعْرِضْ عَنِ القُرْآنِ، أوْ عَنِ العِبادَةِ، أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ يَسْلُكْهُ: أيْ يُدْخِلْهُ عَذابًا صَعَدًا: أيْ شاقًّا صَعْبًا.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( نَسْلُكْهُ ) بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ ذِكْرِنا.
وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْرَجُ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ اللّامِ مِن أسْلَكَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ مِن سَلَكَهُ.
والصَّعَدُ في اللُّغَةِ المَشَقَّةِ، تَقُولُ تَصَعَّدَ بِي الأمْرُ: إذا شَقَّ عَلَيْكَ، وهو مَصْدَرُ صَعِدَ، يُقالُ صَعِدَ صَعْدًا وصُعُودًا، فَوَصَفَ بِهِ العَذابَ مُبالَغَةً؛ لِأنَّهُ يَتَصَعَّدُ المُعَذَّبَ: أيْ يَعْلُوهُ ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الصَّعَدُ مَصْدَرٌ: أيْ عَذابًا ذا صَعَدٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: الصَّعَدُ هو صَخْرَةٌ مَلْساءُ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها، فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها حَدَرَ إلى جَهَنَّمَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] والصَّعُودُ العَقَبَةُ الكَئُودُ.
﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ قَدْ قَدَّمَنا اتِّفاقَ القُرّاءِ هُنا عَلى الفَتْحِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُ اسْتَمَعَ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ.
وقالَ الخَلِيلُ: التَّقْدِيرُ ولِأنَّ المَساجِدَ.
والمَساجِدُ: المَواضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلاةِ فِيها.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَتِ الجِنَّ كَيْفَ لَنا أنْ نَأْتِيَ المَساجِدَ ونَشْهَدَ مَعَكَ الصَّلاةَ ونَحْنُ ناءُونَ عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتْ.
وقالَ الحَسَنُ: أرادَ بِها كُلَّ البِقاعِ لِأنَّ الأرْضَ كُلَّها مَسْجِدٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أرادَ بِالمَساجِدِ الأعْضاءَ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها العَبْدُ، وهي القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ واليَدانِ والجَبْهَةُ، يَقُولُ هَذِهِ أعْضاءٌ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْكَ فَلا تَسْجُدْ بِها لِغَيْرِهِ فَتَجْحَدُ نِعْمَةَ اللَّهِ، وكَذا قالَ عَطاءٌ.
وقِيلَ المَساجِدُ هي الصَّلاةُ لِأنَّ السُّجُودَ مِن جُمْلَةِ أرْكانِها قالَهُ الحَسَنُ ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهِ كائِنًا ما كانَ.
﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ الجُمْهُورَ قَرَءُوا هُنا بِفَتْحِ ( أنَّ ) عَطْفًا عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ أيْ وأوْحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ - وهو النَّبِيُّ ﷺ - يَدْعُوهُ أيْ يَدْعُو اللَّهَ ويَعْبُدُهُ، وذَلِكَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ كَما تَقَدَّمَ؛ حِينَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي ويَتْلُو القُرْآنَ وقَدْ قَدَّمْنا أيْضًا قِراءَةَ مَن قَرَأ بِكَسْرِ ( إنَّ ) هُنا، وفِيها غُمُوضٌ وبُعْدٌ عَنِ المَعْنى المُرادِ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أيْ كادَ الجِنُّ يَكُونُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ لِبَدًا: أيْ مُتَراكِمِينَ مِنِ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ لِسَماعِ القُرْآنِ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى لِبَدًا: يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن هَذا اشْتِقاقُ هَذِهِ اللُّبُودِ الَّتِي تُفْرَشُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لِبَدًا بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وهِشامٌ بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ، والعُقَيْلِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الباءِ واللّامِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ مَفْتُوحَةً.
فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وعَلى قِراءَةِ ضَمِّ اللّامِ يَكُونُ المَعْنى كَثِيرًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] وقِيلَ المَعْنى: كادَ المُشْرِكُونَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا حَرْدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ الحَسَنُ،، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ بِالدَّعْوَةِ، تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ، ويُتِمَّ نُورَهُ.
واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ.
قالَ مُجاهِدٌ لِبَدًا: أيْ جَماعاتٍ، وهو مَن تَلَبَّدَ الشَّيْءُ عَلى الشَّيْءِ أيِ اجْتَمَعَ ومِنهُ اللَّبَدُ الَّذِي يُفْرَشُ لِتَراكُمِ صُوفِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ ألْصَقْتَهُ إلْصاقًا شَدِيدًا فَقَدْ لَبَّدْتَهُ، ويُقالُ لِلشَّعَرِ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأسَدِ لُبْدَةٌ، وجَمْعُها لُبَدٌ ويُقالُ لِلْجَرادِ الكَثِيرِ لُبَدٌ، ويُطْلَقُ اللُّبَدُ بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ عَلى الشَّيْءِ الدّائِمِ، ومِنهُ قِيلَ لِنَسْرِ لُقْمانَ لُبَدٌ لِطُولِ بَقائِهِ، وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎أخْنى عَلَيْها الَّذِي أخْنى عَلى لُبَدٍ
﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أيْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّما أدْعُو رَبِّي وأعْبُدُهُ ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " قالَ " وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ قُلْ عَلى الأمْرِ.
وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وقَدْ عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهم فارْجِعْ عَنْ هَذا فَنَحْنُ نُجِيرُكَ.
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ أنْ أدْفَعَ عَنْكم ضَرًّا ولا أسُوقُ إلَيْكم خَيْرًا، وقِيلَ الضُّرُّ الكُفْرُ، والرَّشَدُ الهُدى، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِ النَّكِرَتَيْنِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهُما يَعُمّانِ كُلَّ ضَرَرٍ وكُلَّ رَشَدٍ في الدُّنْيا والدِّينِ.
﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ أيْ لا يَدْفَعُ عَنِّي أحَدٌ عَذابَهُ إنْ أنْزَلَهُ بِي ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً ومَعْدِلًا وحِرْزًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: مَدْخَلًا في الأرْضِ مِثْلَ السِّرْبِ، وقِيلَ مَذْهَبًا ومَسْلَكًا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا لَهَفَ نَفْسِي ولَهْفًا غَيْرَ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ هو مِن قَوْلِهِ ( لا أمْلِكُ ): أيْ لا أمْلِكُ ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا التَّبْلِيغَ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ فِيهِ أعْظَمَ الرَّشَدِ، أوْ مِن ( مُلْتَحَدًا ) أيْ لَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَلْجَأً إلّا التَّبْلِيغَ.
قالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ الَّذِي يُجِيرُنِي مِن عَذابِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾، فَذَلِكَ الَّذِي أمْلِكُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَأمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَلا أمْلِكُهُما.
قالَ الفَرّاءُ: لَكِنْ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ، فَهو عَلى هَذا مُنْقَطِعٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ مُلْتَحَدًا أيْ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إلّا أنْ أُبَلِّغَ ما يَأْتِي مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ورِسالاتِهِ مَعْطُوفٌ عَلى بَلاغًا: أيْ إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وإلّا رِسالاتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم. أوْ: إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وأعْمَلَ بِرِسالاتِهِ فَآخُذَ نَفْسِي بِما آمُرُ بِهِ غَيْرِي. وقِيلَ: الرِّسالاتُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الِاسْمِ (p-١٥٤٢)الشَّرِيفِ، أيْ: إلّا بَلاغًا عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ، كَذا قالَ أبُو حَيّانَ ورَجَّحَهُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّ السِّياقَ فِيهِ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ ( إنَّ ) عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ مَوْضِعُ ابْتِداءٍ، والتَّقْدِيرُ فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، أوْ فَحُكْمُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ: أيْ في النّارِ أوْ في جَهَنَّمَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى " مِن " كَما أنَّ التَّوْحِيدَ في قَوْلِهِ فَإنَّ لَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقَوْلُهُ: أبَدًا تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الخُلُودِ: أيْ خالِدِينَ فِيها بِلا نِهايَةٍ.
﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
والمَعْنى لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ حَتّى إذا رَأوُا الَّذِي يُوعَدُونَ بِهِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ أيْ مَن هو أضْعَفُ جُنْدًا يَنْتَصِرُ بِهِ وأقَلُّ عَدَدًا أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ .
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أقَرِيبٌ حُصُولُ ما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ أيْ غايَةً ومُدَّةً، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ لِما قالُوا لَهُ مَتى يَكُونُ هَذا الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ ؟ قالَعَطاءٌ: يُرِيدُ أنَّهُ لا يَعْرِفُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، والمَعْنى أنَّ عِلْمَ وقْتِ العَذابِ عِلْمُ غَيْبٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ رَبِّي بِإسْكانِ الياءِ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها، و( مَن ) في ( مَن أضْعَفُ ) مَوْصُولَةٌ، و( أضْعَفُ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو أضْعَفُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُرْتَفِعَةً عَلى الِابْتِداءِ و( أضْعَفُ ) خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أدْرِي، وقَوْلُهُ أقَرِيبٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما تُوعَدُونَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن رَبِّي، أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن عَدَمِ الدِّرايَةِ.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ السَّرِيُّ " عَلِمَ الغَيْبَ " بِصِيغَةِ الفِعْلِ ونَصْبِ الغَيْبِ، والفاءُ في ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإظْهارِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ: أيْ لا يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ الَّذِي يَعْلَمُهُ - وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ - أحَدًا مِنهم.
ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ أيْ إلّا مَنِ اصْطَفاهُ مِنَ الرُّسُلِ أوْ مَنِ ارْتَضاهُ مِنهم لِإظْهارِهِ عَلى بَعْضِ غَيْبِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دالًّا عَلى نُبُوَّتِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: لَمّا تَمَدَّحَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ واسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ كانَ فِيهِ دَلِيلٌ أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مَنِ ارْتَضى مِنَ الرُّسُلِ، فَأوْدَعَهم ما شاءَ مِن غَيْبِهِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لَهم ودَلالَةً صادِقَةً عَلى نُبُوَّتِهِمْ، ولَيْسَ المُنَجِّمُ ومَن ضاهاهُ مِمَّنْ يَضْرِبُ بِالحَصى ويَنْظُرُ في الكَفِّ ويَزْجُرُ بِالطِّينِ مِمَّنِ ارْتَضاهُ مِن رَسُولٍ فَيُطْلِعُهُ عَلى ما يَشاءُ مِن غَيْبِهِ، فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ بِحَدَسِهِ وتَخْمِينِهِ وكَذِبِهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى﴾ مِن رَسُولٍ هو جِبْرِيلُ، وفِيهِ بُعْدٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ فَإنَّهُ يُطْلِعُهُ عَلى بَعْضِ غَيْبِهِ، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِرِسالَتِهِ كالمُعْجِزَةِ وأحْكامِ التَّكالِيفِ وجَزاءِ الأعْمالِ وما يُبَيِّنُهُ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ، لا ما لا يَتَعَلَّقُ بِرِسالَتِهِ مِنَ الغُيُوبِ، كَوَقْتِ قِيامِ السّاعَةِ ونَحْوِهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّهُ عَلى ما يَكُونُ مِن حادِثٍ فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي هَذا إبْطالٌ لِلْكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ إلَيْهِمْ وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ، وإبْطالٍ لِلْكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُما أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السُّخْطِ.
قالَ الرّازِيُّ: وعِنْدِي لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ إذْ لا صِيغَةَ عُمُومٍ في غَيْبِهِ، فَتُحْمَلُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ وهو وقْتُ القِيامَةِ لِأنَّهُ واقِعٌ بَعْدِ قَوْلِهِ: ﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ إذا قَرُبَتِ القِيامَةُ يُظْهِرُهُ، وكَيْفَ لا ؟ وقَدْ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] فَتَعْلَمُ المَلائِكَةُ حِينَئِذٍ قِيامَ القِيامَةِ، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ مَنِ ارْتَضاهُ مِن رَسُولٍ يَجْعَلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومَن خَلْفِهِ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الجِنِّ والإنْسِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ لا يُطْلِعُ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ أنَّهُ ثَبَتَ كَما يُقارِبُ التَّواتُرَ أنَّ شِقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ وقَدْ عَرَفا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وكانا مَشْهُورَيْنِ بِهَذا العِلْمِ عِنْدَ العَرَبِ حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى.
فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ غَيْرَ الرُّسُلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ، وأيْضًا أطْبَقَ أهْلُ المِلَلِ عَلى أنَّ مُعَبِّرَ الرُّؤْيا يُخْبِرُ عَنْ أُمُورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ ويَكُونُ صادِقًا فِيها، وأيْضًا قَدْ نَقَلَ السُّلْطانُ سِنْجَرُ بْنُ مَلِكِ شاهْ كاهِنَةً مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ وسَألَها عَنْ أُمُورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فَأخْبَرَتْهُ بِها، فَوَقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها.
قالَ: وأخْبَرَنِي ناسٌ مُحَقِّقُونَ في عِلْمِ الكَلامِ والحِكْمَةِ أنَّها أخْبَرَتْ عَنْ أُمُورٍ غائِبَةٍ بِالتَّفْصِيلِ، فَكانَتْ عَلى وفْقِ خَبَرِها.
وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ في كِتابِ التَّعْبِيرِ في شَرْحِ حالِها، وقالَ: فَحَصَّتَ عَنْ حالِها ثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَحَقَّقَتْ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ إخْبارًا مُطابِقًا.
وأيْضًا فَإنّا نُشاهِدُ ذَلِكَ في أصْحابِ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، وقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ في السَّحَرَةِ أيْضًا وقَدْ نَرى الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ مُطابَقَةً وإنْ كانَتْ قَدْ تَخْتَلِفُ، ولَوْ قُلْنا إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ هَذِهِ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ لِتَطَرَّقَ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرْنا، انْتَهى كَلامُهُ.
قُلْتُ: أمّا قَوْلُهُ إذْ لا صِيغَةَ عُمُومٍ في غَيْبِهِ فَباطِلٌ، فَإنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ واسْمِ الجِنْسِ مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما صَرَّحَ بِهِ أئِمَّةُ الأُصُولِ وغَيْرُهم.
وأمّا قَوْلُهُ: أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ فَمُجَرَّدُ دَعْوى يَأْباهُ النَّظْمُ القُرْآنِيُّ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ شَقًّا وسَطِيحًا إلَخْ، فَقَدْ كانا في زَمَنٍ تَسْتَرِقُ فِيهِ الشَّياطِينُ السَّمْعَ ويُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَهُ إلى الكُهّانِ فَيَخْلِطُونَ الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، فَبابُ (p-١٥٤٣)الكِهانَةِ قَدْ ورَدَ بَيانُهُ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وأنَّهُ كانَ طَرِيقًا لِبَعْضِ الغَيْبِ بِواسِطَةِ اسْتِراقِ الشَّياطِينِ حَتّى مُنِعُوا ذَلِكَ بِالبِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وقالُوا: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩، ٨] فَبابُ الكِهانَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِأدِلَّتِهِ، فَهو مِن جُمْلَةِ ما يُخَصَّصُ بِهِ هَذا العُمُومُ، فَلا يَرُدُّ ما زَعَمَهُ مِن إيرادِ الكِهانَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ.
وأمّا حَدِيثُ المَرْأةِ الَّذِي أوْرَدَهُ فَحَدِيثُ خُرافَةٍ، ولَوْ سَلَّمَ وُقُوعَ شَيْءٍ مِمّا حَكاهُ عَنْها مِنَ الأخْبارِ لَكانَ مِن بابِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ مُحَدَّثِينَ وإنَّ مِنهم عُمَرَ» فَيَكُونُ كالتَّخْصِيصِ لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ لا اقْتِضاءً لَها، وأمّا ما اجْتَرَأ بِهِ عَلى اللَّهِ وعَلى كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ في آخِرِ كَلامِهِ: فَلَوْ قُلْنا إنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ هَذِهِ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ لِتَطَرَّقَ الطَّعْنُ إلى القُرْآنِ - فَيُقالُ لَهُ ما هَذِهِ بِأوَّلِ زَلَّةٍ مِن زَلّاتِكَ، وسَقْطَةٍ مِن سَقَطاتِكَ، وكَمْ لَها لَدَيْكَ مِن أشْباهٍ ونَظائِرَ نَبَضَ بِها عِرْقُ فَلْسَفَتِكَ، ورَكَضَ بِها الشَّيْطانُ الَّذِي صارَ يَتَخَبَّطُكَ في مَباحِثِ تَفْسِيرِكَ، يا عَجَبًا لَكَ أيَكُونُ ما بَلَغَكَ مِن خَبَرِ هَذِهِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ مُوجِبًا لِتَطَرُّقِ الطَّعْنِ إلى القُرْآنِ، وما أحْسَنَ ما قالَهُ بَعْضُ أُدَباءِ عَصْرِنا:
؎وإذا رامَتِ الذُّبابَةُ لِلشَّمْ ∗∗∗ سِ غِطاءً مَدَّتْ عَلَيْها جَناحًا
وقُلْتُ مِن أبْياتٍ:
؎مَهَبُّ رِياحٍ سَدَّهُ بِجَناحِ ∗∗∗ وقابَلَ بِالمِصْباحِ ضَوْءَ صَباحِ
فَإنْ قُلْتَ: إذَنْ قَدْ تَقَرَّرَ بِهَذا الدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ مَنِ ارْتَضى مِن رُسُلِهِ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ، فَهَلْ لِلرَّسُولِ الَّذِي أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ أنْ يُخْبِرَ بِهِ بَعْضَ أُمَّتِهِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن هَذا ما لا يَخْفى عَلى عارِفٍ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، فَمِن ذَلِكَ ما صَحَّ أنَّهُ قامَ مَقامًا أخْبَرَ فِيهِ بِما سَيَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وما تَرَكَ شَيْئًا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالفِتَنِ ونَحْوِها، حَفِظَ ذَلِكَ مَن حَفِظَهُ ونَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ.
وكَذَلِكَ ما ثَبَتَ مِن أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ كانَ قَدْ أخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِما يَحْدُثُ مِنَ الفِتَنِ بَعْدَهُ، حَتّى سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ أكابِرُ الصَّحابَةِ ورَجَعُوا إلَيْهِ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ عَنِ الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، فَقالَ: إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَها بابًا، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ يُفْتَحُ أوْ يُكْسَرُ ؟ فَقالَ: بَلْ يُكْسَرُ، فَعَلِمَ عُمَرُ أنَّهُ البابُ، وأنَّ كَسْرَهُ قَتْلُهُ» كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَعْرُوفِ أنَّهُ قِيلَ لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كانَ عُمَرُ يَعْلَمُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ كَما يَعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ.
وكَذَلِكَ ما ثَبَتَ مِن إخْبارِهِ لِأبِي ذَرٍّ بِما يَحْدُثُ لَهُ، وإخْبارُهُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ بِخَبَرِ ذِي الثُّدَيَّةِ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَكْثُرُ تَعَدُّدُهُ ولَوْ جَمْعٌ لَجاءَ مِنهُ مُصَنَّفٌ مُسْتَقِلٌّ.
وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَلا مانِعَ مِن أنَّ يَخْتَصَّ بَعْضُ صُلَحاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِ الغَيْبِ الَّتِي أظْهَرُها اللَّهُ لِرَسُولِهِ، وأظْهَرَها رَسُولُهُ لِبَعْضِ أُمَّتِهِ، وأظْهَرَها هَذا البَعْضُ مِنَ الأُمَّةِ لِمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ كَراماتُ الصّالِحِينَ مِن هَذا القَبِيلِ، والكُلُّ مِنَ الفَيْضِ الرَّبّانِيِّ بِواسِطَةِ الجَنابِ النَّبَوِيِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ الغَيْبَ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِلْإظْهارِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ سُبْحانَهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ومِن خَلْفِهِ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَهُ مِن تَعَرُّضِ الشَّياطِينِ لِما أظْهَرُهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ، أوْ يَجْعَلُ بَيْنَ يَدَيِ الوَحْيِ وخَلْفَهُ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحُوطُونَهُ مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشَّياطِينُ، فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ، والمُرادُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ المَلَكِ، فَإذا جاءَهُ شَيْطانٌ في صُورَةِ المَلَكِ قالُوا هَذا شَيْطانٌ فاحْذَرْهُ، وإنَّ جاءَهُ المَلَكُ قالُوا هَذا رَسُولُ رَبِّكَ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَصَدًا: أيْ حَفَظَةً يَحْفَظُونَ النَّبِيَّ ﷺ مِن أمامِهِ ووَرائِهِ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ.
قالَ قَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هم أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ حَفَظَةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ جِبْرِيلُ.
قالَ في الصِّحاحِ: الرَّصَدُ القَوْمُ يَرْصُدُونَ كالحَرَسِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُؤَنَّثُ، والرَّصَدُ لِلشَّيْءِ الرّاقِبُ لَهُ، يُقالُ: رَصَدَهُ يَرْصُدُهُ رَصَدًا ورَصْدًا والتَّرَصُّدُ التَّرَقُّبُ، والمَرْصَدُ مَوْضِعُ الرَّصْدِ.
﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقٌ بِيَسْلُكُ، والمُرادُ بِهِ العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالإبْلاغِ المَوْجُودِ بِالفِعْلِ، و" أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ، والرِّسالاتُ عِبارَةٌ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي أُرِيدَ إظْهارُهُ لِمَنِ ارْتَضاهُ اللَّهُ مِن رَسُولٍ، وضَمِيرُ ( أبْلَغُوا ) يَعُودُ إلى الرَّصْدِ.
وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ أبْلَغُوا الرِّسالَةَ كَما بَلَّغَ هو الرِّسالَةَ، وفِيهِ حَذْفٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ: أيْ أخْبَرْناهُ بِحِفْظِنا الوَحْيَ لِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا عَلى حالَتِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ.
وقِيلَ لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ جِبْرِيلَ ومَن مَعَهُ قَدْ أبْلَغُوا إلَيْهِ رِسالاتِ رَبِّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ لِيَعْلَمَ الرُّسُلُ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
وقِيلَ لِيَعْلَمَ إبْلِيسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ مِن غَيْرِ تَخْلِيطٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ لِيَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَكُونُوا هُمُ المُبْلِغِينَ بِاسْتِراقِ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ.
وقالَ، مُجاهِدٌ،: لِيَعْلَمَ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( لِيَعْلَمَ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ،، ومُجاهِدٌ،، وحَمِيدٌ ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: أيْ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنَّ رُسُلَهُ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ، أيْ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةٍ كَما عَلِمَهُ غَيْبًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والزُّهْرِيُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ بِما عِنْدَهُ الرَّصْدُ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ المُبَلِّغِينَ لِرِسالاتِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يَسْلُكُ " بِإضْمارِ قَدْ: أيْ والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِيَعْلَمَ أنَّ رَبَّهم قَدْ أحاطَ بِما لَدَيْهِمْ فَبَلَّغُوا رِسالاتِهِ ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي كانَتْ والَّتِي سَتَكُونُ، (p-١٥٤٤)وهُوَ مَعْطُوفٌ عَلى أحاطَ.
و( عَدَدًا ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى التَّمْيِيزِ مُحَوَّلًا مِنَ المَفْعُولِ بِهِ: أيْ وأحْصى عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ: مَعْدُودًا، والمَعْنى: أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، بَلْ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ أيْ: أحْصى كُلَّ فَرْدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَلى حِدَةٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القاسِطُونَ العادِلُونَ عَنِ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ قالَ: أقامُوا ما أمَرُوا بِهِ ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ قالَ: مَعِينًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ عُمَرُ وألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ قالَ: حَيْثُما كانَ الماءُ كانَ المالُ.
وحَيْثُما كانَ المالُ كانَتِ الفِتْنَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ قالَ: لِنَبْتَلِيَهم بِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ قالَ: شُقَّةٌ مِنَ العَذابِ يُصَعَّدُ فِيها.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ قالَ: جَبَلًا في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ قالَ: لا راحَةَ فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأرْضِ مَسْجِدٌ إلّا مَسْجِدَ الحَرامِ، ومَسْجِدُ إيلِيّاءَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى نَواحِي مَكَّةَ فَخَطَّ لِي خَطًّا. وقالَ: لا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتّى آتِيَكَ، ثُمَّ قالَ: لا يَهُولَنَّكَ شَيْئًا تَراهُ، فَتَقَدَّمَ شَيْئًا، ثُمَّ جَلَسَ فَإذا رِجالٌ سُودٌ كَأنَّهم رِجالُ الزُّطِّ، وكانُوا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: «لَمّا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَتْلُو القُرْآنَ كادُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الحِرْصِ لِما سَمِعُوهُ، ودَنَوْا مِنهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتّى أتاهُ الرَّسُولُ، فَجَعَلَ يُقْرِئُهُ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ،، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: «لَمّا أتى الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ ويَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، فَعَجِبُوا مِن طَواعِيَةِ أصْحابِهِ، فَقالُوا لِقَوْمِهِمْ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ أيْ يَدْعُو اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قالَ: أعْوانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ قالَ: أعْلَمَ اللَّهُ الرَّسُولَ مِنَ الغَيْبِ الوَحْيِ وأظْهَرَهُ عَلَيْهِ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن غَيْبِهِ وما يَحْكُمُ اللَّهُ؛ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا رَصَدًا قالَ: هي مُعَقِّباتٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الشَّياطِينِ حَتّى تَبَيَّنَ الَّذِي أرْسَلَ إلَيْهِمْ بِهِ، وذَلِكَ حَتّى يَقُولَ أهْلُ الشِّرْكِ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما نَزَّلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ آيَةً مِنَ القُرْآنِ إلّا ومَعَها أرْبَعَةٌ مِن المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَها، حَتّى يُؤَدُّوها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَرَأ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الأرْبَعَةَ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ اهـ.