Fath Al-Qadir Al-Shawkani — المزمل 73:17 – المدثر 74:14
المحتويات
المزمل 73:17
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ والَّتِي تَلِيها.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى﴾ .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالُوا سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصُدُّونَ النّاسَ عَنْهُ، فَقالُوا كاهِنٌ، قالُوا لَيْسَ بِكاهِنٍ، قالُوا مَجْنُونٌ، قالُوا لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، قالُوا ساحِرٌ، قالُوا لَيْسَ بِساحِرٍ، فَتَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ.
فَبَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ فِيها، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [ أيْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ ]» .
قالَ البَزّارُ: بَعْدَ إخْراجِهِ مِن طَرِيقِ مُعَلّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنَّ مُعَلّى قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ واحْتَمَلُوا حَدِيثَهُ، لَكِنَّهُ إذا تَفَرَّدَ بِالأحادِيثِ لا يُتابِعُ عَلَيْها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ مِنها رَكْعَتا الفَجْرِ، فَحَزَّرْتُ قِيامَهُ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِقَدْرِ ( يا أيُّها المُزَّمِّلُ )» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٥٤٥)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، والتَّزَمُّلُ التَّلَفُّفُ في الثَّوْبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( المُزَّمِّلُ ) بِالإدْغامِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَزَمِّلُ " عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، ومِثْلُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ثَبِيرًا في أفانِينَ وبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في لِحادٍ مُزَّمِّلِ
وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ.
فَقالَ جَماعَةٌ: إنَّهُ كانَ يَتَزَمَّلُ ﷺ بِثِيابِهِ في أوَّلِ ما جاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ فِرَقًا مِنهُ حَتّى أنِسَ بِهِ، وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْتَزِمُ لِلرِّسالَةِ.
وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ وكانَ يَقْرَأُ " يا أيُّها المُزَّمِّلُ " بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالقُرْآنِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ لِمَنامِهِ، وقِيلَ: بَلَغَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ سُوءُ قَوْلٍ، فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ و﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سَمِعَ صَوْتَ المَلِكَ ونَظَرَ إلَيْهِ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، فَأتى أهْلَهُ وقالَ: زَمَّلُونِي دَثِّرُونِي»، وكانَ خِطابُهُ ﷺ بِهَذا الخِطابِ في أوَّلِ نُزُولِ الوَحْيِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خُوطِبَ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ قُمْ لِلصَّلاةِ في اللَّيْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قُمْ بِكَسْرِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِضَمِّها اتِّباعًا لِضَمَّةِ القافِ.
قالَ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي: الغَرَضُ بِهَذِهِ الحَرَكَةِ الهَرَبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تُحَرِّكُ فَقَدْ وقَعَ الغَرَضُ.
وانْتِصابُ اللَّيْلِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
وقِيلَ إنَّ مَعْنى قُمْ صِلِّ، عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ واسْتُعِيرَ لَهُ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا القِيامُ الَّذِي أمَرَ بِهِ فَرْضًا عَلَيْهِ أوْ نَفْلًا ؟ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ما رُوِيَ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ صَلِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ إلّا يَسِيرًا مِنهُ، والقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ هو ما دُونَ النِّصْفِ، وقِيلَ ما دُونَ السُّدْسِ، وقِيلَ ما دُونَ العُشْرِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالقَلِيلِ هُنا الثُّلْثُ.
وقَدْ أغْنانا عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ قَوْلُهُ: ( نَصْفَهُ ) إلَخْ. وانْتِصابُ ( نِصْفَهُ ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، و( إلّا قَلِيلًا ) اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ إلى النِّصْفِ.
والمَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إلى الثُّلْثِ، أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا إلى الثُّلْثَيْنِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، أوْ نِصْفَهُ أوْ ثُلْثَهُ.
وقِيلَ إنَّ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ قَلِيلًا.
فَيَكُونُ المَعْنى: قُمِ اللَّيْلَ إلّا نِصْفَهُ أوْ أقَلَّ مَن نِصْفِهِ أوْ أكْثَرَ مَن نِصْفِهِ، قالَ الأخْفَشُ: نِصْفَهُ أيْ أوْ نِصْفَهُ كَما يُقالُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، يُرِيدُ أوْ دِرْهَمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إلى الثُّلُثِ، أوْ زِدْ عَلى النِّصْفِ إلى الثُّلُثَيْنِ، جُعِلَ لَهُ سَعَةٌ في مُدَّةِ قِيامِهِ في اللَّيْلِ وخَيَّرَهُ في هَذِهِ السّاعاتِ لِلْقِيامِ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ وطائِفَةٌ مَعَهُ يَقُومُونَ عَلى هَذِهِ المَقادِيرِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى أوْ كَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ الضَّمِيرانِ في مِنهُ وعَلَيْهِ راجِعانِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ أوْ قُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ، أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، وهو بِعِيدٌ جِدًّا، والظّاهِرُ أنَّ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَلِيلًا والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى النِّصْفِ المُبْدَلِ مِن قَلِيلًا.
واخْتُلِفَ في النّاسِخِ لِهَذا الأمْرِ، فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ وقِيلَ هو مَنسُوخٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وبِهَذا قالَ مُقاتِلٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ وذَهَبَ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ.
﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أيِ اقْرَأْهُ عَلى مَهْلٍ مَعَ تَدَبُّرٍ.
قالَ الضَّحّاكُ: اقْرَأْهُ حَرْفًا حَرْفًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يُبَيِّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، ويُوَفِّيَ حَقَّها مِنَ الإشْباعِ.
وأصْلُ التَّرْتِيلِ التَّنْضِيدُ والتَّنْسِيقُ وحُسْنُ النِّظامِ، وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ بَعْضُ الحُرُوفِ بِبَعْضٍ، ولا يَنْقُصُ مِنَ النُّطْقِ بِالحَرْفِ مِن مَخْرَجِهِ المَعْلُومِ مَعَ اسْتِيفاءِ حَرَكَتِهِ المُعْتَبَرَةِ.
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أيْ سَنُوحِي إلَيْكَ القُرْآنَ وهو قَوْلٌ ثَقِيلٌ.
قالَ قَتادَةُ: ثَقِيلٌ واللَّهِ فَرائِضُهُ وحُدُودُهُ.
قالَ، مُجاهِدٌ،: حَلالُهُ وحَرامُهُ.
قالَ الحَسَنُ: العَمَلُ بِهِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: ثَقِيلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والحَلالِ والحَرامِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَقِيلٌ بِمَعْنى كَرِيمٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ ثَقِيلٌ عَلَيَّ: أيْ يَكْرُمُ عَلَيَّ.
قالَ الفَرّاءُ: ثَقِيلًا رَزِينًا لَيْسَ بِالخَفِيفِ السَّفْسافِ؛ لِأنَّهُ كَلامُ رَبِّنا.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ثَقِيلًا لا يَحْمِلُهُ إلّا قَلْبٌ مُؤَيَّدٌ بِالتَّوْفِيقِ ونَفْسٌ مُزَيَّنَةٌ بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ ثَقِيلًا حَقِيقَةً لِما ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جِرانَها عَلى الأرْضِ فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ» .
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتُهُ وأوْقاتُهُ، لِأنَّها تَنْشَأُ أوَّلًا فَأوَّلًا. يُقالُ نَشَأ الشَّيْءُ يَنْشَأُ: إذا ابْتَدَأ وأقْبَلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَهو ناشِئٌ، وأنْشَأهُ اللَّهُ فَنَشَأ، ومِنهُ نَشَأتِ السَّحابُ: إذا بَدَأتْ، فَناشِئَةٌ فاعِلَةٌ مَن نَشَأ يَنْشَأُ فَهي ناشِئَةٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: نائِشَةُ اللَّيْلِ كُلُّ ما نَشَأ مِنهُ: أيْ حَدَثَ، فَهو ناشِئَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، والمُرادُ أنَّ ساعاتِ اللَّيْلِ النّاشِئَةُ، فاكْتَفى بِالوَصْفِ عَنِ الِاسْمِ المَوْصُوفِ.
وقِيلَ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي النَّفْسُ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها لِلْعِبادَةِ: أيْ تَنْهَضُ، مِن نَشَأ مِن مَكانِهِ: إذا نَهَضَ.
وقِيلَ: النّاشِئَةُ بِالحَبَشِيَّةِ قِيامُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: إنَّما يُقالُ لِقِيامِ اللَّيْلِ نائِشَةٌ: (p-١٥٤٦)إذا كانَ بَعْدَ نَوْمٍ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: إذا نِمْتَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْتَ فَتِلْكَ المُنْشَأةُ والنَّشْأةُ، ومِنهُ ناشِئَةُ اللَّيْلِ.
وقِيلَ: وناشِئَةُ اللَّيْلِ هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى نَشَأ ابْتَدَأ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ:
ولَوْلا أنْ يُقالَ صِبا نُصَيْبُ لَقُلْتُ بِنَفْسِيَ النَّشْءُ الصِّغارا
قالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ بُدُوُّ اللَّيْلِ.
وقالَ، مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هي في اللَّيْلِ كُلِّهِ؛ لِأنَّهُ يَنْشَأُ بَعْدَ النَّهارِ، واخْتارَ هَذا مالِكٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هي القِيامُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ.
قالَ في الصِّحاحِ: نائِشَةُ اللَّيْلِ أوَّلُ ساعاتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي ما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ إلى الصُّبْحِ ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ وطْئًا بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ مَقْصُورَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ،، ومُجاهِدٌ،، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ فالمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى أنَّ الصَّلاةَ في ناشِئَةِ اللَّيْلِ أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لِلنَّوْمِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى أنَّها أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن ساعاتِ النَّهارِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأُ السُّلْطانِ: إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ما يَلْزَمُهم مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ» والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً: أيْ مُوافَقَةً، مِن قَوْلِهِمْ: واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً ووَطاءً: إذا وافَقْتُهُ عَلَيْهِ.
قالَ، مُجاهِدٌ،، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أيْ أشَدُّ مُوافَقَةً بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والقَلْبِ واللِّسانِ لِانْقِطاعِ الأصْواتِ والحَرَكاتِ فِيها، ومِنهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] أيْ لِيُوافِقُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْ أثْبَتُ لِلْعَمَلِ، وأدُومُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ الفَراغِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمَعاشِ، فَعِبادَتُهُ تَدُومُ ولا تَنْقَطِعُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ وأشَدُّ مَقالًا وأثْبَتُ قِراءَةً لِحُضُورِ القَلْبِ فِيها وهُدُوءِ الأصْواتِ، وأشَدُّ اسْتِقامَةً واسْتِمْرارًا عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ فِيها هادِئَةٌ والدُّنْيا ساكِنَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ.
قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: أيْ أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أقْوَمُ قِيلًا: أيْ أشَدُّ اسْتِقامَةً لِفَراغِ البالِ بِاللَّيْلِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ أبْيَنُ قَوْلًا بِالقُرْآنِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: أيْ أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وأكْثَرَ بَرَكَةً.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ في القُرْآنِ، وقِيلَ أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ.
﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَبْحًا بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: أيْ تَصَرُّفًا في حَوائِجِكَ وإقْبالًا وإدْبارًا وذَهابًا ومَجِيئًا، والسَّبْحُ: الجَرْيُ والدَّوَرانُ، ومِنهُ السِّباحَةُ في الماءِ لِتَقَلُّبِهِ بِبَدَنِهِ ورِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: أيُّ شَدِيدُ الجَرْيِ.
وقِيلَ السَّبْحُ الفَراغُ: أيْ إنَّ لَكَ فَراغًا بِالنَّهارِ لِلْحاجاتِ، فَصَلِّ بِاللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ تَصَرُّفًا وإقْبالًا وإدْبارًا في حَوائِجِكَ وأشْغالِكَ.
وقالَ الخَلِيلُ: إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا: أيْ نَوْمًا، والتَّسَبُّحُ التَّمَدُّدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ فاتَكَ في اللَّيْلِ شَيْءٌ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغٌ لِلِاسْتِدْراكِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وأبُو وائِلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَبْخًا " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، قِيلَ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الخِفَّةُ والسَّعَةُ والِاسْتِراحَةُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى: أيْ خَفَّفَها، وسَبَّخَ الحُرُّ فَتَرَ وخَفَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنُ
أيْ خَفِّفْ عَنْكَ الهَمَّ.
والتَّسْبِيخُ مِنَ القُطْنِ ما يُنْسَجُ بَعْدَ النَّدْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ ∗∗∗ كَما تُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ
قالَ ثَعْلَبٌ: السَّبْخُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ: التَّرَدُّدُ والِاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو: السَّبْخُ النَّوْمُ والفَراغُ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ ادْعُهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، وقِيلَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ، وقِيلَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِتُوَفِّرَ عَلى طاعَتِهِ وتَبْعُدَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وقِيلَ المَعْنى: دُمْ عَلى ذِكْرِ رَبِّكَ لَيْلًا ونَهارًا واسْتَكْثِرْ مِن ذَلِكَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى صَلِّ لِرَبِّكَ ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أيِ انْقَطِعْ إلَيْهِ انْقِطاعًا بِالِاشْتِغالِ بِعِبادَتِهِ، والتَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ، يُقالُ بَتَّلْتُ الشَّيْءَ: أيْ قَطَعْتُهُ ومَيَّزْتُهُ مِن غَيْرِهِ، وصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: أيْ مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ صاحِبِها، ويُقالُ لِلرّاهِبِ: مُتَبَتِّلٌ لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعَشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلٍ
ووَضَعَ تَبْتِيلًا مَكانَ تَبَتُّلًا لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والتَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا وما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِجَرِّ رَبِّ عَلى النَّعْتِ لِرَبِّكَ أوِ البَدَلِ مِنهُ أوِ البَيانِ لَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا إلَهَ إلّا هو أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو رَبُّ المَشْرِقِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُفْرَدَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ " المَشارِقِ والمَغارِبِ " عَلى الجَمْعِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، والمَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ والمَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ أيْ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالرِّبَوِيَّةِ فاتَّخِذْهُ وكِيلًا: أيْ قائِمًا بِأُمُورِكَ، وعَوِّلْ عَلَيْهِ في جَمِيعِها، وقِيلَ كَفِيلًا بِما وعَدَكَ مِنَ الجَزاءِ والنَّصْرِ.
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِنَ الأذى والسَّبِّ والِاسْتِهْزاءِ ولا تَجْزَعْ مِن ذَلِكَ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضْ لَهم ولا تَشْتَغِلْ بِمُكافَأتِهِمْ، وقِيلَ الهَجْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا جَزَعَ فِيهِ، وهَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ دَعْنِي وإيّاهم ولا تَهْتَمَّ بِهِمْ فَإنِّي أكْفِيكَ أمْرَهم وأنْتَقِمُ لَكَ مِنهم.
قِيلَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم عَشَرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هم بَنُو المُغِيرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أخْبَرْتُ أنَّهُمِ اثْنا عَشَرَ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ أرْبابُ الغِنى والسَّعَةِ والتَّرَفُّهِ واللَّذَّةِ في الدُّنْيا ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ أيْ تَمْهِيلًا قَلَيِلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا (p-١٥٤٧)عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أمْهِلْهم إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ، وقِيلَ إلى نُزُولِ عُقُوبَةِ الدُّنْيا بِهِمْ كَيَوْمِ بَدْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ وما بَعْدَهُ فَإنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، والأنْكالُ جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎أتَوْكَ فَقُطِّعَتْ أنْكالُهم ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ
وقالَ مُقاتِلٌ: هي أنْواعُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: هي قُيُودٌ لا تُحَلُّ وجَحِيمًا أيْ نارٌ مُؤَجَّجَةٌ.
﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ أيْ لا يَسُوغُ في الحَلْقِ بَلْ يَنْشُبُ فِيهِ، فَلا يَنْزِلُ ولا يَخْرُجُ.
قالَ، مُجاهِدٌ،: هو الزَّقُّومُ.
وقالَ، الزَّجّاجُ،: هو الضَّرِيعُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قالَ: وهو شَوْكُ العَوْسَجِ.
قالَ عِكْرِمَةُ هو شَوْكٌ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ لا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ، والغُصَّةُ: الشَّجا في الحَلْقِ، وهو ما يَنْشِبُ فِيهِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ وجَمْعُها غُصَصٌ ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ غَيْرَ ما ذُكِرَ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ انْتِصابُ الظَّرْفِ إمّا بِـ ( ذَرْنِي ) أوْ بِالِاسْتِقْرارِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لَدَيْنا أوْ هو صِفَةٌ لِ ( عَذابًا ) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ: أيْ عَذابًا واقِعًا يَوْمَ تَرْجُفُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ألِيمًا ) .
قَرَأ الجُمْهُورُ تَرْجُفُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، مَأْخُوذٌ مَن أرْجَفَها، والمَعْنى: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ بِمَن عَلَيْها، والرَّجْفَةُ: الزَّلْزَلَةُ والرِّعْدَةُ الشَّدِيدَةُ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أيْ وتَكُونُ الجِبالُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، والمَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الأرْجُلِ.
قالَ الواحِدِيُّ: أيْ رَمْلًا سائِلًا: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ أرْسَلْتُهُ إرْسالًا مِن تُرابٍ أوْ طَعامٍ: أهَلْتُهُ هَيْلًا.
قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئْتَهُ بِالقَدَمِ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذْتَ أسْفَلَهُ انْهالَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎عَرَفْتُ دِيارَ زَيْنَبَ بِالكَثِيبِ ∗∗∗ كَخَطِّ الوَحْيِ في الوَرَقِ القَشِيبِ
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ أوْ لِجَمِيعِ الكُفّارِ، والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَعْنى: يَشْهَدُ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِكم ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ يَعْنِي مُوسى.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِ وكَذَّبَهُ ولَمْ يُؤْمَن بِما جاءَ بِهِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: إنّا أرْسَلَنا إلَيْكم رَسُولًا فَعَصَيْتُمُوهُ كَما أرْسَلَنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ أيْ شَدِيدًا ثَقِيلًا غَلِيظًا، والمَعْنى: عاقَبْنا فِرْعَوْنَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً غَلِيظَةً بِالغَرَقِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِ وإنِ اخْتَلَفَ نَوْعُ العُقُوبَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ثَقِيلًا غَلِيظًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ وابِلٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: شَدِيدًا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ طَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ لا يُسْتَمْرَأُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎لَقَدْ أكَلَتْ بَجِيلَةُ يَوْمَ لاقَتْ ∗∗∗ فَوارِسَ مالِكٍ أكْلًا وبِيلا
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ كَفَرْتُمْ أيْ إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم يَوْمًا أيْ عَذابَ يَوْمٍ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ: أيْ يَصِيرُ الوِلْدانُ شُيُوخًا، والشَّيْبُ جَمْعُ أشْيَبَ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وأنَّهم يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، أوْ تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ الهَوْلَ العَظِيمَ تَقاصَرَتْ قُواهُ وضَعُفَتْ أعْضاؤُهُ وصارَ كالشَّيْخِ في الضَّعْفِ وسُقُوطِ القُوَّةِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم شَدِيدٌ وتَوْبِيخٌ عَظِيمٌ.
قالَ الحَسَنُ: أيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوَلَدانَ شِيبًا إنْ كَفَرْتُمْ، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطِيَّةُ، ويَوْمًا مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتَّقُونِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِنهم مَن نَصَبَ اليَوْمَ بِكَفَرْتُمْ، وهَذا قَبِيحٌ، والوَلَدانُ الصِّبْيانُ.
ثُمَّ زادَ في وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أيْ مُتَشَقِّقَةٌ بِهِ لِشَدَّتِهِ وعَظِيمِ هَوْلِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِيَوْمٍ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ هي بِمَعْنى " في ": أيْ مُنْفَطِرٌ فِيهِ، وقِيلَ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ مُنْفَطِرٌ لَهُ، وإنَّما قالَ مُنْفَطِرٌ ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ لِتَنْزِيلِ السَّماءِ مُنْزِلَةَ شَيْءٍ لِكَوْنِها قَدْ تَغَيَّرَتْ، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ.
وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ؛ لِأنَّ مَجازَها السَّقْفُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ
فَيَكُونُ هَذا كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ والشَّجَرِ الأخْضَرِ، و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] قالَ أيْضًا: أيِ السَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ كَقَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ: أيْ ذاتُ إرْضاعٍ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، وانْفِطارُها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وقِيلَ مُنْفَطِرٌ بِهِ: أيْ بِاللَّهِ والمُرادُ بِأمْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أيْ وكانَ وعْدُ اللَّهِ بِما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ كائِنًا لا مَحالَةَ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أوْ وكانَ وعْدُ اليَوْمِ مَفْعُولًا، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ وعْدُهُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلًا حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهم، وأمْسَكَ اللَّهُ خاتِمَتَها في السَّماءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ التَّخْفِيفَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِن بَعْدِ فَرْضِهِ» .
وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْها مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ أوَّلُ المُزَّمِّلِ كانُوا (p-١٥٤٨)يَقُومُونَ نَحْوًا مِن قِيامِهِمْ في شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى نَزَلَ آخِرُها، وكانَ بَيْنَ أوَّلِها وآخِرِها نَحْوٌ مَن سَنَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ يا أيُّها المُزَّمِّلُ قامُوا حَوْلًا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم وسُوقُهم حَتّى نَزَلَتْ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فاسْتَراحَ النّاسُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في المُزَّمِّلِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ﴾ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ وناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ كانَ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، يَقُولُ هَذا أجْدَرُ أنْ تُحْصُوا ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا نامَ لَمْ يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقَوْلُهُ: أقْوَمُ قِيلًا هو أجْدَرُ أنْ يَفْقَهَ قِراءَةَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يَقُولُ فَراغًا طَوِيلًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ قالَ: زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ أيْضًا قالَ: يَتَزَمَّلُ بِالثِّيابِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: تَقْرَأُ آيَتَيْنِ ثَلاثًا ثُمَّ تَقْطَعُ لا تُهْدِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: بَيَّنَهُ تَبْيِّينًا.
وأخْرَجَ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ نَصْرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرانَها، فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ، وتَلَتْ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: قِيامُ اللَّيْلِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ إذا قامَ الرَّجُلُ قالُوا: نَشَأ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوَّلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بِالحَبَشَةِ قِيامُ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قالَ: السَّبْحُ: الفَراغُ لِلْحاجَةِ والنَّوْمِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ لَمْ يَكُنْ إلّا يَسِيرًا حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ قالَ: قُيُودًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قالَ: المَهِيلُ الَّذِي إذا أخَذْتَ مِنهُ شَيْئًا تَبِعَكَ آخِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قالَ: الرَّمْلُ السّائِلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أخْذًا وبِيلًا﴾ قالَ: شَدِيدًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: قُمْ فابْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النّارِ، قالَ: مِن كَمْ يا رَبِّ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ ويَنْجُو واحِدٌ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ حِينَ أبْصَرَ ذَلِكَ في وُجُوهِهِمْ: إنَّ بَنِي آدَمَ كَثِيرٌ، وإنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ، إنَّهُ لا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنهم حَتّى يَرِثَهُ لِصُلْبِهِ ألْفُ رَجُلٍ، فَفِيهِمْ وفي أشْباهِهِمْ جُنَّةٌ لَكم» .
وأخْرُجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قالَ: مُمْتَلِئَةٌ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مُثْقَلَةٌ: مُوَقَّرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٌ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي تَشَقُّقَ السَّماءِ.
المزمل 73:18
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ والَّتِي تَلِيها.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى﴾ .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالُوا سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصُدُّونَ النّاسَ عَنْهُ، فَقالُوا كاهِنٌ، قالُوا لَيْسَ بِكاهِنٍ، قالُوا مَجْنُونٌ، قالُوا لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، قالُوا ساحِرٌ، قالُوا لَيْسَ بِساحِرٍ، فَتَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ.
فَبَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ فِيها، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [ أيْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ ]» .
قالَ البَزّارُ: بَعْدَ إخْراجِهِ مِن طَرِيقِ مُعَلّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنَّ مُعَلّى قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ واحْتَمَلُوا حَدِيثَهُ، لَكِنَّهُ إذا تَفَرَّدَ بِالأحادِيثِ لا يُتابِعُ عَلَيْها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ مِنها رَكْعَتا الفَجْرِ، فَحَزَّرْتُ قِيامَهُ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِقَدْرِ ( يا أيُّها المُزَّمِّلُ )» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٥٤٥)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، والتَّزَمُّلُ التَّلَفُّفُ في الثَّوْبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( المُزَّمِّلُ ) بِالإدْغامِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَزَمِّلُ " عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، ومِثْلُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ثَبِيرًا في أفانِينَ وبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في لِحادٍ مُزَّمِّلِ
وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ.
فَقالَ جَماعَةٌ: إنَّهُ كانَ يَتَزَمَّلُ ﷺ بِثِيابِهِ في أوَّلِ ما جاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ فِرَقًا مِنهُ حَتّى أنِسَ بِهِ، وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْتَزِمُ لِلرِّسالَةِ.
وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ وكانَ يَقْرَأُ " يا أيُّها المُزَّمِّلُ " بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالقُرْآنِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ لِمَنامِهِ، وقِيلَ: بَلَغَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ سُوءُ قَوْلٍ، فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ و﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سَمِعَ صَوْتَ المَلِكَ ونَظَرَ إلَيْهِ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، فَأتى أهْلَهُ وقالَ: زَمَّلُونِي دَثِّرُونِي»، وكانَ خِطابُهُ ﷺ بِهَذا الخِطابِ في أوَّلِ نُزُولِ الوَحْيِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خُوطِبَ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ قُمْ لِلصَّلاةِ في اللَّيْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قُمْ بِكَسْرِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِضَمِّها اتِّباعًا لِضَمَّةِ القافِ.
قالَ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي: الغَرَضُ بِهَذِهِ الحَرَكَةِ الهَرَبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تُحَرِّكُ فَقَدْ وقَعَ الغَرَضُ.
وانْتِصابُ اللَّيْلِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
وقِيلَ إنَّ مَعْنى قُمْ صِلِّ، عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ واسْتُعِيرَ لَهُ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا القِيامُ الَّذِي أمَرَ بِهِ فَرْضًا عَلَيْهِ أوْ نَفْلًا ؟ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ما رُوِيَ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ صَلِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ إلّا يَسِيرًا مِنهُ، والقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ هو ما دُونَ النِّصْفِ، وقِيلَ ما دُونَ السُّدْسِ، وقِيلَ ما دُونَ العُشْرِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالقَلِيلِ هُنا الثُّلْثُ.
وقَدْ أغْنانا عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ قَوْلُهُ: ( نَصْفَهُ ) إلَخْ. وانْتِصابُ ( نِصْفَهُ ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، و( إلّا قَلِيلًا ) اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ إلى النِّصْفِ.
والمَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إلى الثُّلْثِ، أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا إلى الثُّلْثَيْنِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، أوْ نِصْفَهُ أوْ ثُلْثَهُ.
وقِيلَ إنَّ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ قَلِيلًا.
فَيَكُونُ المَعْنى: قُمِ اللَّيْلَ إلّا نِصْفَهُ أوْ أقَلَّ مَن نِصْفِهِ أوْ أكْثَرَ مَن نِصْفِهِ، قالَ الأخْفَشُ: نِصْفَهُ أيْ أوْ نِصْفَهُ كَما يُقالُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، يُرِيدُ أوْ دِرْهَمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إلى الثُّلُثِ، أوْ زِدْ عَلى النِّصْفِ إلى الثُّلُثَيْنِ، جُعِلَ لَهُ سَعَةٌ في مُدَّةِ قِيامِهِ في اللَّيْلِ وخَيَّرَهُ في هَذِهِ السّاعاتِ لِلْقِيامِ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ وطائِفَةٌ مَعَهُ يَقُومُونَ عَلى هَذِهِ المَقادِيرِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى أوْ كَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ الضَّمِيرانِ في مِنهُ وعَلَيْهِ راجِعانِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ أوْ قُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ، أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، وهو بِعِيدٌ جِدًّا، والظّاهِرُ أنَّ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَلِيلًا والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى النِّصْفِ المُبْدَلِ مِن قَلِيلًا.
واخْتُلِفَ في النّاسِخِ لِهَذا الأمْرِ، فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ وقِيلَ هو مَنسُوخٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وبِهَذا قالَ مُقاتِلٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ وذَهَبَ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ.
﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أيِ اقْرَأْهُ عَلى مَهْلٍ مَعَ تَدَبُّرٍ.
قالَ الضَّحّاكُ: اقْرَأْهُ حَرْفًا حَرْفًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يُبَيِّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، ويُوَفِّيَ حَقَّها مِنَ الإشْباعِ.
وأصْلُ التَّرْتِيلِ التَّنْضِيدُ والتَّنْسِيقُ وحُسْنُ النِّظامِ، وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ بَعْضُ الحُرُوفِ بِبَعْضٍ، ولا يَنْقُصُ مِنَ النُّطْقِ بِالحَرْفِ مِن مَخْرَجِهِ المَعْلُومِ مَعَ اسْتِيفاءِ حَرَكَتِهِ المُعْتَبَرَةِ.
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أيْ سَنُوحِي إلَيْكَ القُرْآنَ وهو قَوْلٌ ثَقِيلٌ.
قالَ قَتادَةُ: ثَقِيلٌ واللَّهِ فَرائِضُهُ وحُدُودُهُ.
قالَ، مُجاهِدٌ،: حَلالُهُ وحَرامُهُ.
قالَ الحَسَنُ: العَمَلُ بِهِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: ثَقِيلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والحَلالِ والحَرامِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَقِيلٌ بِمَعْنى كَرِيمٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ ثَقِيلٌ عَلَيَّ: أيْ يَكْرُمُ عَلَيَّ.
قالَ الفَرّاءُ: ثَقِيلًا رَزِينًا لَيْسَ بِالخَفِيفِ السَّفْسافِ؛ لِأنَّهُ كَلامُ رَبِّنا.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ثَقِيلًا لا يَحْمِلُهُ إلّا قَلْبٌ مُؤَيَّدٌ بِالتَّوْفِيقِ ونَفْسٌ مُزَيَّنَةٌ بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ ثَقِيلًا حَقِيقَةً لِما ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جِرانَها عَلى الأرْضِ فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ» .
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتُهُ وأوْقاتُهُ، لِأنَّها تَنْشَأُ أوَّلًا فَأوَّلًا. يُقالُ نَشَأ الشَّيْءُ يَنْشَأُ: إذا ابْتَدَأ وأقْبَلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَهو ناشِئٌ، وأنْشَأهُ اللَّهُ فَنَشَأ، ومِنهُ نَشَأتِ السَّحابُ: إذا بَدَأتْ، فَناشِئَةٌ فاعِلَةٌ مَن نَشَأ يَنْشَأُ فَهي ناشِئَةٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: نائِشَةُ اللَّيْلِ كُلُّ ما نَشَأ مِنهُ: أيْ حَدَثَ، فَهو ناشِئَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، والمُرادُ أنَّ ساعاتِ اللَّيْلِ النّاشِئَةُ، فاكْتَفى بِالوَصْفِ عَنِ الِاسْمِ المَوْصُوفِ.
وقِيلَ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي النَّفْسُ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها لِلْعِبادَةِ: أيْ تَنْهَضُ، مِن نَشَأ مِن مَكانِهِ: إذا نَهَضَ.
وقِيلَ: النّاشِئَةُ بِالحَبَشِيَّةِ قِيامُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: إنَّما يُقالُ لِقِيامِ اللَّيْلِ نائِشَةٌ: (p-١٥٤٦)إذا كانَ بَعْدَ نَوْمٍ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: إذا نِمْتَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْتَ فَتِلْكَ المُنْشَأةُ والنَّشْأةُ، ومِنهُ ناشِئَةُ اللَّيْلِ.
وقِيلَ: وناشِئَةُ اللَّيْلِ هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى نَشَأ ابْتَدَأ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ:
ولَوْلا أنْ يُقالَ صِبا نُصَيْبُ لَقُلْتُ بِنَفْسِيَ النَّشْءُ الصِّغارا
قالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ بُدُوُّ اللَّيْلِ.
وقالَ، مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هي في اللَّيْلِ كُلِّهِ؛ لِأنَّهُ يَنْشَأُ بَعْدَ النَّهارِ، واخْتارَ هَذا مالِكٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هي القِيامُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ.
قالَ في الصِّحاحِ: نائِشَةُ اللَّيْلِ أوَّلُ ساعاتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي ما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ إلى الصُّبْحِ ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ وطْئًا بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ مَقْصُورَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ،، ومُجاهِدٌ،، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ فالمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى أنَّ الصَّلاةَ في ناشِئَةِ اللَّيْلِ أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لِلنَّوْمِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى أنَّها أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن ساعاتِ النَّهارِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأُ السُّلْطانِ: إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ما يَلْزَمُهم مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ» والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً: أيْ مُوافَقَةً، مِن قَوْلِهِمْ: واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً ووَطاءً: إذا وافَقْتُهُ عَلَيْهِ.
قالَ، مُجاهِدٌ،، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أيْ أشَدُّ مُوافَقَةً بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والقَلْبِ واللِّسانِ لِانْقِطاعِ الأصْواتِ والحَرَكاتِ فِيها، ومِنهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] أيْ لِيُوافِقُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْ أثْبَتُ لِلْعَمَلِ، وأدُومُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ الفَراغِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمَعاشِ، فَعِبادَتُهُ تَدُومُ ولا تَنْقَطِعُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ وأشَدُّ مَقالًا وأثْبَتُ قِراءَةً لِحُضُورِ القَلْبِ فِيها وهُدُوءِ الأصْواتِ، وأشَدُّ اسْتِقامَةً واسْتِمْرارًا عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ فِيها هادِئَةٌ والدُّنْيا ساكِنَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ.
قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: أيْ أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أقْوَمُ قِيلًا: أيْ أشَدُّ اسْتِقامَةً لِفَراغِ البالِ بِاللَّيْلِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ أبْيَنُ قَوْلًا بِالقُرْآنِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: أيْ أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وأكْثَرَ بَرَكَةً.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ في القُرْآنِ، وقِيلَ أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ.
﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَبْحًا بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: أيْ تَصَرُّفًا في حَوائِجِكَ وإقْبالًا وإدْبارًا وذَهابًا ومَجِيئًا، والسَّبْحُ: الجَرْيُ والدَّوَرانُ، ومِنهُ السِّباحَةُ في الماءِ لِتَقَلُّبِهِ بِبَدَنِهِ ورِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: أيُّ شَدِيدُ الجَرْيِ.
وقِيلَ السَّبْحُ الفَراغُ: أيْ إنَّ لَكَ فَراغًا بِالنَّهارِ لِلْحاجاتِ، فَصَلِّ بِاللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ تَصَرُّفًا وإقْبالًا وإدْبارًا في حَوائِجِكَ وأشْغالِكَ.
وقالَ الخَلِيلُ: إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا: أيْ نَوْمًا، والتَّسَبُّحُ التَّمَدُّدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ فاتَكَ في اللَّيْلِ شَيْءٌ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغٌ لِلِاسْتِدْراكِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وأبُو وائِلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَبْخًا " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، قِيلَ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الخِفَّةُ والسَّعَةُ والِاسْتِراحَةُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى: أيْ خَفَّفَها، وسَبَّخَ الحُرُّ فَتَرَ وخَفَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنُ
أيْ خَفِّفْ عَنْكَ الهَمَّ.
والتَّسْبِيخُ مِنَ القُطْنِ ما يُنْسَجُ بَعْدَ النَّدْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ ∗∗∗ كَما تُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ
قالَ ثَعْلَبٌ: السَّبْخُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ: التَّرَدُّدُ والِاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو: السَّبْخُ النَّوْمُ والفَراغُ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ ادْعُهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، وقِيلَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ، وقِيلَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِتُوَفِّرَ عَلى طاعَتِهِ وتَبْعُدَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وقِيلَ المَعْنى: دُمْ عَلى ذِكْرِ رَبِّكَ لَيْلًا ونَهارًا واسْتَكْثِرْ مِن ذَلِكَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى صَلِّ لِرَبِّكَ ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أيِ انْقَطِعْ إلَيْهِ انْقِطاعًا بِالِاشْتِغالِ بِعِبادَتِهِ، والتَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ، يُقالُ بَتَّلْتُ الشَّيْءَ: أيْ قَطَعْتُهُ ومَيَّزْتُهُ مِن غَيْرِهِ، وصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: أيْ مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ صاحِبِها، ويُقالُ لِلرّاهِبِ: مُتَبَتِّلٌ لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعَشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلٍ
ووَضَعَ تَبْتِيلًا مَكانَ تَبَتُّلًا لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والتَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا وما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِجَرِّ رَبِّ عَلى النَّعْتِ لِرَبِّكَ أوِ البَدَلِ مِنهُ أوِ البَيانِ لَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا إلَهَ إلّا هو أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو رَبُّ المَشْرِقِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُفْرَدَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ " المَشارِقِ والمَغارِبِ " عَلى الجَمْعِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، والمَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ والمَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ أيْ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالرِّبَوِيَّةِ فاتَّخِذْهُ وكِيلًا: أيْ قائِمًا بِأُمُورِكَ، وعَوِّلْ عَلَيْهِ في جَمِيعِها، وقِيلَ كَفِيلًا بِما وعَدَكَ مِنَ الجَزاءِ والنَّصْرِ.
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِنَ الأذى والسَّبِّ والِاسْتِهْزاءِ ولا تَجْزَعْ مِن ذَلِكَ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضْ لَهم ولا تَشْتَغِلْ بِمُكافَأتِهِمْ، وقِيلَ الهَجْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا جَزَعَ فِيهِ، وهَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ دَعْنِي وإيّاهم ولا تَهْتَمَّ بِهِمْ فَإنِّي أكْفِيكَ أمْرَهم وأنْتَقِمُ لَكَ مِنهم.
قِيلَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم عَشَرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هم بَنُو المُغِيرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أخْبَرْتُ أنَّهُمِ اثْنا عَشَرَ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ أرْبابُ الغِنى والسَّعَةِ والتَّرَفُّهِ واللَّذَّةِ في الدُّنْيا ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ أيْ تَمْهِيلًا قَلَيِلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا (p-١٥٤٧)عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أمْهِلْهم إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ، وقِيلَ إلى نُزُولِ عُقُوبَةِ الدُّنْيا بِهِمْ كَيَوْمِ بَدْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ وما بَعْدَهُ فَإنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، والأنْكالُ جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎أتَوْكَ فَقُطِّعَتْ أنْكالُهم ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ
وقالَ مُقاتِلٌ: هي أنْواعُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: هي قُيُودٌ لا تُحَلُّ وجَحِيمًا أيْ نارٌ مُؤَجَّجَةٌ.
﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ أيْ لا يَسُوغُ في الحَلْقِ بَلْ يَنْشُبُ فِيهِ، فَلا يَنْزِلُ ولا يَخْرُجُ.
قالَ، مُجاهِدٌ،: هو الزَّقُّومُ.
وقالَ، الزَّجّاجُ،: هو الضَّرِيعُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قالَ: وهو شَوْكُ العَوْسَجِ.
قالَ عِكْرِمَةُ هو شَوْكٌ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ لا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ، والغُصَّةُ: الشَّجا في الحَلْقِ، وهو ما يَنْشِبُ فِيهِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ وجَمْعُها غُصَصٌ ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ غَيْرَ ما ذُكِرَ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ انْتِصابُ الظَّرْفِ إمّا بِـ ( ذَرْنِي ) أوْ بِالِاسْتِقْرارِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لَدَيْنا أوْ هو صِفَةٌ لِ ( عَذابًا ) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ: أيْ عَذابًا واقِعًا يَوْمَ تَرْجُفُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ألِيمًا ) .
قَرَأ الجُمْهُورُ تَرْجُفُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، مَأْخُوذٌ مَن أرْجَفَها، والمَعْنى: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ بِمَن عَلَيْها، والرَّجْفَةُ: الزَّلْزَلَةُ والرِّعْدَةُ الشَّدِيدَةُ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أيْ وتَكُونُ الجِبالُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، والمَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الأرْجُلِ.
قالَ الواحِدِيُّ: أيْ رَمْلًا سائِلًا: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ أرْسَلْتُهُ إرْسالًا مِن تُرابٍ أوْ طَعامٍ: أهَلْتُهُ هَيْلًا.
قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئْتَهُ بِالقَدَمِ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذْتَ أسْفَلَهُ انْهالَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎عَرَفْتُ دِيارَ زَيْنَبَ بِالكَثِيبِ ∗∗∗ كَخَطِّ الوَحْيِ في الوَرَقِ القَشِيبِ
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ أوْ لِجَمِيعِ الكُفّارِ، والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَعْنى: يَشْهَدُ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِكم ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ يَعْنِي مُوسى.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِ وكَذَّبَهُ ولَمْ يُؤْمَن بِما جاءَ بِهِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: إنّا أرْسَلَنا إلَيْكم رَسُولًا فَعَصَيْتُمُوهُ كَما أرْسَلَنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ أيْ شَدِيدًا ثَقِيلًا غَلِيظًا، والمَعْنى: عاقَبْنا فِرْعَوْنَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً غَلِيظَةً بِالغَرَقِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِ وإنِ اخْتَلَفَ نَوْعُ العُقُوبَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ثَقِيلًا غَلِيظًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ وابِلٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: شَدِيدًا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ طَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ لا يُسْتَمْرَأُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎لَقَدْ أكَلَتْ بَجِيلَةُ يَوْمَ لاقَتْ ∗∗∗ فَوارِسَ مالِكٍ أكْلًا وبِيلا
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ كَفَرْتُمْ أيْ إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم يَوْمًا أيْ عَذابَ يَوْمٍ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ: أيْ يَصِيرُ الوِلْدانُ شُيُوخًا، والشَّيْبُ جَمْعُ أشْيَبَ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وأنَّهم يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، أوْ تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ الهَوْلَ العَظِيمَ تَقاصَرَتْ قُواهُ وضَعُفَتْ أعْضاؤُهُ وصارَ كالشَّيْخِ في الضَّعْفِ وسُقُوطِ القُوَّةِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم شَدِيدٌ وتَوْبِيخٌ عَظِيمٌ.
قالَ الحَسَنُ: أيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوَلَدانَ شِيبًا إنْ كَفَرْتُمْ، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطِيَّةُ، ويَوْمًا مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتَّقُونِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِنهم مَن نَصَبَ اليَوْمَ بِكَفَرْتُمْ، وهَذا قَبِيحٌ، والوَلَدانُ الصِّبْيانُ.
ثُمَّ زادَ في وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أيْ مُتَشَقِّقَةٌ بِهِ لِشَدَّتِهِ وعَظِيمِ هَوْلِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِيَوْمٍ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ هي بِمَعْنى " في ": أيْ مُنْفَطِرٌ فِيهِ، وقِيلَ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ مُنْفَطِرٌ لَهُ، وإنَّما قالَ مُنْفَطِرٌ ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ لِتَنْزِيلِ السَّماءِ مُنْزِلَةَ شَيْءٍ لِكَوْنِها قَدْ تَغَيَّرَتْ، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ.
وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ؛ لِأنَّ مَجازَها السَّقْفُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ
فَيَكُونُ هَذا كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ والشَّجَرِ الأخْضَرِ، و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] قالَ أيْضًا: أيِ السَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ كَقَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ: أيْ ذاتُ إرْضاعٍ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، وانْفِطارُها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وقِيلَ مُنْفَطِرٌ بِهِ: أيْ بِاللَّهِ والمُرادُ بِأمْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أيْ وكانَ وعْدُ اللَّهِ بِما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ كائِنًا لا مَحالَةَ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أوْ وكانَ وعْدُ اليَوْمِ مَفْعُولًا، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ وعْدُهُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلًا حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهم، وأمْسَكَ اللَّهُ خاتِمَتَها في السَّماءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ التَّخْفِيفَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِن بَعْدِ فَرْضِهِ» .
وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْها مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ أوَّلُ المُزَّمِّلِ كانُوا (p-١٥٤٨)يَقُومُونَ نَحْوًا مِن قِيامِهِمْ في شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى نَزَلَ آخِرُها، وكانَ بَيْنَ أوَّلِها وآخِرِها نَحْوٌ مَن سَنَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ يا أيُّها المُزَّمِّلُ قامُوا حَوْلًا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم وسُوقُهم حَتّى نَزَلَتْ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فاسْتَراحَ النّاسُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في المُزَّمِّلِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ﴾ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ وناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ كانَ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، يَقُولُ هَذا أجْدَرُ أنْ تُحْصُوا ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا نامَ لَمْ يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقَوْلُهُ: أقْوَمُ قِيلًا هو أجْدَرُ أنْ يَفْقَهَ قِراءَةَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يَقُولُ فَراغًا طَوِيلًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ قالَ: زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ أيْضًا قالَ: يَتَزَمَّلُ بِالثِّيابِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: تَقْرَأُ آيَتَيْنِ ثَلاثًا ثُمَّ تَقْطَعُ لا تُهْدِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: بَيَّنَهُ تَبْيِّينًا.
وأخْرَجَ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ نَصْرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرانَها، فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ، وتَلَتْ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: قِيامُ اللَّيْلِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ إذا قامَ الرَّجُلُ قالُوا: نَشَأ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوَّلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بِالحَبَشَةِ قِيامُ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قالَ: السَّبْحُ: الفَراغُ لِلْحاجَةِ والنَّوْمِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ لَمْ يَكُنْ إلّا يَسِيرًا حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ قالَ: قُيُودًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قالَ: المَهِيلُ الَّذِي إذا أخَذْتَ مِنهُ شَيْئًا تَبِعَكَ آخِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قالَ: الرَّمْلُ السّائِلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أخْذًا وبِيلًا﴾ قالَ: شَدِيدًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: قُمْ فابْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النّارِ، قالَ: مِن كَمْ يا رَبِّ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ ويَنْجُو واحِدٌ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ حِينَ أبْصَرَ ذَلِكَ في وُجُوهِهِمْ: إنَّ بَنِي آدَمَ كَثِيرٌ، وإنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ، إنَّهُ لا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنهم حَتّى يَرِثَهُ لِصُلْبِهِ ألْفُ رَجُلٍ، فَفِيهِمْ وفي أشْباهِهِمْ جُنَّةٌ لَكم» .
وأخْرُجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قالَ: مُمْتَلِئَةٌ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مُثْقَلَةٌ: مُوَقَّرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٌ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي تَشَقُّقَ السَّماءِ.
المزمل 73:19
وهي مَكِّيَّةٌ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ والَّتِي تَلِيها.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَإنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ،، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى﴾ .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالُوا سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصُدُّونَ النّاسَ عَنْهُ، فَقالُوا كاهِنٌ، قالُوا لَيْسَ بِكاهِنٍ، قالُوا مَجْنُونٌ، قالُوا لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، قالُوا ساحِرٌ، قالُوا لَيْسَ بِساحِرٍ، فَتَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ.
فَبَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ فِيها، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [ أيْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ ]» .
قالَ البَزّارُ: بَعْدَ إخْراجِهِ مِن طَرِيقِ مُعَلّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنَّ مُعَلّى قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ واحْتَمَلُوا حَدِيثَهُ، لَكِنَّهُ إذا تَفَرَّدَ بِالأحادِيثِ لا يُتابِعُ عَلَيْها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةَ مِنها رَكْعَتا الفَجْرِ، فَحَزَّرْتُ قِيامَهُ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِقَدْرِ ( يا أيُّها المُزَّمِّلُ )» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٥٤٥)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، والتَّزَمُّلُ التَّلَفُّفُ في الثَّوْبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( المُزَّمِّلُ ) بِالإدْغامِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَزَمِّلُ " عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، ومِثْلُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ثَبِيرًا في أفانِينَ وبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في لِحادٍ مُزَّمِّلِ
وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ.
فَقالَ جَماعَةٌ: إنَّهُ كانَ يَتَزَمَّلُ ﷺ بِثِيابِهِ في أوَّلِ ما جاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ فِرَقًا مِنهُ حَتّى أنِسَ بِهِ، وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْتَزِمُ لِلرِّسالَةِ.
وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ وكانَ يَقْرَأُ " يا أيُّها المُزَّمِّلُ " بِتَخْفِيفِ الزّايِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً اسْمُ مَفْعُولٍ وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالقُرْآنِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ لِمَنامِهِ، وقِيلَ: بَلَغَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ سُوءُ قَوْلٍ، فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ و﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سَمِعَ صَوْتَ المَلِكَ ونَظَرَ إلَيْهِ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، فَأتى أهْلَهُ وقالَ: زَمَّلُونِي دَثِّرُونِي»، وكانَ خِطابُهُ ﷺ بِهَذا الخِطابِ في أوَّلِ نُزُولِ الوَحْيِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خُوطِبَ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ قُمْ لِلصَّلاةِ في اللَّيْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ قُمْ بِكَسْرِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِضَمِّها اتِّباعًا لِضَمَّةِ القافِ.
قالَ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي: الغَرَضُ بِهَذِهِ الحَرَكَةِ الهَرَبُ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبِأيِّ حَرَكَةٍ تُحَرِّكُ فَقَدْ وقَعَ الغَرَضُ.
وانْتِصابُ اللَّيْلِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
وقِيلَ إنَّ مَعْنى قُمْ صِلِّ، عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ واسْتُعِيرَ لَهُ.
واخْتُلِفَ هَلْ كانَ هَذا القِيامُ الَّذِي أمَرَ بِهِ فَرْضًا عَلَيْهِ أوْ نَفْلًا ؟ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ما رُوِيَ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ: أيْ صَلِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ إلّا يَسِيرًا مِنهُ، والقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ هو ما دُونَ النِّصْفِ، وقِيلَ ما دُونَ السُّدْسِ، وقِيلَ ما دُونَ العُشْرِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالقَلِيلِ هُنا الثُّلْثُ.
وقَدْ أغْنانا عَنْ هَذا الِاخْتِلافِ قَوْلُهُ: ( نَصْفَهُ ) إلَخْ. وانْتِصابُ ( نِصْفَهُ ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، و( إلّا قَلِيلًا ) اسْتِثْناءٌ مِنَ النِّصْفِ، والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ عائِدٌ إلى النِّصْفِ.
والمَعْنى: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إلى الثُّلْثِ، أوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا إلى الثُّلْثَيْنِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، أوْ نِصْفَهُ أوْ ثُلْثَهُ.
وقِيلَ إنَّ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ قَلِيلًا.
فَيَكُونُ المَعْنى: قُمِ اللَّيْلَ إلّا نِصْفَهُ أوْ أقَلَّ مَن نِصْفِهِ أوْ أكْثَرَ مَن نِصْفِهِ، قالَ الأخْفَشُ: نِصْفَهُ أيْ أوْ نِصْفَهُ كَما يُقالُ: أعْطِهِ دِرْهَمًا دِرْهَمَيْنِ ثَلاثَةً، يُرِيدُ أوْ دِرْهَمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً.
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إلى الثُّلُثِ، أوْ زِدْ عَلى النِّصْفِ إلى الثُّلُثَيْنِ، جُعِلَ لَهُ سَعَةٌ في مُدَّةِ قِيامِهِ في اللَّيْلِ وخَيَّرَهُ في هَذِهِ السّاعاتِ لِلْقِيامِ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ وطائِفَةٌ مَعَهُ يَقُومُونَ عَلى هَذِهِ المَقادِيرِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى أوْ كَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم، وقِيلَ الضَّمِيرانِ في مِنهُ وعَلَيْهِ راجِعانِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، كَأنَّهُ قالَ: قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ أوْ قُمْ أنْقَصَ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ، أوْ أزْيَدَ مِنهُ قَلِيلًا، وهو بِعِيدٌ جِدًّا، والظّاهِرُ أنَّ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَلِيلًا والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلى النِّصْفِ المُبْدَلِ مِن قَلِيلًا.
واخْتُلِفَ في النّاسِخِ لِهَذا الأمْرِ، فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ وقِيلَ هو مَنسُوخٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وبِهَذا قالَ مُقاتِلٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ وذَهَبَ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ.
﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أيِ اقْرَأْهُ عَلى مَهْلٍ مَعَ تَدَبُّرٍ.
قالَ الضَّحّاكُ: اقْرَأْهُ حَرْفًا حَرْفًا.
قالَ الزَّجّاجُ: هو أنْ يُبَيِّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، ويُوَفِّيَ حَقَّها مِنَ الإشْباعِ.
وأصْلُ التَّرْتِيلِ التَّنْضِيدُ والتَّنْسِيقُ وحُسْنُ النِّظامِ، وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ بَعْضُ الحُرُوفِ بِبَعْضٍ، ولا يَنْقُصُ مِنَ النُّطْقِ بِالحَرْفِ مِن مَخْرَجِهِ المَعْلُومِ مَعَ اسْتِيفاءِ حَرَكَتِهِ المُعْتَبَرَةِ.
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أيْ سَنُوحِي إلَيْكَ القُرْآنَ وهو قَوْلٌ ثَقِيلٌ.
قالَ قَتادَةُ: ثَقِيلٌ واللَّهِ فَرائِضُهُ وحُدُودُهُ.
قالَ، مُجاهِدٌ،: حَلالُهُ وحَرامُهُ.
قالَ الحَسَنُ: العَمَلُ بِهِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: ثَقِيلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والحَلالِ والحَرامِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَقِيلٌ بِمَعْنى كَرِيمٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ ثَقِيلٌ عَلَيَّ: أيْ يَكْرُمُ عَلَيَّ.
قالَ الفَرّاءُ: ثَقِيلًا رَزِينًا لَيْسَ بِالخَفِيفِ السَّفْسافِ؛ لِأنَّهُ كَلامُ رَبِّنا.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ثَقِيلًا لا يَحْمِلُهُ إلّا قَلْبٌ مُؤَيَّدٌ بِالتَّوْفِيقِ ونَفْسٌ مُزَيَّنَةٌ بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ ثَقِيلًا حَقِيقَةً لِما ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جِرانَها عَلى الأرْضِ فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ» .
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتُهُ وأوْقاتُهُ، لِأنَّها تَنْشَأُ أوَّلًا فَأوَّلًا. يُقالُ نَشَأ الشَّيْءُ يَنْشَأُ: إذا ابْتَدَأ وأقْبَلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَهو ناشِئٌ، وأنْشَأهُ اللَّهُ فَنَشَأ، ومِنهُ نَشَأتِ السَّحابُ: إذا بَدَأتْ، فَناشِئَةٌ فاعِلَةٌ مَن نَشَأ يَنْشَأُ فَهي ناشِئَةٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: نائِشَةُ اللَّيْلِ كُلُّ ما نَشَأ مِنهُ: أيْ حَدَثَ، فَهو ناشِئَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، والمُرادُ أنَّ ساعاتِ اللَّيْلِ النّاشِئَةُ، فاكْتَفى بِالوَصْفِ عَنِ الِاسْمِ المَوْصُوفِ.
وقِيلَ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي النَّفْسُ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها لِلْعِبادَةِ: أيْ تَنْهَضُ، مِن نَشَأ مِن مَكانِهِ: إذا نَهَضَ.
وقِيلَ: النّاشِئَةُ بِالحَبَشِيَّةِ قِيامُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: إنَّما يُقالُ لِقِيامِ اللَّيْلِ نائِشَةٌ: (p-١٥٤٦)إذا كانَ بَعْدَ نَوْمٍ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: إذا نِمْتَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْتَ فَتِلْكَ المُنْشَأةُ والنَّشْأةُ، ومِنهُ ناشِئَةُ اللَّيْلِ.
وقِيلَ: وناشِئَةُ اللَّيْلِ هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى نَشَأ ابْتَدَأ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ:
ولَوْلا أنْ يُقالَ صِبا نُصَيْبُ لَقُلْتُ بِنَفْسِيَ النَّشْءُ الصِّغارا
قالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ بُدُوُّ اللَّيْلِ.
وقالَ، مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هي في اللَّيْلِ كُلِّهِ؛ لِأنَّهُ يَنْشَأُ بَعْدَ النَّهارِ، واخْتارَ هَذا مالِكٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هي القِيامُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ.
قالَ في الصِّحاحِ: نائِشَةُ اللَّيْلِ أوَّلُ ساعاتِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: هي ما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ إلى الصُّبْحِ ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ وطْئًا بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ مَقْصُورَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ،، ومُجاهِدٌ،، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والمُغِيرَةُ، وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودَةٌ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ فالمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى أنَّ الصَّلاةَ في ناشِئَةِ اللَّيْلِ أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن صَلاةِ النَّهارِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لِلنَّوْمِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى أنَّها أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن ساعاتِ النَّهارِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأُ السُّلْطانِ: إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ما يَلْزَمُهم مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ» والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّها أشَدُّ مُواطَأةً: أيْ مُوافَقَةً، مِن قَوْلِهِمْ: واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً ووَطاءً: إذا وافَقْتُهُ عَلَيْهِ.
قالَ، مُجاهِدٌ،، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أيْ أشَدُّ مُوافَقَةً بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والقَلْبِ واللِّسانِ لِانْقِطاعِ الأصْواتِ والحَرَكاتِ فِيها، ومِنهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] أيْ لِيُوافِقُوا.
وقالَ الأخْفَشُ: أشَدُّ قِيامًا.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْ أثْبَتُ لِلْعَمَلِ، وأدُومُ لِمَن أرادَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ العِبادَةِ، واللَّيْلُ وقْتُ الفَراغِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمَعاشِ، فَعِبادَتُهُ تَدُومُ ولا تَنْقَطِعُ: وقالَ الكَلْبِيُّ: أشَدُّ نَشاطًا ﴿وأقْوَمُ قِيلًا﴾ أيْ وأشَدُّ مَقالًا وأثْبَتُ قِراءَةً لِحُضُورِ القَلْبِ فِيها وهُدُوءِ الأصْواتِ، وأشَدُّ اسْتِقامَةً واسْتِمْرارًا عَلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الأصْواتَ فِيها هادِئَةٌ والدُّنْيا ساكِنَةٌ فَلا يَضْطَرِبُ عَلى المُصَلِّي ما يَقْرَؤُهُ.
قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: أيْ أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أقْوَمُ قِيلًا: أيْ أشَدُّ اسْتِقامَةً لِفَراغِ البالِ بِاللَّيْلِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ أبْيَنُ قَوْلًا بِالقُرْآنِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: أيْ أتَمُّ نَشاطًا وإخْلاصًا وأكْثَرَ بَرَكَةً.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أجْدَرُ أنْ يَتَفَقَّهَ في القُرْآنِ، وقِيلَ أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ.
﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَبْحًا بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: أيْ تَصَرُّفًا في حَوائِجِكَ وإقْبالًا وإدْبارًا وذَهابًا ومَجِيئًا، والسَّبْحُ: الجَرْيُ والدَّوَرانُ، ومِنهُ السِّباحَةُ في الماءِ لِتَقَلُّبِهِ بِبَدَنِهِ ورِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: أيُّ شَدِيدُ الجَرْيِ.
وقِيلَ السَّبْحُ الفَراغُ: أيْ إنَّ لَكَ فَراغًا بِالنَّهارِ لِلْحاجاتِ، فَصَلِّ بِاللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ تَصَرُّفًا وإقْبالًا وإدْبارًا في حَوائِجِكَ وأشْغالِكَ.
وقالَ الخَلِيلُ: إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا: أيْ نَوْمًا، والتَّسَبُّحُ التَّمَدُّدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ فاتَكَ في اللَّيْلِ شَيْءٌ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغٌ لِلِاسْتِدْراكِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وأبُو وائِلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " سَبْخًا " بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، قِيلَ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: الخِفَّةُ والسَّعَةُ والِاسْتِراحَةُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ سَبَّخَ اللَّهُ عَنْكَ الحُمّى: أيْ خَفَّفَها، وسَبَّخَ الحُرُّ فَتَرَ وخَفَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنُ
أيْ خَفِّفْ عَنْكَ الهَمَّ.
والتَّسْبِيخُ مِنَ القُطْنِ ما يُنْسَجُ بَعْدَ النَّدْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ ∗∗∗ كَما تُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ
قالَ ثَعْلَبٌ: السَّبْخُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ: التَّرَدُّدُ والِاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو: السَّبْخُ النَّوْمُ والفَراغُ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ ادْعُهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، وقِيلَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ، وقِيلَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِتُوَفِّرَ عَلى طاعَتِهِ وتَبْعُدَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وقِيلَ المَعْنى: دُمْ عَلى ذِكْرِ رَبِّكَ لَيْلًا ونَهارًا واسْتَكْثِرْ مِن ذَلِكَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى صَلِّ لِرَبِّكَ ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أيِ انْقَطِعْ إلَيْهِ انْقِطاعًا بِالِاشْتِغالِ بِعِبادَتِهِ، والتَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ، يُقالُ بَتَّلْتُ الشَّيْءَ: أيْ قَطَعْتُهُ ومَيَّزْتُهُ مِن غَيْرِهِ، وصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: أيْ مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ صاحِبِها، ويُقالُ لِلرّاهِبِ: مُتَبَتِّلٌ لِانْقِطاعِهِ عَنِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعَشاءِ كَأنَّها ∗∗∗ مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلٍ
ووَضَعَ تَبْتِيلًا مَكانَ تَبَتُّلًا لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الواحِدِيُّ: والتَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا وما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وابْنُ عامِرٍ بِجَرِّ رَبِّ عَلى النَّعْتِ لِرَبِّكَ أوِ البَدَلِ مِنهُ أوِ البَيانِ لَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ لا إلَهَ إلّا هو أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هو رَبُّ المَشْرِقِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مُفْرَدَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ " المَشارِقِ والمَغارِبِ " عَلى الجَمْعِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، والمَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ والمَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ أيْ إذا عَرَفْتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالرِّبَوِيَّةِ فاتَّخِذْهُ وكِيلًا: أيْ قائِمًا بِأُمُورِكَ، وعَوِّلْ عَلَيْهِ في جَمِيعِها، وقِيلَ كَفِيلًا بِما وعَدَكَ مِنَ الجَزاءِ والنَّصْرِ.
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِنَ الأذى والسَّبِّ والِاسْتِهْزاءِ ولا تَجْزَعْ مِن ذَلِكَ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضْ لَهم ولا تَشْتَغِلْ بِمُكافَأتِهِمْ، وقِيلَ الهَجْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا جَزَعَ فِيهِ، وهَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ دَعْنِي وإيّاهم ولا تَهْتَمَّ بِهِمْ فَإنِّي أكْفِيكَ أمْرَهم وأنْتَقِمُ لَكَ مِنهم.
قِيلَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم عَشَرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم.
وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هم بَنُو المُغِيرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أخْبَرْتُ أنَّهُمِ اثْنا عَشَرَ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أيْ أرْبابُ الغِنى والسَّعَةِ والتَّرَفُّهِ واللَّذَّةِ في الدُّنْيا ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ أيْ تَمْهِيلًا قَلَيِلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا (p-١٥٤٧)عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى أمْهِلْهم إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ، وقِيلَ إلى نُزُولِ عُقُوبَةِ الدُّنْيا بِهِمْ كَيَوْمِ بَدْرٍ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ وما بَعْدَهُ فَإنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، والأنْكالُ جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ، كَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما وقالَ الكَلْبِيُّ: الأنْكالُ: الأغْلالُ، والأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎أتَوْكَ فَقُطِّعَتْ أنْكالُهم ∗∗∗ وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ
وقالَ مُقاتِلٌ: هي أنْواعُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: هي قُيُودٌ لا تُحَلُّ وجَحِيمًا أيْ نارٌ مُؤَجَّجَةٌ.
﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ أيْ لا يَسُوغُ في الحَلْقِ بَلْ يَنْشُبُ فِيهِ، فَلا يَنْزِلُ ولا يَخْرُجُ.
قالَ، مُجاهِدٌ،: هو الزَّقُّومُ.
وقالَ، الزَّجّاجُ،: هو الضَّرِيعُ كَما قالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قالَ: وهو شَوْكُ العَوْسَجِ.
قالَ عِكْرِمَةُ هو شَوْكٌ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ لا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ، والغُصَّةُ: الشَّجا في الحَلْقِ، وهو ما يَنْشِبُ فِيهِ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ وجَمْعُها غُصَصٌ ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ غَيْرَ ما ذُكِرَ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ انْتِصابُ الظَّرْفِ إمّا بِـ ( ذَرْنِي ) أوْ بِالِاسْتِقْرارِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لَدَيْنا أوْ هو صِفَةٌ لِ ( عَذابًا ) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ: أيْ عَذابًا واقِعًا يَوْمَ تَرْجُفُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( ألِيمًا ) .
قَرَأ الجُمْهُورُ تَرْجُفُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، مَأْخُوذٌ مَن أرْجَفَها، والمَعْنى: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ بِمَن عَلَيْها، والرَّجْفَةُ: الزَّلْزَلَةُ والرِّعْدَةُ الشَّدِيدَةُ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أيْ وتَكُونُ الجِبالُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ، والمَهِيلُ: الَّذِي يَمُرُّ تَحْتَ الأرْجُلِ.
قالَ الواحِدِيُّ: أيْ رَمْلًا سائِلًا: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ أرْسَلْتُهُ إرْسالًا مِن تُرابٍ أوْ طَعامٍ: أهَلْتُهُ هَيْلًا.
قالَ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: المَهِيلُ: الَّذِي إذا وطِئْتَهُ بِالقَدَمِ زَلَّ مِن تَحْتِها، وإذا أخَذْتَ أسْفَلَهُ انْهالَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎عَرَفْتُ دِيارَ زَيْنَبَ بِالكَثِيبِ ∗∗∗ كَخَطِّ الوَحْيِ في الوَرَقِ القَشِيبِ
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم﴾ الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ أوْ لِكُفّارِ العَرَبِ أوْ لِجَمِيعِ الكُفّارِ، والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَعْنى: يَشْهَدُ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِكم ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ يَعْنِي مُوسى.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِ وكَذَّبَهُ ولَمْ يُؤْمَن بِما جاءَ بِهِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: إنّا أرْسَلَنا إلَيْكم رَسُولًا فَعَصَيْتُمُوهُ كَما أرْسَلَنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ أيْ شَدِيدًا ثَقِيلًا غَلِيظًا، والمَعْنى: عاقَبْنا فِرْعَوْنَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً غَلِيظَةً بِالغَرَقِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ أنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِ وإنِ اخْتَلَفَ نَوْعُ العُقُوبَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ثَقِيلًا غَلِيظًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ وابِلٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: شَدِيدًا، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، ومِنهُ طَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ لا يُسْتَمْرَأُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:
؎لَقَدْ أكَلَتْ بَجِيلَةُ يَوْمَ لاقَتْ ∗∗∗ فَوارِسَ مالِكٍ أكْلًا وبِيلا
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ كَفَرْتُمْ أيْ إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم يَوْمًا أيْ عَذابَ يَوْمٍ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ: أيْ يَصِيرُ الوِلْدانُ شُيُوخًا، والشَّيْبُ جَمْعُ أشْيَبَ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وأنَّهم يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، أوْ تَمْثِيلًا؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ الهَوْلَ العَظِيمَ تَقاصَرَتْ قُواهُ وضَعُفَتْ أعْضاؤُهُ وصارَ كالشَّيْخِ في الضَّعْفِ وسُقُوطِ القُوَّةِ، وفي هَذا تَقْرِيعٌ لَهم شَدِيدٌ وتَوْبِيخٌ عَظِيمٌ.
قالَ الحَسَنُ: أيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوَلَدانَ شِيبًا إنْ كَفَرْتُمْ، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطِيَّةُ، ويَوْمًا مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتَّقُونِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِنهم مَن نَصَبَ اليَوْمَ بِكَفَرْتُمْ، وهَذا قَبِيحٌ، والوَلَدانُ الصِّبْيانُ.
ثُمَّ زادَ في وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أيْ مُتَشَقِّقَةٌ بِهِ لِشَدَّتِهِ وعَظِيمِ هَوْلِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِيَوْمٍ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ هي بِمَعْنى " في ": أيْ مُنْفَطِرٌ فِيهِ، وقِيلَ بِمَعْنى اللّامِ: أيْ مُنْفَطِرٌ لَهُ، وإنَّما قالَ مُنْفَطِرٌ ولَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ لِتَنْزِيلِ السَّماءِ مُنْزِلَةَ شَيْءٍ لِكَوْنِها قَدْ تَغَيَّرَتْ، ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ.
وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةٌ؛ لِأنَّ مَجازَها السَّقْفُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ رَفَعَ السَّماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ
فَيَكُونُ هَذا كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ والشَّجَرِ الأخْضَرِ، و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] قالَ أيْضًا: أيِ السَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ كَقَوْلِهِمْ: امْرَأةٌ مُرْضِعٌ: أيْ ذاتُ إرْضاعٍ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، وانْفِطارُها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وقِيلَ مُنْفَطِرٌ بِهِ: أيْ بِاللَّهِ والمُرادُ بِأمْرِهِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أيْ وكانَ وعْدُ اللَّهِ بِما وعَدَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ كائِنًا لا مَحالَةَ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، أوْ وكانَ وعْدُ اليَوْمِ مَفْعُولًا، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ وعْدُهُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلًا حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهم، وأمْسَكَ اللَّهُ خاتِمَتَها في السَّماءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ التَّخْفِيفَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِن بَعْدِ فَرْضِهِ» .
وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْها مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ أوَّلُ المُزَّمِّلِ كانُوا (p-١٥٤٨)يَقُومُونَ نَحْوًا مِن قِيامِهِمْ في شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى نَزَلَ آخِرُها، وكانَ بَيْنَ أوَّلِها وآخِرِها نَحْوٌ مَن سَنَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ يا أيُّها المُزَّمِّلُ قامُوا حَوْلًا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم وسُوقُهم حَتّى نَزَلَتْ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فاسْتَراحَ النّاسُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في المُزَّمِّلِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ﴾ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ وناشِئَةُ اللَّيْلِ أوَّلُهُ كانَ صَلاتُهم أوَّلَ اللَّيْلِ، يَقُولُ هَذا أجْدَرُ أنْ تُحْصُوا ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا نامَ لَمْ يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقَوْلُهُ: أقْوَمُ قِيلًا هو أجْدَرُ أنْ يَفْقَهَ قِراءَةَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يَقُولُ فَراغًا طَوِيلًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ قالَ: زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ أيْضًا قالَ: يَتَزَمَّلُ بِالثِّيابِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: تَقْرَأُ آيَتَيْنِ ثَلاثًا ثُمَّ تَقْطَعُ لا تُهْدِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: بَيَّنَهُ تَبْيِّينًا.
وأخْرَجَ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ نَصْرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرانَها، فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرِّيَ عَنْهُ، وتَلَتْ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قالَ: قِيامُ اللَّيْلِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ إذا قامَ الرَّجُلُ قالُوا: نَشَأ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوَّلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بِالحَبَشَةِ قِيامُ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ نَصْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قالَ: السَّبْحُ: الفَراغُ لِلْحاجَةِ والنَّوْمِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ لَمْ يَكُنْ إلّا يَسِيرًا حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ قالَ: قُيُودًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ قالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قالَ: المَهِيلُ الَّذِي إذا أخَذْتَ مِنهُ شَيْئًا تَبِعَكَ آخِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ قالَ: الرَّمْلُ السّائِلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أخْذًا وبِيلًا﴾ قالَ: شَدِيدًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: قُمْ فابْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النّارِ، قالَ: مِن كَمْ يا رَبِّ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ ويَنْجُو واحِدٌ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ حِينَ أبْصَرَ ذَلِكَ في وُجُوهِهِمْ: إنَّ بَنِي آدَمَ كَثِيرٌ، وإنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن ولَدِ آدَمَ، إنَّهُ لا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنهم حَتّى يَرِثَهُ لِصُلْبِهِ ألْفُ رَجُلٍ، فَفِيهِمْ وفي أشْباهِهِمْ جُنَّةٌ لَكم» .
وأخْرُجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ بِأخْصَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قالَ: مُمْتَلِئَةٌ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مُثْقَلَةٌ: مُوَقَّرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٌ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي تَشَقُّقَ السَّماءِ.
المزمل 73:20
الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، والتَّذْكِرَةِ المَوْعِظَةِ، والإشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ، إلى ما في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَطْ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيِ اتَّخَذَ بِالطّاعَةِ الَّتِي أهَمُّ أنْواعِها التَّوْحِيدُ إلى رَبِّهِ طَرِيقًا تُوَصِّلُهُ إلى الجَنَّةِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ مَعْنى أدْنى أقَلُّ.
اسْتُعِيرَ لَهُ الأدْنى لِأنَّ المَسافَةَ بَيْنَ السِّنِينَ إذا دَنَتْ قَلَّ ما بَيْنَهُما ﴿ونِصْفَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أدْنى ﴿وثُلُثَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى نِصْفِهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَهُ ﷺ يَقُومُ أقَلَّ مِن ثُلْثَيِ اللَّيْلِ ويَقُومُ نِصْفَهُ ويَقُومُ ثُلْثَهُ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكُوفِيُّونَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ " ونِصْفِهِ وثُلْثِهِ " بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَهُ ﷺ يَقُومُ أقَلَّ مِن ثُلْثَيِ اللَّيْلِ وأقَلَّ مِن نِصْفِهِ وأقَلَّ مِن ثُلْثِهِ، واخْتارَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ فَكَيْفَ يَقُومُونَ نِصْفَهُ وثُلْثَهُ وهم لا يُحْصُونَهُ.
وقالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ الأوْلى أشْبَهُ بِالصَّوابِ لِأنَّهُ قالَ: أقَلُّ مِن ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، ثُمَّ فَسَّرَ (p-١٥٤٩)نَفْسَ القِلَّةِ.
﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في تَقُومُ: أيْ وتَقُومُ ذَلِكَ القَدْرَ مَعَكَ طائِفَةٌ مِن أصْحابِكَ ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ يَعْلَمُ مَقادِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى حَقائِقِها ويَخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ.
قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ لا يَفُوتُهُ عِلْمُ ما تَفْعَلُونَ.
أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ مَقادِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ فَيَعْلَمُ قَدْرَ الَّذِي تَقُومُونَهُ مِنَ اللَّيْلِ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أنْ لَنْ تُطِيقُوا عِلْمَ مَقادِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى الحَقِيقَةِ، وفي " أنَّ " ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ المَعْنى: لَنْ تُطِيقُوا قِيامَ اللَّيْلِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ قِيامَ اللَّيْلِ ما فُرِضَ كُلُّهُ قَطُّ.
قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: لَمّا نَزَلَ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي مَتى نِصْفُ اللَّيْلِ مِن ثُلْثِهِ فَيَقُومُ حَتّى يُصْبِحَ مَخافَةَ أنْ يُخْطِئَ، فانْتَفَخَتْ أقْدامُهم وانْتَقَعَتْ ألْوانُهم فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ وخَفَّفَ عَنْهم فَقالَ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أيْ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ لِأنَّكم إنْ زِدْتُمْ ثَقُلَ عَلَيْكم واحْتَجْتُمْ إلى تَكَلُّفِ ما لَيْسَ فَرْضًا، وإنْ نَقَصْتُمْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكم ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ فَعادَ عَلَيْكم بِالعَفْوِ، ورَخَّصَ لَكم في تَرْكِ القِيامِ.
وقِيلَ: فَتابَ عَلَيْكم مِن فَرْضِ القِيامِ إذْ عَجَزْتُمْ، وأصْلُ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ كَما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: رَجَعَ بِكم مِنَ التَّثْقِيلِ إلى التَّخْفِيفِ، ومِنَ العُسْرِ إلى اليُسْرِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ أيْ فاقْرَءُوا في الصَّلاةِ بِاللَّيْلِ ما خَفَّ عَلَيْكم وتَيَسَّرَ لَكم مِنهُ مِن غَيْرِ أنْ تَرْقُبُوا وقْتًا.
قالَ الحَسَنُ: هو ما نَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
قالَ السُّدِّيُّ أيْضًا: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ في لَيْلَةٍ لَمْ يُحاجَّهُ القُرْآنُ.
وقالَ كَعْبٌ: مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، وقالَ سَعِيدٌ: خَمْسُونَ آيَةً، وقِيلَ مَعْنى ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ لَكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ، والصَّلاةُ تُسَمّى قُرْآنًا كَقَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ قِيامَ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ، والنُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ، والزِّيادَةُ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ فَرْضًا ثابِتًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا لِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
قالَ الشّافِعِيُّ: الواجِبُ طَلَبُ الِاسْتِدْلالِ بِالسُّنَّةِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ، فَوَجَدْنا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدُلُّ عَلى أنْ لا واجِبَ مِنَ الصَّلاةِ إلّا الخَمْسَ.
وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ نَسْخٌ في حَقِّهِ ﷺ وفي حَقِّ أُمَّتِهِ.
وقِيلَ نُسِخَ التَّقْدِيرُ بِمِقْدارٍ، وبَقِيَ أصْلُ الوُجُوبِ.
وقِيلَ إنَّهُ نَسْخٌ في حَقِّ الأُمَّةِ، وبَقِيَ فَرْضًا في حَقِّهِ ﷺ، والأوْلى القَوْلُ بِنَسْخِ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى العُمُومِ في حَقِّهِ ﷺ وفي حَقِّ أُمَّتِهِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ ما يَدُلُّ عَلى بَقاءِ شَيْءٍ مِنَ الوُجُوبِ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ القِراءَةُ مِنَ القُرْآنِ فَقَدْ وُجِدَتْ في صَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ وما يَتْبَعُهُما مِنَ النَّوافِلِ المُؤَكَّدَةِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَدْ وُجِدَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ بِصَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ وما يَتْبَعُهُما مِنَ التَّطَوُّعِ.
وأيْضًا الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُصَرِّحَةُ بِقَوْلِ السّائِلِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها، يَعْنِي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ؟ فَقالَ لا، إلّا أنَّ تَطَّوَّعَ - تَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ غَيْرِها، فارْتَفَعَ بِهَذا وُجُوبُ قِيامِ اللَّيْلِ وصَلاتِهِ عَلى الأُمَّةِ كَما ارْتَفَعَ وُجُوبُ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ كانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ عَنِ المُؤْمِنِينَ.
وثَبَتَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عُذْرَهم فَقالَ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيْ يُسافِرُونَ فِيها لِلتِّجارَةِ والأرْباحِ يَطْلُبُونَ مِن رِزْقِ اللَّهِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المُجاهِدِينَ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا ثَلاثَةَ أسْبابٍ مُقْتَضِيَةٍ لِلتَّرْخِيصِ، ورَفَعَ وُجُوبُ قِيامِ اللَّيْلِ، فَرَفَعَهُ عَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ لِأجْلِ هَذِهِ الأعْذارِ الَّتِي تَنُوبُ بَعْضَهم.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَفْعَلُونَهُ بَعْدَ هَذا التَّرْخِيصِ فَقالَ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ، وهي الخَمْسُ لِقُوَّتِها ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يَعْنِي الواجِبَةَ في الأمْوالِ.
وقالَ الحارِثُ العُكْلِيُّ: هي صَدَقَةُ الفِطْرِ لِأنَّ زَكاةَ الأمْوالِ وجَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ كُلُّ أفْعالِ الخَيْرِ ﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ أنْفِقُوا في سَبِيلِ الخَيْرِ مِن أمْوالِكم إنْفاقًا حَسَنًا، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ.
قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: القَرْضُ الحَسَنُ: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، وقِيلَ النَّفَقَةُ في الجِهادِ، وقِيلَ هو إخْراجُ الزَّكاةِ المُفْتَرَضَةِ عَلى وجْهٍ حَسَنٍ، فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ ظاهِرَهُ العُمُومَ: أيْ أيُّ خَيْرٍ كانَ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ ﴿هُوَ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ مِمّا تُؤَخِّرُونَهُ إلى عِنْدِ المَوْتِ أوْ تُوصُونَ بِهِ لِيَخْرُجَ بَعْدَ مَوْتِكم. وانْتِصابُ خَيْرًا عَلى أنَّهُ ثانِي مَفْعُولَيْ تَجِدُوهُ.
وضَمِيرُ " هو " ضَمِيرُ فَصْلٍ، وبِالنَّصْبِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِالرَّفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ " هو " مُبْتَدَأً و" خَيْرٌ " خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها ثانِي مَفْعُولَيْ تَجِدُوهُ.
قالَ أبُو زَيْدٍ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ ما بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎تَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمُلاءِ أنْتَ أقْدَرُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا وأعْظَمَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى خَيْرًا وقَرَأ أبُو السِّماكِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ بِالرَّفْعِ، كَما قَرَأ بِرَفْعِ " خَيْرٌ " وانْتِصابِ أجْرًا عَلى التَّمْيِيزِ.
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِنهُ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكم فَإنَّكم لا تَخْلُونَ مِن ذُنُوبٍ تَقْتَرِفُونَها ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيُ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَرْحَمَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ (p-١٥٥٠)ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ قالَ: مِائَةَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وحَسَّناهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَرَأ في أوَّلِ رَكْعَةٍ بِالحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وأوَّلِ آيَةٍ مِنَ البَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمّا انْصَرَفْنا أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا لَمْ أرَهُ إلّا في مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَقْرَأ بِفاتِحَةِ الكِتابِ وما تَيَسَّرَ» .
وقَدْ قَدَّمْنا في البَحْثِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ ما رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةَ هُنا هي النّاسِخَةُ لِوُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ، فارْجِعْ إلَيْهِ.
المدثر 74:1
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:2
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:3
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:4
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:5
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:6
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:7
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:8
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:9
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:10
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:11
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:12
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:13
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .
المدثر 74:14
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى سَرِيرٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالنُّورِ المُتَلَأْلِئِ، فَفَزِعَ ووَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ .
ومَعْنى ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾: يا أيُّها الَّذِي قَدْ تَدَثَّرَ بِثِيابِهِ: أيْ تَغَشّى بِها، وأصْلُهُ المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَجانُسِهِما.
وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإدْغامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ " المُتَدَثِّرُ " عَلى الأصْلِ، والدِّثارِ: هو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ، والشِّعارُ: هو الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا مَجازٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إذْ ذاكَ.
﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيِ انْهَضْ فَخَوِّفَ أهْلَ مَكَّةَ وحَذِّرْهُمُ العَذابَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، أوْ قُمْ مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وقِيلَ الإنْذارُ هُنا هو إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ، وقِيلَ إعْلامُهم بِالتَّوْحِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى قُمْ فَصَلِّ وأْمُرْ بِالصَّلاةِ.
﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ واخْتَصَّ سَيِّدَكَ ومالِكَكَ ومُصْلِحَ أُمُورِكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ كَما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ، وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ، أوْ ولَدٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: المُرادُ بِهِ تَكْبِيرُ التَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهُ بِخَلْعِ الأضْدادِ والأنْدادِ والأصْنامِ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا غَيْرَهُ ولا يَعْبُدُ سِواهُ، ولا يَرى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلّا لَهُ ولا نِعْمَةً إلّا مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الفاءَ في ﴿فَكَبِّرْ﴾ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الجَزاءِ كَما دَخَلَتْ في ﴿فَأنْذِرْ﴾ .
وقالَ ابْنُ جِنِّي: هو كَقَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْ: أيْ زَيْدًا اضْرِبْ، فالفاءُ زائِدَةٌ.
﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المُرادُ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى ما هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَطْهِيرِ ثِيابِهِ وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وإزالَةِ ما وقَعَ فِيها مِنها، وقِيلَ المُرادُ بِالثِّيابِ العَمَلُ، وقِيلَ القَلْبُ، وقِيلَ النَّفْسُ، وقِيلَ الجِسْمُ، وقِيلَ الأهْلُ، وقِيلَ الدِّينُ، وقِيلَ الأخْلاقُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو رَزِينٍ: أيْ عَمَلَكَ فَأصْلِحْ.
وقالَ قَتادَةُ: نَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الذَّنَبِ، والثِّيابُ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، ومِن هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ
وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى البِسُها عَلى غَيْرِ غَدْرٍ وغَيْرِ فَجْرَةٍ.
وقالَ: أما سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٌ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
والشّاعِرُ هو غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، ومِن إطْلاقِ الثِّيابِ عَلى النَّفْسِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ
وقالَ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ: إنَّ المَعْنى: وأخْلاقَكَ فَطَهِّرْ لِأنَّ خُلُقَ الإنْسانِ مُشْتَمِلٌ عَلى أحْوالِهِ اشْتِمالَ ثِيابِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويَحْيى لا يُلامُ بِسُوءِ خُلْقٍ ∗∗∗ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ؛ لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاساتِ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ، وبِهِ قالَ طاوُسٌ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ المَعْنى الحَقِيقِيُّ.
ولَيْسَ في اسْتِعْمالِ الثِّيابِ مَجازٌ عَنْ غَيْرِها لِعَلاقَةٍ مَعَ قَرِينَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ عِنْدَ الإطْلاقِ، ولَيْسَ في مِثْلِ هَذا الأصْلِ: أعْنِي الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ خِلافٌ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ طَهارَةِ الثِّيابِ في الصَّلاةِ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ: العَذابُ، وفِيهِ لُغَتانِ: كَسْرُ الرّاءَ وضَمُّها، وسُمِّيَ الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ رِجْزًا لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْزِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: الرُّجْزُ: الأوْثانُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: الرِّجْزُ: المَأْثَمُ، والهَجْرُ: التَّرْكُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرِّجْزُ: إسافٌ ونائِلَةُ، (p-١٥٥١)وهُما صَنَمانِ كانا عِنْدَ البَيْتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، والكِسائِيُّ: الرُّجْزُ بِالضَّمِّ الوَثَنُ وبِالكَسْرِ العَذابُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: الرِّجْزُ بِضَمِّ الرّاءِ الوَعِيدُ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَمْنُنْ بِفَكِّ الإدْغامِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو اليَمانِ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِالإدْغامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ: أيْ ولا تَمْنُنْ حالَ كَوْنِكَ مُسْتَكْثِرًا، وقِيلَ عَلى حَذْفِ ( أنْ )، والأصْلُ ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ، فَلَمّا حُذِفَتْ رُفِعَ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَإذا حُذِفَتْ " أنْ " رُفِعَ الفِعْلُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ تَسْتَكْثِرْ بِزِيادَةِ ( أنْ ) .
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " تَسْتَكْثِرْ " بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن تَمْنُنْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
أوِ الجَزْمُ لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ: كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
بِتَسْكِينِ " أشْرَبْ " .
وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ( تَسْتَكْثِرُ ) لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( تَمْنُنْ )؛ لِأنَّ المَنَّ غَيْرُ الِاسْتِكْثارِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلنَّهْيِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الآيَةِ، فَقِيلَ: المَعْنى: لا تَمْنُنْ عَلى رَبِّكَ بِما تَتَحَمَّلُهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ كالَّذِي يَسْتَكْثِرُ ما يَتَحَمَّلُهُ بِسَبَبِ الغَيْرِ، وقِيلَ لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ فِيها أفْضَلَ مِنها قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِأشْرَفِ الآدابِ وأجَلِّ الأخْلاقِ، وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَضْعُفْ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِكَ حَبْلٌ مَتِينٌ: إذا كانَ ضَعِيفًا.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لا تُعَظِّمُ عَمَلَكَ في عَيْنِكِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلًا فَتَراهُ مِن نَفْسِكَ، إنَّما عَمَلُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ إذْ جَعَلَ لَكَ سَبِيلًا إلى عِبادَتِهِ.
وقِيلَ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ عَلى النّاسِ فَتَأْخُذَ مِنهم أجْرًا تَسْتَكْثِرُهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لا تُعْطِ مالَكَ مُصانَعَةً.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا أعْطَيْتَ عَطِيَّةً فَأعْطِها لِرَبِّكَ.
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ فاصْبِرْ عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ، والمَعْنى: لِأجْلِ رَبِّكَ وثَوابِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: اصْبِرْ عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَمَلْتَ أمْرًا عَظِيمًا فَحارَبَتْكَ العَرَبُ والعَجَمُ فاصْبِرْ عَلَيْهِ لِلَّهِ.
وقِيلَ اصْبِرْ تَحْتَ مَوارِدِ القَضاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ فاصْبِرْ عَلى البَلْوى، وقِيلَ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ النّاقُورُ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ كَأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَرَ فِيهِ لِلتَّصْوِيتِ، والنَّقْرُ في كَلامِ العَرَبِ الصَّوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أُخَفِّضُهُ بِالنَّقْرِ لَمّا عَلَوْتُهُ
ويَقُولُونَ: نَقَرَ بِاسْمِ الرَّجُلِ: إذا دَعاهُ، والمُرادُ هُنا النَّفْخُ في الصُّورِ، والمُرادُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ الأُولى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ. والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم، فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ.
والعامِلُ في إذًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ عَسُرَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّقْرِ، ويَوْمَئِذٍ بَدَلٌ مَن إذا، أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرٌ فَذَلِكَ وقِيلَ هو ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ يَسِيرٍ، قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ أيْ دَعْنِي، وهي كَلِمَةُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، والمَعْنى: دَعْنِي والَّذِي خَلَقْتُهُ حالَ كَوْنِهِ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، هَذا عَلى أنَّ ﴿وحِيدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ في ذَرْنِي أيْ: دَعْنِي وحْدِي مَعَهُ، فَإنِّي أكْفِيكَ في الِانْتِقامِ مِنهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَقُولُ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَأنا أنْفَرِدُ بِهَلَكَتِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ كُفْرِهِ وعَظِيمِ جُحُودِهِ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ أرادَ بِالوَحِيدِ الَّذِي لا يَعْرِفُ أبُوهُ، وكانَ يُقالُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنَّهُ دُعِيَ.
﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أيْ كَثِيرًا، أوْ يَمُدُّ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ، وقَدْ كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَشْهُورًا بِكَثْرَةِ المالِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ، قِيلَ كانَ يُحَصَّلُ لَهُ مِن غَلَّةِ أمْوالِهِ ألْفُ ألْفِ دِينارٍ، وقِيلَ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقِيلَ ألْفُ دِينارٍ.
﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ أيْ وجَعَلْتُ لَهُ بَنَيْنَ حُضُورًا بِمَكَّةَ مَعَهُ لا يُسافِرُونَ ولا يَحْتاجُونَ إلى التَّفَرُّقِ في طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَثْرَةِ مالِ أبِيهِمْ.
قالَ الضَّحّاكُ: كانُوا سَبْعَةً وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةً وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا سَبْعَةً كُلُّهم رِجالٌ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ وهُشامٌ والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ.
وقِيلَ مَعْنى شُهُودًا أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، وقِيلَ كانُوا يَشْهَدُونَ مَعَهُ ما كانَ يَشْهَدُهُ ويَقُومُونَ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أيْ بَسَطْتُ لَهُ في العَيْشِ وطُولَ العُمْرِ والرِّياسَةَ في قُرَيْشٍ، والتَّمْهِيدُ عِنْدَ العَرَبِ التَّوْطِئَةُ، ومِنهُ مَهْدُ الصَّبِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ المالُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ أيْ يَطْمَعُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في الزِّيادَةِ لِكَثْرَةِ حِرْصِهِ وشِدَّةِ طَمَعِهِ مَعَ كُفْرانِهِ لِلنِّعَمِ وإشْراكِهِ بِاللَّهِ.
قالَ الحَسَنُ: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وكانَ يَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
ثُمَّ رَدَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وزَجَرَهُ فَقالَ: كَلّا أيْ لَسْتُ أزِيدُهُ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ مُعانِدًا لَها كافِرًا بِما أنْزَلْناهُ مِنها عَلى رَسُولِنا، يُقالُ: عَنَدَ يَعْنِدُ بِالكَسْرِ: إذا خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ، وهو يَعْرِفُهُ فَهو عَنِيدٌ وعانِدٌ، والعانِدُ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِيِّ:(p-١٥٥٢)
؎إذا رَكِبْتُ فاجْعَلانِي وسَطا ∗∗∗ إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا
قالَ أبُو صالِحٍ: عَنِيدًا مَعْناهُ مُباعِدًا.
وقالَ قَتادَةُ: جاحِدًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: مُعْرِضًا.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أيْ سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقاهُ مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّهُ يُكَلَّفُ أنَّهُ يَصْعَدُ جَبَلًا مِن نارٍ، والإرْهاقُ في كَلامِ العَرَبِ: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ: أيْ إنَّهُ فَكَّرَ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ: أيْ هَيَّأ الكَلامَ في نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ، وقَدَّرْتُ الشَّيْءَ إذا هَيَّأْتُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ القُرْآنَ لَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ ماذا يَقُولُ فِيهِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.
فَذَمَّهُ اللَّهُ وقالَ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أيْ لُعِنَ وعُذِّبَ كَيْفَ قَدَّرَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ كَما يُقالُ في الكَلامِ: لِأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ: أيْ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ مِنهُ، وقِيلَ المَعْنى: قُهِرَ وغُلِبَ كَيْفَ قَدَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقالَ الزُّهْرِيُّ: عُذِّبَ، وهو مِن بابِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ.
والتَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ بِأيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ القُرْآنَ ويَقْدَحُ فِيهِ، أوْ فَكَّرَ في القُرْآنِ وتَدَبَّرَ ما هو.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أيْ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا يَطْعَنُ بِهِ في القُرْآنِ، والعَبْسُ مَصْدَرُ عَبَسَ مُخَفَّفًا يَعْبِسُ عَبْسًا وعُبُوسًا إذا قَطَّبَ، وقِيلَ عَبَسَ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ عَبَسَ في وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ كَلَّحَ وجْهَهُ وتَغَيَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الحَفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُوسَةٍ باسِرَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها
وقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العُبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَها، والعَرَبُ تَقُولُ: وجْهٌ باسِرٌ: إذا تَغَيَّرَ واسْوَدَّ.
وقالَ الرّاغِبُ: البُسْرُ: اسْتِعْجالُ الشَّرِّ قَبْلَ أوانِهِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ حاجَتَهُ: أيْ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها.
قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العُبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وقَبْلَ وقْتِهِ، وأهْلُ اليَمَنِ يَقُولُونَ: بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ: أيْ وقَفَ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقَدْ أُبْسِرْنا: أيْ صِرْنا إلى البُسُورِ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ، وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وتَعَظَّمَ عَنْ أنْ يُؤْمِنَ.
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ويُرِيهِ عَنْهُ.
والسِّحْرُ: إظْهارُ الباطِلِ في صُورَةِ الحَقِّ، أوِ الخَدِيعَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، يُقالُ أثَرْتُ الحَدِيثَ بِأثَرِهِ: إذا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎إنَّ الَّذِي فِيهِ تَحارَبْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والأثَرْ
﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كَلامُ الإنْسِ، ولَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، وسَيَأْتِي أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ إرْضاءً لِقَوْمِهِ بَعْدَ اعْتِرافِهِ أنَّ لَهُ حَلاوَةً، وأنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً إلى آخِرِ كَلامِهِ.
ولَمّا قالَ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أيْ سَأُدْخِلُهُ النّارَ، وسَقَرُ مِن أسْماءِ النّارِ، ومِن دِرْكاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ .
ثُمَّ بالَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِ النّارِ وشِدَّةِ أمْرِها فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ وما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ هي، والعَرَبُ تَقُولُ: وما أدْراكَ ما كَذا: إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في أمْرِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ خَطْبِهِ، و" ما " الأُولى مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما سَقَرُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ثُمَّ فَسَّرَ حالَها فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالَ سَقَرَ، والكَشْفِ عَنْ وصْفِها، وقِيلَ هي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَعْظِمُوا سَقَرَ في هَذِهِ الحالِ، والأوَّلُ أوْلى، ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ السُّدِّيُّ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا ولا تَذْرُ لَهم عَظْمًا.
وقالَ عَطاءٌ: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا ولا تَذْرُهُ مَيْتًا، وقِيلَ هُما لَفْظانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كُرِّرا لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: صَدَّ عَنِّي، وأعْرَضَ عَنِّي.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَوّاحَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِسَقَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ، يُقالُ: لاحَ يَلُوحُ: أيْ ظَهَرَ، والمَعْنى: أنَّها تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ.
قالَ الحَسَنُ: تَلُوحُ لَهم جَهَنَّمُ حَتّى يَرَوْنَها عَيانًا كَقَوْلِهِ: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وقِيلَ مَعْنى ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أيْ مُغَيِّرَةٌ لَهم ومُسَوِّدَةٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: والعَرَبُ تَقُولُ: لاحَهُ الحَرُّ والبَرْدُ والسَّقَمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وتَعْجَبُ هِنْدٌ أنْ رَأتْنِي شاحِبًا ∗∗∗ تَقُولُ لَشَيْءٌ لَوَّحَتْهُ السَّمايِمُ
أيْ غَيَّرَتْهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎لَوَّحَ مِنهُ بَعْدَ بُدْنٍ وشَبَقْ ∗∗∗ تَلْوِيحَكَ الضّامِرَ يُطْوى لِلسَّبَقْ
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ:
؎سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامُ الغَوادِيا
والمُرادُ بِـ البَشَرِ إمّا جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ كَما قالَهُ الأكْثَرُ، أوِ المُرادُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنَ الإنْسِ كَما قالالأخْفَشُ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَقُولُ عَلى النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ هم خَزَنَتُها، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا مِن صُفُوفِهِمْ، وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ نَقِيبًا مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: ولا يُنْكَرُ هَذا؛ فَإذا كانَ مَلَكٌ واحِدٌ يَقْبِضُ أرْواحَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كانَ أحْرى أنْ يَكُونُوا تِسْعَةَ عَشَرَ عَلى عَذابِ بَعْضِ الخَلْقِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ الشِّينِ مِن ( عَشَرَ ) .
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ بِإسْكانِها.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ لَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: (p-١٥٥٣)يَقُولُونَ إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ أيْ سُورَةُ العَلَقِ ] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتُ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُنَّكَ إلّا ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءٍ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءٍ جالَسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَحَثَيْتُ مِنهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾» وسَيَأْتِي في سُورَةِ " اقْرَأْ " ما يَدُلُّ عَلى أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، والجَمْعُ مُمْكِنٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ فَقالَ: دَثِّرْ هَذا الأمْرَ، فَقُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ قالَ: النّائِمُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَكُنْ ثِيابَكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِن مَكْسَبٍ باطِلٍ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ: الأصْنامُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الإثْمِ.
قالَ: وهي في كَلامِ العَرَبِ نَقِيُّ الثِّيابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: مِنَ الغَدْرِ، لا تَكُنْ غَدّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قالَ: لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ:
؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ: لا تُعْطِ الرَّجُلَ عَطاءَ رَجاءٍ أنْ يُعْطِيَكَ أكْثَرَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ: الصُّورِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قالَ: شَدِيدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أيْضًا: «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ فَقالَ: يا عَمُّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا لِيُعْطُوكَهُ، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِما قَبِلَهُ، قالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا، قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمُكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ ؟ فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ، واللَّهِ ما يُشْبِهُ هَذا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا، وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلَهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو وما يُعْلى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ. قالَ: واللَّهِ لا يَرْضى قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثِرُ، يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾» .
وأخْرَجَ هَذا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُ واحِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: هو جَبَلٌ في النّارِ يُكَلِّفُونَ أنْ يَصْعَدُوا فِيهِ، فَكُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ، فَإذا رَفَعُوها عادَتْ كَما كانَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿عَنِيدًا﴾ قالَ: جَحُودًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصَّعُودُ جَبَلٌ في النّارِ يَصْعَدُ فِيهِ الكافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي وهو كَذَلِكَ فِيهِ أبَدًا» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ. انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿صَعُودًا﴾ صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ يُسْحَبُ عَلَيْها الكافِرُ عَلى وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَبَلٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ قالَ: لا تُبْقِي مِنهم شَيْئًا، وإذا بَدَّلُوا خَلْقًا آخَرَ لَمْ تَذَرْ أنْ تُعاوِدَهم سَبِيلَ العَذابِ الأوَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قالَ: تَلُوحُ الجِلْدَ فَتُحْرِقَهُ وتُغَيِّرَ لَوْنَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَوّاحَةٌ﴾ قالَ: مُحْرِقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ: أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ .