Fath Al-Qadir Al-Shawkani — المدثر 74:35 – القيامة 75:9
المحتويات
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
المدثر 74:35
لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الأعْوانِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُّهْمُ، أفَيُعْجِزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِواحِدٍ مِنهم ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ؟ فَقالَأبُو الأشَدِّ، وهو رَجُلٌ مِن بَنِي جُمَحَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، فَأنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم، فَأدْفَعُ عَشَرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ ونَمْضِي نَدْخُلُ الجَنَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي ما جَعَلْنا (p-١٥٥٤)المُدَبِّرِينَ لِأمْرِ النّارِ القائِمِينَ بِعَذابِ مَن فِيها إلّا مَلائِكَةً، فَمَن يُطِيقُ المَلائِكَةَ ومَن يَغْلِبُهم، فَكَيْفَ تَتَعاطَوْنَ أيُّها الكُفّارُ مُغالَبَتَهم.
وقِيلَ جَعَلَهم مَلائِكَةً لِأنَّهم خِلافُ جِنْسِ المَخْلُوقِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَلا يَأْخُذُهم ما يَأْخُذُ المَجالِسَ مِنَ الرِّقَّةِ والرَّأْفَةِ، وقِيلَ لِأنَّهم أقْوَمُ خَلْقِ اللَّهِ بِحَقِّهِ والغَضَبِ لَهُ، وأشُدِّهِمْ بَأْسًا وأقْواهم بَطْشًا ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً﴾ أيْ ضَلالَةً لِلَّذِينَ اسْتَقَلُّوا عَدَدَهم ومِحْنَةً لَهم، والمَعْنى: ما جَعَلْنا عَدَدَهم هَذا العَدَدَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ إلّا ضَلالَةً ومِحْنَةً لَهم، حَتّى قالُوا ما قالُوا لِيَتَضاعَفَ عَذابُهم ويَكْثُرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿إلّا فِتْنَةً﴾ إلّا عَذابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ يُعَذَّبُونَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جَعَلْنا والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى لِمُوافَقَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِأنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ لِما عِنْدَهم. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِدَّةَ الخَزَنَةِ هَذِهِ العِدَّةَ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمُوافَقَةِ ما في القُرْآنِ لِما في كُتُبِهِمْ ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقِيلَ أرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَعْنى: لِيَزْدادُوا يَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ لَمّا رَأوْا مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الكِتابِ لَهم، وجُمْلَةُ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ، والمَعْنى نَفْيُ الِارْتِيابِ عَنْهم في الدِّينِ، أوْ في أنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ، ولا ارْتِيابَ في الحَقِيقَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهُ مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ في قَلْبِهِ شَكٌّ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ المُرادُ بِالَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والسُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نِفاقٌ، فَهو إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ في المَدِينَةِ، أوِ المُرادِ بِالمَرَضِ مُجَرَّدُ حُصُولِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهو كائِنٌ في الكُفّارِ.
قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الخِلافُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: والكافِرُونَ كُفّارُ العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، ومَعْنى ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ أيْ شَيْءٌ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ.
قالَ اللَّيْثُ: المَثَلُ: الحَدِيثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ حَدِيثُها الخَبَرُ عَنْها ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ لِلْكافِرِينَ والهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْها مَن يَشاءُ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ أيْ يَعْلَمُ عَدَدَ خَلْقِهِ ومِقْدارَ جُمُوعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا هو وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِلْمِ ذَلِكَ أحَدٌ.
وقالَ عَطاءٌ: يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ.
والمَعْنى: أنَّ خَزَنَةَ النّارِ وإنْ كانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ فَلَهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى ذِكْرِ سَقَرَ فَقالَ: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ وما سَقَرُ وما ذُكِرَ مِن عَدَدِ خَزَنَتِها إلّا تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْعالَمِ، وقِيلَ: وما هي أيِ الدَّلائِلُ والحُجَجُ والقُرْآنُ إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نارُ الدُّنْيا تَذْكِرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ، وهو بِعِيدٌ.
وقِيلَ ما هي - أيْ عِدَّةُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ - إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ لِيَعْلَمُوا كَمالَ قُدْرَةِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى أعْوانٍ وأنْصارٍ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في وما هي يَرْجِعُ إلى الجُنُودِ.
ثُمَّ رَدَعَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كَلّا صِلَةٌ لِلْقِسْمِ.
التَّقْدِيرُ: أيْ والقَمَرِ، وقِيلَ المَعْنى: حَقًّا والقَمَرِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى رَدُّ زَعْمِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يُقاوِمُ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ بِالقَمَرِ وبِما بَعْدَهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن مَعْنى الآيَةِ.
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ ولّى.
قَرَأ الجُمْهُورُ " إذا " بِزِيادَةِ الألِفِ، " دَبَرَ " بِزِنَةِ ضَرَبَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ إذْ بِدُونِ ألِفِ أدْبَرَ بِزِنَةِ أكْرَمَ ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ، ودَبَرَ وأدْبَرَ لُغَتانِ، كَما يُقالُ أقْبَلَ الزَّمانُ وقَبَلَ الزَّمانُ، يُقالُ دَبَرَ اللَّيْلُ وأدْبَرَ: إذا تَوَلّى ذاهِبًا.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ وتَبَيَّنَ.
﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ هَذا جَوابُ القِسْمِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى سَقَرَ: أيْ إنَّ سَقَرَ لَإحْدى الدَّواهِي أوِ البَلايا، والكُبَرُ، والكِبَرُ جَمْعُ كُبْرى، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الكُبَرَ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ، وقِيلَ: إنَّها: أيْ تَكْذِيبُهم لِمُحَمَّدٍ لَإحْدى الكُبَرُ، وقِيلَ إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرْ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَإحْدى﴾ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " إنَّها حِدى " بِدُونِ هَمْزَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالكُبَرِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ وأبْوابَها.
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ انْتِصابُ نَذِيرًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في إنَّها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
ورُوِيَ عَنْهُ وعَنِ الكِسائِيِّ، وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيْ قُمْ يا مُحَمَّدُ فَأنْذِرْ حالَ كَوْنِكَ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.
وقِيلَ إنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ لِ إحْدى لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا، وقِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِأنْذَرَ المَذْكُورُ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ( أعْنِي )، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( ادْعُ )، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ نادِ أوْ بَلِّغْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّها لِإحْدى الكُبَرُ لِأجْلِ إنْذارِ البَشَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نَذِيرٌ، أوْ هو نَذِيرٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ في النَّذِيرِ، فَقالَ الحَسَنُ: هي النّارُ، وقِيلَ: (p-١٥٥٥)مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ أبُو رَزِينٍ: المَعْنى أنا نَذِيرٌ لَكم مِنها، وقِيلَ القُرْآنُ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لِلْبَشَرِ: أيْ نَذِيرًا لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ إلى الطّاعَةِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها، والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ مِن آمَنَ وكَفَرَ، وقِيلَ فاعِلُ المَشِيئَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنكم بِالإيمانِ أوْ يَتَأخَّرَ بِالكُفْرِ والأوَّلُ أوْلى.
وقالَ السُّدِّيُّ: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها أوْ يَتَأخَّرَ إلى الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا سَمِعَ أبُو جَهْلٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم، أسْمَعُ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُّهْمُ، أفَيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قالَ أبُو الأشَدِّ: خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أنا أكْفِيكم مُؤْنَتَهم، قالَ: و«حُدِّثْتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وصَفَ خُزّانَ جَهَنَّمَ فَقالَ: كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ، وكَأنَّ أفْواهَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم، لَهم مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يُقْبِلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم، عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٍ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهم عَنْ لَيْلَةِ أُسَرِيَ بِهِ قالَ: فَصَعِدْتُ أنا وجِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا أنا بِمَلَكٍ يُقالُ لَهُ إسْماعِيلُ وهو صاحِبُ سَماءِ الدُّنْيا وبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْدُهُ مِائَةُ ألْفٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أُصْبُعٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ» .
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، ويُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إذْ أدْبَرَ﴾ قالَ: دُبُورُ ظَلامِهِ.
وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فَسَكَتَ عَنِّي حَتّى إذا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ وسَمِعَ الأذانَ نادانِي يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ قالَ: مَن شاءَ اتَّبَعَ طاعَةَ اللَّهِ ومَن شاءَ تَأخَّرَ عَنْها.
المدثر 74:36
لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الأعْوانِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُّهْمُ، أفَيُعْجِزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِواحِدٍ مِنهم ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ؟ فَقالَأبُو الأشَدِّ، وهو رَجُلٌ مِن بَنِي جُمَحَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، فَأنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم، فَأدْفَعُ عَشَرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ ونَمْضِي نَدْخُلُ الجَنَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي ما جَعَلْنا (p-١٥٥٤)المُدَبِّرِينَ لِأمْرِ النّارِ القائِمِينَ بِعَذابِ مَن فِيها إلّا مَلائِكَةً، فَمَن يُطِيقُ المَلائِكَةَ ومَن يَغْلِبُهم، فَكَيْفَ تَتَعاطَوْنَ أيُّها الكُفّارُ مُغالَبَتَهم.
وقِيلَ جَعَلَهم مَلائِكَةً لِأنَّهم خِلافُ جِنْسِ المَخْلُوقِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَلا يَأْخُذُهم ما يَأْخُذُ المَجالِسَ مِنَ الرِّقَّةِ والرَّأْفَةِ، وقِيلَ لِأنَّهم أقْوَمُ خَلْقِ اللَّهِ بِحَقِّهِ والغَضَبِ لَهُ، وأشُدِّهِمْ بَأْسًا وأقْواهم بَطْشًا ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً﴾ أيْ ضَلالَةً لِلَّذِينَ اسْتَقَلُّوا عَدَدَهم ومِحْنَةً لَهم، والمَعْنى: ما جَعَلْنا عَدَدَهم هَذا العَدَدَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ إلّا ضَلالَةً ومِحْنَةً لَهم، حَتّى قالُوا ما قالُوا لِيَتَضاعَفَ عَذابُهم ويَكْثُرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿إلّا فِتْنَةً﴾ إلّا عَذابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ يُعَذَّبُونَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جَعَلْنا والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى لِمُوافَقَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِأنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ لِما عِنْدَهم. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِدَّةَ الخَزَنَةِ هَذِهِ العِدَّةَ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمُوافَقَةِ ما في القُرْآنِ لِما في كُتُبِهِمْ ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقِيلَ أرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَعْنى: لِيَزْدادُوا يَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ لَمّا رَأوْا مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الكِتابِ لَهم، وجُمْلَةُ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ، والمَعْنى نَفْيُ الِارْتِيابِ عَنْهم في الدِّينِ، أوْ في أنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ، ولا ارْتِيابَ في الحَقِيقَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهُ مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ في قَلْبِهِ شَكٌّ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ المُرادُ بِالَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والسُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نِفاقٌ، فَهو إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ في المَدِينَةِ، أوِ المُرادِ بِالمَرَضِ مُجَرَّدُ حُصُولِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهو كائِنٌ في الكُفّارِ.
قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الخِلافُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: والكافِرُونَ كُفّارُ العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، ومَعْنى ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ أيْ شَيْءٌ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ.
قالَ اللَّيْثُ: المَثَلُ: الحَدِيثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ حَدِيثُها الخَبَرُ عَنْها ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ لِلْكافِرِينَ والهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْها مَن يَشاءُ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ أيْ يَعْلَمُ عَدَدَ خَلْقِهِ ومِقْدارَ جُمُوعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا هو وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِلْمِ ذَلِكَ أحَدٌ.
وقالَ عَطاءٌ: يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ.
والمَعْنى: أنَّ خَزَنَةَ النّارِ وإنْ كانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ فَلَهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى ذِكْرِ سَقَرَ فَقالَ: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ وما سَقَرُ وما ذُكِرَ مِن عَدَدِ خَزَنَتِها إلّا تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْعالَمِ، وقِيلَ: وما هي أيِ الدَّلائِلُ والحُجَجُ والقُرْآنُ إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نارُ الدُّنْيا تَذْكِرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ، وهو بِعِيدٌ.
وقِيلَ ما هي - أيْ عِدَّةُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ - إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ لِيَعْلَمُوا كَمالَ قُدْرَةِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى أعْوانٍ وأنْصارٍ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في وما هي يَرْجِعُ إلى الجُنُودِ.
ثُمَّ رَدَعَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كَلّا صِلَةٌ لِلْقِسْمِ.
التَّقْدِيرُ: أيْ والقَمَرِ، وقِيلَ المَعْنى: حَقًّا والقَمَرِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى رَدُّ زَعْمِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يُقاوِمُ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ بِالقَمَرِ وبِما بَعْدَهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن مَعْنى الآيَةِ.
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ ولّى.
قَرَأ الجُمْهُورُ " إذا " بِزِيادَةِ الألِفِ، " دَبَرَ " بِزِنَةِ ضَرَبَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ إذْ بِدُونِ ألِفِ أدْبَرَ بِزِنَةِ أكْرَمَ ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ، ودَبَرَ وأدْبَرَ لُغَتانِ، كَما يُقالُ أقْبَلَ الزَّمانُ وقَبَلَ الزَّمانُ، يُقالُ دَبَرَ اللَّيْلُ وأدْبَرَ: إذا تَوَلّى ذاهِبًا.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ وتَبَيَّنَ.
﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ هَذا جَوابُ القِسْمِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى سَقَرَ: أيْ إنَّ سَقَرَ لَإحْدى الدَّواهِي أوِ البَلايا، والكُبَرُ، والكِبَرُ جَمْعُ كُبْرى، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الكُبَرَ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ، وقِيلَ: إنَّها: أيْ تَكْذِيبُهم لِمُحَمَّدٍ لَإحْدى الكُبَرُ، وقِيلَ إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرْ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَإحْدى﴾ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " إنَّها حِدى " بِدُونِ هَمْزَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالكُبَرِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ وأبْوابَها.
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ انْتِصابُ نَذِيرًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في إنَّها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
ورُوِيَ عَنْهُ وعَنِ الكِسائِيِّ، وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيْ قُمْ يا مُحَمَّدُ فَأنْذِرْ حالَ كَوْنِكَ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.
وقِيلَ إنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ لِ إحْدى لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا، وقِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِأنْذَرَ المَذْكُورُ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ( أعْنِي )، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( ادْعُ )، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ نادِ أوْ بَلِّغْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّها لِإحْدى الكُبَرُ لِأجْلِ إنْذارِ البَشَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نَذِيرٌ، أوْ هو نَذِيرٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ في النَّذِيرِ، فَقالَ الحَسَنُ: هي النّارُ، وقِيلَ: (p-١٥٥٥)مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ أبُو رَزِينٍ: المَعْنى أنا نَذِيرٌ لَكم مِنها، وقِيلَ القُرْآنُ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لِلْبَشَرِ: أيْ نَذِيرًا لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ إلى الطّاعَةِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها، والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ مِن آمَنَ وكَفَرَ، وقِيلَ فاعِلُ المَشِيئَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنكم بِالإيمانِ أوْ يَتَأخَّرَ بِالكُفْرِ والأوَّلُ أوْلى.
وقالَ السُّدِّيُّ: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها أوْ يَتَأخَّرَ إلى الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا سَمِعَ أبُو جَهْلٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم، أسْمَعُ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُّهْمُ، أفَيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قالَ أبُو الأشَدِّ: خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أنا أكْفِيكم مُؤْنَتَهم، قالَ: و«حُدِّثْتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وصَفَ خُزّانَ جَهَنَّمَ فَقالَ: كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ، وكَأنَّ أفْواهَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم، لَهم مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يُقْبِلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم، عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٍ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهم عَنْ لَيْلَةِ أُسَرِيَ بِهِ قالَ: فَصَعِدْتُ أنا وجِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا أنا بِمَلَكٍ يُقالُ لَهُ إسْماعِيلُ وهو صاحِبُ سَماءِ الدُّنْيا وبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْدُهُ مِائَةُ ألْفٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أُصْبُعٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ» .
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، ويُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إذْ أدْبَرَ﴾ قالَ: دُبُورُ ظَلامِهِ.
وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فَسَكَتَ عَنِّي حَتّى إذا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ وسَمِعَ الأذانَ نادانِي يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ قالَ: مَن شاءَ اتَّبَعَ طاعَةَ اللَّهِ ومَن شاءَ تَأخَّرَ عَنْها.
المدثر 74:37
لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الأعْوانِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُّهْمُ، أفَيُعْجِزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِواحِدٍ مِنهم ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ؟ فَقالَأبُو الأشَدِّ، وهو رَجُلٌ مِن بَنِي جُمَحَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، فَأنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم، فَأدْفَعُ عَشَرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ ونَمْضِي نَدْخُلُ الجَنَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي ما جَعَلْنا (p-١٥٥٤)المُدَبِّرِينَ لِأمْرِ النّارِ القائِمِينَ بِعَذابِ مَن فِيها إلّا مَلائِكَةً، فَمَن يُطِيقُ المَلائِكَةَ ومَن يَغْلِبُهم، فَكَيْفَ تَتَعاطَوْنَ أيُّها الكُفّارُ مُغالَبَتَهم.
وقِيلَ جَعَلَهم مَلائِكَةً لِأنَّهم خِلافُ جِنْسِ المَخْلُوقِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَلا يَأْخُذُهم ما يَأْخُذُ المَجالِسَ مِنَ الرِّقَّةِ والرَّأْفَةِ، وقِيلَ لِأنَّهم أقْوَمُ خَلْقِ اللَّهِ بِحَقِّهِ والغَضَبِ لَهُ، وأشُدِّهِمْ بَأْسًا وأقْواهم بَطْشًا ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً﴾ أيْ ضَلالَةً لِلَّذِينَ اسْتَقَلُّوا عَدَدَهم ومِحْنَةً لَهم، والمَعْنى: ما جَعَلْنا عَدَدَهم هَذا العَدَدَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ إلّا ضَلالَةً ومِحْنَةً لَهم، حَتّى قالُوا ما قالُوا لِيَتَضاعَفَ عَذابُهم ويَكْثُرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿إلّا فِتْنَةً﴾ إلّا عَذابًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ يُعَذَّبُونَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ جَعَلْنا والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى لِمُوافَقَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِأنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ لِما عِنْدَهم. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِدَّةَ الخَزَنَةِ هَذِهِ العِدَّةَ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمُوافَقَةِ ما في القُرْآنِ لِما في كُتُبِهِمْ ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقِيلَ أرادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَعْنى: لِيَزْدادُوا يَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ لَمّا رَأوْا مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الكِتابِ لَهم، وجُمْلَةُ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ، والمَعْنى نَفْيُ الِارْتِيابِ عَنْهم في الدِّينِ، أوْ في أنَّ عِدَّةَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ، ولا ارْتِيابَ في الحَقِيقَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهُ مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ في قَلْبِهِ شَكٌّ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ المُرادُ بِالَّذِينِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والسُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نِفاقٌ، فَهو إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ في المَدِينَةِ، أوِ المُرادِ بِالمَرَضِ مُجَرَّدُ حُصُولِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهو كائِنٌ في الكُفّارِ.
قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الخِلافُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: والكافِرُونَ كُفّارُ العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، ومَعْنى ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ أيْ شَيْءٌ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ.
قالَ اللَّيْثُ: المَثَلُ: الحَدِيثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ حَدِيثُها الخَبَرُ عَنْها ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ لِلْكافِرِينَ والهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْها مَن يَشاءُ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ أيْ يَعْلَمُ عَدَدَ خَلْقِهِ ومِقْدارَ جُمُوعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا هو وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِلْمِ ذَلِكَ أحَدٌ.
وقالَ عَطاءٌ: يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ.
والمَعْنى: أنَّ خَزَنَةَ النّارِ وإنْ كانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ فَلَهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى ذِكْرِ سَقَرَ فَقالَ: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ أيْ وما سَقَرُ وما ذُكِرَ مِن عَدَدِ خَزَنَتِها إلّا تَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْعالَمِ، وقِيلَ: وما هي أيِ الدَّلائِلُ والحُجَجُ والقُرْآنُ إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: نارُ الدُّنْيا تَذْكِرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ، وهو بِعِيدٌ.
وقِيلَ ما هي - أيْ عِدَّةُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ - إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ لِيَعْلَمُوا كَمالَ قُدْرَةِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى أعْوانٍ وأنْصارٍ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في وما هي يَرْجِعُ إلى الجُنُودِ.
ثُمَّ رَدَعَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كَلّا صِلَةٌ لِلْقِسْمِ.
التَّقْدِيرُ: أيْ والقَمَرِ، وقِيلَ المَعْنى: حَقًّا والقَمَرِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى رَدُّ زَعْمِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يُقاوِمُ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ بِالقَمَرِ وبِما بَعْدَهُ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِن مَعْنى الآيَةِ.
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ أيْ ولّى.
قَرَأ الجُمْهُورُ " إذا " بِزِيادَةِ الألِفِ، " دَبَرَ " بِزِنَةِ ضَرَبَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ، وحَمْزَةُ إذْ بِدُونِ ألِفِ أدْبَرَ بِزِنَةِ أكْرَمَ ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ الزَّمانِ، ودَبَرَ وأدْبَرَ لُغَتانِ، كَما يُقالُ أقْبَلَ الزَّمانُ وقَبَلَ الزَّمانُ، يُقالُ دَبَرَ اللَّيْلُ وأدْبَرَ: إذا تَوَلّى ذاهِبًا.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ وتَبَيَّنَ.
﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ هَذا جَوابُ القِسْمِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى سَقَرَ: أيْ إنَّ سَقَرَ لَإحْدى الدَّواهِي أوِ البَلايا، والكُبَرُ، والكِبَرُ جَمْعُ كُبْرى، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الكُبَرَ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ، وقِيلَ: إنَّها: أيْ تَكْذِيبُهم لِمُحَمَّدٍ لَإحْدى الكُبَرُ، وقِيلَ إنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا ابْنَ المُعَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرْ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَإحْدى﴾ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ " إنَّها حِدى " بِدُونِ هَمْزَةٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالكُبَرِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ وأبْوابَها.
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ انْتِصابُ نَذِيرًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في إنَّها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
ورُوِيَ عَنْهُ وعَنِ الكِسائِيِّ، وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ أيْ قُمْ يا مُحَمَّدُ فَأنْذِرْ حالَ كَوْنِكَ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.
وقِيلَ إنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ لِ إحْدى لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ أعْظَمُ الكِبَرِ إنْذارًا، وقِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِأنْذَرَ المَذْكُورُ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ( أعْنِي )، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( ادْعُ )، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ نادِ أوْ بَلِّغْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّها لِإحْدى الكُبَرُ لِأجْلِ إنْذارِ البَشَرِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نَذِيرٌ، أوْ هو نَذِيرٌ.
وقَدِ اخْتَلَفَ في النَّذِيرِ، فَقالَ الحَسَنُ: هي النّارُ، وقِيلَ: (p-١٥٥٥)مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقالَ أبُو رَزِينٍ: المَعْنى أنا نَذِيرٌ لَكم مِنها، وقِيلَ القُرْآنُ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لِلْبَشَرِ: أيْ نَذِيرًا لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ إلى الطّاعَةِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها، والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ مِن آمَنَ وكَفَرَ، وقِيلَ فاعِلُ المَشِيئَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ لِمَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنكم بِالإيمانِ أوْ يَتَأخَّرَ بِالكُفْرِ والأوَّلُ أوْلى.
وقالَ السُّدِّيُّ: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها أوْ يَتَأخَّرَ إلى الجَنَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا سَمِعَ أبُو جَهْلٍ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم، أسْمَعُ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُّهْمُ، أفَيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قالَ أبُو الأشَدِّ: خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أنا أكْفِيكم مُؤْنَتَهم، قالَ: و«حُدِّثْتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وصَفَ خُزّانَ جَهَنَّمَ فَقالَ: كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ، وكَأنَّ أفْواهَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم، لَهم مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يُقْبِلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم، عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٍ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهم عَنْ لَيْلَةِ أُسَرِيَ بِهِ قالَ: فَصَعِدْتُ أنا وجِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا أنا بِمَلَكٍ يُقالُ لَهُ إسْماعِيلُ وهو صاحِبُ سَماءِ الدُّنْيا وبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْدُهُ مِائَةُ ألْفٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أُصْبُعٍ إلّا عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ» .
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، ويُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إذْ أدْبَرَ﴾ قالَ: دُبُورُ ظَلامِهِ.
وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ فَسَكَتَ عَنِّي حَتّى إذا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ وسَمِعَ الأذانَ نادانِي يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ قالَ: مَن شاءَ اتَّبَعَ طاعَةَ اللَّهِ ومَن شاءَ تَأخَّرَ عَنْها.
المدثر 74:38
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:39
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:40
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:41
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:42
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:43
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:44
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:45
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:46
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:47
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:48
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:49
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:50
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:51
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:52
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:53
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:54
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:55
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
المدثر 74:56
قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها ومُرْتَهِنَةٌ بِهِ، إمّا خَلَّصَها وإمّا أوْبَقَها، والرَّهِينَةُ اسْمٌ بِمَعْنى الرَّهْنِ، كالشِّيمَةِ بِمَعْنى الشِّيَمِ، ولَيْسَتْ صِفَةً، ولَوْ كانَتْ صِفَةً لَقِيلَ " رَهِينٌ " لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِها غَيْرُ مَفْكُوكَةٍ.
﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ فَإنَّهم لا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ، بَلْ يَفُكُّونَ بِما أحْسَنُوا مِن أعْمالِهِمْ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقِيلَ هُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ أوْلادُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَنْ يَمِينِ آدَمَ، وقِيلَ أصْحابُ الحَقِّ، وقِيلَ هُمُ المُعْتَمِدُونَ عَلى الفَضْلِ دُونَ العَمَلِ، وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ لِخِدْمَتِهِ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ هو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ حالًا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَيَتَساءَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَسْألُونَ: أيْ يَسْألُونَ غَيْرَهم، نَحْوَ دَعِيَّتِهِ وتَداعِيَتِهِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ.
﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَتَساءَلُونَ: أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ أحْوالِ المُجْرِمِينَ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ " عَنْ " زائِدَةً: أيْ يَسْألُونَ المُجْرِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ يَتَساءَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، أوْ يَسْألُونَهم قائِلِينَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾، والجُمْلَةُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ما أدْخَلَكم في سَقَرَ، تَقُولُ سَلَكْتُ الخَيْطَ في كَذا: إذا دَخَّلْتَهُ فِيهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يَسْألُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ بِاسْمِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يا فُلانُ ما سَلَكَكَ في النّارِ.
وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَ المَلائِكَةَ عَنْ أقْرِبائِهِمْ، فَتَسْألُ المَلائِكَةُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ لَهم: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: في هَذا ما يُقَوِّي أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ هُمُ الوِلْدانُ، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الذُّنُوبَ.
﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ لِلَّهِ في الدُّنْيا.
﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ أيْ لَمْ نَتَصَدَّقْ عَلى المَساكِينِ، قِيلَ وهَذانَ مَحْمُولانِ عَلى الصَّلاةِ الواجِبَةِ والصَّدَقَةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لا تَعْذِيبَ عَلى غَيْرِ الواجِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرْعِيّاتِ.
﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ أيْ نُخالِطُ أهْلَ الباطِلِ في باطِلِهِمْ.
قالَ قَتادَةُ: كُلَّما غَوى غاوٍ غَوَيْنا مَعَهُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كُنّا نُكَذِّبُ مَعَ المُكَذِّبِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُهم كاذِبٌ مَجْنُونٌ ساحِرٌ شاعِرٌ.
﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ.
﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ وهو المَوْتُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ أيْ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ كَما تَنْفَعُ (p-١٥٥٦)الصّالِحِينَ.
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ التَّذْكِرَةُ التَّذْكِيرُ بِمَواعِظِ القُرْآنِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْها، وانْتِصابُ مَعْرَضَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ: أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلى التَّذْكِرَةِ الكُبْرى والمَوْعِظَةِ العُظْمى.
ثُمَّ شَبَّبَهم في نُفُورِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِالحُمُرِ فَقالَ: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُعْرِضِينِ عَلى التَّداخُلِ، ومَعْنى مُسْتَنْفِرَةٌ نافِرَةٌ، يُقالُ نَفَرَ واسْتَنْفَرَ، مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، والمُرادُ الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مُسْتَنْفِرَةٌ بِكَسْرِ الفاءِ: أيْ نافِرَةٌ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها: أيْ مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، واخْتارَ القِراءَةَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، وأبُو عُبَيْدٍ.
قالَ في الكَشّافِ: المُسْتَنْفِرَةُ الشَّدِيدَةُ النِّفارِ كَأنَّها تَطْلُبُ النِّفارِ مِن نُفُوسِها في جَمْعِها لَهُ، وحَمْلِها عَلَيْهِ.
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أيْ مِن رُماةٍ يَرْمُونَها، والقَسْوَرُ الرّامِي، وجَمْعُهُ قَسْوَرَةٌ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ هو الأسَدُ قالَهُ عَطاءٌ، والكَلْبِيُّ.
قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مِنَ القَسْرِ بِمَعْنى القَهْرِ؛ لِأنَّهُ يَقْهَرُ السِّباعَ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ أصْواتُ النّاسِ، وقِيلَ القَسْوَرَةُ بِلِسانِ العَرَبِ الأسَدُ وبِلِسانِ الحَبَشَةِ الرُّماةُ.
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: القَسْوَرَةُ أوَّلُ اللَّيْلِ أيْ: فَرَّتْ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أوْلى، وكُلُّ شَدِيدٍ عِنْدَ العَرَبِ فَهو قَسْوَرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا بِنْتُ كُونِي خَيْرَةً لِخَيْرِهِ أخْوالُها الحَيُّ وأهْلُ القَسْوَرَةْ
ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
؎إذا ما هَتَفْنا هَتْفَةً في نَدِيِّنا ∗∗∗ أتانا الرِّجالُ العابِدُونَ القَساوِرُ
ومِن إطْلاقِهِ عَلى الأسَدِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مُضْمَرٌ تَحْذَرُهُ الأبْطالُ ∗∗∗ كَأنَّهُ القَسْوَرُ الرَّهّالُ
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَكْتَفُونَ بِتِلْكَ التَّذْكِرَةِ بَلْ يُرِيدُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لِيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
والصُّحُفُ: الكُتُبُ واحِدَتُها صَحِيفَةٌ، والمُنَشَّرَةُ المَنشُورَةُ المَفْتُوحَةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قَرَأ الجُمْهُورُ مُنَشَّرَةً بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِضَمِّ الحاءِ مِن صُحُفٍ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِإسْكانِها.
ثُمَّ رَدَعَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ هَذِهِ المَقالَةِ وزَجَرَهم فَقالَ: ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ لِأنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ، وقِيلَ كَلّا بِمَعْنى حَقًّا.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ لَهم فَقالَ: ﴿كَلّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، أوْ حَقًّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُتَذَكَّرُ بِهِ ويُتَّعَظُ بِمَواعِظِهِ.
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّعِظَ بِهِ اتَّعَظَ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَذْكُرُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِالفَوْقِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى التَّخْفِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
قالَ مُقاتِلٌ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ لَهُمُ الهُدى ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّقِيَهُ المُتَّقُونَ بِتَرْكِ مَعاصِيهِ والعَمَلِ بِطاعاتِهِ ﴿وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ أيْ هو الحَقِيقُ بِأنْ يَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والحَقِيقُ بِأنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِنَ العُصاةِ فَيَغْفِرَ ذُنُوبَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قالَ: مَأْخُوذَةٌ بِعَمَلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هُمُ المُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ قالَ: هم أطْفالُ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ قالَ: المَوْتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هُمُ الرُّماةُ رِجالُ القِسِيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَسْوَرَةُ: الرِّجالُ الرُّماةُ القُنَّصُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: القَسْوَرَةُ: الأسَدُ ؟ فَقالَ: ما أعْلَمُهُ بِلُغَةِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ الأسَدُ هم عُصْبَةُ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مِن قَسْوَرَةٍ﴾ قالَ: هو رَكْزُ النّاسِ: يَعْنِي أصْواتَهَمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هو أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ فَقالَ: قالَ رَبُّكم أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إلَهٌ، فَمَنِ اتَّقانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلَهًا فَأنا أهْلٌ أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
القيامة 75:1
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:2
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:3
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:4
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:5
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:6
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:7
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:8
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .
القيامة 75:9
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القِيامَةِ - وفي لَفْظٍ: سُورَةُ لا أُقْسِمُ - بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لا أُقْسِمُ بِمَكَّةَ.
(p-١٥٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ " لا " زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مَعْنى ﴿لا أُقْسِمُ﴾: أُقْسِمُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ " لا " فَقالَ: بَعْضُهم: هي زائِدَةٌ، وزِيادَتُها جارِيَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يَعْنِي أنْ تَسْجُدَ، و﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
وقالَ بَعْضُهم: هي رَدٌّ لِكَلامِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ )، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ لا واللَّهِ، فَ " لا " رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقِيلَ هي لِلنَّفْيِ، لَكِنْ لا لِنَفْيِ الإقْسامِ، بَلْ لِنَفْيِ ما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن إعْظامِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ.
كَأنَّ مَعْنى " لا أُقْسِمُ بِكَذا ": لا أُعَظِّمُهُ بِإقْسامِي بِهِ حَقَّ إعْظامِهِ، فَإنَّهُ حَقِيقٌ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ " لَأُقْسِمُ " بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرّازِيُّ بِما لا يُقْدَحُ في قُوَّتِهِ ولا يُفَتُّ في عَضُدِ رُجْحانِهِ، وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْخِيمِهِ، ولِلَّهِ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ.
﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الكَلامُ في " لا " هَذِهِ كالكَلامِ في الأُولى، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.
قالَ الثَّعْلَبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، ومَعْنى النَّفْسُ اللَّوّامَةُ: النَّفْسُ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها عَلى تَقْصِيرِهِ، أوْ تَلُومُ جَمِيعَ النُّفُوسِ عَلى تَقْصِيرِها.
قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ نَفْسُ المُؤْمِنِ، لا يُرى المُؤْمِنَ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ ما أرَدْتُ بِكَذا ما أرَدْتُ بِكَذا، والفاجِرُ لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنَدَمُ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ تَعْمَلُهُ ؟ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرُ مِنهُ ؟ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا ازْدَدْتُ، وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وعَلى هَذا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَدْحِ لِلنَّفْسِ، فَيَكُونُ الإقْسامُ بِها حَسَنًا سائِغًا.
وقِيلَ اللَّوّامَةُ هي المَلُومَةُ المَذْمُومَةُ، فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، وبِهَذا احْتَجَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا، إذْ لَيْسَ لِنَفْسِ العاصِي خَطَرٌ يُقْسِمُ بِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هي نَفْسُ الكافِرِ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَتَحَسَّرُ في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، وقِيلَ الإنْسانُ الكافِرُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنَّ الشَّأْنَ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا، فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا، وذَلِكَ حُسْبانٌ باطِلٌ، فَإنّا نَجْمَعُها، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وبِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَيَجْمَعَنَّ العِظامَ لِلْبَعْثِ، فَهَذا جَوابُ القَسَمِ.
وقالَ النَّحّاسُ: جَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ: أيْ لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ جَمِيعَ أجْزاءِ الإنْسانِ، وإنَّما خَصَّ العِظامَ لِأنَّها قالَبُ الخَلْقِ.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ بَلى إيجابٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ المُنْسَحِبُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، والوَقْفُ عَلى هَذا اللَّفْظِ وقْفٌ حَسَنٌ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الكَلامَ بِقَوْلِهِ قادِرِينَ وانْتِصابُ قادِرِينَ عَلى الحالِ أيْ: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ، فالحالُ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ المَعْنى: بَلى نَجْمَعُها نُقَدِّرُ قادِرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ نَقْدِرُ، ونَقْوى قادِرِينَ عَلى أكْثَرِ مِن ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَصْلُحُ نَصْبُهُ عَلى التَّكْرِيرِ: أيْ بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلى كُنّا قادِرِينَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " بَلى قادِرُونَ " عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ بَلى نَحْنُ قادِرُونَ، ومَعْنى ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ عَلى أنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فَنَرُدَّها كَما كانَتْ مَعَ لَطافَتِها وصِغَرِها، فَكَيْفَ بِكِبارِ الأعْضاءِ ؟ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالبَنانِ، وهي الأصابِعُ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ، وأنَّ الِاقْتِدارَ عَلى بَعْثِها وإرْجاعِها كَما كانَتْ أوْلى في القُدْرَةِ مِن إرْجاعِ الأصابِعِ الصَّغِيرَةِ اللَّطِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَفاصِلِ والأظافِرِ والعُرُوقِ اللِّطافِ والعِظامِ الدِّقاقِ، فَهَذا وجْهُ تَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ، وبِهَذا قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ صَفِيحَةً واحِدَةً لا شُقُوقَ فِيها، فَلا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِها في الأعْمالِ اللَّطِيفَةِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ ونَحْوِهِما، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابِعَهُ لِيَنْتَفِعَ بِها.
وقِيلَ المَعْنى: بَلْ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُعِيدَ الإنْسانَ في هَيْئَةِ البَهائِمِ، فَكَيْفَ في صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما ∗∗∗ وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدَوانِ
فَنَبَّهَ بِالبَنانِ عَلى بَقِيَّةِ الأعْضاءِ.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ مِثْلُهُ وأضْرَبَ عَنِ التَّوْبِيخِ بِذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِهَذا، أوْ عَلى أنَّهُ إيجابٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والمَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُقَدِّمَ فَجَوْرَهُ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ، وما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، فَيُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُرِيدُ أنْ يَفْجُرَ ما امْتَدَّ عُمْرُهُ، ولَيْسَ في نِيَّتِهِ أنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَنْبٍ (p-١٥٥٨)يَرْتَكِبُهُ.
قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ولا يَتُوبُ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وهو عَلى أشَرِّ أحْوالِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: هو الأمَلُ، يَقُولُ سَوْفَ أعِيشُ وأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيا، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، والفُجُورُ: أصْلُهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، فَيُصَدِّقُ عَلى كُلِّ مَن مالَ عَنِ الحَقِّ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ
؎ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ ∗∗∗ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ
وجُمْلَةُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَعْنى يَفْجُرُ، والمَعْنى: يَسْألُ مَتى يَوْمُ القِيامَةِ سُؤالَ اسْتِبْعادٍ واسْتِهْزاءٍ.
﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ فَزِعَ وتَحَيَّرَ مَن بَرَقَ الرَّجُلُ: إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بَرِقَ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما: المَعْنى تَحَيَّرَ فَلَمْ يَطْرِفْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ
وقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ: بَرِقَ بِالكَسْرِ: فَزِعَ وبَهِتَ وتَحَيَّرَ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْإنْسانِ المَبْهُوتِ: قَدْ بَرِقَ فَهو بارِقٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ونَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أيْ لا تَفْزَعْ مِن كَثْرَةِ الكُلُومِ الَّتِي بِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ " بَرَقَ " بِفَتْحِ الرّاءِ: أيْ لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ لِلْمَوْتِ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقِيلَ بَرَقَ يَبْرَقُ شَقَّ عَيْنَيْهِ وفَتْحَهُما.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَتْحُ الرّاءِ وكَسْرُها لُغَتانِ بِمَعْنًى.
﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ خَسَفَ بِفَتْحِ الخاءِ والسِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْنى خَسَفَ القَمَرُ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ولا يَعُودُ كَما يَعُودُ إذا خَسَفَ في الدُّنْيا، ويُقالُ خَسَفَ: إذا ذَهَبَ جَمِيعُ ضَوْئِهِ، وكَسَفَ: إذا ذَهَبَ بَعْضُ ضَوْئِهِ.
﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُما جَمِيعًا، ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازِيٌّ. قالَهُ المُبَرِّدُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: حُمِلَ عَلى مَعْنى جَمْعِ النَّيِّرانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ جُمِعَتْ لِأنَّ المَعْنى بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، وقِيلَ: جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ الغَرْبِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ مُظْلِمَيْنِ.
قالَ عَطاءٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيُكَوِّنانِ نارَ اللَّهِ الكُبْرى.
وقِيلَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ والقَمَرُ فَلا يَكُونُ هُناكَ تَعاقُبُ لَيْلٍ ونَهارٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " وجُمِعَ بَيْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ " .
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيْ يَقُولُ عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ أيْنَ المَفَرُّ: أيِ الفِرارُ، والمَفَرُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِرارِ.
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أيْنَ المَفَرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحُ ∗∗∗ وكُلُّ كَبْشٍ فَرَّ مِنها يَفْتَضِحُ
قالَ الماوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أيْنَ المَفَرُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
والثّانِي أيْنَ المَفَرُّ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ مَصْدَرًا كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ: أيْ أيْنَ مَكانُ الفِرارِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ مَدَبٌّ ومِدَبٌّ ومَصَحٌّ ومِصَحٌّ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإنْسانُ الجَيِّدُ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مِكَرٌّ مِفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا كَجُلْمُودِ ∗∗∗ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
أيْ جَيِّدُ الفَرِّ والكَرِّ.
﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ أيْ لا جَبَلَ ولا حِصْنَ ولا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا مَحِيصَ ولا مَنَعَةَ.
والوَزَرُ في اللُّغَةِ: ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن حِصْنٍ، أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ولَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنا ∗∗∗ فاضِلُوا الرَّأْيِ وفي الرَّوْعِ وزَرْ
وقالَ آخَرُ:
؎لَعَمْرِي ما لِلْفَتى مِن وزَرْ ∗∗∗ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُ والكِبَرْ
قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا إذا فَزِعُوا في الدُّنْيا تَحَصَّنُوا بِالجِبالِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لا وزَرَ يَعْصِمُكم مِنِّي يَوْمَئِذٍ، و( كَلّا ) لِلرَّدْعِ، أوْ لِنَفْيِ ما قَبْلَها، أوْ بِمَعْنى حَقًّا.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ المَرْجِعُ والمُنْتَهى والمَصِيرُ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ إلَيْهِ الحُكْمُ بَيْنَ العِبادِ لا إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ المُسْتَقَرُّ: الِاسْتِقْرارُ حَيْثُ يُقِرُّهُ اللَّهُ.
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ أيْ يُخْبِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: بِما عَمِلَ مِن طاعَةٍ، وما أخَّرَ مِن طاعَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: هَذا الإنْباءُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرَ.
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ارْتِفاعُ ( بَصِيرَةٌ ) عَلى أنَّها خَبَرُ الإنْسانِ، ( عَلى نَفْسِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( بَصِيرَةٌ ) .
قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ هو البَصِيرَةُ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً ∗∗∗ بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنظَرٌ هو ناظِرٌ
فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلَيْهِ شاهِدَةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والقُتَيْبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الهاءَ في بَصِيرَةٍ هي الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُ الإعْرابِ هاءَ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلّامَةٌ.
وقِيلَ المُرادُ بِالبَصِيرَةِ الكاتِبانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِنهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتّاءُ عَلى هَذا لِلتَّأْنِيثِ.
وقالَ الحَسَنُ: أيْ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ.
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوِ اعْتَذَرَ وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.
يُقالُ مَعْذِرَةٌ ومَعاذِيرٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ وإنِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ: (p-١٥٥٩)السُّتُورُ، والواحِدُ مِعْذارٌ: أيْ وإنْ أرْخى السُّتُورَ يُرِيدُ أنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ فَنَفْسُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ مِعْذارٌ، كَذا قالَ المُبَرِّدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلٍ ساعَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وأطَّتْ يَوْمَها بِالمَعاذِرِ
والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم﴾ [غافر: ٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ المَرْءُ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ عاذِرُ
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ بِالقُرْآنِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ حِرْصًا عَلى أنْ يَحْفَظَهُ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلٍ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] الآيَةَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ حَتّى لا يَذْهَبَ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ وقُرْآنُهُ أيْ إثْباتُ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ والقُرْآنُ مَصْدَرانِ.
وقالَ قَتادَةُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: أيْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أيْ قِراءَتَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ تَفْسِيرَ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وبَيانَ ما أشْكَلَ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.
وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ.
﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ( كَلّا ) لِلرَّدْعِ عَنِ العَجَلَةِ والتَّرْغِيبِ في الأناةِ، وقِيلَ هي رَدْعٌ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ بَيِّنًا مِنَ الكُفّارِ.
قالَ عَطاءٌ: أيْ لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفِيُّونَ ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ وتَذَرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ الخِطابُ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا إلى الإنْسانِ لِأنَّهُ بِمَعْنى النّاسِ، والمَعْنى: تُحِبُّونَ الدُّنْيا وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ، فَلا تَعْمَلُونَ لَها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ ناعِمَةٌ غَضَّةٌ حَسَنَةٌ، يُقالُ: شَجَرٌ ناضِرٌ ورَوْضٌ ناضِرٌ: أيْ حَسَنٌ ناعِمٌ، ونَضارَةُ العَيْشِ حُسْنُهُ وبَهْجَتُهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والمُفَسِّرُونَ: يَقُولُونَ مُضِيئَةٌ مُفَسَّرَةٌ مُشْرِقَةٌ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هَذا مِنَ النَّظَرِ: أيْ إلى خالِقِها ومالِكِ أمْرِها، ناظِرَةٌ: أيْ تَنْظُرُ إلَيْهِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ ما تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِن أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أئِمَّةِ الإسْلامِ وهُداةِ الأنامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ النَّظَرَ هُنا انْتِظارُ ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وقِيلَ لا يَصِحُّ هَذا إلّا عَنْ مُجاهِدٍ وحْدَهُ.
وإنَّ قَوْلَ القائِلِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ لَيْسَ إلّا رُؤْيَةَ عَيْنٍ، إذا أرادُوا الِانْتِظارَ قالُوا: نَظَرْتُهُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظُرانِيَ ساعَةً مِنَ ∗∗∗ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
فَإذا أرادُوا نَظَرَ العَيْنِ قالُوا: نَظَرْتُ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها والنُّجُومُ كَأنَّها ∗∗∗ مَصابِيحُ رُهْبانٍ تَشِبُّ لِفَعّالِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إنِّي إلَيْكِ لَمّا وعَدْتِ لَناظِرُ ∗∗∗ نَظَرَ الفَقِيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ
أيْ أنْظُرُ إلَيْكَ نَظَرَ ذُلٍّ كَما يَنْظُرُ الفَقِيرُ إلى الغَنِيِّ، وأشْعارُ العَرَبِ وكَلِماتُهم في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
و( وُجُوهٌ ) مُبْتَدَأٌ، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْصِيلٍ، و( ناضِرَةٌ ) صِفَةٌ لِوُجُوهٍ، و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِناضِرَةٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المَقامُ مَقامُ تَفْصِيلٍ لَكانَ وصْفُ النَّكِرَةِ بِقَوْلِهِ: ناضِرَةٌ مُسَوِّغًا لِلِابْتِداءِ بِها، ولَكِنْ مَقامُ التَّفْصِيلِ بِمَجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ كالِحَةٌ عابِسَةٌ كَئِيبَةٌ.
قالَ في الصِّحاحِ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ بُسُورًا: أيْ كَلَحَ.
قالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ: أيْ مُتَغَيِّرَةٌ، وقِيلَ مُصْفَرَّةٌ، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا وجُوهُ الكُفّارِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ الفاقِرَةُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ، يُقالُ فَقَرْتُهُ الفاقِرَةُ: أيْ كَسَرَتْ فَقارَ ظَهْرِهِ.
قالَ قَتادَةُ: الفاقِرَةُ الشَّرُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: الهَلاكُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النّارِ.
وأصِلُ الفاقِرَةِ: الوَشْمُ عَلى أنْفِ البَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أوْ نارٍ حَتّى تَخْلُصَ إلى العَظْمِ، كَذا قالَ الأصْمَعِيُّ، ومِن هَذا قَوْلُهم: قَدْ عَمِلَ بِهِ الفاقِرَةَ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎أبا لِي قَبْرٌ لا يَزالُ مُقابِلِي ∗∗∗ وضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فاقِرَهْ
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، قُلْتُ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ قالَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ، قُلْتُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لِجَعَلَهُ خُفًّا أوْ حافِرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ اللَّوّامَةُ قالَ: المَذْمُومَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الَّتِي تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ تَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ وتَلُومُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ قالَ: يَمْضِي قُدُمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو الكافِرُ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالحِسابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي الأمَلَ يَقُولُ: أعْمَلُ ثُمَّ أتُوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الأمَلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ (p-١٥٦٠)والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ يَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ قالَ: يَقُولُ مَتى يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ فَبَيَّنَ لَهُ إذا بَرِقَ البَصَرُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ إذا بَرِقَ البَصَرُ يَعْنِي المَوْتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَقُولُهُ: ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ: لا حِصْنَ ولا مَلْجَأ، وفي لَفْظٍ: لا حِرْزَ، وفي لَفْظٍ: لا جَبَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قالَ: بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ، وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ عَمِلَ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ فَيُنَبَّأُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ وحْدَهُ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوِ اعْتَذَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ: سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ وجَوارِحِهِ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ قالَ: ولَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ قالَ: يَقُولُ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ يَقُولُ: إذا أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاسْتَمَعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، وفي لَفْظٍ: عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ - وفي لَفْظٍ: اسْتَمِعْ - فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ: بَيَّنّاهُ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ قالَ: عُجِّلَتْ لَهُمُ الدُّنْيا شَرُّها وخَيْرُها وغُيِّبَتِ الآخِرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: ناعِمَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والآجُرِّيُّ في الشَّرِيعَةِ واللَّكائِيُّ في السُّنَّةِ والبَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ عَنْهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي حُسْنَها ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: نَظَرَتْ إلى الخالِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ تَنْظُرُ إلى وجْهِ رَبِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ قالَ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حَدٍّ مَحْدُودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلُومَةً» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: هَلْ تُضارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَهَلْ تُضارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحادِيثَ الرُّؤْيَةِ مُتَواتِرَةٌ فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، وهي تَأْتِي في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ مَن نَفاها واسْتَبْعَدَها بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ لا مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «إنَّ أفْضَلَهم مَنزِلَةً لَيَنْظُرُ في وجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا، قالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ، وتَرَوْنَ القَمَرَ في لَيْلَةٍ لا غَيْمَ فِيها ؟ قُلْنا نَعَمْ، قالَ: فَإنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إنَّ أحَدَكم لِيُحاضِرُ رَبَّهُ مُحاضَرَةً، فَيَقُولُ: عَبْدِي هَلْ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا وكَذا ؟ فَيَقُولُ: ألَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ: بِمَغْفِرَتِي صِرْتَ إلى هَذا» .