Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الغاشية 88:23 – الفجر 89:8
المحتويات
الغاشية 88:23
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الغاشية 88:24
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الغاشية 88:25
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الغاشية 88:26
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الفجر 89:1
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الفجر 89:2
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الفجر 89:3
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الفجر 89:4
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الفجر 89:5
وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يُقْرِآنَنا القُرْآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ، وبِلالٌ، وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ» فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُورَةٍ مِثْلِها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .
أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، و﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، وإنْ وافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَرَأهُما جَمِيعًا» وفي لَفْظٍ ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والَبْيَهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأوْلى بِسَبِّحِ، وفي الثّانِيَةِ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّالِثَةِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» [ أيْ سُورَةِ اللَّيْلِ ] .
(p-١٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾: أيْ عَظِّمْهُ، قِيلَ والِاسْمُ هُنا مُقْحَمٌ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ
والمَعْنى: سَبِّحِ رَبَّكَ الأعْلى.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، فَلا تَكُونُ عَلى هَذا مُقْحَمَةً.
وقِيلَ المَعْنى: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ مُعَظِّمٌ، ولِذِكْرِهِ مُحْتَرَمٌ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى: صَلِّ لَهُ.
وقِيلَ المَعْنى: صَلِّ بِأسْماءِ اللَّهِ لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
وقِيلَ المَعْنى: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا
والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ، وقِيلَ لِلِاسْمِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، ومَعْنى سَوّى: عَدَلَ قامَتَهُ.
قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَهُ فَسَوّى خَلْقَهُ، وقِيلَ خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ، وقِيلَ خَلَقَ الإنْسانَ وهَيَّأهُ لِلتَّكْلِيفِ.
والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والكِسائِيُّ، والسُّلَمِيُّ " قَدَرَ " مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الدَّوابِّ فَهَدى الذَّكَرَ لِلْأُنْثى كَيْفَ يَأْتِيها.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الإنْسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرَ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، وهَدى الأنْعامَ لِمَراعِيها.
وقِيلَ قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعايِشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
وقالَ عَطاءٌ: جُعِلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها لَهُ.
وقِيلَ خَلَقَ المَنافِعَ في الأشْياءِ، وهَدى الإنْسانَ لِوَجْهِ اسْتِخْراجِها مِنها.
وقالَ السُّدِّيُّ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأقَلَّ وأكْثَرَ، ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ فاكْتُفِيَ بِأحَدِهِما، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِ فَرْدٍ أوْ أفْرادٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَدَّرَ وهَدى إلّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ يُحْمَلُ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ، إمّا عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الشُّمُولِ، والمَعْنى: قَدَّرَ أجْناسَ الأشْياءِ وأنْواعَها وصِفاتِها وأفْعالَها وأقْوالَها وآجالَها، فَهَدى كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ، وألْهَمَهُ إلى أُمُورِ دِينِهِ ودُنْياهُ.
والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّبِّ: أيْ أنْبَتَ العُشْبَ وما تَرْعاهُ النَّعَمُ مِنَ النَّباتِ الأخْضَرِ.
فَجَعَلَهُ غُثاءً أحَوى أيْ فَجَعَلَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ غُثاءً: أيْ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ السَّيْلِ أحَوى: أيِ أسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرارِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلَأ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ.
قالَ قَتادَةُ: الغُثاءُ الشَّيْءُ اليابِسُ، ويُقالُ لِلْبَقْلِ والحَشِيشِ إذا انْحَطَمَ ويَبِسَ: غُثاءٌ وهَشِيمٌ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وانْتِصابُ غُثاءٍ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي، أوْ عَلى الحالِ، وأوْحى صِفَةٌ لَهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو حالٌ مِنَ المَرْعى: أيْ أخْرَجَهُ أحَوى مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والرَّيِّ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ، والأحْوى مَأْخُوذٌ مِنَ الحُوَّةِ، وهي سَوادٌ يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والحُوَّةُ سَمُرَةُ الشَّفَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةُ لَعَسٍ ∗∗∗ وفي اللِّثاثِ وفي أنْيابِها شَنَبُ
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هِدايَتِهِ ﷺ الخاصَّةِ بِهِ بَعْدَ بَيانِ الهِدايَةِ العامَّةِ، وهي هِدايَتُهُ ﷺ لِحِفْظِ القُرْآنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، والكَلْبِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ لَمْ يَفْرَغْ جِبْرِيلُ مِن آخِرِ الآيَةِ حَتّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» .
وقَوْلُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ: أيْ لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو لَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ أنْ يَنْسى مُحَمَّدٌ ﷺ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] وقِيلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذَنْ قَدْ نَسِيَ ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ ولا يَنْسى شَيْئًا نِسْيانًا كُلِّيًّا.
وقِيلَ بِمَعْنى النَّسْخِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ تِلاوَتَهُ.
وقِيلَ مَعْنى فَلا تَنْسى: فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَهُ لِنَسْخِهِ ورَفْعِ حُكْمِهِ.
وقِيلَ المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ.
وقِيلَ " لا " في قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى لِلنَّهْيِ.
والألِفُ مَزِيدَةٌ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، كَما في قَوْلِهِ: فَأضَلُّونا السَّبِيلا [الأحزاب: ٦٧] يَعْنِي فَلا تَغْفُلْ قِراءَتَهُ وتَذَكَّرْهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَّنَ والإعْلانَ والإسْرارَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ ما حَفِظَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن صَدْرِهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ مِن أنَّ الجَهْرَ هو إعْلانُ الصَّدَقَةِ، وما يَخْفى هو إخْفاؤُها، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ أيْضًا ما قِيلَ إنَّ الجَهْرَ جَهْرُهُ ﷺ بِالقُرْآنِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ، وما يَخْفى: ما في نَفْسِهِ مِمّا يَدْعُوهُ إلى الجَهْرِ.
ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى مَعْطُوفٌ عَلى سَنُقْرِئُكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: أيْ نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنَّةِ، وقِيلَ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ، وقِيلَ لِلشَّرِيعَةِ اليُسْرى، وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ نُهَوِّنُ (p-١٦١٢)عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْمَلَ بِهِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ: أيْ نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في الدِّينِ والدُّنْيا في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِما الَّتِي تَتَوَجَّهُ إلَيْكَ.
فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أيْ عِظْ يا مُحَمَّدُ النّاسَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ وأرْشِدْهم إلى سُبُلِ الخَيْرِ واهْدِهِمْ إلى شَرائِعِ الدِّينِ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وحُجَّةٌ عَلى الكافِرِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ، ولَمْ يَذْكُرِ الحالَةَ الثّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] الآيَةَ.
قالَ الجُرْجانِيُّ: التَّذْكِيرُ واجِبٌ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ، فالمَعْنى: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وقِيلَ: " إنْ " بِمَعْنى " ما " أيْ فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى؛ لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى قَدْ، وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى إذْ.
وما قالَهُ الواحِدِيُّ، والجُرْجانِيُّ أوْلى وقَدْ سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِهِ الفَرّاءُ، والنَّحّاسُ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أشْرَفِ الحالَيْنِ وهو وُجُودُ النَّفْعِ الَّذِي لِأجْلِهِ شُرِعَتِ الذِّكْرى، والمُعَلَّقُ بِإنْ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ عِنْدَ الخَوْفِ وعَدَمِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، فَهَذا الشَّرْطُ فِيهِ فَوائِدُ: مِنها ما تَقَدَّمَ، ومِنها البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرْشِدُهُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، وهو تَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّها لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى، أوْ يَكُونُ هَذا في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا الدُّعاءُ الأوَّلُ فَعامٌّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَن تَنْفَعُهُ الذِّكْرى ومَن لا تَنْفَعُهُ فَقالَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى أيْ سَيَتَّعِظُ بِوَعْظِكَ مَن يَخْشى اللَّهَ فَيَزْدادُ بِالتَّذْكِيرِ خَشْيَةً وصَلاحًا.
ويَتَجَنَّبُها الأشْقى أيْ ويَتَحَنَّبُ الذِّكْرى ويَبْعُدُ عَنْها الأشَقى مِنَ الكُفّارِ لِإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وانْهِماكِهِ في مَعاصِيهِ.
ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى أيِ العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، لِأنَّها أشَدُّ حَرًّا مِن غَيْرِها.
قالَ الحَسَنُ: النّارُ الكُبْرى نارُ جَهَنَّمَ.
والنّارُ الصُّغْرى نارُ الدُّنْيا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ.
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا أيْ لا يَمُوتُ فِيها فَيَسْتَرِيحُ مِمّا هو فِيهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَنْتَفِعُ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمٌ
و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ أفْظَعُ مِن صَلِيِّ النّارِ الكُبْرى.
قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى أيْ مَن تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ فَآمَنَ بِاللَّهِ ووَحَّدَهُ وعَمِلَ بِشَرائِعِهِ.
قالَ عَطاءٌ، والرَّبِيعُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا نامِيًا.
وقالَ قَتادَةُ: تَزَكّى بِعَمَلٍ صالِحٍ.
قالَ قَتادَةُ: وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في صَدَقَةِ الفِطْرِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ زَكاتِي بَيْنَ يَدَيْ صَلاتِي.
وأصْلُ الزَّكاةِ في اللُّغَةِ النَّماءُ.
وقِيلَ المُرادُ بِالآيَةِ زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها.
وقِيلَ المُرادُ بِها زَكاةُ الأعْمالِ لا زَكاةُ الأمْوالِ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ أنْ يُقالَ في الأمْوالِ " زَكّى " لا " تَزَكّى " .
وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى قِيلَ المَعْنى: ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالخَوْفِ فَعَبَدَهُ وصَلّى لَهُ، وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسانِهِ فَصَلّى: أيْ فَأقامَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ.
وقِيلَ ذَكَرَ مَوْقِفَهُ ومَعادَهُ فَعَبَدَهُ، وهو كالقَوْلِ الأوَّلِ.
وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِالتَّكْبِيرِ في أوَّلِ الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَنْعَقِدُ إلّا بِذِكْرِهِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُ أكْبَرُ. وقِيلَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طَرِيقِ المُصَلّى فَصَلّى، وقِيلَ هو أنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلاةٍ بَعْدَ زَكاةٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا صَلاةُ العِيدِ، كَما أنَّ المُرادَ بِالتَّزَكِّي في الآيَةِ الأُولى زَكاةُ الفِطْرِ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُفْرَضْ زَكاةُ الفِطْرِ وصَلاةُ العِيدِ إلّا بِالمَدِينَةِ.
بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هَذا إضْرابٌ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ: أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ الفانِيَةَ في الدُّنْيا.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ أُبَيٍّ " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ.
قِيلَ والمُرادُ بِالآيَةِ الكَفَرَةُ، والمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا بِها والِاطْمِئْنانُ إلَيْها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ المُرادُ بِها جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمُرادُ بِإيثارِها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ غالِبُ النّاسِ مِن تَأْثِيرِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ مَنافِعِها والِاهْتِمامِ بِها اهْتِمامًا زائِدًا عَلى اهْتِمامِهِ بِالطّاعاتِ.
والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ: أيْ والحالُ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ الَّتِي هي الجَنَّةُ أفْضَلُ وأدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مِن ذَهَبٍ يَبْقى، والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟ .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِن فَلاحِ مَن تَزَكّى وما بَعْدَهُ، وقِيلَ إنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ السُّورَةِ، ومَعْنى لَفي الصُّحُفِ الأُولى أيْ ثابِتٌ فِيها.
وقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولى.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " إنَّ هَذا " والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى.
وقالا: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى مِنَ الدُّنْيا.
وقالَ الحَسَنُ: تَتابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: قَدْ أفْلَحَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ بِضَمِّ الحاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِسُكُونِها فِيهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ إبْراهِيمَ بِالألِفِ بَعْدَ الرّاءِ وبِالياءِ بَعْدَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِحَذْفِهِما وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ أبُو مُوسى، وابْنُ الزُّبَيْرِ " إبْراهامَ " بِألِفَيْنِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-١٦١٣)﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم، فَلَمّا نَزَلَتْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى [ أيْ سُورَةُ الأعْلى ] قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم» ولا مَطْعَنَ في إسْنادِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى» .
قالَ أبُو داوُدَ: خُولِفَ فِيهِ وكِيعٌ، فَرَواهُ شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَهُ مَوْقُوفًا أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وفي لَفْظٍ لِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: إذا قَرَأْتَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى فَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهُ أتَزِيدُ في القُرْآنِ ؟ قالَ: لا، إنَّما أمَرَنا بِشَيْءٍ فَقُلْتُهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ في الجُمُعَةِ بِـ " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ " فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وهو في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ قالَ: هَشِيمًا أحْوى قالَ مُتَغَيِّرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَذْكِرُ القُرْآنَ مَخافَةَ أنْ يَنْسى، فَقِيلَ لَهُ قَدْ كَفَيْناكَ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُ: إلّا ما شِئْتُ أنا فَأُنْسِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَطَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها» .
قالَ البَزّارُ: لا يُرْوى عَنْ جابِرٍ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ قالَ: وحَّدَ اللَّهَ فَصَلّى قالَ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في الكُنى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾» .
وفِي لَفْظٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَكاةِ الفِطْرِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: هي زَكاةُ الفِطْرِ» وكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ جِدًّا، قالَ فِيهِ أبُو داوُدَ: هو رُكْنٌ مِن أرْكانِ الكَذِبِ، وقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِهِ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرَدْوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ثُمَّ يَقْسِمُ الفِطْرَةَ قَبْلَ أنْ يَغْدُوَ إلى المُصَلّى يَوْمَ الفِطْرِ» ولَيْسَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، بَلْ فِيهِما أنَّهُ ﷺ تَلا الآيَةَ. وقَوْلُهُ: هي زَكاةُ الفِطْرِ، يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّزَكِّي، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تَكُنْ في مَكَّةَ صَلاةُ عِيدٍ ولا فِطْرَةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى العِيدِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: خَرَجَ إلى العِيدِ وصَلّى. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ صَلاةِ العِيدِ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ لِلْفِطْرِ قالَ: لَمْ أسْمَعْ بِذَلِكَ، ولَكِنْ لِلزَّكاةِ كُلِّها. ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ لِي: والصَّدَقاتُ كُلُّها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ تَرَكَ القِراءَةَ، وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَسَكَتَ القَوْمُ، فَقالَ: آثَرْنا الدُّنْيا لِأنّا رَأيْنا زِينَتَها ونِساءَها وطَعامَها وشَرابَها، وزُوِيَتْ عَنّا الآخِرَةُ فاخْتَرْنا هَذا العاجِلَ وتَرَكْنا الآجِلَ، وقالَ: ( بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في «قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي كُلُّها في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، وفي لَفْظِ: هَذِهِ السُّورَةِ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ قالَ: مِائَةُ كِتابٍ وأرْبَعَةُ كُتُبٍ» الحَدِيثَ.
* *
(p-١٦١٤)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الغاشِيَةِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، والغاشِيَةَ في صَلاةِ العِيدِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: " هَلْ " هُنا بِمَعْنى قَدْ، وبِهِ قالَ قُطْرُبٌ: أيْ قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ، وهي القِيامَةُ لِأنَّها تَغْشى الخَلائِقَ بِأهْوالِها.
وقِيلَ إنَّ بَقاءَ " هَلْ " هُنا عَلى مَعْناها الِاسْتِفْهامِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ مِمّا في خَبَرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى اسْتِماعِهِ أوْلى.
وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالغاشِيَةِ هُنا القِيامَةُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الغاشِيَةُ النّارُ تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقِيلَ الغاشِيَةُ أهْلُ النّارِ لِأنَّهم يَغْشُونَها ويَقْتَحِمُونَها. والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى إنْ لَمْ يَكُنْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ فَقَدْ أتاكَ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هو ؟ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنٍ، ثُمَّ وُجُوهٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَّصِفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ووُجُوهٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ القِيامَةِ، وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
والتَّنْوِينُ في يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ يَوْمَ غَشَيانِ الغاشِيَةِ، والخاشِعَةُ: الذَّلِيلَةُ الخاضِعَةُ، وكُلُّ مُتَضائِلٍ ساكِنٍ يُقالُ لَهُ خاشِعٌ، يُقالُ خَشَعَ الصَّوْتُ: إذا خَفِيَ، وخَشَعَ في صِلاتِهِ: إذا تَذَلَّلَ ونَكَّسَ رَأْسَهُ.
والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الكُفّارَ لِأنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ في النّارِ، وقِيلَ أرادَ وُجُوهَ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى الخُصُوصِ.
والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ مَعْنى عامِلَةٍ أنَّها تَعْمَلُ عَمَلًا شاقًّا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا دَأبَ في سَيْرِهِ: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا، ويُقالُ لِلسَّحابِ إذا دامَ بَرْقُةُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا.
قِيلَ وهَذا العَمَلُ هو جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ ناصِبَةٌ أيْ تَعِبَةٌ، يُقالُ نَصِبَ بِالكَسْرِ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمَعْنى: أنَّها في الآخِرَةِ تَعِبَةٌ لِما تُلاقِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: عامِلَةٌ في الدُّنْيا إذْ لا عَمَلَ في الآخِرَةِ: أيْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وتَنْصَبُ في ذَلِكَ.
وقِيلَ إنَّها عامِلَةٌ في الدُّنْيا ناصِبَةٌ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ قَتادَةُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تَكَبَّرَتْ في الدُّنْيا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فَأعْمَلَها اللَّهُ، وأنْصَبَها في النّارِ بِجَرِّ السَّلاسِلِ الثِّقالِ وحَمْلِ الأغْلالِ والوُقُوفِ حُفاةً عُراةً في العَرَصاتِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ في الدُّنْيا ولَمْ تَنْصَبْ فَأعْمَلَها وأنْصَبَها في جَهَنَّمَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: يُجَرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ.
وقالَ أيْضًا: يُكَلَّفُونَ ارْتِقاءَ جَبَلٍ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، فَيَنْصَبُونَ فِيها أشَدَّ ما يَكُونُ مِنَ النَّصَبِ بِمُعالَجَةِ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضِ في النّارِ كَما تَخُوضُ الإبِلُ في الوَحْلِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وهُما خَبَرانِ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ وعِيسى وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِنَصْبِهِما عَلى الحالِ أوْ عَلى الذَّمِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
أيْ تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، يُقالُ حَمِيَ النَّهارُ وحَمِيَ التَّنُّورُ: أيِ اشْتَدَّ حَرُّهُما.
قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ اشْتَدَّ حَمْيُ النَّهارِ وحَمْوُهُ بِمَعْنًى.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنَيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوُجُوهِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ، والمُرادُ أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ، وهَكَذا الضَّمِيرُ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والمُرادُ بِالعَيْنِ الآنِيَةِ: المُتَناهِيَةُ في الحَرِّ، والآنِيُّ: الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، مِنَ الإيناءِ بِمَعْنى التَّأخُّرِ، يُقالُ آناهُ يُؤْنِيهَ إيناءً: أيْ أخَّرَهُ وحَبَسَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ لَوْ وقَعَتْ مِنها نُطْفَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَذابَتْ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شَرابَهم عَقَّبَهُ بِذِكْرِ طَعامِهِمْ فَقالَ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ هو نَوْعٌ مِنَ الشَّوْكِ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ في لِسانِ قُرَيْشٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ فَهو الضَّرِيعُ.
كَذا قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قِيلَ وهو سُمٌّ قاتِلٌ، وإذا يَبِسَ لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ ولا تَرْعاهُ، وقِيلَ هو شَيْءٌ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ يُسَمّى الضَّرِيعَ مِن أقْواتِ الأنْعامِ، لا مِن أقْواتِ النّاسِ، فَإذا رَعَتْ مِنهُ الإبِلُ لَمْ تَشْبَعْ وهَلَكَتْ هُزالًا.
قالَ الخَلِيلُ: الضَّرِيعُ نَباتٌ أخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ البَحْرُ.
وجُمْهُورُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ قالُوا بِالأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-١٦١٥)
؎رَعى الشِّبْرَقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وعادَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ التَّحايُصُ
وقالَ الهُذَلِيُّ يَذْكُرُ إبِلًا وسُوءَ مَرْعاها:
؎وحَبْسٌ في هَرَمِ الضَّرِيعِ وكُلُّها ∗∗∗ قَرْناءُ دامِيَةُ اليَدَيْنِ جَرُودُ
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الضَّرِيعُ: الحِجارَةُ، وقِيلَ هو شَجَرَةٌ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقالَ الحَسَنُ: وهو بَعْضُ ما أخَفاهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِالخَلاصِ مِنهُ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ آكِلَهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يُعْفى عَنْهُ لِكَراهَتِهِ وخُشُونَتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: قَدْ يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنَ الضّارِعِ وهو الذَّلِيلُ: أيْ مِن شُرْبِهِ يَلْحَقُهُ ضَراعَةٌ وذِلَّةٌ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو الزَّقُّومُ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦، ٣٥] والغِسْلِينُ غَيْرُ الضَّرِيعِ كَما تَقَدَّمَ، وجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ، فَمِنهم مَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ، ومِنهم مَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ.
ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ الضَّرِيعَ فَقالَ: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ لا يُسْمِنُ الضَّرِيعُ آكِلَهُ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ما بِهِ مِنَ الجُوعِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ إبِلَنا تَسْمَنُ مِنَ الضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ وكَذَبُوا في قَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الإبِلَ لا تَأْكُلُ الضَّرِيعَ ولا تَقْرَبُهُ.
وقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّباتِ النّافِعِ.
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في بَيانِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن بَيانِ حالِ أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتُ نِعْمَةٍ وبَهْجَةٍ، وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ صارَتْ وُجُوهُهم ناعِمَةً لِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا راضِيَةٌ، لِأنَّها قَدْ أُعْطِيَتْ مِنَ الأجْرِ ما أرْضاها وقَرَّتْ بِهِ عُيُونُها، والمُرادُ بِالوُجُوهِ هُنا أصْحابُها كَما تَقَدَّمَ.
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ عالِيَةِ المَكانِ مُرْتَفِعَةٍ عَلى غَيْرِها مِنَ الأمْكِنَةِ، أوْ عالِيَةِ القَدْرِ لِأنَّ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لا تَسْمَعُ بِفَتْحٍ الفَوْقِيَّةِ ونَصْبِ لاغِيَةً: أيْ لا تَسْمَعُ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، أوْ لا تَسْمَعُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ لاغِيَةٍ.
وقَرَأ الفَضْلُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ لاغِيَةٍ، واللَّغْوُ الكَلامُ السّاقِطُ.
قالَ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةَ لَغْوٍ.
قِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ الكَذِبُ والبُهْتانُ والكُفْرُ. قالَهُ قَتادَةُ: وقالَ مُجاهِدٌ: أيَ الشَّتْمُ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا تَسْمَعُ فِيها حالِفًا يَحْلِفُ بِكَذِبٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَسْمَعُ في الجَنَّةِ حالِفًا بِيَمِينٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: لا تَسْمَعُ في كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ كَلِمَةً تُلْغى لِأنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحِكْمَةِ وحَمْدِ اللَّهَ تَعالى عَلى ما رَزَقَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا بِنَوْعٍ مِنَ اللَّغْوِ خاصٍّ إلّا بِمُخَصَّصٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، ولاغِيَةٌ إمّا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ، أوْ نَفْسٌ لاغِيَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ: أيْ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإنْسانِ أنَّ فِيها عُيُونًا، والعَيْنُ هُنا بِمَعْنى العُيُونِ كَما في قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ [التكوير: ١٤] ومَعْنى جارِيَةٍ أنَّها تَجْرِي مِياهُها وتَتَدَفَّقُ بِأنْواعِ الأشْرِبَةِ المُسْتَلَذَّةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: لا أدْرِي بِماءٍ أوْ بِغَيْرِهِ.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ عالِيَةٌ مُرْتَفِعَةُ السُّمْكِ، أوْ عالِيَةُ القَدْرِ.
﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْوابَ جَمْعُ كُوبٍ، وأنَّهُ القَدَحُ الَّذِي لا عُرْوَةَ لَهُ، ومَعْنى مَوْضُوعَةٌ: أنَّها مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَشْرَبُونَ مِنها.
﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النَّمارِقُ: الوَسائِدُ.
قالَ الواحِدِيُّ: في قَوْلِ الجَمِيعِ، واحِدَتُها نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وزادَ الفَرّاءُ سَماعًا عَنِ العَرَبِ نِمْرِقَةٌ بِكَسْرِها.
قالَ الكَلْبِيُّ: وسائِدُ مَصْفُوفَةٌ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَنُجْرِي الكَأْسَ بَيْنَ شَرُوبِنا ∗∗∗ وبَيْنَ أبِي قابُوسَ فَوْقَ النَّمارِقِ
وقالَ الآخَرُ:
؎كُهُولٌ وشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ونَمارِقِ
قالَ في الصِّحاحِ: النُّمْرُقُ والنِّمْرِقَةُ وِسادَةٌ صَغِيرَةٌ، وكَذَلِكَ النِّمْرِقَةُ بِالكَسْرِ لُغَةٌ حَكاها يَعْقُوبُ.
﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يَعْنِي البُسُطَ، واحِدُها زُرْبِيٌّ وزُرْبِيَّةٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ: الزَّرابِيُّ: الطَّنافِسُ الَّتِي لَها خَمْلٌ رَقِيقٌ، واحِدُها زَرْبِيَّةٌ، والمَبْثُوثَةُ: المَبْسُوطَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّها مُفَرَّقَةٌ في المَجالِسِ.
وبِهِ قالَ القُتَيْبِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى مَبْثُوثَةٍ كَثِيرَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى البَثِّ: التَّفَرُّقُ مَعَ كَثْرَةٍ، ومِنهُ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ [البقرة: ١٦٤] .
﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما في نَظائِرِهِ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، وكَذا ما بَعْدَها، وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ، والمَعْنى: أيُنْكِرُونَ أمْرَ البَعْثِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي غالِبُ مَواشِيهِمْ وأكْبَرُ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ البَدِيعِ مِن عِظَمِ جُثَّتِها ومَزِيدِ قُوَّتِها وبَدِيعِ أوْصافِها.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إنَّما خَصَّ الإبِلَ لِأنَّها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ تَبْرَكُ فَتُحْمَلُ عَلَيْها الحُمُولَةُ، وغَيْرُها مِن ذَواتِ الأرْبَعِ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلّا وهو قائِمٌ: قالَ الزَّجّاجُ: نَبَّهَهم عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ ويُنِيخُهُ ويُنْهِضُهُ ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ وهو بارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثِقَلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ لَهُ الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبَةِ، فَقالَ: أمّا الفِيلُ فالعَرَبُ بَعِيدَةُ العَهْدِ بِهِ، ثُمَّ هو (p-١٦١٦)خِنْزِيرٌ لا يُرْكَبُ ظَهْرُهُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ولا يُحْلَبُ دَرُّهُ، والإبِلُ مِن أعَزِّ مالِ العَرَبِ وأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوى والقَتَّ وتُخْرِجُ اللَّبَنَ ويَأْخُذُ الصَّبِيُّ بِزِمامِها فَيَذْهَبُ بِها حَيْثُ شاءَ مَعَ عِظَمِها في نَفْسِها.
وقالَ المُبَرِّدُ: الإبِلُ هُنا هي القِطَعُ العَظِيمَةُ مِنَ السَّحابِ، وهو خِلافُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ خُلِقَتْ بِالتَّخْفِيفِ عَنى بِهِ البَعِيرَ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ عَنى بِهِ السَّحابَ.
﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ رُفِعَتْ فَوْقَ الأرْضِ بِلا عَمَدٍ عَلى وجْهٍ لا يَنالُهُ الفَهْمُ ولا يُدْرِكُهُ العَقْلُ، وقِيلَ رُفِعَتْ فَلا يَنالُها شَيْءٌ.
﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ عَلى الأرْضِ مُرْساةً راسِخَةً لا تَمِيدُ ولا تَمِيلُ ولا تَزُولُ.
﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ بُسِطَتْ، والسَّطْحُ بَسْطُ الشَّيْءِ، يُقالُ لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كانَ مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ سُطِحَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: " خَلَقْتُ ورَفَعْتُ ونَصَبْتُ وسَطَحْتُ " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وضَمِّ التّاءِ فِيها كُلِّها.
ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: فَذَكِّرْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها: أيْ فَعِظْهم يا مُحَمَّدُ وخَوِّفْهم ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّذْكِيرِ فَقالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ.
و﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ المُصَيْطِرُ والمُسَيْطِرُ بِالسِّينِ والصّادِ: المُسَلَّطُ عَلى الشَّيْءِ لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ ويَتَعَهَّدَ أحْوالَهُ كَذا في الصِّحاحِ أيْ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ حَتّى تُكْرِهَهم عَلى الإيمانِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِمُصَيْطِرٍ بِالصّادِ، وقَرَأ هِشامٌ وقُنْبُلٌ في رِوايَةٍ بِالسِّينِ.
وقَرَأ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا.
وقَرَأ هارُونُ الأعْوَرُ بِفَتْحِ الطّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن تَوَلّى عَنِ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ الدّائِمُ، وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ فَذَكِّرْ أيْ فَذَكِّرْ كُلَّ أحَدٍ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ عَنْ إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ الأكْبَرُ لِأنَّهم قَدْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجُوعِ والقَحْطِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ " ألا مَن تَوَلّى " عَلى أنَّها ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعَهم بَعْدَ المَوْتِ، يُقالُ آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ
قَرَأ الجُمْهُورُ إيابَهم بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ ولَوْ جازَ لَجازَ مِثْلُهُ في الصِّيامِ والقِيامِ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى.
قالَ الواحِدِيُّ: وأمّا إيابُهم بِتَشْدِيدِ الياءِ فَإنَّهُ شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يَعْنِي جَزاءَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ عَنْ مَنزِلَةِ الإيابِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الغاشِيَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قالَ: السّاعَةُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: تَعْمَلُ وتَنْصَبُ في النّارِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: هي الَّتِي قَدْ طالَ أيْنُها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى تَخْشَعُ ولا يَنْفَعُها عَمَلُها ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: قَدْ أنى غَلَيانُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ قالَ: حارَّةٌ، ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قالَ: انْتَهى حَرُّها ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ يَقُولُ: مِن شَجَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ قالَ: الشِّبْرِقُ اليابِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ يَقُولُ: لا تَسْمَعُ أذًى ولا باطِلًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قالَ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: مَجالِسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ونَمارِقُ﴾ قالَ: المَرافِقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ قالَ: جَبّارٌ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قالَ: حِسابُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْهُ أيْضًا ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ قالَ: مَرْجِعُهم.
الفجر 89:6
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ والفَجْرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً، فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ فَطَوَّلَ، فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا فَقالَ: مُنافِقٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أُصَلِّي فَطَوَّلَ عَلَيَّ، فانْصَرَفْتُ فَصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناضِحِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ والفَجْرِ، ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦١٧)أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَما أقْسَمَ بِغَيْرِها مِن مَخْلُوقاتِهِ.
واخْتُلِفَ في الفَجْرِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ هُنا، فَقِيلَ هو الوَقْتُ المَعْرُوفُ، وسُمِّيَ فَجْرًا لِأنَّهُ وقْتُ انْفِجارِ الظُّلْمَةِ عَنِ النَّهارِ مِن كُلِّ يَوْمٍ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ؛ لِأنَّ مِنهُ تَتَفَجَّرُ السَّنَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ.
لِأنَّ اللَّهَ قَرَنَ الأيّامَ بِهِ فَقالَ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ أيْ لَيالٍ عَشْرٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ.
وقِيلَ المَعْنى: وصَلاةُ الفَجْرِ أوْ رَبُّ الفَجْرِ.
والأوَّلُ أوْلى.
وجَوابُ هَذا القَسَمِ وما بَعْدَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ: أيْ لَيُجازِيَنَّ كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ، أوْ لَيُعَذِّبَنَّ، وقَدَّرَهُ أبُو حَيّانَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ خاتِمَةُ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهُ: أيْ والفَجْرِ إلَخْ لِإيابِهِمْ إلَيْنا وحِسابِهِمْ عَلَيْنا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وأضْعَفُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ وأنَّ " هَلْ " بِمَعْنى قَدْ؛ لِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ أبَدًا ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ إلى عاشِرِها يَوْمَ عاشُوراءَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيالٍ بِالتَّنْوِينِ، وعَشْرٍ صِفَةٌ لَها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ولَيالِي عَشْرٍ بِالإضافَةِ، قِيلَ والمُرادُ لَيالِي أيّامِ عَشْرٍ، وكانَ حَقُّهُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ عَشَرَةٌ؛ لِأنَّ المَعْدُودَ مُذَكَّرٌ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إذا حُذِفَ المَعْدُودُ جازَ الوَجْهانِ.
﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ الشَّفْعُ والوَتْرُ يَعُمّانِ كُلَّ الأشْياءِ شَفْعَها ووَتْرَها، وقِيلَ شَفْعُ اللَّيالِي ووَتْرُها.
وقالَ قَتادَةُ: الشَّفْعُ والوَتْرُ شَفْعُ الصَّلاةِ ووَتْرُها، مِنهُ شَفْعٌ ومِنها وتْرٌ.
وقِيلَ الشَّفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: الشَّفْعُ الخَلْقُ، والوَتْرُ اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو العالِيَةِ: هي صَلاةُ المَغْرِبِ فِيها رَكْعَتانِ والوَتْرُ الرَّكْعَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشَّفْعُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ والوَتْرُ أيّامُ مِنًى الثَّلاثَةُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ. وقِيلَ هُما آدَمُ وحَوّاءُ، لِأنَّ آدَمَ كانَ وتْرًا فَشُفِعَ بِحَوّاءَ.
وقِيلَ الشَّفْعُ دَرَجاتُ الجَنَّةِ وهي ثَمانٍ، والوَتْرُ دَرَكاتُ النّارِ وهي سَبْعٌ، وبِهِ قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
وقِيلَ الشَّفْعُ الصَّفا والمَرْوَةُ، والوَتْرُ الكَعْبَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّفْعُ الأيّامُ واللَّيالِي، والوَتْرُ اليَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ بَعْدَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الوَتْرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو الشَّفْعُ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ العَدَدُ كُلُّهُ؛ لِأنَّ العَدَدَ لا يَخْلُو عَنْهُما.
وقِيلَ الشَّفْعُ مَسْجِدُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، والوَتْرُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقِيلَ الشَّفْعُ حَجُّ القِرانِ، والوَتْرُ الإفْرادُ.
وقِيلَ الشَّفْعُ الحَيَوانُ لِأنَّهُ ذَكَرٌ وأُنْثى، والوَتْرُ الجَمادُ.
وقِيلَ الشَّفْعُ ما سُمِّيَ، والوَتْرُ ما لا يُسَمّى.
ولا يَخْفاكَ ما في غالِبِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ السُّقُوطِ البَيِّنِ والضَّعْفِ الظّاهِرِ، والِاتِّكالِ في التَّعْيِينِ عَلى مُجَرَّدِ الرَّأْيِ الزّائِفِ والخاطِرِ الخاطِئِ.
والَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ويَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الشَّفْعِ والوَتْرِ في كَلامِ العَرَبِ، وهُما مَعْرُوفانِ واضِحانِ، فالشَّفْعُ عِنْدَ العَرَبِ الزَّوْجُ، والوَتْرُ الفَرْدُ.
فالمُرادُ بِالآيَةِ إمّا نَفْسُ العَدَدِ أوْ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنَ المَعْدُوداتِ بِأنَّهُ شَفْعٌ أوْ وتْرٌ.
وإذا قامَ دَلِيلٌ عَلى تَعْيِينِ شَيْءٍ مِنَ المَعْدُوداتِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ نَفْسُهُ دُونَ غَيْرِهِ فَذاكَ، وإنْ كانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِمّا تَناوَلَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مانِعًا مِن تَناوُلِها لِغَيْرِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والوَتْرُ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ وهُما لُغَتانِ، والفَتْحُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، والكَسْرُ لُغَةُ تَمِيمٍ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: كُلُّ فَرْدِ وِتْرٌ، وأهْلُ الحِجازِ يَفْتَحُونَ فَيَقُولُونَ وتْرٌ في الفَرْدِ.
وحَكى يُونُسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لُغَةً ثالِثَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الرّاءِ إلى التّاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَسْرِ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِحَذْفِها في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الخَلِيلُ: تَسْقُطُ الياءُ مِنها مُوافَقَةً لِرُؤُوسِ الآيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والحَذْفُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها فاصِلَةٌ والفَواصِلُ تُحْذَفُ مِنها الياءاتُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَحْذِفُ العَرَبُ الياءَ وتَكْتَفِي بِكَسْرِ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ بَعْضُهم:
؎كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ دَمًا
ما تَلِيقُ: أيْ ما تُمْسِكُ.
قالَ المُؤَرِّجُ: سَألْتُ الأخْفَشَ عَنِ العِلَّةِ في إسْقاطِ الياءِ مِن " يَسْرِ " فَقالَ: لا أُجِيبُكَ حَتّى تَبِيتَ عَلى بابِ دارِي سَنَةً، فَبَتَّ عَلى بابِ دارِهِ سَنَةً فَقالَ: اللَّيْلُ لا يَسْرِي، وإنَّما يُسْرى فِيهِ، فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ، وكُلُّ ما صَرَفْتَهُ عَنْ جِهَتِهِ بَخَسْتَهُ مِن إعْرابِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] ولَمْ يَقُلْ بَغِيَّةً؛ لِأنَّهُ صَرَفَها مِن باغِيَةٍ.
وفِي كَلامِ الأخْفَشِ هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ صَرْفَ الشَّيْءِ عَنْ مَعْناهُ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ لا يَسْتَلْزِمُ صَرْفَ لَفْظِهِ عَنْ بَعْضِ ما يَسْتَحِقُّهُ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَلَزِمَ في كُلِّ المَجازاتِ العَقْلِيَّةِ واللَّفْظِيَّةِ، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، والأصْلُ هاهُنا إثْباتُ الياءِ، لِأنَّها لامُ الفِعْلِ المُضارِعِ المَرْفُوعِ، ولَمْ تُحْذَفْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِاتِّباعِ رَسْمِ المُصْحَفِ ومُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي. ومَعْنى ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] وقِيلَ مَعْنى يَسْرِ: يَسارٌ فِيهِ، كَما يُقالُ لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ في السُّرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ
وبِهَذا قالَ الأخْفَشُ، والقُتَيْبِيُّ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ المَعانِي، (p-١٦١٨)وبِالأوَّلِ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ أيْ جاءَ وأقْبَلَ.
قالَ النَّخَعِيُّ: أيِ اسْتَوى.
قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ خاصَّةً لِاخْتِصاصِها بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها لِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ لَيْلَةُ القَدْرِ لِسَرايَةِ الرَّحْمَةِ فِيها.
والرّاجِحُ عَدَمُ تَخْصِيصِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي دُونَ أُخْرى.
﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ تَعْظِيمِ ما أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهِ وتَفْخِيمِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكَ " إلى تِلْكَ الأُمُورِ، والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ أيْ: هَلْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمْنا بِها قَسَمٌ: أيْ مُقْسَمٌ بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ تُؤَكَّدَ بِهِ الأخْبارُ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ عَقْلٍ ولُبٍّ، فَمَن كانَ ذا عَقْلٍ ولُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسَمَ بِهِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] .
قالَ الحَسَنُ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ لِذِي حِلْمٍ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: لِذِي سِتْرٍ مِنَ النّاسِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: الحِجْرُ العَقْلُ.
قالَ الفَرّاءُ: الكُلُّ يَرْجِعُ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِذِي عَقْلٍ ولِذِي حِلْمٍ ولِذِي سِتْرٍ، الكُلُّ بِمَعْنى العَقْلِ.
وأصْلُ الحِجْرِ المَنعُ، يُقالُ لِمَن مَلَكَ نَفْسَهُ ومَنَعَها: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الحَجَرُ لِامْتِناعِهِ بِصَلابَتِهِ، ومِنهُ حَجَرَ الحاكِمُ عَلى فُلانٍ: أيْ مَنَعَهُ.
قالَ والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ: إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ ضابِطًا لَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ ما وقَعَ مِن عَذابِهِ عَلى بَعْضِ طَوائِفِ الكُفّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ تَحْذِيرًا لِلْكُفّارِ في عَصْرِ نَبِيِّنا ﷺ وتَخْوِيفًا لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ عادٍ عَلى أنْ يَكُونَ إرَمَ عَطْفَ بَيانٍ لِعادٍ، والمُرادُ بِعادٍ اسْمُ أبِيهِمْ، وإرَمُ اسْمُ القَبِيلَةِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وامْتِناعُ صَرْفِ إرَمَ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.
وقِيلَ المُرادُ بِعادٍ أوْلادُ عادٍ، وهم عادٌ الأُولى، ويُقالُ لِمَن بَعْدَهم عادٌ الأُخْرى، فَيَكُونُ ذِكْرُ إرَمَ عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ البَيانِ أوِ البَدَلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عادٌ الأُولى لا عادٌ الأُخْرى، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ: أيْ أهْلِ إرَمَ، أوْ سِبْطِ إرَمَ. فَإنَّ إرَمَ هو جَدُّ عادٍ، لِأنَّهُ عادُ بْنُ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ بِإضافَةِ عادٍ إلى إرَمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ إرَمَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ " أرَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والرّاءِ، وقَرَأ مُعاذٌ بِسُكُونِ الرّاءِ تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتِ العِمادِ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَن قَرَأ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ شَبَّهَهم بِالإرَمِ الَّتِي هي الأعْلامُ واحِدُها أرَمُ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ والفَجْرِ وكَذا وكَذا ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ ألَمْ تَرَ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى ما فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقَدْ كانَ أمْرُ عادٍ وثَمُودَ مَشْهُورًا عِنْدَ العَرَبِ؛ لِأنَّ دِيارَهم مُتَّصِلَةٌ بِدِيارِ العَرَبِ، وكانُوا يَسْمَعُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ أمْرَ فِرْعَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إرَمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، وقالَ قَتادَةُ: هي قَبِيلَةٌ مِن عادٍ، وقِيلَ هُما عادانِ، فالأُولى هي إرَمُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهم ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَهُ إرَمَ
قالَ مَعْمَرٌ: إرَمُ إلَيْهِ مُجْتَمَعُ عادٍ وثَمُودَ، وكانَ يُقالُ عادُ إرَمَ وعادُ ثَمُودَ، وكانَتِ القَبِيلَتانِ تُنْسَبُ إلى إرَمَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما عادانِ، فالأُولى إرَمُ.
ومَعْنى ﴿ذاتِ العِمادِ﴾: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ.
وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: إنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ سَيّارَةٍ في الرَّبِيعِ، فَإذا هاجَ النَّبْتُ رَجَعُوا إلى مَنازِلِهِمْ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي طُولَهم، كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا، ويُقالُ رَجُلٌ طَوِيلُ العِمادِ: أيِ القامَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ ذاتِ الطُّولِ، يُقالُ رَجْعٌ مُعَمَّدٌ: إذا كانَ طَوِيلًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: كانَ عِمادًا لِقَوْمِهِمْ، يُقالُ فُلانٌ عَمِيدُ القَوْمِ وعَمُودُهم: أيْ سَيِّدُهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي إحْكامَ البُنْيانِ بِالعَمْدِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والعِمادُ: الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
؎ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خَرَّتْ ∗∗∗ عَلى الإخْفاضِ نَمْنَعُ مَن يَلِينا
وقالَ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ: هي دِمَشْقُ، ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ، وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ لِعادٍ: أيْ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القَبِيلَةِ في الطُّولِ والشِّدَّةِ والقُوَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أوْ صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إرَمَ اسْمٌ لِقَرْيَتِهِمْ أوْ لِلْأرْضِ الَّتِي كانُوا فِيها.
والأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " الَّتِي لَمْ يُخْلَقُ مِثْلُهم في البِلادِ " وقِيلَ الإرَمُ الهَلاكُ.
قالَ الضَّحّاكُ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾: أيْ أهْلَكَهم فَجَعَلَهم رَمِيمًا، وبِهِ قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ اسْمُ مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ قُصُورُها ودُورُها وبَساتِينُها، وأنَّ حَصْباءَها جَواهِرُ وتُرابَها مِسْكٌ، ولَيْسَ بِها أنِيسٌ ولا فِيها ساكِنٌ مِن بَنِي آدَمَ، وأنَّها لا تَزالُ تَنْتَقِلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، فَتارَةً تَكُونُ بِاليَمَنِ، وتارَةً تَكُونُ بِالشّامِ، وتارَةً تَكُونُ بِالعِراقِ، وتارَةً تَكُونُ بِسائِرِ البِلادِ، وهَذا كَذِبٌ بَحْتٌ لا يَنْفُقُ عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمَيُّزٍ.
وزادَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قِلابَةَ في زَمانِ مُعاوِيَةَ دَخَلَ هَذِهِ المَدِينَةَ، وهَذا كَذِبٌ عَلى كَذِبٍ وافْتِراءٌ عَلى افْتِراءٍ، وقَدْ أُصِيبَ الإسْلامُ وأهْلُهُ بِداهِيَةٍ دَهْياءَ وفاقِرَةٍ عُظْمى ورَزِيَّةٍ كُبْرى مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الكَذّابِينَ الدَّجّالِينَ الَّذِينَ يَجْتَرِئُونَ عَلى الكَذِبِ، تارَةً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتارَةً عَلى الأنْبِياءِ، وتارَةً عَلى الصّالِحِينَ، وتارَةً عَلى رَبِّ العالَمِينَ، وتَضاعَفَ هَذا الشَّرُّ وزادَ كَثْرَةً بِتَصَدُّرِ جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم بِصَحِيحِ الرِّوايَةِ مِن ضَعِيفِها مِن مَوْضُوعِها لِلتَّصْنِيفِ والتَّفْسِيرِ لِلْكِتابِ العَزِيزِ، فَأدْخَلُوا هَذِهِ الخُرافاتِ المُخْتَلَقَةَ والأقاصِيصَ المَنحُولَةَ والأساطِيرَ المُفْتَعَلَةَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَحَرَّفُوا وغَيَّرُوا وبَدَّلُوا.
ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى (p-١٦١٩)بَعْضِ ما ذَكَرْنا فَلْيَنْظُرْ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ الفَوائِدَ المَجْمُوعَةَ في الأحادِيثِ المَوْضُوعَةِ.
ثُمَّ عَطَفَ سُبْحانَهُ القَبِيلَةَ الآخِرَةَ، وهي ثَمُودُ عَلى قَبِيلَةِ عادٍ فَقالَ: ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ومَعْنى ﴿جابُوا الصَّخْرَ﴾: قَطَعُوهُ، والجَوْبُ القَطْعُ، ومِنهُ جابَ البِلادَ: إذا قَطَعَها، ومِنهُ سُمِّيَ جَيْبُ القَمِيصِ لِأنَّهُ جَيْبٌ: أيْ قَطْعٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ ثَمُودُ، فَبَنَوْا مِنَ المَدائِنِ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ ويَنْقُبُونَها ويَجْعَلُونَ تِلْكَ الأنْقابَ بُيُوتًا يَسْكُنُونَ فِيها، وقَوْلُهُ: بِالوادِ مُتَعَلِّقٌ بِجابُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الصَّخْرِ، وهو وادِي القُرى.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمُودَ بِمَنعِ الصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، فَفِيهِ التَّأْنِيثُ والتَّعْرِيفُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِأبِيها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِالوادِ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها فِيهِما.
وقَرَأ قُنْبُلٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإثْباتِها في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.
﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ أيْ ذُو الجُنُودِ الَّذِينَ لَهم خِيامٌ كَثِيرَةٌ يَشُدُّونَها بِالأوْتادِ، أوْ جَعَلَ الجُنُودُ أنْفُسَهم أوْتادًا لِأنَّهم يَشُدُّونَ المَلِكَ كَما تَشُدُّ الأوْتادُ الخِيامَ، وقِيلَ كانَ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ النّاسَ بِها ويَشُدُّهم إلَيْها.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ ص.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ المَوْصُولُ صِفَةٌ لِعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ: أيْ طَغَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم في بِلادِهِمْ وتَمَرَّدَتْ وعَتَتْ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ بِالكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ والجَوْرِ عَلى عِبادِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هُمُ الَّذِينَ طَغَوْا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ أفْرَغَ عَلَيْهِمْ وألْقى عَلى تِلْكَ الطَّوائِفِ سَوْطَ عَذابٍ، وهو ما عَذَّبَهم بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ، يُقالُ: صَبَّ عَلى فُلانٍ خُلْعَةً: أيْ ألْقاها عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎فَصَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أحْسَنَ صِبْغَةً ∗∗∗ وكانَ لَهُ بَيْنَ البَرِيَّةِ ناصِرُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ دِينَهُ ∗∗∗ وصَبَّ عَلى الكُفّارِ سَوْطَ عَذابِ
ومَعْنى ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾: نَصِيبَ عَذابٍ، وذِكْرُ السَّوْطِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ هو بِالنِّسْبَةِ إلى ما أعَدَّهُ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ.
وقِيلَ ذِكْرُ السَّوْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِمْ، وكانَ السَّوْطُ عِنْدَهم هو نِهايَةَ ما يُعَذَّبُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ السَّوْطَ هو عَذابُهُمُ الَّذِي يُعَذَّبُونَ بِهِ، فَجَرى لِكُلِّ عَذابٍ إذا كانَ فِيهِ عِنْدَهم غايَةُ العَذابِ.
وقِيلَ مَعْناهُ: عَذابٌ يُخالِطُ اللَّحْمَ والدَّمَ، مِن قَوْلِهِمْ ساطَهُ يَسُوطُهُ سَوْطًا: أيْ خَلَطَهُ، فالسَّوْطُ خَلْطُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎لَكِنَّ خَلَّةً قَدْ سِيطَ مِن دَمِها ∗∗∗ فَجْعٌ ووَلَعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ
وقالَ الآخَرُ:
؎أحارِثُ إنّا لَوْ تُشاطُ دِماؤُنا ∗∗∗ تَزَيَّلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما
وقالَ آخَرُ:
؎فَسُطْها ذَمِيمَ الرَّأْيِ غَيْرَ مُوَفَّقٍ ∗∗∗ فَلَسْتَ عَلى تَسْوِيطِها بِمُعانِ
﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ إنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
والأوْلى أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وفِيها إرْشادٌ إلى أنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ ﷺ سَيُصِيبُهم ما أصابَ أُولَئِكَ الكُفّارَ، ومَعْنى بِالمِرْصادِ: أنَّهُ يَرْصُدُ عَمَلَ كُلِّ إنْسانٍ حَتّى يُجازِيَهُ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: أيْ عَلَيْهِ طَرِيقُ العِبادِ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ، والرَّصْدُ والمِرْصادُ: الطَّرِيقُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ بَراءَةَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبأ: ٢١] .
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ﴾ قالَ: فَجْرُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: يَعْنِي صَلاةَ الفَجْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: والفَجْرِ قالَ: هو المُحَرَّمُ فَجْرُ السَّنَةِ، وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ صَوْمِ شَهْرٍ مُحَرَّمٍ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالآيَةِ لا مُطابَقَةً ولا تَضَمُّنًا ولا التِزامًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «﴿والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ قالَ: إنَّ العَشْرَ عَشْرُ الأضْحى، والوَتْرَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والشَّفْعَ: يَوْمُ النَّحْرِ» .
وفِي لَفْظٍ: هي لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى ابْنِ عُمَرَ هو وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَدَعاهُمُ ابْنُ عُمَرَ إلى الغَداءِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: ألَيْسَ هَذِهِ اللَّيالِيَ العَشْرَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ما أشُكُّ، قالَ: بَلى فاشْكُكْ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ العَشْرِ أحادِيثُ، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها المُرادَةُ بِما في القُرْآنِ هُنا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ قالَ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ، فَقالَ: هي الصَّلاةُ بَعْضُها شَفْعٌ وبَعْضُها وتْرٌ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وهو الرّاوِي لَهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ عِصامٍ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِإسْقاطِ الرَّجُلِ المَجْهُولِ.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ بِالإسْنادِ الَّذِي فِيهِ الرَّجُلُ المَجْهُولُ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا (p-١٦٢٠)نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ قَتادَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وعِنْدِي أنَّ وقْفَهُ عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أشْبَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ: ولَمْ يَجْزِمِ ابْنُ جَرِيرٍ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الشَّفْعِ والوَتْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، فَهَذا يُقَوِّي ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ شَفْعٌ فَهو اثْنانِ، والوَتْرُ واحِدٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ فَقالَ: يَوْمانِ ولَيْلَةٌ، يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ لَيْلَةُ النَّحْرِ لَيْلَةُ جُمَعٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الشَّفْعُ اليَوْمانِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثّالِثُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ فَقالَ: الشَّفْعُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوَتْرُ اليَوْمُ الثّالِثُ.
وفِي لَفْظٍ: الوَتْرُ أوْسَطُ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ قالَ: إذا ذَهَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿والفَجْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا يَسْرِ﴾ قالَ: هَذا قَسَمٌ عَلى ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ قالَ: لِذِي حِجًى وعَقْلٍ ونُهًى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِعادٍ إرَمَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإرَمِ: الهالِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ أرُمَ بَنُو فُلانٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي: طُولُهم مِثْلُ العِمادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْتِي إلى الصَّخْرَةِ فَيَحْمِلُها عَلى كاهِلِهِ فَيُلْقِيها عَلى أيِّ حَيٍّ أرادَ فَيُهْلِكُهم» .
وفِي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لِأنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ صالِحٍ رَواهُ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ المِقْدامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ قالَ: خَرَقُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ قالَ: الأوْتادُ: الجُنُودُ الَّذِي يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الأوْتادِ﴾ قالَ: وتَّدَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ ثُمَّ جَعَلَ عَلى ظَهْرِها رَحًى عَظِيمَةً حَتّى ماتَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قالَ: يَسْمَعُ ويَرى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قالَ: مِن وراءِ الصِّراطِ جُسُورٌ: جِسْرٌ عَلَيْهِ الأمانَةُ، وجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّحِمُ، وجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ.
الفجر 89:7
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ والفَجْرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً، فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ فَطَوَّلَ، فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا فَقالَ: مُنافِقٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أُصَلِّي فَطَوَّلَ عَلَيَّ، فانْصَرَفْتُ فَصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناضِحِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ والفَجْرِ، ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦١٧)أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَما أقْسَمَ بِغَيْرِها مِن مَخْلُوقاتِهِ.
واخْتُلِفَ في الفَجْرِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ هُنا، فَقِيلَ هو الوَقْتُ المَعْرُوفُ، وسُمِّيَ فَجْرًا لِأنَّهُ وقْتُ انْفِجارِ الظُّلْمَةِ عَنِ النَّهارِ مِن كُلِّ يَوْمٍ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ؛ لِأنَّ مِنهُ تَتَفَجَّرُ السَّنَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ.
لِأنَّ اللَّهَ قَرَنَ الأيّامَ بِهِ فَقالَ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ أيْ لَيالٍ عَشْرٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ.
وقِيلَ المَعْنى: وصَلاةُ الفَجْرِ أوْ رَبُّ الفَجْرِ.
والأوَّلُ أوْلى.
وجَوابُ هَذا القَسَمِ وما بَعْدَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ: أيْ لَيُجازِيَنَّ كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ، أوْ لَيُعَذِّبَنَّ، وقَدَّرَهُ أبُو حَيّانَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ خاتِمَةُ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهُ: أيْ والفَجْرِ إلَخْ لِإيابِهِمْ إلَيْنا وحِسابِهِمْ عَلَيْنا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وأضْعَفُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ وأنَّ " هَلْ " بِمَعْنى قَدْ؛ لِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ أبَدًا ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ إلى عاشِرِها يَوْمَ عاشُوراءَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيالٍ بِالتَّنْوِينِ، وعَشْرٍ صِفَةٌ لَها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ولَيالِي عَشْرٍ بِالإضافَةِ، قِيلَ والمُرادُ لَيالِي أيّامِ عَشْرٍ، وكانَ حَقُّهُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ عَشَرَةٌ؛ لِأنَّ المَعْدُودَ مُذَكَّرٌ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إذا حُذِفَ المَعْدُودُ جازَ الوَجْهانِ.
﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ الشَّفْعُ والوَتْرُ يَعُمّانِ كُلَّ الأشْياءِ شَفْعَها ووَتْرَها، وقِيلَ شَفْعُ اللَّيالِي ووَتْرُها.
وقالَ قَتادَةُ: الشَّفْعُ والوَتْرُ شَفْعُ الصَّلاةِ ووَتْرُها، مِنهُ شَفْعٌ ومِنها وتْرٌ.
وقِيلَ الشَّفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: الشَّفْعُ الخَلْقُ، والوَتْرُ اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو العالِيَةِ: هي صَلاةُ المَغْرِبِ فِيها رَكْعَتانِ والوَتْرُ الرَّكْعَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشَّفْعُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ والوَتْرُ أيّامُ مِنًى الثَّلاثَةُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ. وقِيلَ هُما آدَمُ وحَوّاءُ، لِأنَّ آدَمَ كانَ وتْرًا فَشُفِعَ بِحَوّاءَ.
وقِيلَ الشَّفْعُ دَرَجاتُ الجَنَّةِ وهي ثَمانٍ، والوَتْرُ دَرَكاتُ النّارِ وهي سَبْعٌ، وبِهِ قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
وقِيلَ الشَّفْعُ الصَّفا والمَرْوَةُ، والوَتْرُ الكَعْبَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّفْعُ الأيّامُ واللَّيالِي، والوَتْرُ اليَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ بَعْدَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الوَتْرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو الشَّفْعُ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ العَدَدُ كُلُّهُ؛ لِأنَّ العَدَدَ لا يَخْلُو عَنْهُما.
وقِيلَ الشَّفْعُ مَسْجِدُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، والوَتْرُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقِيلَ الشَّفْعُ حَجُّ القِرانِ، والوَتْرُ الإفْرادُ.
وقِيلَ الشَّفْعُ الحَيَوانُ لِأنَّهُ ذَكَرٌ وأُنْثى، والوَتْرُ الجَمادُ.
وقِيلَ الشَّفْعُ ما سُمِّيَ، والوَتْرُ ما لا يُسَمّى.
ولا يَخْفاكَ ما في غالِبِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ السُّقُوطِ البَيِّنِ والضَّعْفِ الظّاهِرِ، والِاتِّكالِ في التَّعْيِينِ عَلى مُجَرَّدِ الرَّأْيِ الزّائِفِ والخاطِرِ الخاطِئِ.
والَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ويَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الشَّفْعِ والوَتْرِ في كَلامِ العَرَبِ، وهُما مَعْرُوفانِ واضِحانِ، فالشَّفْعُ عِنْدَ العَرَبِ الزَّوْجُ، والوَتْرُ الفَرْدُ.
فالمُرادُ بِالآيَةِ إمّا نَفْسُ العَدَدِ أوْ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنَ المَعْدُوداتِ بِأنَّهُ شَفْعٌ أوْ وتْرٌ.
وإذا قامَ دَلِيلٌ عَلى تَعْيِينِ شَيْءٍ مِنَ المَعْدُوداتِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ نَفْسُهُ دُونَ غَيْرِهِ فَذاكَ، وإنْ كانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِمّا تَناوَلَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مانِعًا مِن تَناوُلِها لِغَيْرِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والوَتْرُ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ وهُما لُغَتانِ، والفَتْحُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، والكَسْرُ لُغَةُ تَمِيمٍ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: كُلُّ فَرْدِ وِتْرٌ، وأهْلُ الحِجازِ يَفْتَحُونَ فَيَقُولُونَ وتْرٌ في الفَرْدِ.
وحَكى يُونُسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لُغَةً ثالِثَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الرّاءِ إلى التّاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَسْرِ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِحَذْفِها في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الخَلِيلُ: تَسْقُطُ الياءُ مِنها مُوافَقَةً لِرُؤُوسِ الآيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والحَذْفُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها فاصِلَةٌ والفَواصِلُ تُحْذَفُ مِنها الياءاتُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَحْذِفُ العَرَبُ الياءَ وتَكْتَفِي بِكَسْرِ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ بَعْضُهم:
؎كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ دَمًا
ما تَلِيقُ: أيْ ما تُمْسِكُ.
قالَ المُؤَرِّجُ: سَألْتُ الأخْفَشَ عَنِ العِلَّةِ في إسْقاطِ الياءِ مِن " يَسْرِ " فَقالَ: لا أُجِيبُكَ حَتّى تَبِيتَ عَلى بابِ دارِي سَنَةً، فَبَتَّ عَلى بابِ دارِهِ سَنَةً فَقالَ: اللَّيْلُ لا يَسْرِي، وإنَّما يُسْرى فِيهِ، فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ، وكُلُّ ما صَرَفْتَهُ عَنْ جِهَتِهِ بَخَسْتَهُ مِن إعْرابِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] ولَمْ يَقُلْ بَغِيَّةً؛ لِأنَّهُ صَرَفَها مِن باغِيَةٍ.
وفِي كَلامِ الأخْفَشِ هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ صَرْفَ الشَّيْءِ عَنْ مَعْناهُ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ لا يَسْتَلْزِمُ صَرْفَ لَفْظِهِ عَنْ بَعْضِ ما يَسْتَحِقُّهُ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَلَزِمَ في كُلِّ المَجازاتِ العَقْلِيَّةِ واللَّفْظِيَّةِ، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، والأصْلُ هاهُنا إثْباتُ الياءِ، لِأنَّها لامُ الفِعْلِ المُضارِعِ المَرْفُوعِ، ولَمْ تُحْذَفْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِاتِّباعِ رَسْمِ المُصْحَفِ ومُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي. ومَعْنى ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] وقِيلَ مَعْنى يَسْرِ: يَسارٌ فِيهِ، كَما يُقالُ لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ في السُّرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ
وبِهَذا قالَ الأخْفَشُ، والقُتَيْبِيُّ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ المَعانِي، (p-١٦١٨)وبِالأوَّلِ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ أيْ جاءَ وأقْبَلَ.
قالَ النَّخَعِيُّ: أيِ اسْتَوى.
قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ خاصَّةً لِاخْتِصاصِها بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها لِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ لَيْلَةُ القَدْرِ لِسَرايَةِ الرَّحْمَةِ فِيها.
والرّاجِحُ عَدَمُ تَخْصِيصِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي دُونَ أُخْرى.
﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ تَعْظِيمِ ما أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهِ وتَفْخِيمِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكَ " إلى تِلْكَ الأُمُورِ، والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ أيْ: هَلْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمْنا بِها قَسَمٌ: أيْ مُقْسَمٌ بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ تُؤَكَّدَ بِهِ الأخْبارُ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ عَقْلٍ ولُبٍّ، فَمَن كانَ ذا عَقْلٍ ولُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسَمَ بِهِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] .
قالَ الحَسَنُ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ لِذِي حِلْمٍ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: لِذِي سِتْرٍ مِنَ النّاسِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: الحِجْرُ العَقْلُ.
قالَ الفَرّاءُ: الكُلُّ يَرْجِعُ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِذِي عَقْلٍ ولِذِي حِلْمٍ ولِذِي سِتْرٍ، الكُلُّ بِمَعْنى العَقْلِ.
وأصْلُ الحِجْرِ المَنعُ، يُقالُ لِمَن مَلَكَ نَفْسَهُ ومَنَعَها: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الحَجَرُ لِامْتِناعِهِ بِصَلابَتِهِ، ومِنهُ حَجَرَ الحاكِمُ عَلى فُلانٍ: أيْ مَنَعَهُ.
قالَ والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ: إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ ضابِطًا لَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ ما وقَعَ مِن عَذابِهِ عَلى بَعْضِ طَوائِفِ الكُفّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ تَحْذِيرًا لِلْكُفّارِ في عَصْرِ نَبِيِّنا ﷺ وتَخْوِيفًا لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ عادٍ عَلى أنْ يَكُونَ إرَمَ عَطْفَ بَيانٍ لِعادٍ، والمُرادُ بِعادٍ اسْمُ أبِيهِمْ، وإرَمُ اسْمُ القَبِيلَةِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وامْتِناعُ صَرْفِ إرَمَ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.
وقِيلَ المُرادُ بِعادٍ أوْلادُ عادٍ، وهم عادٌ الأُولى، ويُقالُ لِمَن بَعْدَهم عادٌ الأُخْرى، فَيَكُونُ ذِكْرُ إرَمَ عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ البَيانِ أوِ البَدَلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عادٌ الأُولى لا عادٌ الأُخْرى، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ: أيْ أهْلِ إرَمَ، أوْ سِبْطِ إرَمَ. فَإنَّ إرَمَ هو جَدُّ عادٍ، لِأنَّهُ عادُ بْنُ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ بِإضافَةِ عادٍ إلى إرَمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ إرَمَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ " أرَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والرّاءِ، وقَرَأ مُعاذٌ بِسُكُونِ الرّاءِ تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتِ العِمادِ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَن قَرَأ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ شَبَّهَهم بِالإرَمِ الَّتِي هي الأعْلامُ واحِدُها أرَمُ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ والفَجْرِ وكَذا وكَذا ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ ألَمْ تَرَ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى ما فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقَدْ كانَ أمْرُ عادٍ وثَمُودَ مَشْهُورًا عِنْدَ العَرَبِ؛ لِأنَّ دِيارَهم مُتَّصِلَةٌ بِدِيارِ العَرَبِ، وكانُوا يَسْمَعُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ أمْرَ فِرْعَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إرَمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، وقالَ قَتادَةُ: هي قَبِيلَةٌ مِن عادٍ، وقِيلَ هُما عادانِ، فالأُولى هي إرَمُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهم ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَهُ إرَمَ
قالَ مَعْمَرٌ: إرَمُ إلَيْهِ مُجْتَمَعُ عادٍ وثَمُودَ، وكانَ يُقالُ عادُ إرَمَ وعادُ ثَمُودَ، وكانَتِ القَبِيلَتانِ تُنْسَبُ إلى إرَمَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما عادانِ، فالأُولى إرَمُ.
ومَعْنى ﴿ذاتِ العِمادِ﴾: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ.
وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: إنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ سَيّارَةٍ في الرَّبِيعِ، فَإذا هاجَ النَّبْتُ رَجَعُوا إلى مَنازِلِهِمْ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي طُولَهم، كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا، ويُقالُ رَجُلٌ طَوِيلُ العِمادِ: أيِ القامَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ ذاتِ الطُّولِ، يُقالُ رَجْعٌ مُعَمَّدٌ: إذا كانَ طَوِيلًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: كانَ عِمادًا لِقَوْمِهِمْ، يُقالُ فُلانٌ عَمِيدُ القَوْمِ وعَمُودُهم: أيْ سَيِّدُهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي إحْكامَ البُنْيانِ بِالعَمْدِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والعِمادُ: الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
؎ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خَرَّتْ ∗∗∗ عَلى الإخْفاضِ نَمْنَعُ مَن يَلِينا
وقالَ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ: هي دِمَشْقُ، ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ، وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ لِعادٍ: أيْ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القَبِيلَةِ في الطُّولِ والشِّدَّةِ والقُوَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أوْ صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إرَمَ اسْمٌ لِقَرْيَتِهِمْ أوْ لِلْأرْضِ الَّتِي كانُوا فِيها.
والأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " الَّتِي لَمْ يُخْلَقُ مِثْلُهم في البِلادِ " وقِيلَ الإرَمُ الهَلاكُ.
قالَ الضَّحّاكُ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾: أيْ أهْلَكَهم فَجَعَلَهم رَمِيمًا، وبِهِ قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ اسْمُ مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ قُصُورُها ودُورُها وبَساتِينُها، وأنَّ حَصْباءَها جَواهِرُ وتُرابَها مِسْكٌ، ولَيْسَ بِها أنِيسٌ ولا فِيها ساكِنٌ مِن بَنِي آدَمَ، وأنَّها لا تَزالُ تَنْتَقِلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، فَتارَةً تَكُونُ بِاليَمَنِ، وتارَةً تَكُونُ بِالشّامِ، وتارَةً تَكُونُ بِالعِراقِ، وتارَةً تَكُونُ بِسائِرِ البِلادِ، وهَذا كَذِبٌ بَحْتٌ لا يَنْفُقُ عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمَيُّزٍ.
وزادَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قِلابَةَ في زَمانِ مُعاوِيَةَ دَخَلَ هَذِهِ المَدِينَةَ، وهَذا كَذِبٌ عَلى كَذِبٍ وافْتِراءٌ عَلى افْتِراءٍ، وقَدْ أُصِيبَ الإسْلامُ وأهْلُهُ بِداهِيَةٍ دَهْياءَ وفاقِرَةٍ عُظْمى ورَزِيَّةٍ كُبْرى مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الكَذّابِينَ الدَّجّالِينَ الَّذِينَ يَجْتَرِئُونَ عَلى الكَذِبِ، تارَةً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتارَةً عَلى الأنْبِياءِ، وتارَةً عَلى الصّالِحِينَ، وتارَةً عَلى رَبِّ العالَمِينَ، وتَضاعَفَ هَذا الشَّرُّ وزادَ كَثْرَةً بِتَصَدُّرِ جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم بِصَحِيحِ الرِّوايَةِ مِن ضَعِيفِها مِن مَوْضُوعِها لِلتَّصْنِيفِ والتَّفْسِيرِ لِلْكِتابِ العَزِيزِ، فَأدْخَلُوا هَذِهِ الخُرافاتِ المُخْتَلَقَةَ والأقاصِيصَ المَنحُولَةَ والأساطِيرَ المُفْتَعَلَةَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَحَرَّفُوا وغَيَّرُوا وبَدَّلُوا.
ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى (p-١٦١٩)بَعْضِ ما ذَكَرْنا فَلْيَنْظُرْ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ الفَوائِدَ المَجْمُوعَةَ في الأحادِيثِ المَوْضُوعَةِ.
ثُمَّ عَطَفَ سُبْحانَهُ القَبِيلَةَ الآخِرَةَ، وهي ثَمُودُ عَلى قَبِيلَةِ عادٍ فَقالَ: ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ومَعْنى ﴿جابُوا الصَّخْرَ﴾: قَطَعُوهُ، والجَوْبُ القَطْعُ، ومِنهُ جابَ البِلادَ: إذا قَطَعَها، ومِنهُ سُمِّيَ جَيْبُ القَمِيصِ لِأنَّهُ جَيْبٌ: أيْ قَطْعٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ ثَمُودُ، فَبَنَوْا مِنَ المَدائِنِ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ ويَنْقُبُونَها ويَجْعَلُونَ تِلْكَ الأنْقابَ بُيُوتًا يَسْكُنُونَ فِيها، وقَوْلُهُ: بِالوادِ مُتَعَلِّقٌ بِجابُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الصَّخْرِ، وهو وادِي القُرى.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمُودَ بِمَنعِ الصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، فَفِيهِ التَّأْنِيثُ والتَّعْرِيفُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِأبِيها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِالوادِ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها فِيهِما.
وقَرَأ قُنْبُلٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإثْباتِها في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.
﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ أيْ ذُو الجُنُودِ الَّذِينَ لَهم خِيامٌ كَثِيرَةٌ يَشُدُّونَها بِالأوْتادِ، أوْ جَعَلَ الجُنُودُ أنْفُسَهم أوْتادًا لِأنَّهم يَشُدُّونَ المَلِكَ كَما تَشُدُّ الأوْتادُ الخِيامَ، وقِيلَ كانَ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ النّاسَ بِها ويَشُدُّهم إلَيْها.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ ص.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ المَوْصُولُ صِفَةٌ لِعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ: أيْ طَغَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم في بِلادِهِمْ وتَمَرَّدَتْ وعَتَتْ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ بِالكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ والجَوْرِ عَلى عِبادِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هُمُ الَّذِينَ طَغَوْا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ أفْرَغَ عَلَيْهِمْ وألْقى عَلى تِلْكَ الطَّوائِفِ سَوْطَ عَذابٍ، وهو ما عَذَّبَهم بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ، يُقالُ: صَبَّ عَلى فُلانٍ خُلْعَةً: أيْ ألْقاها عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎فَصَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أحْسَنَ صِبْغَةً ∗∗∗ وكانَ لَهُ بَيْنَ البَرِيَّةِ ناصِرُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ دِينَهُ ∗∗∗ وصَبَّ عَلى الكُفّارِ سَوْطَ عَذابِ
ومَعْنى ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾: نَصِيبَ عَذابٍ، وذِكْرُ السَّوْطِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ هو بِالنِّسْبَةِ إلى ما أعَدَّهُ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ.
وقِيلَ ذِكْرُ السَّوْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِمْ، وكانَ السَّوْطُ عِنْدَهم هو نِهايَةَ ما يُعَذَّبُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ السَّوْطَ هو عَذابُهُمُ الَّذِي يُعَذَّبُونَ بِهِ، فَجَرى لِكُلِّ عَذابٍ إذا كانَ فِيهِ عِنْدَهم غايَةُ العَذابِ.
وقِيلَ مَعْناهُ: عَذابٌ يُخالِطُ اللَّحْمَ والدَّمَ، مِن قَوْلِهِمْ ساطَهُ يَسُوطُهُ سَوْطًا: أيْ خَلَطَهُ، فالسَّوْطُ خَلْطُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎لَكِنَّ خَلَّةً قَدْ سِيطَ مِن دَمِها ∗∗∗ فَجْعٌ ووَلَعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ
وقالَ الآخَرُ:
؎أحارِثُ إنّا لَوْ تُشاطُ دِماؤُنا ∗∗∗ تَزَيَّلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما
وقالَ آخَرُ:
؎فَسُطْها ذَمِيمَ الرَّأْيِ غَيْرَ مُوَفَّقٍ ∗∗∗ فَلَسْتَ عَلى تَسْوِيطِها بِمُعانِ
﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ إنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
والأوْلى أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وفِيها إرْشادٌ إلى أنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ ﷺ سَيُصِيبُهم ما أصابَ أُولَئِكَ الكُفّارَ، ومَعْنى بِالمِرْصادِ: أنَّهُ يَرْصُدُ عَمَلَ كُلِّ إنْسانٍ حَتّى يُجازِيَهُ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: أيْ عَلَيْهِ طَرِيقُ العِبادِ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ، والرَّصْدُ والمِرْصادُ: الطَّرِيقُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ بَراءَةَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبأ: ٢١] .
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ﴾ قالَ: فَجْرُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: يَعْنِي صَلاةَ الفَجْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: والفَجْرِ قالَ: هو المُحَرَّمُ فَجْرُ السَّنَةِ، وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ صَوْمِ شَهْرٍ مُحَرَّمٍ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالآيَةِ لا مُطابَقَةً ولا تَضَمُّنًا ولا التِزامًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «﴿والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ قالَ: إنَّ العَشْرَ عَشْرُ الأضْحى، والوَتْرَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والشَّفْعَ: يَوْمُ النَّحْرِ» .
وفِي لَفْظٍ: هي لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى ابْنِ عُمَرَ هو وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَدَعاهُمُ ابْنُ عُمَرَ إلى الغَداءِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: ألَيْسَ هَذِهِ اللَّيالِيَ العَشْرَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ما أشُكُّ، قالَ: بَلى فاشْكُكْ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ العَشْرِ أحادِيثُ، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها المُرادَةُ بِما في القُرْآنِ هُنا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ قالَ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ، فَقالَ: هي الصَّلاةُ بَعْضُها شَفْعٌ وبَعْضُها وتْرٌ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وهو الرّاوِي لَهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ عِصامٍ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِإسْقاطِ الرَّجُلِ المَجْهُولِ.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ بِالإسْنادِ الَّذِي فِيهِ الرَّجُلُ المَجْهُولُ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا (p-١٦٢٠)نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ قَتادَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وعِنْدِي أنَّ وقْفَهُ عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أشْبَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ: ولَمْ يَجْزِمِ ابْنُ جَرِيرٍ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الشَّفْعِ والوَتْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، فَهَذا يُقَوِّي ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ شَفْعٌ فَهو اثْنانِ، والوَتْرُ واحِدٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ فَقالَ: يَوْمانِ ولَيْلَةٌ، يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ لَيْلَةُ النَّحْرِ لَيْلَةُ جُمَعٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الشَّفْعُ اليَوْمانِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثّالِثُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ فَقالَ: الشَّفْعُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوَتْرُ اليَوْمُ الثّالِثُ.
وفِي لَفْظٍ: الوَتْرُ أوْسَطُ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ قالَ: إذا ذَهَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿والفَجْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا يَسْرِ﴾ قالَ: هَذا قَسَمٌ عَلى ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ قالَ: لِذِي حِجًى وعَقْلٍ ونُهًى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِعادٍ إرَمَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإرَمِ: الهالِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ أرُمَ بَنُو فُلانٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي: طُولُهم مِثْلُ العِمادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْتِي إلى الصَّخْرَةِ فَيَحْمِلُها عَلى كاهِلِهِ فَيُلْقِيها عَلى أيِّ حَيٍّ أرادَ فَيُهْلِكُهم» .
وفِي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لِأنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ صالِحٍ رَواهُ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ المِقْدامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ قالَ: خَرَقُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ قالَ: الأوْتادُ: الجُنُودُ الَّذِي يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الأوْتادِ﴾ قالَ: وتَّدَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ ثُمَّ جَعَلَ عَلى ظَهْرِها رَحًى عَظِيمَةً حَتّى ماتَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قالَ: يَسْمَعُ ويَرى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قالَ: مِن وراءِ الصِّراطِ جُسُورٌ: جِسْرٌ عَلَيْهِ الأمانَةُ، وجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّحِمُ، وجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ.
الفجر 89:8
وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ والفَجْرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً، فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ فَطَوَّلَ، فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا فَقالَ: مُنافِقٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أُصَلِّي فَطَوَّلَ عَلَيَّ، فانْصَرَفْتُ فَصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناضِحِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ والفَجْرِ، ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦١٧)أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَما أقْسَمَ بِغَيْرِها مِن مَخْلُوقاتِهِ.
واخْتُلِفَ في الفَجْرِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ هُنا، فَقِيلَ هو الوَقْتُ المَعْرُوفُ، وسُمِّيَ فَجْرًا لِأنَّهُ وقْتُ انْفِجارِ الظُّلْمَةِ عَنِ النَّهارِ مِن كُلِّ يَوْمٍ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ؛ لِأنَّ مِنهُ تَتَفَجَّرُ السَّنَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ.
لِأنَّ اللَّهَ قَرَنَ الأيّامَ بِهِ فَقالَ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ أيْ لَيالٍ عَشْرٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ.
وقِيلَ المَعْنى: وصَلاةُ الفَجْرِ أوْ رَبُّ الفَجْرِ.
والأوَّلُ أوْلى.
وجَوابُ هَذا القَسَمِ وما بَعْدَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ: أيْ لَيُجازِيَنَّ كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ، أوْ لَيُعَذِّبَنَّ، وقَدَّرَهُ أبُو حَيّانَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ خاتِمَةُ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهُ: أيْ والفَجْرِ إلَخْ لِإيابِهِمْ إلَيْنا وحِسابِهِمْ عَلَيْنا، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وأضْعَفُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ وأنَّ " هَلْ " بِمَعْنى قَدْ؛ لِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ أبَدًا ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّها الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقِيلَ العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ إلى عاشِرِها يَوْمَ عاشُوراءَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيالٍ بِالتَّنْوِينِ، وعَشْرٍ صِفَةٌ لَها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ولَيالِي عَشْرٍ بِالإضافَةِ، قِيلَ والمُرادُ لَيالِي أيّامِ عَشْرٍ، وكانَ حَقُّهُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ عَشَرَةٌ؛ لِأنَّ المَعْدُودَ مُذَكَّرٌ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إذا حُذِفَ المَعْدُودُ جازَ الوَجْهانِ.
﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ الشَّفْعُ والوَتْرُ يَعُمّانِ كُلَّ الأشْياءِ شَفْعَها ووَتْرَها، وقِيلَ شَفْعُ اللَّيالِي ووَتْرُها.
وقالَ قَتادَةُ: الشَّفْعُ والوَتْرُ شَفْعُ الصَّلاةِ ووَتْرُها، مِنهُ شَفْعٌ ومِنها وتْرٌ.
وقِيلَ الشَّفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: الشَّفْعُ الخَلْقُ، والوَتْرُ اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وأبُو العالِيَةِ: هي صَلاةُ المَغْرِبِ فِيها رَكْعَتانِ والوَتْرُ الرَّكْعَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الشَّفْعُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ والوَتْرُ أيّامُ مِنًى الثَّلاثَةُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ. وقِيلَ هُما آدَمُ وحَوّاءُ، لِأنَّ آدَمَ كانَ وتْرًا فَشُفِعَ بِحَوّاءَ.
وقِيلَ الشَّفْعُ دَرَجاتُ الجَنَّةِ وهي ثَمانٍ، والوَتْرُ دَرَكاتُ النّارِ وهي سَبْعٌ، وبِهِ قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
وقِيلَ الشَّفْعُ الصَّفا والمَرْوَةُ، والوَتْرُ الكَعْبَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّفْعُ الأيّامُ واللَّيالِي، والوَتْرُ اليَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ بَعْدَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الوَتْرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو الشَّفْعُ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ العَدَدُ كُلُّهُ؛ لِأنَّ العَدَدَ لا يَخْلُو عَنْهُما.
وقِيلَ الشَّفْعُ مَسْجِدُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، والوَتْرُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقِيلَ الشَّفْعُ حَجُّ القِرانِ، والوَتْرُ الإفْرادُ.
وقِيلَ الشَّفْعُ الحَيَوانُ لِأنَّهُ ذَكَرٌ وأُنْثى، والوَتْرُ الجَمادُ.
وقِيلَ الشَّفْعُ ما سُمِّيَ، والوَتْرُ ما لا يُسَمّى.
ولا يَخْفاكَ ما في غالِبِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ السُّقُوطِ البَيِّنِ والضَّعْفِ الظّاهِرِ، والِاتِّكالِ في التَّعْيِينِ عَلى مُجَرَّدِ الرَّأْيِ الزّائِفِ والخاطِرِ الخاطِئِ.
والَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ويَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الشَّفْعِ والوَتْرِ في كَلامِ العَرَبِ، وهُما مَعْرُوفانِ واضِحانِ، فالشَّفْعُ عِنْدَ العَرَبِ الزَّوْجُ، والوَتْرُ الفَرْدُ.
فالمُرادُ بِالآيَةِ إمّا نَفْسُ العَدَدِ أوْ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنَ المَعْدُوداتِ بِأنَّهُ شَفْعٌ أوْ وتْرٌ.
وإذا قامَ دَلِيلٌ عَلى تَعْيِينِ شَيْءٍ مِنَ المَعْدُوداتِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ كانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ نَفْسُهُ دُونَ غَيْرِهِ فَذاكَ، وإنْ كانَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِمّا تَناوَلَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مانِعًا مِن تَناوُلِها لِغَيْرِهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والوَتْرُ بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ وهُما لُغَتانِ، والفَتْحُ لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، والكَسْرُ لُغَةُ تَمِيمٍ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: كُلُّ فَرْدِ وِتْرٌ، وأهْلُ الحِجازِ يَفْتَحُونَ فَيَقُولُونَ وتْرٌ في الفَرْدِ.
وحَكى يُونُسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لُغَةً ثالِثَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الرّاءِ إلى التّاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَسْرِ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِحَذْفِها في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الخَلِيلُ: تَسْقُطُ الياءُ مِنها مُوافَقَةً لِرُؤُوسِ الآيِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والحَذْفُ أحَبُّ إلَيَّ لِأنَّها فاصِلَةٌ والفَواصِلُ تُحْذَفُ مِنها الياءاتُ.
قالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَحْذِفُ العَرَبُ الياءَ وتَكْتَفِي بِكَسْرِ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ بَعْضُهم:
؎كَفاكَ كَفٌّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ دَمًا
ما تَلِيقُ: أيْ ما تُمْسِكُ.
قالَ المُؤَرِّجُ: سَألْتُ الأخْفَشَ عَنِ العِلَّةِ في إسْقاطِ الياءِ مِن " يَسْرِ " فَقالَ: لا أُجِيبُكَ حَتّى تَبِيتَ عَلى بابِ دارِي سَنَةً، فَبَتَّ عَلى بابِ دارِهِ سَنَةً فَقالَ: اللَّيْلُ لا يَسْرِي، وإنَّما يُسْرى فِيهِ، فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ، وكُلُّ ما صَرَفْتَهُ عَنْ جِهَتِهِ بَخَسْتَهُ مِن إعْرابِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] ولَمْ يَقُلْ بَغِيَّةً؛ لِأنَّهُ صَرَفَها مِن باغِيَةٍ.
وفِي كَلامِ الأخْفَشِ هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ صَرْفَ الشَّيْءِ عَنْ مَعْناهُ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ لا يَسْتَلْزِمُ صَرْفَ لَفْظِهِ عَنْ بَعْضِ ما يَسْتَحِقُّهُ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَلَزِمَ في كُلِّ المَجازاتِ العَقْلِيَّةِ واللَّفْظِيَّةِ، واللّازِمُ باطِلٌ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، والأصْلُ هاهُنا إثْباتُ الياءِ، لِأنَّها لامُ الفِعْلِ المُضارِعِ المَرْفُوعِ، ولَمْ تُحْذَفْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِاتِّباعِ رَسْمِ المُصْحَفِ ومُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي. ومَعْنى ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] وقِيلَ مَعْنى يَسْرِ: يَسارٌ فِيهِ، كَما يُقالُ لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ في السُّرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ
وبِهَذا قالَ الأخْفَشُ، والقُتَيْبِيُّ وغَيْرُهُما مِن أهْلِ المَعانِي، (p-١٦١٨)وبِالأوَّلِ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ أيْ جاءَ وأقْبَلَ.
قالَ النَّخَعِيُّ: أيِ اسْتَوى.
قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ خاصَّةً لِاخْتِصاصِها بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها لِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ لَيْلَةُ القَدْرِ لِسَرايَةِ الرَّحْمَةِ فِيها.
والرّاجِحُ عَدَمُ تَخْصِيصِ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي دُونَ أُخْرى.
﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ تَعْظِيمِ ما أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهِ وتَفْخِيمِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " ذَلِكَ " إلى تِلْكَ الأُمُورِ، والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ أيْ: هَلْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمْنا بِها قَسَمٌ: أيْ مُقْسَمٌ بِهِ حَقِيقٌ بِأنْ تُؤَكَّدَ بِهِ الأخْبارُ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ عَقْلٍ ولُبٍّ، فَمَن كانَ ذا عَقْلٍ ولُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسَمَ بِهِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] .
قالَ الحَسَنُ ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أيْ لِذِي حِلْمٍ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: لِذِي سِتْرٍ مِنَ النّاسِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: الحِجْرُ العَقْلُ.
قالَ الفَرّاءُ: الكُلُّ يَرْجِعُ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِذِي عَقْلٍ ولِذِي حِلْمٍ ولِذِي سِتْرٍ، الكُلُّ بِمَعْنى العَقْلِ.
وأصْلُ الحِجْرِ المَنعُ، يُقالُ لِمَن مَلَكَ نَفْسَهُ ومَنَعَها: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الحَجَرُ لِامْتِناعِهِ بِصَلابَتِهِ، ومِنهُ حَجَرَ الحاكِمُ عَلى فُلانٍ: أيْ مَنَعَهُ.
قالَ والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ: إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ ضابِطًا لَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ ما وقَعَ مِن عَذابِهِ عَلى بَعْضِ طَوائِفِ الكُفّارِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ تَحْذِيرًا لِلْكُفّارِ في عَصْرِ نَبِيِّنا ﷺ وتَخْوِيفًا لَهم أنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ عادٍ عَلى أنْ يَكُونَ إرَمَ عَطْفَ بَيانٍ لِعادٍ، والمُرادُ بِعادٍ اسْمُ أبِيهِمْ، وإرَمُ اسْمُ القَبِيلَةِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وامْتِناعُ صَرْفِ إرَمَ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.
وقِيلَ المُرادُ بِعادٍ أوْلادُ عادٍ، وهم عادٌ الأُولى، ويُقالُ لِمَن بَعْدَهم عادٌ الأُخْرى، فَيَكُونُ ذِكْرُ إرَمَ عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ البَيانِ أوِ البَدَلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عادٌ الأُولى لا عادٌ الأُخْرى، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ: أيْ أهْلِ إرَمَ، أوْ سِبْطِ إرَمَ. فَإنَّ إرَمَ هو جَدُّ عادٍ، لِأنَّهُ عادُ بْنُ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ بِإضافَةِ عادٍ إلى إرَمَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ إرَمَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ " أرَمَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والرّاءِ، وقَرَأ مُعاذٌ بِسُكُونِ الرّاءِ تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتِ العِمادِ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَن قَرَأ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ شَبَّهَهم بِالإرَمِ الَّتِي هي الأعْلامُ واحِدُها أرَمُ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ: أيْ والفَجْرِ وكَذا وكَذا ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ ألَمْ تَرَ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى ما فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وقَدْ كانَ أمْرُ عادٍ وثَمُودَ مَشْهُورًا عِنْدَ العَرَبِ؛ لِأنَّ دِيارَهم مُتَّصِلَةٌ بِدِيارِ العَرَبِ، وكانُوا يَسْمَعُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ أمْرَ فِرْعَوْنَ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إرَمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، وقالَ قَتادَةُ: هي قَبِيلَةٌ مِن عادٍ، وقِيلَ هُما عادانِ، فالأُولى هي إرَمُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهم ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَهُ إرَمَ
قالَ مَعْمَرٌ: إرَمُ إلَيْهِ مُجْتَمَعُ عادٍ وثَمُودَ، وكانَ يُقالُ عادُ إرَمَ وعادُ ثَمُودَ، وكانَتِ القَبِيلَتانِ تُنْسَبُ إلى إرَمَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما عادانِ، فالأُولى إرَمُ.
ومَعْنى ﴿ذاتِ العِمادِ﴾: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، كَذا قالَ الضَّحّاكُ.
وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: إنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ سَيّارَةٍ في الرَّبِيعِ، فَإذا هاجَ النَّبْتُ رَجَعُوا إلى مَنازِلِهِمْ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي طُولَهم، كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا، ويُقالُ رَجُلٌ طَوِيلُ العِمادِ: أيِ القامَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ ذاتِ الطُّولِ، يُقالُ رَجْعٌ مُعَمَّدٌ: إذا كانَ طَوِيلًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ أيْضًا: كانَ عِمادًا لِقَوْمِهِمْ، يُقالُ فُلانٌ عَمِيدُ القَوْمِ وعَمُودُهم: أيْ سَيِّدُهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي إحْكامَ البُنْيانِ بِالعَمْدِ.
قالَ في الصِّحاحِ: والعِمادُ: الأبْنِيَةُ الرَّفِيعَةُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
؎ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خَرَّتْ ∗∗∗ عَلى الإخْفاضِ نَمْنَعُ مَن يَلِينا
وقالَ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ: هي دِمَشْقُ، ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ، وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ لِعادٍ: أيْ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القَبِيلَةِ في الطُّولِ والشِّدَّةِ والقُوَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أوْ صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إرَمَ اسْمٌ لِقَرْيَتِهِمْ أوْ لِلْأرْضِ الَّتِي كانُوا فِيها.
والأوَّلُ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " الَّتِي لَمْ يُخْلَقُ مِثْلُهم في البِلادِ " وقِيلَ الإرَمُ الهَلاكُ.
قالَ الضَّحّاكُ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾: أيْ أهْلَكَهم فَجَعَلَهم رَمِيمًا، وبِهِ قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ اسْمُ مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ قُصُورُها ودُورُها وبَساتِينُها، وأنَّ حَصْباءَها جَواهِرُ وتُرابَها مِسْكٌ، ولَيْسَ بِها أنِيسٌ ولا فِيها ساكِنٌ مِن بَنِي آدَمَ، وأنَّها لا تَزالُ تَنْتَقِلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، فَتارَةً تَكُونُ بِاليَمَنِ، وتارَةً تَكُونُ بِالشّامِ، وتارَةً تَكُونُ بِالعِراقِ، وتارَةً تَكُونُ بِسائِرِ البِلادِ، وهَذا كَذِبٌ بَحْتٌ لا يَنْفُقُ عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمَيُّزٍ.
وزادَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قِلابَةَ في زَمانِ مُعاوِيَةَ دَخَلَ هَذِهِ المَدِينَةَ، وهَذا كَذِبٌ عَلى كَذِبٍ وافْتِراءٌ عَلى افْتِراءٍ، وقَدْ أُصِيبَ الإسْلامُ وأهْلُهُ بِداهِيَةٍ دَهْياءَ وفاقِرَةٍ عُظْمى ورَزِيَّةٍ كُبْرى مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الكَذّابِينَ الدَّجّالِينَ الَّذِينَ يَجْتَرِئُونَ عَلى الكَذِبِ، تارَةً عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتارَةً عَلى الأنْبِياءِ، وتارَةً عَلى الصّالِحِينَ، وتارَةً عَلى رَبِّ العالَمِينَ، وتَضاعَفَ هَذا الشَّرُّ وزادَ كَثْرَةً بِتَصَدُّرِ جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم بِصَحِيحِ الرِّوايَةِ مِن ضَعِيفِها مِن مَوْضُوعِها لِلتَّصْنِيفِ والتَّفْسِيرِ لِلْكِتابِ العَزِيزِ، فَأدْخَلُوا هَذِهِ الخُرافاتِ المُخْتَلَقَةَ والأقاصِيصَ المَنحُولَةَ والأساطِيرَ المُفْتَعَلَةَ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَحَرَّفُوا وغَيَّرُوا وبَدَّلُوا.
ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى (p-١٦١٩)بَعْضِ ما ذَكَرْنا فَلْيَنْظُرْ في كِتابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ الفَوائِدَ المَجْمُوعَةَ في الأحادِيثِ المَوْضُوعَةِ.
ثُمَّ عَطَفَ سُبْحانَهُ القَبِيلَةَ الآخِرَةَ، وهي ثَمُودُ عَلى قَبِيلَةِ عادٍ فَقالَ: ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ومَعْنى ﴿جابُوا الصَّخْرَ﴾: قَطَعُوهُ، والجَوْبُ القَطْعُ، ومِنهُ جابَ البِلادَ: إذا قَطَعَها، ومِنهُ سُمِّيَ جَيْبُ القَمِيصِ لِأنَّهُ جَيْبٌ: أيْ قَطْعٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ ثَمُودُ، فَبَنَوْا مِنَ المَدائِنِ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ ويَنْقُبُونَها ويَجْعَلُونَ تِلْكَ الأنْقابَ بُيُوتًا يَسْكُنُونَ فِيها، وقَوْلُهُ: بِالوادِ مُتَعَلِّقٌ بِجابُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الصَّخْرِ، وهو وادِي القُرى.
قَرَأ الجُمْهُورُ ثَمُودَ بِمَنعِ الصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، فَفِيهِ التَّأْنِيثُ والتَّعْرِيفُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِأبِيها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا بِالوادِ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها فِيهِما.
وقَرَأ قُنْبُلٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ بِإثْباتِها في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.
﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ أيْ ذُو الجُنُودِ الَّذِينَ لَهم خِيامٌ كَثِيرَةٌ يَشُدُّونَها بِالأوْتادِ، أوْ جَعَلَ الجُنُودُ أنْفُسَهم أوْتادًا لِأنَّهم يَشُدُّونَ المَلِكَ كَما تَشُدُّ الأوْتادُ الخِيامَ، وقِيلَ كانَ لَهُ أوْتادٌ يُعَذِّبُ النّاسَ بِها ويَشُدُّهم إلَيْها.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ ص.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ المَوْصُولُ صِفَةٌ لِعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ: أيْ طَغَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم في بِلادِهِمْ وتَمَرَّدَتْ وعَتَتْ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ بِالكُفْرِ ومَعاصِي اللَّهِ والجَوْرِ عَلى عِبادِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هُمُ الَّذِينَ طَغَوْا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ أفْرَغَ عَلَيْهِمْ وألْقى عَلى تِلْكَ الطَّوائِفِ سَوْطَ عَذابٍ، وهو ما عَذَّبَهم بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ، يُقالُ: صَبَّ عَلى فُلانٍ خُلْعَةً: أيْ ألْقاها عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎فَصَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أحْسَنَ صِبْغَةً ∗∗∗ وكانَ لَهُ بَيْنَ البَرِيَّةِ ناصِرُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ دِينَهُ ∗∗∗ وصَبَّ عَلى الكُفّارِ سَوْطَ عَذابِ
ومَعْنى ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾: نَصِيبَ عَذابٍ، وذِكْرُ السَّوْطِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ هو بِالنِّسْبَةِ إلى ما أعَدَّهُ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ.
وقِيلَ ذِكْرُ السَّوْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِمْ، وكانَ السَّوْطُ عِنْدَهم هو نِهايَةَ ما يُعَذَّبُ بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ السَّوْطَ هو عَذابُهُمُ الَّذِي يُعَذَّبُونَ بِهِ، فَجَرى لِكُلِّ عَذابٍ إذا كانَ فِيهِ عِنْدَهم غايَةُ العَذابِ.
وقِيلَ مَعْناهُ: عَذابٌ يُخالِطُ اللَّحْمَ والدَّمَ، مِن قَوْلِهِمْ ساطَهُ يَسُوطُهُ سَوْطًا: أيْ خَلَطَهُ، فالسَّوْطُ خَلْطُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎لَكِنَّ خَلَّةً قَدْ سِيطَ مِن دَمِها ∗∗∗ فَجْعٌ ووَلَعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ
وقالَ الآخَرُ:
؎أحارِثُ إنّا لَوْ تُشاطُ دِماؤُنا ∗∗∗ تَزَيَّلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما
وقالَ آخَرُ:
؎فَسُطْها ذَمِيمَ الرَّأْيِ غَيْرَ مُوَفَّقٍ ∗∗∗ فَلَسْتَ عَلى تَسْوِيطِها بِمُعانِ
﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ إنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
والأوْلى أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وفِيها إرْشادٌ إلى أنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ ﷺ سَيُصِيبُهم ما أصابَ أُولَئِكَ الكُفّارَ، ومَعْنى بِالمِرْصادِ: أنَّهُ يَرْصُدُ عَمَلَ كُلِّ إنْسانٍ حَتّى يُجازِيَهُ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: أيْ عَلَيْهِ طَرِيقُ العِبادِ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ، والرَّصْدُ والمِرْصادُ: الطَّرِيقُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ بَراءَةَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبأ: ٢١] .
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ﴾ قالَ: فَجْرُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: يَعْنِي صَلاةَ الفَجْرِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: والفَجْرِ قالَ: هو المُحَرَّمُ فَجْرُ السَّنَةِ، وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ صَوْمِ شَهْرٍ مُحَرَّمٍ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالآيَةِ لا مُطابَقَةً ولا تَضَمُّنًا ولا التِزامًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «﴿والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ قالَ: إنَّ العَشْرَ عَشْرُ الأضْحى، والوَتْرَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، والشَّفْعَ: يَوْمُ النَّحْرِ» .
وفِي لَفْظٍ: هي لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ دَخَلَ عَلى ابْنِ عُمَرَ هو وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَدَعاهُمُ ابْنُ عُمَرَ إلى الغَداءِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: ألَيْسَ هَذِهِ اللَّيالِيَ العَشْرَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ما أشُكُّ، قالَ: بَلى فاشْكُكْ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ العَشْرِ أحادِيثُ، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها المُرادَةُ بِما في القُرْآنِ هُنا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ قالَ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ، فَقالَ: هي الصَّلاةُ بَعْضُها شَفْعٌ وبَعْضُها وتْرٌ» وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وهو الرّاوِي لَهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ عِصامٍ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِإسْقاطِ الرَّجُلِ المَجْهُولِ.
وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ بِالإسْنادِ الَّذِي فِيهِ الرَّجُلُ المَجْهُولُ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا (p-١٦٢٠)نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ قَتادَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وعِنْدِي أنَّ وقْفَهُ عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أشْبَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ: ولَمْ يَجْزِمِ ابْنُ جَرِيرٍ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الشَّفْعِ والوَتْرِ.
وقَدْ أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، فَهَذا يُقَوِّي ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ شَفْعٌ فَهو اثْنانِ، والوَتْرُ واحِدٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ فَقالَ: يَوْمانِ ولَيْلَةٌ، يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ لَيْلَةُ النَّحْرِ لَيْلَةُ جُمَعٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الشَّفْعُ اليَوْمانِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثّالِثُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ والوَتْرِ فَقالَ: الشَّفْعُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والوَتْرُ اليَوْمُ الثّالِثُ.
وفِي لَفْظٍ: الوَتْرُ أوْسَطُ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ قالَ: إذا ذَهَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿والفَجْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا يَسْرِ﴾ قالَ: هَذا قَسَمٌ عَلى ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ قالَ: لِذِي حِجًى وعَقْلٍ ونُهًى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿بِعادٍ إرَمَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالإرَمِ: الهالِكَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ أرُمَ بَنُو فُلانٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ يَعْنِي: طُولُهم مِثْلُ العِمادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْتِي إلى الصَّخْرَةِ فَيَحْمِلُها عَلى كاهِلِهِ فَيُلْقِيها عَلى أيِّ حَيٍّ أرادَ فَيُهْلِكُهم» .
وفِي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لِأنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ صالِحٍ رَواهُ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ المِقْدامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ قالَ: خَرَقُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ قالَ: الأوْتادُ: الجُنُودُ الَّذِي يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي الأوْتادِ﴾ قالَ: وتَّدَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ ثُمَّ جَعَلَ عَلى ظَهْرِها رَحًى عَظِيمَةً حَتّى ماتَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قالَ: يَسْمَعُ ويَرى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ قالَ: مِن وراءِ الصِّراطِ جُسُورٌ: جِسْرٌ عَلَيْهِ الأمانَةُ، وجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّحِمُ، وجِسْرٌ عَلَيْهِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ.