Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الشمس 91:1 – الليل 92:11

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الشمس 91:1
  2. الشمس 91:2
  3. الشمس 91:3
  4. الشمس 91:4
  5. الشمس 91:5
  6. الشمس 91:6
  7. الشمس 91:7
  8. الشمس 91:8
  9. الشمس 91:9
  10. الشمس 91:10
  11. الشمس 91:11
  12. الشمس 91:12
  13. الشمس 91:13
  14. الشمس 91:14
  15. الشمس 91:15
  16. الليل 92:1
  17. الليل 92:2
  18. الليل 92:3
  19. الليل 92:4
  20. الليل 92:5
  21. الليل 92:6
  22. الليل 92:7
  23. الليل 92:8
  24. الليل 92:9
  25. الليل 92:10
  26. الليل 92:11

الشمس 91:1

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:2

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:3

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:4

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:5

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:6

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:7

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:8

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:9

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:10

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:11

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:12

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:13

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:14

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الشمس 91:15

وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ وأشْباهَها مِنَ السُّوَرِ» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جابِرٍ في الصَّحِيحِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: «هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَقْرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِاللَّيْلِ إذا يُغْشى والشَّمْسِ وضُحاها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُصَلِّيَ رَكْعَتَيِ الضُّحى بِسُورَتَيْهِما بِالشَّمْسِ وضُحاها والضُّحى» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأُمُورِ، ولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ونَحْوِها مِمّا تَقَدَّمَ ومِمّا سَيَأْتِي هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ ورَبِّ الشَّمْسِ ورَبِّ القَمَرِ، وهَكَذا سائِرُها، ولا مُلْجِئَ إلى هَذا ولا مُوجِبَ لَهُ، وقَوْلُهُ: " وضُحاها " هو قَسَمٌ ثانٍ. قالَ مُجاهِدٌ: " وضُحاها ": أيْ ضَوْئِها وإشْراقِها، وأضافَ الضُّحى إلى الشَّمْسِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ ارْتِفاعِها، وكَذا قالَ الكَلْبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ: ضُحاها نَهارُها كُلُّهُ. قالَ الفَرّاءُ: الضُّحى هو النَّهارُ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ الضُّحى الصُّبْحُ، وهو نُورُ الشَّمْسِ. قالَ أبُو الهَيْثَمِ: الضُّحى نَقِيضُ الظِّلِّ، وهو نُورُ الشَّمْسِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأصْلُهُ الضُّحى، فاسْتَثْقَلُوا الياءَ فَقَلَبُوها ألِفًا. قِيلَ: والمَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الضُّحى إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وبُعَيْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَإذا زادَ فَهو الضُّحاءُ بِالمَدِّ. قالَ المُبَرِّدُ: الضُّحى والضَّحْوَةُ مُشْتَقّانِ مِنَ الضِّحِّ وهو النُّورُ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ والواوُ مِنَ الحاءِ. واخْتُلِفَ في جَوابِ القَسَمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَتِ اللّامُ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ: أيْ والشَّمْسِ، وكَذا لَتُبْعَثُنَّ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِأنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وأمّا قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها فَكَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولَيْسَ مِن جَوابِ القَسَمِ في شَيْءٍ، وقِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ بِغَيْرِ حَذْفٍ، والمَعْنى: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها والشَّمْسِ وضُحاها، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها، وذَلِكَ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، يُقالُ تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا تَبِعَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَلاها القَمَرُ في الإضاءَةِ وخَلَفَها في النُّورِ. قالَ الزَّجّاجُ: تَلاها حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ والنُّورِ، يَعْنِي إذا كَمُلَ ضَوْؤُهُ فَصارَ تابِعًا لِلشَّمْسِ في الإنارَةِ، يَعْنِي كانَ مِثْلَها في الإضاءَةِ، وذَلِكَ في اللَّيالِي البِيضِ. وقِيلَ إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها. قالَ قَتادَةُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الهِلالِ إذا سَقَطَتْ رُؤْيا (p-١٦٢٧)الهِلالِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ في النِّصْفِ الأوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ تَلاها القَمَرُ بِالطُّلُوعِ، وفي آخِرِ الشَّهْرِ يَتْلُوها بِالغُرُوبِ، وقالَ الفَرّاءُ تَلاها أخَذَ مِنها: يَعْنِي أنَّ القَمَرَ يَأْخُذُ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ. ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ تَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ، فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظُّلْمَةِ: أيْ جَلى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلظُّلْمَةِ ذِكْرٌ لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ. قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ أصْبَحَتْ بارِدَةً أيْ: أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً، والأوَّلُ أوْلى. ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ: ؎تَجَلَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ بَدا حاجِبٌ مِنها وضَنَّتْ بِحاجِبِ وقِيلَ المَعْنى: جَلّى ما في الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسْتَتِرَةً في اللَّيْلِ، وقِيلَ جَلّى الدُّنْيا وقِيلَ جَلّى الأرْضَ. " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ " أيْ يَغْشى الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ وتُظْلِمُ الآفاقَ، وقِيلَ يَغْشى الآفاقَ، وقِيلَ الأرْضُ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ والسَّماءِ وبُنْيانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً: أيْ والَّذِي بَناها، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قالَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها. ورَجَّحَ الأوَّلَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَعْلَها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ. ورَجَّحَ الثّانِيَ ابْنُ جَرِيرٍ. " ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ " الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى " طَحاها " بَسَطَها، كَذا قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، كَما في قَوْلِهِ: " دَحاها " قالُوا: " طَحاها " و" دَحاها " واحِدٌ: أيْ بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ، والطَّحْوُ: البَسْطُ، وقِيلَ مَعْنى طَحاها قَسَمَها، وقِيلَ خَلَقَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما يَدْرِي جَذِيمَةُ مَن طَحاها ∗∗∗ ولا مَن ساكِنُ العَرْشِ الرَّفِيعِ والأوَّلُ أوْلى. والطَّحْوُ أيْضًا: الذَّهابُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: طَحا الرَّجُلُ: إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، يُقالُ ما أدْرِي أيْنَ طَحا ؟ ويُقالُ طَحا بِهِ قَلْبُهُ: إذا ذَهَبَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ ∗∗∗ بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيبُ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ الكَلامُ في " ما " هَذِهِ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْنى سَوّاها خَلَقَها وأنْشَأها وسَوّى أعْضاءَها. قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ ما خَلَقَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ المُرادُ نَفْسُ آدَمَ. ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ عَرَّفَها وأفْهَمَها حالَهُما وما فِيهِما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ. قالَ مُجاهِدٌ: عَرَّفَها طَرِيقَ الفُجُورِ والتَّقْوى والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: فَألْهَمَها عَرَّفَها طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ، كَما قالَ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا ألْهَمَهُ الخَيْرَ فَعَمِلَ بِهِ، وإذا أرادَ بِهِ الشَّرَّ ألْهَمَهُ الشَّرَّ فَعَمِلَ بِهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيها ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ إيّاها لِلتَّقْوى، وخِذْلانِهِ إيّاها لِلْفُجُورِ، واخْتارَ هَذا الزَّجّاجُ، وحَمَلَ الإلْهامَ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا هو الوَجْهُ لِتَفْسِيرِ الإلْهامِ فَإنَّ التَّبْيِينَ والتَّعْلِيمَ والتَّعْرِيفَ دُونَ الإلْهامِ، والإلْهامُ أنْ يُوقَعَ في قَلْبِهِ ويُجْعَلَ فِيهِ، وإذا أوْقَعَ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ شَيْئًا ألْزَمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ. قالَ: وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في المُؤْمِنِ تَقْواهُ، وفي الكافِرِ فُجُورَهُ. " ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ " أيْ قَدْ فازَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وأنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى الرّاجِحِ، وأصْلُ الزَّكاةِ: النُّمُوُّ والزِّيادَةُ، ومِنهُ زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ. ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ أيْ خَسِرَ مَن أضَلَّها وأغْواها. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: " دَسّاها " أصْلُهُ دَسَّسَها، مِنَ التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، فَمَعْنى " دَسّاها " في الآيَةِ: أخْفاها وأخْمَلَها ولَمْ يُشْهِرْها بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وكانَتْ أجْوادُ العَرَبِ تَنْزِلُ الأمْكِنَةَ المُرْتَفِعَةَ لِيَشْتَهِرَ مَكانُها فَيَقْصِدَها الضُّيُوفُ، وكانَتْ لِئامُ العَرَبِ تَنْزِلُ الهِضابَ والأمْكِنَةَ المُنْخَفِضَةَ لِيَخْفى مَكانُها عَنِ الوافِدِينَ. وقِيلَ مَعْنى " دَسّاها ": أغْواها. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ حَلائِلُهُ مِنهُ أرامِلَ ضُيَّعا وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ " وقَدْ خابَ مَن دَسّاها " أيْ دَسَّ نَفْسَهُ في جُمْلَةِ الصّالِحِينَ ولَيْسَ مِنهم. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها الطَّغْوى: اسْمٌ مِنَ الطُّغْيانِ حَمَلَتْهم عَلى التَّكْذِيبِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وقِيلَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها أيْ بِعَذابِها الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ، وسُمِّيَ العَذابُ طَغْوى لِأنَّهُ طَغى عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الباءُ عَلى هَذا لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " بِطَغْواها ": أيْ بِأجْمَعِها. قَرَأ الجُمْهُورُ " بِطَغْواها " بِفَتْحِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِضَمِّ الطّاءِ، فَعَلى القِراءَةِ الأوْلى هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الطُّغْيانِ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ والواوُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ لِأنَّهم يَقْلِبُونَ الياءَ في الأسْماءِ كَثِيرًا نَحْوَ تَقْوى وسَرْوى، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هو مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والحُسْنى ونَحْوِهِما، وقِيلَ هُما لُغَتانِ. ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ كَذَّبَتْ، أوْ بِطَغْواها: أيْ حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ فَعَقَرَ النّاقَةَ، ومَعْنى انْبَعَثَ: انْتَدَبَ لِذَلِكَ وقامَ بِهِ، يُقالُ بَعَثْتُهُ عَلى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في الأعْرافِ. ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صالِحًا ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ناقَةَ اللَّهِ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. قالَ الفَرّاءُ: حَذَّرَهم إيّاها، وكُلُّ تَحْذِيرٍ فَهو نَصْبٌ " وسُقْياها " مَعْطُوفٌ عَلى " ناقَةَ "، وهو شُرْبُها مِنَ الماءِ. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: قالَ لَهم صالِحٌ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ فَلا تَعْقِرُوها وذَرُوا سُقْياها، وهو شُرْبُها مِنَ النَّهْرِ فَلا تَعَرَّضُوا لَهُ يَوْمَ شُرْبِها فَكَذَّبُوا بِتَحْذِيرِهِ إيّاهم. فَعَقَرُوها أيْ عَقَرَها الأشْقى وإنَّما أسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّهم رَضُوا بِما فَعَلَهُ. قالَ قَتادَةُ: إنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهم وذَكَرُهم وأُنْثاهم. قالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانِ أفْضَلُ (p-١٦٢٨)النّاسِ، وهَذانِ خَيْرُ النّاسِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلْ أشْقِياها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ أيْ أهْلَكَهم وأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وحَقِيقَةُ الدَّمْدَمَةِ: تَضْعِيفُ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ، يُقالُ دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ: أيْ أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، ودَمْدَمَ عَلَيْهِ القَبْرُ: أيْ أطْبَقَهُ، وناقَةٌ مَدْمُومَةٌ: إذا لَبِسَها الشَّحْمُ، والدَّمْدَمَةُ: إهْلاكٌ بِاسْتِئْصالٍ، كَذا قالَ المُؤَرِّجُ. قالَ في الصِّحاحِ: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْزَقْتَهُ بِالأرْضِ وطَحْطَحْتَهُ، ودَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أيْ أهْلَكَهم. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: دَمْدَمَ إذا عَذَّبَ عَذابًا تامًّا. والضَّمِيرُ في فَسَوّاها يَعُودُ إلى الدَّمْدَمَةِ: أيْ فَسَوّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ وعَمَّهم بِها فاسْتَوَتْ عَلى صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأرْضِ: أيْ فَسَوّى الأرْضَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهم تَحْتَ التُّرابِ، وقِيلَ يَعُودُ إلى الأُمَّةِ: أيْ ثَمُودَ. قالَ الفَرّاءُ: سَوّى الأُمَّةَ: أنْزَلَ العَذابَ بِصَغِيرِها وكَبِيرِها بِمَعْنى سَوّى بَيْنَهم. قَرَأ الجُمْهُورُ فَدَمْدَمَ بِمِيمٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ " فَدَهْدَمَ " بَهاءٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهُما لُغَتانِ كَما يُقالُ: امْتُقِعَ لَوْنُهُ، واهْتُقِعَ لَوْنُهُ. ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خائِفٍ مِن عاقِبَةٍ ولا تَبِعَةٍ، والضَّمِيرُ في عُقْباها يَرْجِعُ إلى الفِعْلَةِ، أوْ إلى الدَّمْدَمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِدَمْدَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الكَلامَ يَرْجِعُ إلى العاقِرِ لا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَها عُقْبى ما صَنَعَ. وقِيلَ لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاقِبَةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ولا يَخْشى ضَرَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ مِن عَذابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ أنْذَرَهم، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ ولا يَخافُ بِالواوِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفاءِ. وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وضُحاها قالَ: ضَوْئِها ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ قالَ: تَبِعَها ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ قالَ: أضاءَها ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ قالَ: اللَّهُ بَنى السَّماءَ والأرْضَ وما طَحاها قالَ: دَحاها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: عَلَّمَها الطّاعَةَ والمَعْصِيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ يَقُولُ: قَسَّمَها ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ أيْضًا فَألْهَمَها قالَ: ألْزَمَها فُجُورَها وتَقْواها. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ ما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ ويَكْدَحُونَ فِيهِ، شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ومَضى في قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِمّا أتاهم نَبِيُّهم واتَّخَذْتَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ، قالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ. قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إذَنْ ؟ قالَ: مَن كانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِواحِدَةٍ مِنَ المَنزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لِعَمَلِها وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾» وسَيَأْتِي في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ نَحْوُ هَذا الحَدِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَن زَكّاها، أنْتَ ولِيُّها ومَوْلاها» . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزادَ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ قالَ: فَذَكَرَهُ وزادَ أيْضًا: وهو في الصَّلاةِ. وأخْرَجَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، مُسْلِمٌ أيْضًا. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى اللَّهُ نَفْسَهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَقُولُ: قَدْ خابَ مَن دَسَّ اللَّهُ نَفْسَهُ فَأضَلَّهُ ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ قالَ: لا يَخافُ مِن أحَدٍ تَبِعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ يَعْنِي مَكَرَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ: أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ، وخابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَها اللَّهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ» وجُوَيْبِرٌ ضَعِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِطَغْواها قالَ: اسْمُ العَذابِ الَّذِي جاءَها الطَّغْوى، فَقالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِعَذابِها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاقَةَ وذَكَرَ الَّذِي عَقَرَها، فَقالَ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ قالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «ألا أُحَدِّثُكَ بِأشْقى النّاسِ ؟ قالَ بَلى. قالَ: رَجُلانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، والَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هَذا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتّى تَبْتَلَّ مِنهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ» .

الليل 92:1

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:2

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:3

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:4

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:5

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:6

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:7

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:8

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:9

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:10

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.

الليل 92:11

وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ واللَّيْلِ إذا يَغْشى بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ونَحْوِها. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمُ الهاجِرَةَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَرَأ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ في هَذِهِ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ أرَدْتُ أنْ أُوَقِّتَ لَكم» وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَهَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنِّي لَأقُولُ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في السَّماحَةِ والبُخْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ . (p-١٦٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي بِظُلْمَتِهِ ما كانَ مُضِيئًا. قالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى اللَّيْلُ الأُفُقَ وجَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُ النَّهارِ، وقِيلَ يَغْشى النَّهارَ، وقِيلَ يَغْشى الأرْضَ، والأوَّلُ أوْلى. ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ ووَضُحَ لِزَوالِ الظُّلْمَةِ الَّتِي كانَتْ في اللَّيْلِ، وذَلِكَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ " ما " هُنا هي المَوْصُولَةُ: أيْ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى، وعَبَّرَ عَنْ " مَن " بِـ " ما " لِلدَّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ ولِقَصْدِ التَّفْخِيمِ: أيْ والقادِرُ العَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى. قالَ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ والَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ قَدْ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وما خَلَقَ: أيْ ومَن خَلَقَ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي وخَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَتَكُونُ " ما " عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً. قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ: يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ، والظّاهِرُ العُمُومُ. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " والذَّكَرِ والأُنْثى " بِدُونِ: ما خَلَقَ. ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ: أيْ إنَّ عَمَلَكم لَمُخْتَلِفٌ: فَمِنهُ عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، ومِنهُ عَمَلٌ لِلنّارِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّعْيُ العَمَلُ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في عَطَبِها، وشَتّى جَمْعُ شَتِيتٍ: كَمَرْضى ومَرِيضٍ، وقِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتّى لِتَباعُدِ ما بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ. " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " أيْ بَذَلَ مالَهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ واتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها. " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأمّا مَن أعْطى المُعْسِرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: أعْطى الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى أيْ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والسُّلَمِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحُسْنى بِالجَنَّةِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ قَتادَةُ: بِالحُسْنى: أيْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ أنْ يُثِيبَهُ. قالَ الحَسَنُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ الحُسْنى، وهي عَمَلُ الخَيْرِ، والمَعْنى: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ الإنْفاقَ في سَبِيلِ الخَيْرِ والعَمَلَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، اشْتَرى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أيْدِي أهْلِ مَكَّةَ يُعَذِّبُونَهم في اللَّهِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ أيْ بَخِلَ بِمالِهِ فَلَمْ يَبْذُلْهُ في سُبُلِ الخَيْرِ، واسْتَغْنى: أيْ زَهِدَ في الأجْرِ والثَّوابِ، أوِ اسْتَغْنى بِشَهَواتِ الدُّنْيا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ. " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " أيْ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ. " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " أيْ فَسَنُهَيِّئُهُ لِلْخَصْلَةِ العُسْرى ونُسَهِّلُها لَهُ حَتّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ والصَّلاحِ ويَضْعُفُ عَنْ فِعْلِها فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى النّارِ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْسُرُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَ خَيْرًا. قِيلَ: العُسْرى: الشَّرُّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُؤَدِّي إلى العَذابِ، والعُسْرَةُ في العَذابِ، والمَعْنى: سَنُهَيِّئُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ نُجْرِيَهُ عَلى يَدَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: سَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ إذا ولَدَتْ أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ أيْ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهُ إذا تَرَدّى: أيْ هَلَكَ، يُقالُ رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدى رَدًى، وتَرَدّى يَتَرَدّى: إذا هَلَكَ. وقالَ قَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿إذا تَرَدّى﴾: إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، يُقالُ رَدِيَ في البِئْرِ وتَرَدّى: إذا سَقَطَ فِيها، ويُقالُ ما أدْرِي أيْنَ رَدِيَ: أيْ أيْنَ ذَهَبَ ؟ . " ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ " هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ عَلَيْنا البَيانَ. قالَ الزَّجّاجُ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ. قالَ قَتادَةُ: عَلى اللَّهِ البَيانُ: بَيانُ حَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. قالَ الفَرّاءُ: مَن سَلَكَ الهُدى فَعَلى اللَّهِ سَبِيلُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يَقُولُ: مَن أرادَ اللَّهَ فَهو عَلى السَّبِيلِ القاصِدِ. قالَ الفَرّاءُ أيْضًا: المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضْلالَ، فَحَذَفَ الإضْلالَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقِيلَ المَعْنى: إنَّ عَلَيْنا ثَوابَ هُداهُ الَّذِي هَدَيْناهُ. " ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ " أيْ لَنا كُلُّ ما في الآخِرَةِ، وكُلُّ ما في الدُّنْيا نَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ نَشاءُ، فَمَن أرادَهُما أوْ إحْداهُما فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ مِنّا، وقِيلَ المَعْنى: إنَّ لَنا ثَوابَ الآخِرَةِ وثَوابَ الدُّنْيا. " ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ " أيْ حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم نارًا تَتَوَقَّدُ وتَتَوَهَّجُ، وأصْلُهُ تَتَلَظّى فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وقَرَأ عَلى الأصْلِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ " أيْ لا يَصْلاها صَلْيًا لازِمًا عَلى جِهَةِ الخُلُودِ إلّا الأشْقى وهو الكافِرُ، وإنْ صَلِيَها غَيْرُهُ مِنَ العُصاةِ فَلَيْسَ صِلِيُّهُ كَصِلِيِّهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَصْلاها: يَدْخُلُها أوْ يَجِدُ صَلاها، وهو حَرُّها. ثُمَّ وصَفَ الأشْقى فَقالَ: " ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " أيْ كَذَّبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ والإيمانِ. قالَ الفَرّاءُ " إلّا الأشْقى " إلّا مَن كانَ شَقِيًّا في عِلْمِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ. قالَ أيْضًا: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظاهِرٍ، ولَكِنْ قَصَّرَ عَمّا أمَرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ فَجُعِلَ تَكْذِيبًا كَما تَقُولُ لَقِيَ فُلانٌ العَدُوَّ فَكَذَّبَ: إذا نَكَلَ ورَجَعَ عَنِ اتِّباعِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ، فَجَدِيرٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقَدْ قالَ: (p-١٦٣٠)﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ لَمْ يُعَذَّبْ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فائِدَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: الآيَةُ وارِدَةٌ في المُوازَنَةِ بَيْنَ حالَتَيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ، فَقِيلَ الأشْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصِّلِيِّ كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ الأتْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالنَّجاةِ كَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ المُرادُ بِالأشْقى أبُو جَهْلٍ أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وبِالأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى سَيُجَنَّبُها الأتْقى سَيُباعَدُ عَنْها المُتَّقِي لِلْكُفْرِ اتِّقاءً بالِغًا. قالَ الواحِدِيُّ: الأتْقى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى، والأوْلى حَمْلُ الأشْقى والأتْقى عَلى كُلِّ مُتَّصِفٍ بِالصِّفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا يَصْلاها صِلِيًّا تامًّا لازِمًا إلّا الكامِلُ في الشَّقاءِ وهو الكافِرُ، ولا يُجَنَّبُها ويُبْعَدُ عَنْها تَبْعِيدًا كامِلًا بِحَيْثُ لا يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَلا يُنافِي هَذا دُخُولَ بَعْضِ العُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ النّارَ دُخُولًا غَيْرَ لازِمٍ، ولا تَبْعِيدَ بَعْضِ مَن لَمْ يَكُنْ كامِلَ التَّقْوى عَنِ النّارِ تَبْعِيدًا غَيْرَ بالِغٍ مَبْلَغَ تَبْعِيدِ الكامِلِ في التَّقْوى عَنْها. والحاصِلُ أنَّ مَن تَمَسَّكَ مِنَ المُرْجِئَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ زاعِمًا أنَّ الأشْقى الكافِرُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ولَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَيُقالُ لَهُ: فَما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُجَنَّبُ النّارَ إلّا الكامِلُ في التَّقْوى، فَمَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا فِيها كَعُصاةِ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُجَنَّبُ النّارَ، فَإنْ أوَّلْتَ الأتْقى بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَزِمَكَ مِثْلُهُ في الأشْقى، فَخُذْ إلَيْكَ هَذِهِ مَعَ تِلْكَ، وكُنْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى أنَّنِي راضٍ بِأنْ أحْمِلَ الهَوى ∗∗∗ وأخْرُجَ مِنهُ لا عَلَيَّ ولا لِيَهْ وقِيلَ أرادَ بِالأشْقى والأتْقى الشَّقِيَّ والتَّقِيَّ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدَ أيْ بِواحِدٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ يُنافِي هَذا وصْفَ الأشْقى بِالتَّكْذِيبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الكافِرِ فَلا يَتِمُّ ما أرادَهُ قائِلُ هَذا القَوْلِ مِن شُمُولِ الوَصْفَيْنِ لِعُصاةِ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ صِفَةَ الأتْقى فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: " يَتَزَكّى " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ " يُؤْتِي " أيْ حالَ كَوْنِهِ يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَكِيًّا لا يَطْلُبُ رِياءً ولا سُمْعَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن " يُؤْتِي " داخِلًا مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " يَتَزَكّى " مُضارِعُ تَزَكّى. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ " تَزَّكّى " بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ. ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ التَّزَكِّي عَلى جِهَةِ الخُلُوصِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشائِبَةٍ تُنافِي الخُلُوصَ: أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ لِيُجازِيَ بِصَدَقَتِهِ نِعْمَةً لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ ويُكافِئَهُ عَلَيْها، وإنَّما يَبْتَغِي بِصَدَقَتِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُجازى عَلَيْها حَتّى يَقْصِدَ بِإيتاءِ ما يُؤْتِي مِن مالِهِ مُجازاتَها، وإنَّما قالَ تُجْزى مُضارِعًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِ الفَواصِلِ، والأصْلُ يَجْزِيها إيّاهُ، أوْ يَجْزِيهِ إيّاها. ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا ابْتِغاءَ بِالنَّصْبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى: أيْ لا يُؤْتِي إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى التَّأْوِيلِ: أيْ ما أعْطَيْتُكَ ابْتِغاءَ جَزائِكَ بَلِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ نِعْمَةٍ؛ لِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ، والرَّفْعُ لُغَةُ تَمِيمٍ، لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ البَدَلَ في المُنْقَطِعِ ويُجْرُونَهُ مَجْرى المُتَّصِلِ. قالَ مَكِّيٌّ: وأجازَ الفَرّاءُ الرَّفْعَ في " ابْتِغاءُ " عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ نِعْمَةٍ، وهو بَعِيدٌ. قالَ شِهابُ الدِّينِ: كَأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها قِراءَةً، واسْتِبْعادُهُ هو البَعِيدُ فَإنَّها لُغَةٌ فاشِيَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أيْضًا " ابْتِغاءَ " بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالقَصْرِ. والأعْلى نَعْتٌ لِلرَّبِّ. " ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ وتاللَّهِ لَسَوْفَ يَرْضى بِما نُعْطِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والجَزاءِ العَظِيمِ. قَرَأ الجُمْهُورُ يَرْضى مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ قالَ: إذا أظْلَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرِ أواقٍ فَأعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ " إلى قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ " سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ، وأُبَيٍّ إلى قَوْلِهِ: " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " قالَ: النّارُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ " مِنَ الفَضْلِ " واتَّقى " قالَ: اتَّقى رَبَّهُ " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: صَدَّقَ بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ قالَ: لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ قالَ: بَخِلَ بِمالِهِ واسْتَغْنى عَنْ رَبِّهِ " ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: بِالخَلَفِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ قالَ لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وصَدَّقَ بِالحُسْنى قالَ: أيْقَنَ بِالخَلَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا " ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " يَقُولُ: صَدَّقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ " يَقُولُ: مَن أغْناهُ اللَّهُ فَبَخِلَ بِالزَّكاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَعْتِقُ عَلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ، وكانَ يَعْتِقُ عَجائِزَ ونِساءً إذا أسْلَمْنَ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ أراكَ تَعْتِقُ أُناسًا ضُعْفًا، فَلَوْ أنَّكَ تَعْتِقُ رِجالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ ويَمْنَعُوكَ ويَدْفَعُونَ عَنْكَ. قالَ أيْ أبَتِ إنَّما أُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٦٣١)فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ بَيْتِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: " ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ " قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ ثُمَّ قَرَأ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ " إلى قَوْلِهِ " لِلْعُسْرى "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ في أيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ ؟ أفِي شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، أمْ في شَيْءٍ يُسْتَقْبَلُ فِيهِ العَمَلُ ؟ قالَ: بَلى في شَيْءٍ ثَبَتَتْ فِيهِ المَقادِيرُ وجَرَتْ فِيهِ الأقْلامُ، قالَ سُراقَةُ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ " ٣٢ . وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. وفي البابِ أحادِيثُ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَتَدْخُلُنَّ الجَنَّةَ إلّا مَن يَأْبى، قالُوا: ومَن يَأْبى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟ فَقَرَأ الَّذِي " ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ كَما يَشْرُدُ البَعِيرُ السُّوءُ عَلى أهْلِهِ، فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ " كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَوَلّى عَنْهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والضِّياءُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ألْيَنِ كَلِمَةٍ سَمِعَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ألا كُلُّكم يُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اللَّهِ شِرادَ البَعِيرِ عَلى أهْلِهِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا شَقِّيٌّ. قِيلَ ومَنِ الشَّقِيُّ ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطاعَةٍ ولا يَتْرُكُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي تَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن أبى، قالُوا: ومَن يَأْبى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: مَن أطاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ أبى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهم يُعَذَّبُ في اللَّهِ: بِلالٌ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عِيسى، وأمَةُ بَنِي المُؤَمَّلِ، وفِيهِ نَزَلَتْ " ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ " إلى آخِرِ السُّورَةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ما قَدَّمْنا عَنْهُ، وزادَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ " . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا مِن وجْهٍ آخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.