Fath Al-Qadir Al-Shawkani — القارعة 101:1 – الهمزة 104:9
المحتويات
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:5
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
القارعة 101:1
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:2
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:3
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:4
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:5
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:6
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:7
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:8
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:9
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:10
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
القارعة 101:11
وقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ القارِعَةِ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القارِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ وتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّهِ بِالعَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَرَّعَتْهُمُ القارِعَةُ: إذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ.
قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎وقارِعَةٌ مِنَ الأيّامِ لَوْلا سَبِيلُهم لَراحَتْ عَنْكَ حِينًا
وقالَ آخَرُ:
؎مَتّى نَقْرَعْ بِمُرُوءَتِكم نَسُؤْكم ∗∗∗ ولَمْ يُوقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ
والقارِعَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وبِالرَّفْعِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ عِيسى بِنَصْبِها عَلى تَقْدِيرِ: احْذَرُوا القارِعَةَ، (p-١٦٥٠)والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّحْذِيرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُحَذِّرُ وتُغْرِي بِالرَّفْعِ كالنَّصْبِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎لَجَدِيرُونَ بِالوَفاءِ إذا قالَ ∗∗∗ أخُو النَّجْدَةِ السِّلاحُ السِّلاحُ
والحَمْلُ عَلى مَعْنى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى هَذا المَعْنى.
ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِشَدَّةِ هَوْلِها ومَزِيدِ فَظاعَتِها حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ بِحَيْثُ لا تَنالُها دِرايَةُ أحَدٍ مِنهم، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ، وأدْراكَ خَبَرُها وما القارِعَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ ؟ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَتّى تَكُونُ القارِعَةُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وانْتِصابُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ: أيْ تُقَرِّعُهم يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ومَكِّيٌّ، وأبُو البَقاءِ: هو مَنصُوبٌ بِنَفْسِ القارِعَةِ، وقِيلَ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمُ يَكُونُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ " يَوْمُ " عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ.
والفَراشُ: الطَّيْرُ الَّذِي تَراهُ يَتَساقَطُ في النّارِ والسِّراجِ والواحِدَةُ فَراشَةٌ، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَراشُ هو الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ.
قالَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الطَّيْشِ والهَوَجِ، يُقالُ: أطْيَشُ مِن فَراشَةٍ وأنْشَدَ:
؎فَراشَةُ الحِلْمِ فِرْعَوْنُ العَذابِ وإنْ ∗∗∗ يُطْلَبْ نَداهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلْبُ
وقَوْلٌ آخَرُ:
؎وقَدْ كانَ أقْوامٌ رُدِّدَتْ حُلُومُهم ∗∗∗ عَلَيْهِمْ وكانُوا كالفَراشِ مِنَ الجَهْلِ
والمُرادُ بِالمَبْثُوثِ: المُتَفَرِّقُ المُنْتَشِرُ، يُقالُ: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وقالَ " المَبْثُوثِ " ولَمْ يَقُلِ " المَبْثُوثَةِ "؛ لِأنَّ الكُلَّ جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ وجْهِ ذَلِكَ.
﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ الَّذِي نُفِشَ بِالنَّدْفِ، والعِهْنُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ أوْصافٌ لِلْجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا بَيانَ الجَمْعِ بَيْنَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ النّاسِ وتَفَرُّقَهم فَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المِيزانِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها هُنا، فَقِيلَ هي جَمْعٌ مَوْزُونٌ، وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي جَمْعُ مِيزانٍ، وهو الآلَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيها صَحائِفُ الأعْمالِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ لِكُلِّ حادِثَةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ المُرادُ بِالمَوازِينِ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مَرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
ومَعْنى عِيشَةٍ راضِيَةٍ: مَرَضِيَّةٌ يَرْضاها صاحِبُها.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها، وقِيلَ عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أيْ فاعِلَةٍ لِلرِّضا، وهو اللِّينُ والِانْقِيادُ لِأهْلِها.
والعِيشَةُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ النِّعَمَ الَّتِي في الجَنَّةِ.
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ يَعْتَدُّ بِها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، وسَمّاها أُمَّهُ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، والهاوِيَةُ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وسُمِّيَتْ هاوِيَةً؛ لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرُنا وفِيها نُولَدُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْماحُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةْ
والمَهْوى والمَهْواةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وتَهاوى القَوْمُ في المَهْواةِ: إذا سَقَطَ بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ.
قالَ قَتادَةُ: مَعْنى ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾: فَمَصِيرُهُ إلى النّارِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها عَلى أُمِّ رَأْسِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: أُمُّهُ مُسْتَقِرَّةٌ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ بَيانُ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المَعْهُودِ بِحَيْثُ لا تُحِيطُ بِها عُلُومُ البَشَرِ ولا تَدْرِي كُنْهَها.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها وبَلَغَ في الشِّدَّةِ إلى الغايَةِ وارْتِفاعُ " نارٌ " عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هي نارٌ حامِيَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القارِعَةُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ هَوَتْ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ قالَ: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ تَلَقَّتْهُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَسْألُونَهُ ما فَعَلَ فُلانٌ ما فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ فَإذا كانَ ماتَ ولَمْ يَأْتِهِمْ قالُوا خُولِفَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ نَحْوَهُ أيْضًا.
التكاثر 102:1
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:2
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:3
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:4
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:5
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:6
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:7
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
التكاثر 102:8
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
ورَوى البُخارِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا يَسْتَطِيعَ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ ؟ قالُوا: ومَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْرَأ ألْفَ آيَةٍ في كُلِّ (p-١٦٥١)يَوْمٍ ؟ قالَ: أما يَسْتَطِيعُ أحَدُكم أنْ يَقْرَأ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ ألْفَ آيَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو ضاحِكٌ في وجْهِهِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يَقْوى عَلى ألْفِ آيَةٍ ؟ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى آخِرِها، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ألْفَ آيَةٍ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وفي لَفْظٍ: وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ - وهو يَقُولُ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي. وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ» .
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ ولا نُزُولَها بِلَفْظِ: «يَقُولُ العَبْدُ مالِي مالِي، وإنَّما لَهُ مِن مالِهِ ثَلاثَةٌ: ما أكَلَ فَأفْنى، أوْ لَبِسَ فَأبْلى، أوْ تَصَدَّقَ فَأقْنى وما سِوى ذَلِكَ فَهو ذاهِبٌ وتارِكُهُ لِلنّاسِ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وضَعَّفَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي قارِئٌ عَلَيْكم سُورَةَ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ، فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَرَأها فَمِنّا مَن بَكى ومِنّا مَن لَمْ يَبْكِ، فَقالَ الَّذِينَ لَمْ يَبْكُوا: قَدْ جُهِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ نَبْكِيَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي قارِئُها عَلَيْكُمُ الثّانِيَةَ فَمَن بَكى فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَبْكِيَ فَلْيَتَباكَ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أيْ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّفاخُرُ بِكَثْرَتِها والتَّغالُبُ فِيها.
يُقالُ: ألْهاهُ عَنْ كَذا وألْهاهُ: إذا شَغَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى ألْهاكم: أنْساكم.
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلى تِلْكَ الحالِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ التَّكاثُرَ: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ألْهاكُمُ التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ.
وقالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، ألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ تَعادَوْا وتَكاثَرُوا بِالسِّيادَةِ والأشْرافِ في الإسْلامِ، فَقالَ كُلُّ حَيٍّ مِنهم نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وأعَزُّ عَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا وأكْثَرُ قائِدًا، فَكَثَّرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ تَكاثَرُوا بِالأمْواتِ فَكَثَّرَتْهم بِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَلَمْ تَرْضَوْا ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُفْتَخِرِينَ بِالأمْواتِ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ.
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّها.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا والمُكاثَرَةَ بِها والمُفاخَرَةَ فِيها مِنَ الخِصالِ المَذْمُومَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْ كَذا، بَلْ أطْلَقَهُ لِأنَّ الإطْلاقَ أبْلَغُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ المَقامُ، ولِأنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْكُمِ الِاشْتِغالُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وعَبَّرَ عَنْ مَوْتِهِمْ بِزِيارَةِ المَقابِرِ لِأنَّ المَيِّتَ قَدْ صارَ إلى قَبْرِهِ كَما يَصِيرُ الزّائِرُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَزُورُهُ. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ مُتُّمْ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ ذَكَرْتُمُ المَوْتى وعَدَدْتُمُوهم لِلْمُفاخَرَةِ والمُكاثَرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَزُورُونَ المَقابِرَ، فَيَقُولُونَ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّكاثُرِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الرَّدْعَ والزَّجْرَ والوَعِيدَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ في القَبْرِ، والثّانِي يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا التَّكْرارُ عَلى وجْهِ التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ.
قالَ مُجاهِدٌ: هو وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ.
وكَذا قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ الَّذِي أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ عِلْمًا يَقِينًا كَعِلْمِكم ما هو مُتَيَقَّنٌ عِنْدَكم في الدُّنْيا، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: أيْ لَشَغَلَكم ذَلِكَ عَنِ التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ، أوْ لَفَعَلْتُمْ ما يَنْفَعُكم مِنَ الخَيْرِ وتَرَكْتُمْ ما لا يَنْفَعُكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، وكَلّا في هَذا المَوْضِعِ الثّالِثِ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ كالمَوْضِعَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَعْنى حَقًّا، وقِيلَ هي في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى ألا.
قالَ قَتادَةُ: اليَقِينُ هُنا المَوْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هو البَعْثُ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ما ألْهاكم.
وقَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وفِيهِ زِيادَةُ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ: أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ في الآخِرَةِ.
قالَ الرّازِيُّ: ولَيْسَ هَذا جَوابَ لَوْ، لَأنَّ جَوابَ لَوْ يَكُونُ مَنفِيًّا، وهَذا مُثْبَتٌ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. قالَ: وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ عامٌّ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قَرَأ الجُمْهُورُ لَتَرَوُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وقَرَأ الكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وهي المُشاهَدَةُ والمُعايَنَةُ، وقِيلَ المَعْنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكم عَلى البُعْدِ مِنكم، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها مُشاهَدَةً عَلى القُرْبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالأوَّلِ رُؤْيَتُها قَبْلَ دُخُولِها، والثّانِي رُؤْيَتُها حالَ دُخُولِها.
وقِيلَ هو إخْبارٌ عَنْ (p-١٦٥٢)دَوامِ بَقائِهِمْ في النّارِ: أيْ هي رُؤْيَةٌ دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ.
وقِيلَ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ اليَوْمَ عِلْمَ اليَقِينِ وأنْتُمْ في الدُّنْيا لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِعَيْنِ قُلُوبِكم، وهو أنْ تَتَصَوَّرُوا أمْرَ القِيامَةِ وأهْوالَها.
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيْ عَنْ نَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي ألْهاكم عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في الدُّنْيا في الخَيْرِ والنِّعْمَةِ، فَيُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ شُكْرِ ما كانُوا فِيهِ، ولَمْ يَشْكُرُوا رَبَّ النِّعَمِ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأشْرَكُوا بِهِ.
قالَ الحَسَنُ: لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سائِلٌ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ عَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ولا وجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّعِيمِ بِفَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ، أوْ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ لا يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ المَسْئُولِ عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي يُسْألُ عَنْها، فَقَدْ يَسْألُ اللَّهُ المُؤْمِنَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ فِيمَ صَرَفَها، وبِمَ عَمِلَ فِيها ؟ لِيَعْرِفَ تَقْصِيرَهُ وعَدَمَ قِيامِهِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، وقِيلَ السُّؤالُ عَنِ الأمْنِ والصِّحَّةِ، وقِيلَ عَنِ الصِّحَّةِ والفَراغِ، وقِيلَ عَنِ الإدْراكِ بِالحَواسِّ، وقِيلَ عَنْ مَلاذِّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وقِيلَ عَنِ الغَداءِ والعَشاءِ، وقِيلَ عَنْ بارِدِ الشَّرابِ وظِلالِ المَساكِنِ، وقِيلَ عَنِ اعْتِدالِ الخُلُقِ، وقِيلَ عَنْ لَذَّةِ النَّوْمِ، والأوْلى العُمُومُ كَما ذَكَرْنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ في بَنِي حارِثَةَ وبَنِي الحارِثِ تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا، فَقالَتْ إحْداهُما: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ وقالَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، تَفاخَرُوا بِالأحْياءِ. ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ يُشِيرُونَ إلى القَبْرِ، ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ كَذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ لَقَدْ كانَ لَكم فِيما زُرْتُمْ عِبْرَةٌ وشُغُلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ قالَ: في الأمْوالِ والأوْلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يَعْنِي عَنِ الطّاعَةِ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَكُمُ المَوْتُ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي لَوْ قَدْ دَخَلْتُمْ قُبُورَكم ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ: لَوْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِن قُبُورِكم إلى مَحْشَرِكم ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ قالَ: لَوْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى أعْمالِكم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكم ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الصِّراطَ يُوضَعُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسْلِمٌ ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ ومَكْدُوشٌ في نارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يَعْنِي شِبَعَ البُطُونِ وبارِدَ المَشْرَبِ وظِلالَ المَساكِنِ واعْتِدالَ الخَلْقِ ولَذَّةَ النَّوْمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِياضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم، وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالَ: الأمْنُ والصِّحَّةُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّعِيمُ: العافِيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: مَن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ وشَرِبَ ماءَ الفُراتِ مُبَرَّدًا وكانَ لَهُ مَنزِلٌ يَسْكُنُهُ، فَذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْألُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الآيَةِ: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ والنَّوْمُ في الظِّلِّ وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا» .
ولَعَلَّ رَفْعَ هَذا لا يَصِحُّ، فَرُبَّما كانَ مِن قَوْلِ أبِي الدَّرْداءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الآيَةِ قالَ: «ناسٌ مِن أُمَّتِي يَعْقِدُونَ السَّمْنَ والعَسَلَ بِالنَّقْيِ فَيَأْكُلُونَهُ» وهَذا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نَحْنُ فِيهِ ؟ وإنَّما نَأْكُلُ في أنْصافِ بُطُونِنا خُبْزَ الشَّعِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْ قُلْ لَهم: ألَيْسَ تَحْتَذُونَ النِّعالَ، وتَشْرَبُونَ الماءَ البارِدَ، فَهَذا مِنَ النَّعِيمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ نَعِيمٍ نُسْألُ عَنْهُ ؟ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: الماءُ والتَّمْرُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا، والعَدُوُّ حاضِرٌ، فَعَنْ أيِّ نَعِيمٍ نُسْألُ ؟ قالَ: أما إنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ» وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ.
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جَسَدَكَ ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ ؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأطْعَمْناهم رُطَبًا وسَقَيْناهم ماءً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، فَقالَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما السّاعَةَ ؟ قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُوما، فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ. إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمُ (p-١٦٥٣)أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا وأخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: إيّاكَ والحَلُوبَ، فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ، ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فَلَمّا شَبِعُوا ورَوُوا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنُسْألَنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ» وفي البابِ أحادِيثُ اهـ.
العصر 103:1
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ العَصْرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي مُزَيْنَةَ الدّارِمِيِّ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: «كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ ثُمَّ يُسَلِّمَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالعَصْرِ وهو الدَّهْرُ، لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ مِن جِهَةِ مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرِ الأدْوارِ وتَعاقُبِ الظَّلامِ والضِّياءِ، فَإنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى الصّانِعِ عَزَّ وجَلَّ وعَلى تَوْحِيدِهِ، ويُقالُ لِلَّيْلِ عَصْرٌ ولِلنَّهارِ عَصْرٌ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎ولَمْ يَنْتَهِ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَمَنَّيا
ويُقالُ لِلْغَداةِ والعَشِيِّ عَصْرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأمْطُلُهُ العَصْرَيْنِ حَتّى يَمَلَّنِي ∗∗∗ ويَرْضى بِنِصْفِ الدَّيْنِ والأنْفُ راغِمُ
وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَرُوحُ بِنا عَمْرٌو وقَدْ قَصَرَ العَصْرَ ∗∗∗ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا أنَّهُ آخِرُ ساعَةٍ مِن ساعاتِ النَّهارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُرادَ بِهِ صَلاةُ العَصْرِ وهي الصَّلاةُ الوُسْطى الَّتِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وقِيلَ هو قَسَمٌ بِعَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ ورَبِّ العَصْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
الخُسْرُ والخُسْرانُ النُّقْصانُ وذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ في المَتاجِرِ والمَساعِي وصَرْفِ الأعْمارِ في أعْمالِ الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَلالٍ عَنِ الحَقِّ حَتّى يَمُوتَ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ: الكافِرُ، وقِيلَ جَماعَةٌ مِنَ الكُفّارِ: وهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ،، والعاصُ بْنُ وائِلٍ،، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، والأوَّلُ أوْلى لِما في لَفْظِ الإنْسانِ مِنَ العُمُومِ ولِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: في خُسْرٍ في هَلَكَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: عُقُوبَةٌ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَفي شَرٍّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والعَصْرِ بِسُكُونِ الصّادِ.
وقَرَؤُوا أيْضًا خُسْرٍ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَلامٍ " والعَصِرِ " بِكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: " خُسُرٍ " بِضَمِّ الخاءِ والسِّينِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّهم في رِبْحٍ لا في خُسْرٍ، لِأنَّهم عَمِلُوا لِلْآخِرَةِ ولَمْ تَشْغَلْهم أعْمالُ الدُّنْيا عَنْها، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ومَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الكافِرُ فَقَطْ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا الِاسْتِثْناءِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ولا وجْهَ لِما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ الصَّحابَةُ أوْ بَعْضُهم، فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ لا يَخْرُجُ عَنْهُ أحَدٌ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ وصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالحَقِّ الَّذِي يَحِقُّ القِيامُ بِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ والتَّوْحِيدُ، والقِيامُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، واجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ.
قالَ قَتادَةُ: بِالحَقِّ: أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِالتَّوْحِيدِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أيْ بِالصَّبْرِ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ والصَّبْرِ عَلى فَرائِضِهِ.
وفِي جَعْلِ التَّواصِي بِالصَّبْرِ قَرِينًا لِلتَّواصِي بِالحَقِّ دَلِيلٌ عَلى عَظِيمِ قَدْرِهِ وفَخامَةِ شَرَفِهِ، ومَزِيدِ ثَوابِ الصّابِرِينَ عَلى ما يَحِقُّ الصَّبْرُ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وأيْضًا التَّواصِي بِالصَّبْرِ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّواصِي بِالحَقِّ، فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ وتَخْصِيصُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى إنافَتِهِ عَلى خِصالِ الحَقِّ، ومَزِيدِ شَرَفِهِ عَلَيْها، وارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ عَنْها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ: الدَّهْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هو ساعَةٌ مِن ساعاتِ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنَ العَشِيِّ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ والعَصْرِ، ونَوائِبِ الدَّهْرِ، إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ، وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾، وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. اهـ.
العصر 103:2
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ العَصْرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي مُزَيْنَةَ الدّارِمِيِّ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: «كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ ثُمَّ يُسَلِّمَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالعَصْرِ وهو الدَّهْرُ، لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ مِن جِهَةِ مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرِ الأدْوارِ وتَعاقُبِ الظَّلامِ والضِّياءِ، فَإنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى الصّانِعِ عَزَّ وجَلَّ وعَلى تَوْحِيدِهِ، ويُقالُ لِلَّيْلِ عَصْرٌ ولِلنَّهارِ عَصْرٌ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎ولَمْ يَنْتَهِ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَمَنَّيا
ويُقالُ لِلْغَداةِ والعَشِيِّ عَصْرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأمْطُلُهُ العَصْرَيْنِ حَتّى يَمَلَّنِي ∗∗∗ ويَرْضى بِنِصْفِ الدَّيْنِ والأنْفُ راغِمُ
وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَرُوحُ بِنا عَمْرٌو وقَدْ قَصَرَ العَصْرَ ∗∗∗ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا أنَّهُ آخِرُ ساعَةٍ مِن ساعاتِ النَّهارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُرادَ بِهِ صَلاةُ العَصْرِ وهي الصَّلاةُ الوُسْطى الَّتِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وقِيلَ هو قَسَمٌ بِعَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ ورَبِّ العَصْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
الخُسْرُ والخُسْرانُ النُّقْصانُ وذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ في المَتاجِرِ والمَساعِي وصَرْفِ الأعْمارِ في أعْمالِ الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَلالٍ عَنِ الحَقِّ حَتّى يَمُوتَ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ: الكافِرُ، وقِيلَ جَماعَةٌ مِنَ الكُفّارِ: وهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ،، والعاصُ بْنُ وائِلٍ،، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، والأوَّلُ أوْلى لِما في لَفْظِ الإنْسانِ مِنَ العُمُومِ ولِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: في خُسْرٍ في هَلَكَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: عُقُوبَةٌ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَفي شَرٍّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والعَصْرِ بِسُكُونِ الصّادِ.
وقَرَؤُوا أيْضًا خُسْرٍ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَلامٍ " والعَصِرِ " بِكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: " خُسُرٍ " بِضَمِّ الخاءِ والسِّينِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّهم في رِبْحٍ لا في خُسْرٍ، لِأنَّهم عَمِلُوا لِلْآخِرَةِ ولَمْ تَشْغَلْهم أعْمالُ الدُّنْيا عَنْها، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ومَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الكافِرُ فَقَطْ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا الِاسْتِثْناءِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ولا وجْهَ لِما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ الصَّحابَةُ أوْ بَعْضُهم، فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ لا يَخْرُجُ عَنْهُ أحَدٌ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ وصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالحَقِّ الَّذِي يَحِقُّ القِيامُ بِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ والتَّوْحِيدُ، والقِيامُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، واجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ.
قالَ قَتادَةُ: بِالحَقِّ: أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِالتَّوْحِيدِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أيْ بِالصَّبْرِ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ والصَّبْرِ عَلى فَرائِضِهِ.
وفِي جَعْلِ التَّواصِي بِالصَّبْرِ قَرِينًا لِلتَّواصِي بِالحَقِّ دَلِيلٌ عَلى عَظِيمِ قَدْرِهِ وفَخامَةِ شَرَفِهِ، ومَزِيدِ ثَوابِ الصّابِرِينَ عَلى ما يَحِقُّ الصَّبْرُ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وأيْضًا التَّواصِي بِالصَّبْرِ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّواصِي بِالحَقِّ، فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ وتَخْصِيصُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى إنافَتِهِ عَلى خِصالِ الحَقِّ، ومَزِيدِ شَرَفِهِ عَلَيْها، وارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ عَنْها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ: الدَّهْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هو ساعَةٌ مِن ساعاتِ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنَ العَشِيِّ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ والعَصْرِ، ونَوائِبِ الدَّهْرِ، إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ، وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾، وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. اهـ.
العصر 103:3
وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ العَصْرِ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي مُزَيْنَةَ الدّارِمِيِّ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: «كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ ثُمَّ يُسَلِّمَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالعَصْرِ وهو الدَّهْرُ، لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ مِن جِهَةِ مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرِ الأدْوارِ وتَعاقُبِ الظَّلامِ والضِّياءِ، فَإنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى الصّانِعِ عَزَّ وجَلَّ وعَلى تَوْحِيدِهِ، ويُقالُ لِلَّيْلِ عَصْرٌ ولِلنَّهارِ عَصْرٌ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎ولَمْ يَنْتَهِ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَمَنَّيا
ويُقالُ لِلْغَداةِ والعَشِيِّ عَصْرانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأمْطُلُهُ العَصْرَيْنِ حَتّى يَمَلَّنِي ∗∗∗ ويَرْضى بِنِصْفِ الدَّيْنِ والأنْفُ راغِمُ
وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَرُوحُ بِنا عَمْرٌو وقَدْ قَصَرَ العَصْرَ ∗∗∗ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا أنَّهُ آخِرُ ساعَةٍ مِن ساعاتِ النَّهارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُرادَ بِهِ صَلاةُ العَصْرِ وهي الصَّلاةُ الوُسْطى الَّتِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وقِيلَ هو قَسَمٌ بِعَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ ورَبِّ العَصْرِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.
الخُسْرُ والخُسْرانُ النُّقْصانُ وذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ في المَتاجِرِ والمَساعِي وصَرْفِ الأعْمارِ في أعْمالِ الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَلالٍ عَنِ الحَقِّ حَتّى يَمُوتَ.
وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ: الكافِرُ، وقِيلَ جَماعَةٌ مِنَ الكُفّارِ: وهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ،، والعاصُ بْنُ وائِلٍ،، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، والأوَّلُ أوْلى لِما في لَفْظِ الإنْسانِ مِنَ العُمُومِ ولِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: في خُسْرٍ في هَلَكَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: عُقُوبَةٌ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَفي شَرٍّ.
قَرَأ الجُمْهُورُ والعَصْرِ بِسُكُونِ الصّادِ.
وقَرَؤُوا أيْضًا خُسْرٍ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ السِّينِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَلامٍ " والعَصِرِ " بِكَسْرِ الصّادِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: " خُسُرٍ " بِضَمِّ الخاءِ والسِّينِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإنَّهم في رِبْحٍ لا في خُسْرٍ، لِأنَّهم عَمِلُوا لِلْآخِرَةِ ولَمْ تَشْغَلْهم أعْمالُ الدُّنْيا عَنْها، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ومَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الكافِرُ فَقَطْ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا الِاسْتِثْناءِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، ولا وجْهَ لِما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ الصَّحابَةُ أوْ بَعْضُهم، فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ لا يَخْرُجُ عَنْهُ أحَدٌ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ أيْ وصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالحَقِّ الَّذِي يَحِقُّ القِيامُ بِهِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ والتَّوْحِيدُ، والقِيامُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ، واجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ.
قالَ قَتادَةُ: بِالحَقِّ: أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ بِالتَّوْحِيدِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أيْ بِالصَّبْرِ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ والصَّبْرِ عَلى فَرائِضِهِ.
وفِي جَعْلِ التَّواصِي بِالصَّبْرِ قَرِينًا لِلتَّواصِي بِالحَقِّ دَلِيلٌ عَلى عَظِيمِ قَدْرِهِ وفَخامَةِ شَرَفِهِ، ومَزِيدِ ثَوابِ الصّابِرِينَ عَلى ما يَحِقُّ الصَّبْرُ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وأيْضًا التَّواصِي بِالصَّبْرِ مِمّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّواصِي بِالحَقِّ، فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ وتَخْصِيصُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى إنافَتِهِ عَلى خِصالِ الحَقِّ، ومَزِيدِ شَرَفِهِ عَلَيْها، وارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ عَنْها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ قالَ: الدَّهْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هو ساعَةٌ مِن ساعاتِ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو ما قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنَ العَشِيِّ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ والعَصْرِ، ونَوائِبِ الدَّهْرِ، إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ، وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾، وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. اهـ.
الهمزة 104:1
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:2
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:3
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:4
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:5
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:6
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:7
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:8
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.
الهمزة 104:9
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(p-١٦٥٤)الوَيْلُ: هو مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً كَوْنُهُ دُعاءً عَلَيْهِمْ، وخَبَرُهُ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ والمَعْنى: خِزْيٌ أوْ عَذابٌ أوْ هَلَكَةٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، وعَلى هَذا هُما بِمَعْنًى. وقالَ أبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَغْتابُ الرَّجُلَ في وجْهِهِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُهُ مِن خَلْفِهِ.
وقالَ قَتادَةُ عَكْسُ هَذا.
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ اللُّمَزَةَ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ في أنْسابِهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: يَهْمِزُهم بِلِسانِهِ ويَلْمِزُهم بِعَيْنِهِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الهُمَزَةُ: الَّذِي يُؤْذِي جُلَساءَهُ بِسُوءِ اللَّفْظِ، واللُّمَزَةُ: الَّذِي يَكْسِرُ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ وبِرَأْسِهِ وبِحاجِبِهِ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ:
؎تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا وإنْ أُغَيَّبْ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ سُخْطٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
وأصْلُ الهُمَزَةِ الكَسْرُ، يُقالُ: هَمَزَ رَأْسَهُ كَسَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ومَن هَمَزْنا رَأْسَهُ تَهَشَّما
وقِيلَ أصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الضَّرْبُ والدَّفْعُ، يُقالُ: هَمَزَهُ يَهْمِزُهُ هَمْزًا، ولَمَزَهُ يَلْمِزُهُ لَمْزًا: إذا دَفَعَهُ وضَرَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن هَمَزْنا عِزَّهُ تَبَرْكَعا ∗∗∗ عَلى اسْتِهِ زَوْبَعَةً أوْ زَوْبَعا
البَرْكَعَةُ: القِيامُ عَلى أرْبَعٍ، يُقالُ بَرْكَعَهُ فَتَبَرْكَعَ: أيْ صَرَعَهُ فَوَقَعَ عَلى اسْتِهِ، كَذا في الصِّحاحِ.
وبِناءُ " فُعَلَةٍ " يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، وأنَّهُ قَدْ صارَ ذَلِكَ عادَةً لَهُ، ومِثْلُهُ ضُحَكَةٌ ولُعَنَةٌ.
قَرَأ الجُمْهُورُ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ بِضَمِّ أوَّلِهِما وفَتْحِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ الباقِرُ، والأعْرَجُ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو وائِلٍ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ " ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ " والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ولا يُنافِيهِ نُزُولُها عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ المَوْصُولُ بَدَلٌ مِن كُلِّ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ، وهَذا أرْجَحُ؛ لِأنَّ البَدَلَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ الطَّرْحِ، وإنَّما وصَفَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ، والعِلَّةُ في الهَمْزِ واللَّمْزِ، وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ وظَنَّهُ أنَّهُ الفَضْلُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْصِرُ غَيْرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَمَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وعَدَّدَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والكَلْبِيُّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو العالِيَةِ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدُ في الكَلِمَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ وهو جَمْعُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ وتَعْدِيدُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى عَدَّدَهُ أحْصاهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: وعَدَّدَهُ لِنَوائِبِ الدُّهُورِ.
يُقالُ أعْدَدْتُ الشَّيْءَ وعَدَدْتُهُ: إذا أمْسَكْتَهُ.
قالَ السُّدِّيُّ: أحْصى عَدَدَهُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: أعَدَّ مالَهُ لِمَن يَرِثُهُ.
وقِيلَ: المَعْنى: فاخَرَ بِكَثْرَتِهِ وعَدَدِهِ، والمَقْصُودُ ذَمُّهُ عَلى جَمْعِ المالِ وإمْساكِهِ وعَدَمِ إنْفاقِهِ في سَبِيلِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ في عَدَدِهِ: أنَّهُ جَمَعَ عَشِيرَتَهُ وأقارِبَهُ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن خَفَّفَ وعَدَّدَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى المالِ: أيْ وجَمَعَ عَدَدَهُ.
وجُمْلَةُ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّ مالَهُ يَتْرُكُهُ حَيًّا مُخَلَّدًا لا يَمُوتُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يَزِيدُ في عُمُرِهِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
وقِيلَ هو تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ الَّذِي يَخْلُدُ صاحِبُهُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، لا المالُ.
كَلّا رَدْعٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الحُسْبانِ: أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما يَحْسَبُهُ هَذا الَّذِي جَمَعَ المالَ وعَدَّدَهُ، واللّامُ في ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لَيُطْرَحَنَّ في النّارِ ولَيُلْقَيَنَّ فِيها.
قَرَأ الجُمْهُورُ لَيُنْبَذَنَّ وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانَّ " بِالتَّثْنِيَةِ: أيْ لَيُنْبَذُ هو ومالُهُ في النّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: " لَيَنْبِذَنَّ ": أيْ لَيَنْبِذَنَّ مالَهُ في النّارِ.
﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ حَتّى كَأنَّها لَيْسَتْ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ وتَبْلُغُهُ الأفْهامُ.
ثُمَّ بَيَّنَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ أيْ هي نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إضافَتِها إلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ، وكَذَلِكَ في وصْفِها بِالإيقادِ: وسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأنَّها تُحَطِّمُ كُلَّ ما يُلْقى فِيها وتُهَشِّمُهُ، ومِنهُ:
؎إنّا حَطَّمْنا بِالقَضِيبِ مُصْعَبًا ∗∗∗ يَوْمَ كَسَرْنا أنْفَهُ لِيَغْضَبا
قِيلَ: هي الطَّبَقَةُ السّادِسَةُ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنها، وقِيلَ الطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أيْ يَخْلُصُ حَرُّها إلى القُلُوبِ فَيَعْلُوها ويَغْشاها، وخَصَّ الأفْئِدَةَ مَعَ كَوْنِها تَغْشى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ لِأنَّها مَحَلُّ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، أوْ لِكَوْنِ الألَمِ إذا وصَلَ إلَيْها ماتَ صاحِبُها: أيْ إنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ وهم لا يَمُوتُونَ.
وقِيلَ مَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ أنَّها تَعْلَمُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَنِ العَذابِ، وذَلِكَ بِأماراتٍ عَرَّفَها اللَّهُ بِها.
﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَلَدِ، يُقالُ أصَدْتُ البابَ: إذا أغْلَقْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ:
؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصِيبًا مُوصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ: أيْ كائِنِينَ في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ مُوثَقِينَ فِيها.
أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم في عَمَدٍ، أوْ صِفَةٌ لِمُؤْصَدَةٍ: أيْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، فَلا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابٌ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ رُوحٌ.
ومَعْنى كَوْنِ العَمَدِ مُمَدَّدَةً: أنَّها مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقِيلَ العَمَدُ أغْلالٌ (p-١٦٥٥)فِي جَهَنَّمَ، وقِيلَ القُيُودُ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى هم في عَمَدٍ يُعَذَّبُونَ بِها، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ: قَرَأ الجُمْهُورُ في عَمَدٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والمِيمِ.
قِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لِعَمُودٍ.
وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: هي جَمْعٌ لِعَمُودٍ كَأدِيمٍ وأدَمٍ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ عِمادٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ العَيْنِ والمِيمِ جَمْعُ عَمُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما جَمْعانِ صَحِيحانِ لِعَمُودٍ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو حاتِمٍ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: العَمُودُ عَمُودُ البَيْتِ: وجَمْعُ القِلَّةِ أعْمِدَةٌ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ عُمُدٌ وعَمَدٌ، وقُرِئَ بِهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَمُودُ كُلُّ مُسْتَطِيلٍ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قالَ: هو المَشّاءُ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ، المُغْرِي بَيْنَ الإخْوانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ قالَ: طَعّانٌ لُمَزَةٌ قالَ: مُغْتابٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قالَ: مُطْبَقَةٌ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: عَمَدٌ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هي الأدْهَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأبْوابُ هي المُمَدَّدَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أدْخَلَهم في عَمَدٍ فَمَدَّتْ عَلَيْهِمْ في أعْناقِهِمْ فَشُدَّتْ بِها الأبْوابُ.