I'rab Al Quran li Al Darwish — القصص 28:69 – العنكبوت 29:38
المحتويات
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
القصص 28:69
الإعراب:
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟) كلام معطوف على ما قبله فقد سئلوا أولا عن إشراكهم وسئلوا ثانيا عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك، فيقول عطف على يناديهم وماذا اسم استفهام بكاملها في محل نصب لمفعول مطلق لا مفعول به لأن أجاب لا يتعدى إلى الثاني بنفسه بل بالباء، وإسقاط الجار ليس بقياس والمعنى أجبتموهم أي إجابة، والمرسلين مفعول به لأجبتم. (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة وعميت عليهم الأنباء فعل وفاعل وسيأتي بحث إسناد العمى للأنباء في باب البلاغة، ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين في يومئذ عوض عن جملة، أي: يوم، إذ نودوا وقيل لهم ماذا أجبتم المرسلين، فهم الفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يتساءلون خبر. (فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين وأما حرف شرط وتفصيل ومن اسم موصول مبتدأ وجملة تاب صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو مفعول مطلق أي عمل عملا صالحا والفاء رابطة وعسى فعل ماض جامد من أفعال الرجاء التي تعمل عمل كان واسمها مستتر تقديره هو وأن وما في حيزها خبرها والرجاء من الكرام بمثابة التحقيق أو يكون الرجاء على بابه ولكنه من قبل التائب ومن المفلحين خبر يكون. (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الواو استئنافية وربك مبتدأ وجملة يخلق خبر وما مفعول به ويشاء صلة ويختار عطف على يخلق وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولهم خبرها المقدم والخيرة اسمها المؤخر والجملة مفسرة لأنها مقررة لما قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة، وقيل إن ما مصدرية أي يختار اختيارهم والمصدر واقع موقع المفعول أي مختارهم، وقيل ان ما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي ما كان لهم الخيرة فيه، وقيل أيضا ان كان تامة، وجملة لهم الخيرة كلام مستأنف وسبحان الله مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وفاعله هو وعما متعلقان بتعالى وجملة يشركون صلة.
(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ) الواو عاطفة وربك مبتدأ وجملة يعلم خبر وما مفعول به وتكن صلة وصدورهم فاعل وما عطف على ما الأولى وجملة يعلنون صلة. (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وهو مبتدأ والله خبر وجملة لا إله إلا هو خبر ثان وقد تقدم اعراب كلمة التوحيد والاختلاف فيها وله خبر مقدم والحمد مبتدأ مؤخر والجملة خبر ثالث وفي الأولى حال والآخرة عطف على الأولى واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع والواو نائب فاعل.
البلاغة:
1- إسناد العمى إلى الأنباء مجاز عقلي وقد تقدم كثيرا والمراد أن الأنباء صارت كالعمى لا تهتدي إليهم وقيل انه من باب القلب وان أصله فعموا عن الأنباء والقلب، كما تقدم، من محسنات الكلام.
2- الادماج:
في قوله «له الحمد في الأولى والآخرة» الادماج، وحدّه أن يدمج المتكلم إما غرضا في غرض أو بديعا في بديع بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين والآخر مدمج في الغرض الذي هو موجود في الكلام، فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد وهذه وإن خرج الكلام فيهما مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيها حقيقة في الباطن لأنه أولى بالحمد في الدارين ورب الحمد والشكر والثناء الحسن في المحلين حقيقة، وغيره من جميع خلقه إنما يحمد في الدنيا مجازا، وحقيقة حمده راجعة إلى ولي الحمد سبحانه.
القصص 28:70
الإعراب:
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟) كلام معطوف على ما قبله فقد سئلوا أولا عن إشراكهم وسئلوا ثانيا عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك، فيقول عطف على يناديهم وماذا اسم استفهام بكاملها في محل نصب لمفعول مطلق لا مفعول به لأن أجاب لا يتعدى إلى الثاني بنفسه بل بالباء، وإسقاط الجار ليس بقياس والمعنى أجبتموهم أي إجابة، والمرسلين مفعول به لأجبتم. (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة وعميت عليهم الأنباء فعل وفاعل وسيأتي بحث إسناد العمى للأنباء في باب البلاغة، ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين في يومئذ عوض عن جملة، أي: يوم، إذ نودوا وقيل لهم ماذا أجبتم المرسلين، فهم الفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يتساءلون خبر. (فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين وأما حرف شرط وتفصيل ومن اسم موصول مبتدأ وجملة تاب صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو مفعول مطلق أي عمل عملا صالحا والفاء رابطة وعسى فعل ماض جامد من أفعال الرجاء التي تعمل عمل كان واسمها مستتر تقديره هو وأن وما في حيزها خبرها والرجاء من الكرام بمثابة التحقيق أو يكون الرجاء على بابه ولكنه من قبل التائب ومن المفلحين خبر يكون. (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الواو استئنافية وربك مبتدأ وجملة يخلق خبر وما مفعول به ويشاء صلة ويختار عطف على يخلق وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولهم خبرها المقدم والخيرة اسمها المؤخر والجملة مفسرة لأنها مقررة لما قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة، وقيل إن ما مصدرية أي يختار اختيارهم والمصدر واقع موقع المفعول أي مختارهم، وقيل ان ما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي ما كان لهم الخيرة فيه، وقيل أيضا ان كان تامة، وجملة لهم الخيرة كلام مستأنف وسبحان الله مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وفاعله هو وعما متعلقان بتعالى وجملة يشركون صلة.
(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ) الواو عاطفة وربك مبتدأ وجملة يعلم خبر وما مفعول به وتكن صلة وصدورهم فاعل وما عطف على ما الأولى وجملة يعلنون صلة. (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وهو مبتدأ والله خبر وجملة لا إله إلا هو خبر ثان وقد تقدم اعراب كلمة التوحيد والاختلاف فيها وله خبر مقدم والحمد مبتدأ مؤخر والجملة خبر ثالث وفي الأولى حال والآخرة عطف على الأولى واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع والواو نائب فاعل.
البلاغة:
1- إسناد العمى إلى الأنباء مجاز عقلي وقد تقدم كثيرا والمراد أن الأنباء صارت كالعمى لا تهتدي إليهم وقيل انه من باب القلب وان أصله فعموا عن الأنباء والقلب، كما تقدم، من محسنات الكلام.
2- الادماج:
في قوله «له الحمد في الأولى والآخرة» الادماج، وحدّه أن يدمج المتكلم إما غرضا في غرض أو بديعا في بديع بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين والآخر مدمج في الغرض الذي هو موجود في الكلام، فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد وهذه وإن خرج الكلام فيهما مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيها حقيقة في الباطن لأنه أولى بالحمد في الدارين ورب الحمد والشكر والثناء الحسن في المحلين حقيقة، وغيره من جميع خلقه إنما يحمد في الدنيا مجازا، وحقيقة حمده راجعة إلى ولي الحمد سبحانه.
القصص 28:71
اللغة:
(سَرْمَداً) : السرمد: الدائم المتصل وقد اختلف العلماء في اشتقاقه فقيل هو من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل كما في دلامص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء متينة وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره واختار صاحب القاموس وبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر.
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام ورأيتم فعل وفاعل أي أخبروني وإن شرطية وجعل الله عليكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والله فاعل وعليكم حال والليل مفعول جعل الأول وسرمدا مفعوله الثاني والى يوم القيامة صفة لسرمدا وقد علقت أرأيتم عن العمل بسبب الاستفهام وجواب الشرط محذوف يقدر بما يقتضيه السياق وتقديره فأخبروني.
(مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول أرأيتم ومن اسم استفهام مبتدأ وإله خبر وغير الله صفة إله وجملة يأتيكم صفة ثانية لإله وبضياء جار ومجرور متعلقان بيأتيكم، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدر ولا نافية ويسمعون فعل مضارع والواو فاعل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من رحمته خبر مقدم وجعل لكم مؤول بمصدر بتقدير أن مبتدأ مؤخر وهو كثير في كلامهم ومنه المثل:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولكم مفعول جعل الثاني والليل مفعول جعل الأول والنهار عطف على الليل، وزواج بينهما لنكتة سيرد تفصيلها في باب البلاغة، ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا ولتبتغوا من فضله عطف على لتسكنوا ولعلكم لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تقدم اعرابها بلفظها قريبا فجدد به عهدا. (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ) الواو عاطفة ليتساوق الكلام ونزعنا فعل وفاعل أي أخرجنا ومن كل أمة متعلقان بنزعنا وشهيدا مفعول به، فقلنا عطف على نزعنا وجملة هاتوا مقول القول وهاتوا فعل أمر وفاعل وبرهانكم مفعول به. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الفاء عاطفة وعلموا فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علموا وأن واسمها ولله خبرها وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبرها.
البلاغة:
1- المناسبة:
في قوله «أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا» إلى قوله «أفلا تبصرون» فن المناسبة وهي ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال «أفلا تسمعون» لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية «أفلا تبصرون» لمناسبة ما بين النهار والإبصار.
أما المناسبة اللفظية فسيأتي حديثها في هذا الكتاب.
2- اللف والنشر:
اللف والنشر في قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» وقد تقدم بحث هذا الفن وذكرنا انه عبارة عن ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة أولها: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل في ثانيهما وهو النهار، ولإرادة شكركم وهذا من أطرف ما يتفنن به المتكلم نثرا أو شعرا.
3- صحة المقابلات:
وفي هذه الآية أيضا فن عرفوه بأن صحة المقابلات، وهو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف والموافق على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وهذه الآية من معجز هذا الباب، فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الارداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحسّ ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ووجوه المصالح ويتقي أسباب المعاطب، والآية سيقت للاعتداد بالنعم فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال «لتسكنوا» و «لتبتغوا» بلام التعليل فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل والاشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعضه، ثم أخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض «ومن رحمته» وكل هذا في بعض آية عدتها إحدى عشرة لفظة، فالحظ هذه البلاغة الظاهرة والفصاحة المتظاهرة.
4- التفسير:
وفي قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» فن التفسير وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، ومنه قول ابن حيوس.
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
القصص 28:72
اللغة:
(سَرْمَداً) : السرمد: الدائم المتصل وقد اختلف العلماء في اشتقاقه فقيل هو من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل كما في دلامص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء متينة وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره واختار صاحب القاموس وبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر.
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام ورأيتم فعل وفاعل أي أخبروني وإن شرطية وجعل الله عليكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والله فاعل وعليكم حال والليل مفعول جعل الأول وسرمدا مفعوله الثاني والى يوم القيامة صفة لسرمدا وقد علقت أرأيتم عن العمل بسبب الاستفهام وجواب الشرط محذوف يقدر بما يقتضيه السياق وتقديره فأخبروني.
(مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول أرأيتم ومن اسم استفهام مبتدأ وإله خبر وغير الله صفة إله وجملة يأتيكم صفة ثانية لإله وبضياء جار ومجرور متعلقان بيأتيكم، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدر ولا نافية ويسمعون فعل مضارع والواو فاعل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من رحمته خبر مقدم وجعل لكم مؤول بمصدر بتقدير أن مبتدأ مؤخر وهو كثير في كلامهم ومنه المثل:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولكم مفعول جعل الثاني والليل مفعول جعل الأول والنهار عطف على الليل، وزواج بينهما لنكتة سيرد تفصيلها في باب البلاغة، ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا ولتبتغوا من فضله عطف على لتسكنوا ولعلكم لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تقدم اعرابها بلفظها قريبا فجدد به عهدا. (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ) الواو عاطفة ليتساوق الكلام ونزعنا فعل وفاعل أي أخرجنا ومن كل أمة متعلقان بنزعنا وشهيدا مفعول به، فقلنا عطف على نزعنا وجملة هاتوا مقول القول وهاتوا فعل أمر وفاعل وبرهانكم مفعول به. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الفاء عاطفة وعلموا فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علموا وأن واسمها ولله خبرها وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبرها.
البلاغة:
1- المناسبة:
في قوله «أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا» إلى قوله «أفلا تبصرون» فن المناسبة وهي ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال «أفلا تسمعون» لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية «أفلا تبصرون» لمناسبة ما بين النهار والإبصار.
أما المناسبة اللفظية فسيأتي حديثها في هذا الكتاب.
2- اللف والنشر:
اللف والنشر في قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» وقد تقدم بحث هذا الفن وذكرنا انه عبارة عن ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة أولها: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل في ثانيهما وهو النهار، ولإرادة شكركم وهذا من أطرف ما يتفنن به المتكلم نثرا أو شعرا.
3- صحة المقابلات:
وفي هذه الآية أيضا فن عرفوه بأن صحة المقابلات، وهو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف والموافق على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وهذه الآية من معجز هذا الباب، فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الارداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحسّ ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ووجوه المصالح ويتقي أسباب المعاطب، والآية سيقت للاعتداد بالنعم فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال «لتسكنوا» و «لتبتغوا» بلام التعليل فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل والاشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعضه، ثم أخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض «ومن رحمته» وكل هذا في بعض آية عدتها إحدى عشرة لفظة، فالحظ هذه البلاغة الظاهرة والفصاحة المتظاهرة.
4- التفسير:
وفي قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» فن التفسير وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، ومنه قول ابن حيوس.
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
القصص 28:73
اللغة:
(سَرْمَداً) : السرمد: الدائم المتصل وقد اختلف العلماء في اشتقاقه فقيل هو من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل كما في دلامص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء متينة وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره واختار صاحب القاموس وبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر.
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام ورأيتم فعل وفاعل أي أخبروني وإن شرطية وجعل الله عليكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والله فاعل وعليكم حال والليل مفعول جعل الأول وسرمدا مفعوله الثاني والى يوم القيامة صفة لسرمدا وقد علقت أرأيتم عن العمل بسبب الاستفهام وجواب الشرط محذوف يقدر بما يقتضيه السياق وتقديره فأخبروني.
(مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول أرأيتم ومن اسم استفهام مبتدأ وإله خبر وغير الله صفة إله وجملة يأتيكم صفة ثانية لإله وبضياء جار ومجرور متعلقان بيأتيكم، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدر ولا نافية ويسمعون فعل مضارع والواو فاعل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من رحمته خبر مقدم وجعل لكم مؤول بمصدر بتقدير أن مبتدأ مؤخر وهو كثير في كلامهم ومنه المثل:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولكم مفعول جعل الثاني والليل مفعول جعل الأول والنهار عطف على الليل، وزواج بينهما لنكتة سيرد تفصيلها في باب البلاغة، ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا ولتبتغوا من فضله عطف على لتسكنوا ولعلكم لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تقدم اعرابها بلفظها قريبا فجدد به عهدا. (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ) الواو عاطفة ليتساوق الكلام ونزعنا فعل وفاعل أي أخرجنا ومن كل أمة متعلقان بنزعنا وشهيدا مفعول به، فقلنا عطف على نزعنا وجملة هاتوا مقول القول وهاتوا فعل أمر وفاعل وبرهانكم مفعول به. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الفاء عاطفة وعلموا فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علموا وأن واسمها ولله خبرها وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبرها.
البلاغة:
1- المناسبة:
في قوله «أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا» إلى قوله «أفلا تبصرون» فن المناسبة وهي ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال «أفلا تسمعون» لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية «أفلا تبصرون» لمناسبة ما بين النهار والإبصار.
أما المناسبة اللفظية فسيأتي حديثها في هذا الكتاب.
2- اللف والنشر:
اللف والنشر في قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» وقد تقدم بحث هذا الفن وذكرنا انه عبارة عن ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة أولها: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل في ثانيهما وهو النهار، ولإرادة شكركم وهذا من أطرف ما يتفنن به المتكلم نثرا أو شعرا.
3- صحة المقابلات:
وفي هذه الآية أيضا فن عرفوه بأن صحة المقابلات، وهو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف والموافق على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وهذه الآية من معجز هذا الباب، فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الارداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحسّ ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ووجوه المصالح ويتقي أسباب المعاطب، والآية سيقت للاعتداد بالنعم فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال «لتسكنوا» و «لتبتغوا» بلام التعليل فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل والاشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعضه، ثم أخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض «ومن رحمته» وكل هذا في بعض آية عدتها إحدى عشرة لفظة، فالحظ هذه البلاغة الظاهرة والفصاحة المتظاهرة.
4- التفسير:
وفي قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» فن التفسير وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، ومنه قول ابن حيوس.
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
القصص 28:74
اللغة:
(سَرْمَداً) : السرمد: الدائم المتصل وقد اختلف العلماء في اشتقاقه فقيل هو من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل كما في دلامص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء متينة وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره واختار صاحب القاموس وبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر.
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام ورأيتم فعل وفاعل أي أخبروني وإن شرطية وجعل الله عليكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والله فاعل وعليكم حال والليل مفعول جعل الأول وسرمدا مفعوله الثاني والى يوم القيامة صفة لسرمدا وقد علقت أرأيتم عن العمل بسبب الاستفهام وجواب الشرط محذوف يقدر بما يقتضيه السياق وتقديره فأخبروني.
(مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول أرأيتم ومن اسم استفهام مبتدأ وإله خبر وغير الله صفة إله وجملة يأتيكم صفة ثانية لإله وبضياء جار ومجرور متعلقان بيأتيكم، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدر ولا نافية ويسمعون فعل مضارع والواو فاعل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من رحمته خبر مقدم وجعل لكم مؤول بمصدر بتقدير أن مبتدأ مؤخر وهو كثير في كلامهم ومنه المثل:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولكم مفعول جعل الثاني والليل مفعول جعل الأول والنهار عطف على الليل، وزواج بينهما لنكتة سيرد تفصيلها في باب البلاغة، ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا ولتبتغوا من فضله عطف على لتسكنوا ولعلكم لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تقدم اعرابها بلفظها قريبا فجدد به عهدا. (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ) الواو عاطفة ليتساوق الكلام ونزعنا فعل وفاعل أي أخرجنا ومن كل أمة متعلقان بنزعنا وشهيدا مفعول به، فقلنا عطف على نزعنا وجملة هاتوا مقول القول وهاتوا فعل أمر وفاعل وبرهانكم مفعول به. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الفاء عاطفة وعلموا فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علموا وأن واسمها ولله خبرها وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبرها.
البلاغة:
1- المناسبة:
في قوله «أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا» إلى قوله «أفلا تبصرون» فن المناسبة وهي ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال «أفلا تسمعون» لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية «أفلا تبصرون» لمناسبة ما بين النهار والإبصار.
أما المناسبة اللفظية فسيأتي حديثها في هذا الكتاب.
2- اللف والنشر:
اللف والنشر في قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» وقد تقدم بحث هذا الفن وذكرنا انه عبارة عن ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة أولها: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل في ثانيهما وهو النهار، ولإرادة شكركم وهذا من أطرف ما يتفنن به المتكلم نثرا أو شعرا.
3- صحة المقابلات:
وفي هذه الآية أيضا فن عرفوه بأن صحة المقابلات، وهو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف والموافق على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وهذه الآية من معجز هذا الباب، فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الارداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحسّ ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ووجوه المصالح ويتقي أسباب المعاطب، والآية سيقت للاعتداد بالنعم فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال «لتسكنوا» و «لتبتغوا» بلام التعليل فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل والاشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعضه، ثم أخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض «ومن رحمته» وكل هذا في بعض آية عدتها إحدى عشرة لفظة، فالحظ هذه البلاغة الظاهرة والفصاحة المتظاهرة.
4- التفسير:
وفي قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» فن التفسير وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، ومنه قول ابن حيوس.
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
القصص 28:75
اللغة:
(سَرْمَداً) : السرمد: الدائم المتصل وقد اختلف العلماء في اشتقاقه فقيل هو من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل كما في دلامص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء متينة وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره واختار صاحب القاموس وبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر.
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام ورأيتم فعل وفاعل أي أخبروني وإن شرطية وجعل الله عليكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والله فاعل وعليكم حال والليل مفعول جعل الأول وسرمدا مفعوله الثاني والى يوم القيامة صفة لسرمدا وقد علقت أرأيتم عن العمل بسبب الاستفهام وجواب الشرط محذوف يقدر بما يقتضيه السياق وتقديره فأخبروني.
(مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول أرأيتم ومن اسم استفهام مبتدأ وإله خبر وغير الله صفة إله وجملة يأتيكم صفة ثانية لإله وبضياء جار ومجرور متعلقان بيأتيكم، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدر ولا نافية ويسمعون فعل مضارع والواو فاعل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من رحمته خبر مقدم وجعل لكم مؤول بمصدر بتقدير أن مبتدأ مؤخر وهو كثير في كلامهم ومنه المثل:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولكم مفعول جعل الثاني والليل مفعول جعل الأول والنهار عطف على الليل، وزواج بينهما لنكتة سيرد تفصيلها في باب البلاغة، ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا ولتبتغوا من فضله عطف على لتسكنوا ولعلكم لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تقدم اعرابها بلفظها قريبا فجدد به عهدا. (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ) الواو عاطفة ليتساوق الكلام ونزعنا فعل وفاعل أي أخرجنا ومن كل أمة متعلقان بنزعنا وشهيدا مفعول به، فقلنا عطف على نزعنا وجملة هاتوا مقول القول وهاتوا فعل أمر وفاعل وبرهانكم مفعول به. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الفاء عاطفة وعلموا فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علموا وأن واسمها ولله خبرها وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبرها.
البلاغة:
1- المناسبة:
في قوله «أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا» إلى قوله «أفلا تبصرون» فن المناسبة وهي ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال «أفلا تسمعون» لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية «أفلا تبصرون» لمناسبة ما بين النهار والإبصار.
أما المناسبة اللفظية فسيأتي حديثها في هذا الكتاب.
2- اللف والنشر:
اللف والنشر في قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» وقد تقدم بحث هذا الفن وذكرنا انه عبارة عن ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة أولها: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل في ثانيهما وهو النهار، ولإرادة شكركم وهذا من أطرف ما يتفنن به المتكلم نثرا أو شعرا.
3- صحة المقابلات:
وفي هذه الآية أيضا فن عرفوه بأن صحة المقابلات، وهو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف والموافق على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وهذه الآية من معجز هذا الباب، فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الارداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحسّ ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ووجوه المصالح ويتقي أسباب المعاطب، والآية سيقت للاعتداد بالنعم فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال «لتسكنوا» و «لتبتغوا» بلام التعليل فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل والاشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعضه، ثم أخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض «ومن رحمته» وكل هذا في بعض آية عدتها إحدى عشرة لفظة، فالحظ هذه البلاغة الظاهرة والفصاحة المتظاهرة.
4- التفسير:
وفي قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» فن التفسير وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، ومنه قول ابن حيوس.
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
القصص 28:76
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:77
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:78
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:79
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:80
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:81
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:82
اللغة:
(لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أي تنوء بها العصبة أن تتكلف النهوض بها وسيأتي مزيد عن القلب في هذا التعبير في باب البلاغة، يقال ناء ينوء نوءا وتنواء: نهض بجهد ومشقة وناء به الحمل أثقله وأماله وناء النجم سقط في المغرب مع الفجر وطلع آخر يقابله من ساعته في المشرق وفي المصباح: «وناء ينوء نوءا مهموز من باب قال: نهض» وفي القاموس:
ناء بالحمل نهض متثاقلا وناء به الحمل أثقله وأماله كأناءه وناء فلان أثقل فسقط ضد.
(المفاتح) : جمع مفتاح وكان حقه أن يجمع على مفاتيح ولكن هذه الياء قد تحذف كما أنهم قد يجتلبون ياء في الجمع الذي لا ياء فيه وقيل إن مفاتحه جمع مفتح فلا حذف فيه.
الإعراب:
(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لذكر قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر، وإن حرف مشبه بالفعل وقارون اسمها وهو علم أعجمي مثل هارون ولم ينصرف للعلمية والعجمة ولو كان فاعولا من قرن لانصرف، وستأتي قصته قريبا وجملة كان خبر إن واسم كان مستتر يعود على قارون ومن قوم موسى خبر كان أي ابن عمه أو ابن خالته وآمن به كما سيأتي. (فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الفاء عاطفة وبغى فعل ماض وفاعله مستتر يعود على قارون وعليهم متعلقان بيبغى وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به ومن الكنوز متعلقان بآتيناه وما اسم موصول مفعول به ثان لآتيناه وإن حرف مشبه بالفعل ومفاتحه اسم إن ولتنوء اللام المزحلقة وتنوء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي يعود على المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به والجملة خبر إن وجملة إن مفاتحه لتنوء بالعصبة لا محل لها لأنها صلة وبالعصبة متعلقان بتنوء وأولي القوة صفة للعصبة. (إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) الظرف متعلق بتنوء وقيل باذكر مضمرا وقال أبو البقاء: «ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف دل عليه الكلام أي بغى إذ قال له قومه» وجملة قال في محل جر بإضافة الظرف إليها وله متعلقان بقال وقومه فاعل وجملة لا تفرح مقول القول ولا ناهية وتفرح فعل مضارع مجزوم بلا وفاعل تفرح مستتر تقديره أنت وجملة إن الله تعليل للنهي وسيأتي سر هذا التعليل في باب البلاغة وان واسمها وجملة لا يحب الفرحين خبرها.
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الواو عاطفة وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وفي حرف جر وما مصدرية أو موصولية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال أي متقلبا فيما آتاك ومعنى «في» هنا السببية وجملة آتاك الله لا محل لها وآتاك الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والدار مفعول ابتغ والآخرة صفة للدار ولا تنس لا ناهية وتنس فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ونصيبك مفعول به ومن الدنيا متعلقان بمحذوف على أنه حال والنصيب ما يكفيك ويسد حاجتك ويصلح أمورك، وسيأتي مزيد بحث من النصيب والمراد منه في باب البلاغة. (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو عاطفة وأحسن فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكما نعت لمصدر محذوف أي إحسانا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك وإليك متعلقان بأحسن ولا تبغ الفساد عطف على ما تقدم وفي الأرض متعلقان بالفساد أو بتبغ وجملة إن الله تعليل للنهي المتقدم وان واسمها وجملة لا يحب المفسدين خبرها. (قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) استئناف مسوق للإجابة عن قولهم إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرا لمن أنعم به عليك، وإنما كافة ومكفوفة وأوتيته فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وعلى علم في موضع الحال من نائب الفاعل في أوتيته وعندي ظرف متعلق بمحذوف صفة لعلم أي إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي. قالوا: لم يكن في بني إسرائيل أعلم منه بالتوراة بعد موسى وهارون. (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر دخلت عليه الهمزة، أي أعلم ما ادعاه أو لم يعلم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعلم فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على قارون وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلم وأن واسمها وجملة قد أهلك خبرها وفاعل أهلك ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله ومن قبله متعلقان بأهلك ومن القرون حال من «من هو أشد» مقدمة عليه ومن اسم موصول مفعول به لأهلك وهو مبتدأ وأشد خبر والجملة صلة الموصول وقوة تمييز ومنه متعلقان بأشد وأكثر جمعا عطف على أشد منه قوة.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) الواو عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد أي ان الله مطلع على ذنوب المجرمين لا يحتاج إلى سؤال عنها، ولا نافية ويسأل فعل مضارع مبني للمجهول وعن ذنوبهم متعلقان بيسأل والمجرمون نائب فاعل.
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الفاء عاطفة على قال «إنما أوتيته على علم» وما بينهما اعتراض وعلى قومه متعلقان بخرج وفي زينته متعلقان بمحذوف حال أي متبخترا في زينته متقلبا في تعاجيبه، وسيأتي وصف مسهب للزينة التي خرج حاليا بها. (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان الشعور الذي خالج المؤمنين والكافرين على السواء عند ما رأوا هذا النعيم المتدفق والرواء العجيب جريا على ديدن البشر من تمني المناعم. وقال الذين فعل وفاعل وجملة يريدون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة للحياة ويا حرف نداء والمنادى محذوف وليت حرف تمن ونصب ولنا خبرها ومثل اسمها المؤخر وما اسم موصول مضاف اليه وجملة أوتي صلة وهو فعل ماضي مبني للمجهول وقارون نائب فاعل وهذا التمني على سبيل الغبطة وهي أن يتمنى الإنسان مثل نعمة صاحبه من غير أن يتمنى زوالها منه أما الحسد فهي تمني النعمة التي يتمتع بها المحسود وزوالها عنه، وفي الحديث:
«قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ فقال: لا إلا كما يضرّ العضاة الخبط» والعضاة كل شجر يغطلم فيه شوك والخبط ضرب الشجرة بالعصا ليسقط ورقها. وان واسمها واللام المزحلقة وذو حظ خبرها وعظيم صفة لحظ. والحظ: البخت والجد يقال رجل مبخوت ومجدود كما يقال فلان ذو حظ وحظيظ ومحظوظ وما الدنيا إلا أحاظ قسّمت وجدود.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا العلم صلة وويلكم مفعول لفعل محذوف على سبيل الردع أي ألزمكم الله ويلكم. (ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) ثواب الله مبتدأ وخير خبر ولمن متعلقان بخير وجملة آمن صلة وعمل صالحا عطف على آمن والواو عاطفة ولا نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان وإلا اداة حصر والصابرون نائب فاعل مؤخر وهو المفعول الأول والضمير يعود على الإثابة أو الأعمال الصالحة. (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) الفاء هي الفصيحة أي إن شئت أن تعلم مصيره وما آل اليه أمره، وخسفنا فعل وفاعل وبه متعلقان بخسفنا وبداره عطف على به والأرض مفعول به، والخسف له معان كثيرة منها خسف المكان يخسف خسوفا من باب ضرب أي ذهب في الأرض وغرق وخسف القمر ذهب ضوءه وخسفت العين ذهب ضوءها وغابت وخسف في الأرض وخسف به فيها غاب، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوبا جديدا فاختال فيه خسف به من شفير جهنم فهو يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها» قال في فتح الباري: «ان مقتضى الحديث أن الأرض لا تأكل جسده فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون» وفي القاموس: التجلجل السوخ في الأرض والتحرك والتضعضع والجلجلة التحريك. (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وله خبرها المقدم ومن حرف جر زائد وفئة مجرور لفظا بمن مرفوع محلا على أنه اسم كان وجملة ينصرونه صفة لفئة أو هي خبر كان وله متعلقان بمحذوف حال ويجوز أن تكون كان تامة وفئة فاعل كان ومن دون الله حال من فئة وما نافية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على قارون ومن المنتصرين خبر كان. (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ) الواو عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص والذين اسمها وجملة تمنوا صلة ومكانه مفعول به وبالأمس متعلقان بتمنوا وجملة يقولون خبر أصبح ويجوز أن تكون أصبح تامة والذين هو الفاعل وجملة يقولون في محل نصب على أنها حال أي قائلين. (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) وي فيه مذاهب نختار منها واحدا وسنورد الباقي في باب الفوائد، فهي اسم فعل مضارع معناه أتعجب والكاف حرف جر وان حرف مشبه بالفعل وهي مع ما في حيزها في محل جر بالكاف والجار والمجرور متعلقان بوي ومعنى الكاف هنا التعليل لا التشبيه والله اسمها وجملة يبسط الرزق خبر أن والرزق مفعول به ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر عطف على يبسط. (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) لولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مصدر مؤول مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوبا ومنّ الله فعل وفاعل وعلينا متعلقان بمنّ واللام واقعة في جواب لولا وجملة خسف بنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومفعول خسف محذوف أي الأرض. (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تقدم اعرابها وسيأتي المزيد منه قريبا وهو تأكيد لما قبله.
البلاغة:
1- القلب:
في قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) في هذا التعبير فن القلب وقد تقدم القول فيه، والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي لتنهض بها بجهد، قال أبو عبيد: هو كقولهم عرضت الناقة على الحوض وأصله عرضت الحوض على الناقة وقول حسان بن ثابت:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفاح هصره اجتناء
ويروى كأن سلافة، والسلافة أول ما يسيل من ماء العنب أما سبيئة فمعناه مشتراة يقال سبأ الخمر كنصر إذا اشتراها ويروى أيضا خبيئة أي مصونة في الخابية وبيت رأس قرية بالشام اشتهرت بجودة الخمر، وقد وقع بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح خلاف بين سبيئة فقال صاحب القاموس وقد وهم الجوهري وانما سبى الخمر سبيا وسباء حملها من بلد إلى بلد، ومزاجها خبر يكون مع أنه معرفة وعسل اسمها مع أنه نكرة وكان القياس العكس فقلب الكلام، وتأوله الفارسي بأن انتصاب مزاجها على الظرفية المجازية، وروي برفع الكلمات الثلاث على أن اسم كان ضمير الشأن وجملة يكون صفة سبيئة وعلى أنيابها في البيت الثاني خبر كأن المشددة والمزاج ما يمزج به غيره والمراد بالانياب الثغر كله فهو مجاز، والغض الطري الرطب وهو صفة لموصوف محذوف أي طعم عضن غض، والهصر عطف الغصن وإمالته إليك من غير إبانة لتجني ثمره والتهصير مبالغة فيه ويروى جناء بدل اجتناء وهو الجنى بالقصر ومدّه هنا ضرورة واسناده التهصير إلى الاجتناء مجاز عقلي من باب الاسناد للسبب، شبّه ريقها بالخمر الجيدة وطعمه بطعم تفاح ميل غصنه الجاني ليجتنيه إشارة إلى انه مجني الآن لم يمض عليه شيء من الزمان وتلويحا لتشبيه محبوبته بالأغصان في الرقة واللين والتثني.
هذا وقد قيل أنه لا قلب في الآية وان الباء للتعدية كالهمزة والأصل لتنوء المفاتح العصبة الأقوياء أي تثقلهم، وهو رأي صاحب العمدة أيضا.
2- المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعا وجمع المفاتح أيضا وذكر النوء والعصبة وأولي القوة قيل كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق، وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة وتعدد ما يتعلق بما يملكه، استمع إلى عمرو بن الأيهم التغلبي كيف أراد أن يصف قومه بالكرم فلم يزل يتقصى ما يمكن أن يقدر عليه من صفات فقال:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حبث كانا
3- بلاغة التعليل:
وفي قوله «إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين» حسن تعليل جميل بجمله «إن الله لا يحب الفرحين» لأن الفرح المحض في الدنيا من حيث أنها دنيا مذموم على الإطلاق، وأي فرح بشيء زائل وظل حائل. وقد رمق أبو الطيب سماء هذه البلاغة بقوله البديع:
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يد من عليه حالا
أشد الغم عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا
ألست تراه كيف جعل الحزن عالقا بفؤاده حتى كأنه يعشقه ولكنه لا يواصلني إلا حين تهجرني فإذا هجرتني واصل الحزن قلبي؟
ثم كيف يحث على الزهد في الدنيا لمن رزق فيها سرورا ومكانة لعلمه أنه زائل عما حين، والسرور الذي يعرف صاحبه أنه منحسر عنه قريبا هو أشد الغم، وهذا من أبلغ الكلام وأوعظه وأدله على عبقرية شاعر الخلود.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول هدبة بن خشرم لما قاده معاوية إلى الحرة ليقتصّ منه في زياد بن زيد العذري فلقيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فاستنشده فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أبتغي شرا إذا الشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
والمفراح كثير الفرح والمراد نفي الفرح من أصله وصرف الدهر حدثانه وإذا شرطية فلا بد بعدها من فعل أي إذا سرني الدهر وإذا كان الشر تاركي، وأحمل مبني للمجهول وأركب للفاعل والأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
4- التتميم:
وفي قوله «ولا تنس نصيبك من الدنيا» تتميم لا بد منه لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب في الآخرة ففي الحديث:
«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» وقد عاد أبو الطيب فرمق سماء هذه البلاغة مرة ثانية فقال من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة وقد توفيت بميّافارقين وجاءه الخبر بموتها إلى حلب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وأنشد أبو الطيب قصيدته في جمادى الآخرة من السنة ونورد نخبة مختارة منها:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
وترتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
والشاهد المراد هو في قوله: نصيبك في حياتك البيت، أي إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته كنصيبه من وصال خياله في منامه، ووجه الشبه: اتفاق الأمرين في سرعة انقضائهما، واشتباههما في عجلة زوالهما.
الفوائد:
1- قصة قارون:
نسج المؤرخون والقصاصون روايات شتى وأساطير عجيبة حول هذه القصة الفريدة التي تصلح نواة لمسرحية عالمية تمثّل الزهو الذي يصيب المتمولين، وقد اختلف في نسبه، قيل كان ابن عم موسى بن عمران وقيل كان ابن خالته، وهو أول من ضرب به المثل في كثرة المال، وفي قوله تعالى «وكان من قوم موسى» دليل على إيمانه وقرابته وكان من أحسن الناس وجها وقراءة للتوراة ويسمّى المنور لحسنة وقيل إنه كان من السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، قيل انه خرج راكبا بغلة شهباء ومعه سبعمائة وصيفة على بغال شهب عليهن الحلي والحلل والزينة فكاد يفتن بني إسرائيل ثم بغى وتكبر وركب رأسه حتى أهلكه الله. وقد أخطأ صاحب المنجد فزعم أنه وزير فرعون كأنه ظنه هامان وهذا من نتائج التسرع وعدم التحقيق. وكان سبب هلاكه أنه حسد هرون على الحبورة، وذلك أن موسى لما قطع البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون فحصلت له النبوة، والحبورة بضم الحاء: الإمامة، مأخوذة من الحبر بمعنى الرئيس في الدين، فوجد قارون من ذلك في نفسه وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر على هذا، فقال موسى: والله ما صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصاه فجاءوا بها فألقى موسى بها في قبّة له وكان ذلك بأمر الله ودعا موسى أن يريهم الله بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون أما ترى صنع الله تعالى لهارون فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل وكان كثير المال والتبع فدعا عليه موسى.
وقيل: انه لما نزلت آية الزكاة على موسى جاء موسى اليه وصالحه على كل ألف دينار دينار وألف شاة وعلى هذا الأسلوب فحسب ذلك فوجده مالا عظيما فجمع قومه من بني إسرائيل وقال إن موسى يأمركم بكل شيء فتطيعونه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت فقال عليّ بفلانة البغي فأعطاها مائة دينار وأمرها أن تقذف موسى بنفسها وجاء إلى موسى وقال:
إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتناههم فخرج فقام فيهم خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنى جلدناه، فإن كانت له امرأة رجمناه فصاح به قارون وقال له وان كنت أنت؟ فقال نعم. قال:
فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، فقال: عليّ بها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ما يقول هذا؟ فقالت:
لا والله يا نبي الله وانما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي، فسجد موسى يبكي ويتضرع، فأوحى الله إليه: مر الأرض بما تشتهيه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت بعضه ثم لم يزل يقول خذيه وهو يغيب حتى لم يبقى من جسده إلا القليل وهو يتضرع الىّ موسى ويسأله وهو يقول خذيه إلى أن غاب. إلى آخر هذه القصة التي ينفسح فيها الخيال ويمتد إلى أبعد مداه.
2- وي كأنه:
وعدناك بالمزيد من بحث «وي كأنه» فنقول: ذهب الخليل وسيبويه إلى أن «وي» منفصلة معناها أعجب ثم ابتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون وكأن هاهنا لا يراد بها التشبيه بل القطع واليقين، وعليه بيت الكتاب:
وي كأن من يكن له نشب يجب ... ومن يفتقر يعش عيش حر
لم يرد هاهنا التشبيه بل اليقين، وذهب أبو الحسن إلى أن ويك مفصولة من أنه، وكان يعقوب يقف على ويك ثم يبتدىء «أنه لا يفلح الكافرون» كأنه أراد بذلك الاعلام بأن الكاف من جملة «وي» وليست التي في صدره «كأن» انما هي «وي» على ما ذكرنا أضيف إليها الكاف للخطاب على حدها في ذلك وأولئك ويؤيد ذلك قول عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فجاء بها متصلة بالكاف من غير «أن» فهي حرف خطاب وليست اسما مخفوضا كالتي في غلامك وصاحبك لأن «وي» إذا كانت اسما للفعل فهي في مذهب الفعل فلا تضاف لذلك وأن وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو «وي» ولذلك فتحت أن والتقدير أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، فلما سقط الجار وصل الفعل فنصب، وذهب الكسائي إلى أن الأصل «ويلك» فحذفت اللام تخفيفا وهو بعيد وليس عليه دليل، وقد ذهب بعضهم إلى أن «ويكأنه» بكساله اسم واحد، والمراد شدة الاتصال وانه لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا ونص عبارة سيبويه: «وسألت الخليل عن قوله:
«ويكأنه لا يفلح» وعن قوله «ويكأن الله» فزعم أنها مفصولة من «كأن» والمعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا.
وقال الأعلم: «الشاهد في قوله «ويكأن» وهي عند الخليل وسيبويه مركبة من «وي» ومعناها التنبيه مع «كأن» التي للتشبيه ومعناه: ألم تر، وعلى ذلك تأولها المفسرون.
وزعم بعض النحويين أن قولهم «ويكأن» بمعنى ويلك اعلم ان، فحذفت اللام من «ويلك» كما قال عنترة «ويك عنتر أقدم» وحذف اعلم لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير.
وقال أبو سعيد السيرافي: في «ويكأن» ثلاثة أقوال: أحدها قول الخليل تكون «وي» كلمة يقولها المنتدم ويقولها المندّم غيره ومعنى «كأن» التحقيق، والثاني قول الفراء تكون «ويك» موصولة بالكاف و «أن» منفصلة ومعناه عنده تقرير كقولك: أما ترى، والقول الثالث يذهب إلى أن «ويك» بمعنى «ويلك» وجعل «أن» مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك اعلم أن الله.
وقال الفراء: «ويكأن» في كلام العرب تقرير كقول الرجل:
أما ترى إلى صنع الله، وقال الشاعر: وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وأخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، معناه: أما ترينه وراء البيت؟ وقد يذهب بعض النحويين إلى أنهما كلمتان يريد:
«ويك، انه» أراد ويلك فحذف اللام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم انه وراء البيت فاضمر اعلم، ولم نجد العرب تعمل الظن والعلم بإضمار مضمر في أن وذلك انه يبطل إذا كان بين الكلمتين أو في آخر الكلمة، فلما أضمره جرى مجرى الترك، ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن تقول يا هذا إنك قائم ولا يا هذان فمت تريد علمت أو أعلم أو ظننت أو أظن، وأما حذف اللام من «ويلك» حتى تصير «ويك» فقد تقوله العرب لكثرتها في الكلام قال عنترة: ولقد شفى نفسي (البيت) وقد قال آخرون ان معنى «وي كأن» أن «وي» منفصلة كقولك لرجل «وي» تريد أما ترى ما بين يديك فقال: وي ثم استأنف كأن يعني أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وهي تعجب وكأن في مذهب الظن والعلم فهذا وجه مستقيم ولم تكتبها العرب منفصلة ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليست منه وقال أبو الفتح ابن جني: في «ويكأنه» ثلاثة أقوال:
- فمنهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على «وي» .
- ومنهم من يقف على «وي» .
- ويعقوب يقف على «ويك» وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه عندنا قول الخليل وسيبويه وهو أن «وي» اسم سمي به الفعل على قياس مذهبهما فكأنه اسم اعجب ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون» ف «كأن» هنا إخبار عار من معنى التشبيه ومعناه ان الله يبسط الرزق و «وي» منفصلة من «كأن» وعليه قول الشاعر: وي كأن من (البيت) ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه قوله:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... متيم أشتهي ما ليس موجودا
أي أنا حين أمسي متيم من حالي كذا وكذا.
وقال البغدادي في خزانة الأدب: «وأما قول أبي الفتح أن «وي» عند سيبويه والخليل بمعنى أعجب فمردود وكذا قوله: ان «كأن» عندهما عارية عن التشبيه، وأما تنظيره لخلو التشبيه بقوله:
كأنني حين أمسي (البيت) فهو مذهب الزجاج فيما إذا كان خبر «كأن» مشتقا لا تكون للتشبيه لئلا يتحد المشبه والمشبه به. وأجيب بأن الخبر في مثله محذوف أي كأنني رجل متيم فهي على الأصل للتشبيه» .
وقال التبريزي في شرح المعلقات «وقوله «ويك» قال بعض النحويين معناه ويحك وقال بعضهم معناه ويلك وكلا القولين خطأ لأنه كان يجب أن يقرأ «ويك انه» كما يقال ويلك انه وويحك انه» .
وقال الزمخشري في كشافه: «وي مفصولة عن كأن وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم ومعناه أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم، وقولهم: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وتندموا ثم قالوا «كأنه لا يفلح الكافرون» أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وي كأن من يكن له نشب (البيت) .
وحكى الفراء أن اعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت، وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى «ويلك» وان المعنى ألم تعلم انه لا يفلح الكافرون ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى «وي» كقوله «ويك عنتر أقدم» وانه بمعنى لأنه واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كأن ذلك وهو الخسف بقارون ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء كأنه، ومنهم من يقف على ويك» .
رأي الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين وهو مطلع جدا: «وي كأنه، فيه مذاهب:
أحدها: أن وي كلمة برأسها وهي اسم فعل معناها أعجب أي أنا والكاف للتعليل وأن وما في حيزها مجرورة بها أي أعجب لأن الله يبسط الرزق إلخ وقياس هذا أن يوقف على وي وحدها وقد فعل هذا الكسائي:
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه إلا أنه ذهب منها معناه وصارت للخبر واليقين وهذا أيضا يناسبه الوقف على وي.
الثالث: أن ويك كلمة برأسها والكاف حرف خطاب وأن معمولة لمحذوف أي اعلم أن الله يبسط الرزق إلخ قاله الأخفش وهذا يناسب الوقف على ويك وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك فحذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الكاف أيضا كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها ألم تر وربما نقل ذلك عن ابن عباس ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير ولم يرسم في القرآن إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على وي وأبو عمرو على ويك» .
وقال ابن هشام في أوضح المسالك وشرحه للشيخ خالد الأزهري: «ووا ووي وواها الثلاثة كلها بمعنى أعجب كقوله تعالى «وي كأنه لا يفلح الكافرون» فوي اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والكاف حرف تعليل وأن مصدرية مؤكدة أي أعجب لعدم فلاح الكافرين» وهذا ما اخترناه في الاعراب ورأيناه أبعد من الارتياب وأدنى إلى الصواب.
القصص 28:83
الإعراب:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الآخرة أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض. وتلك مبتدأ والدار بدل من اسم الاشارة والآخرة صفة للدار وجملة نجعلها خبر تلك وللذين متعلقان بنجعلها على أنه مفعوله الثاني وجملة لا يريدون صلة للذين وعلوا مفعول يريدون وفي الأرض صفة لعلوا ولا فسادا عطف على علوا والعاقبة مبتدأ وللمتقين خبر. (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) كلام مستأنف مسوق لوعد المحسنين ووعيد المسيئين بعد ذكر أن العاقبة للمتقين. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبالحسنة متعلقان بجاء والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم وخير منها مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل والجواب معا خبر من.
(وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة عملوا السيئات صلة الموصول وإلا أداة حصر وما مفعول ثان ليجزى وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا. (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) إن واسمها وجملة فرض صلة وعليك متعلقان بفرض والقرآن مفعول به، ومعنى فرض عليك القرآن: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، واللام المزحلقة ورادك خبر إن والكاف في محل جر بالإضافة والى معاد متعلقان براد لأنه اسم فاعل، وتنكيره يدل على أمور ستأتي في باب البلاغة.
(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وهو بمعنى عالم ولذلك نصب من جملة جاء صلة وبالهدى متعلقان بجاء ومن عطف على من الأولى وهو مبتدأ وفي ضلال خبره ومبين صفته. (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) الواو عاطفة وما نافية وكنت كان واسمها وجملة ترجو خبرها وأن وما في حيزها مفعول ترجو وإليك متعلقان بيلقى والكتاب نائب فاعل وإلا أداة حصر بمعنى لكن للاستدراك ورحمة مفعول لأجله ومن ربك صفة لرحمة، ويجوز أن يكون الاستثناء على حاله أي متصلا ولكنه محمول على المعنى. (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتكونن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو اسمها والكاف مفعول به والنون المذكورة نون التوكيد الثقيلة وظهيرا خبر تكونن وللكافرين متعلقان بظهيرا. (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيره، ونعيده لوجود فارق بسيط، فلا ناهية ويصدنك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وحذفت الواو لأن النون لما حذفت التقى ساكنان الواو والنون المدغمة فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة وأصله يصدونك، وعن آيات الله متعلقان بيصدنك والظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى أضيف إلى مثله وإذ تضاف اليه أسماء الزمان كقولك حينئذ ويومئذ وقد تقدم بحث ذلك، وجملة أنزلت في محل جر باضافة الظرف إليها وإليك متعلقان بأنزلت. (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواو عاطفة وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والى ربك متعلقان بادع ولا ناهية وتكونن مجزوم بها وقد تقدم إعرابه واسمها مستتر تقديره أنت ومن المشركين خبرها.
(وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب له والمراد غيره على حد قوله «لئن أشركت ليحبطن عملك» ومع الله ظرف مكان متعلق بتدع وإلها مفعول به وآخر نعت لإلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابها والجملة في محل نصب حال. (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل مبتدأ وشيء مضاف اليه وهالك خبر المبتدأ وإلا أداة استثناء ووجهه مستثنى وسيأتي معنى الاستثناء في باب البلاغة، له خبر مقدم والحكم مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب الفاعل.
البلاغة:
1- سر التنكير في قوله «إلى معاد» للتفخيم كأن هذا المعاد قد أعد لك دون غيرك من البشر، قيل المراد به مكة وهو يوم الفتح فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منه فيعود اليه فالمعاد على هذا اسم مكان، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار ليلا سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة تنزى الحنين في صدره وهاجه الشوق إلى موطنه وحنّ إلى مولده ومولد آبائه فنزلت عليه تطمينا لقلبه، وفيها يتجلى مقدار الحنين إلى الأوطان، وقد رمق الشعراء جميعا سماء هذا المعنى فقال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل والقول في حب الأوطان كثير، ومما يؤكد ما قلناه في حب الأوطان قول الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: «وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» .
وقال بعضهم «من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه» .
وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا ثم ينصب عصاه ويلقي عليه كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
وقال يحيى بن طالب الحنفي من شعراء الدولة العباسية:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربه ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى خيركنّ قليل ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكنّ مقيل
أريد انحدارا نحوها فيردّني ... ويمنعني دين عليّ ثقيل
أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
والأبيات المشهورة للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة بعد القطار
وعيشك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
وحسبنا ما قدمناه الآن.
2- المجاز المرسل:
في قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه» أي إلا إياه، من ذكر البعض وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة.
القصص 28:84
الإعراب:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الآخرة أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض. وتلك مبتدأ والدار بدل من اسم الاشارة والآخرة صفة للدار وجملة نجعلها خبر تلك وللذين متعلقان بنجعلها على أنه مفعوله الثاني وجملة لا يريدون صلة للذين وعلوا مفعول يريدون وفي الأرض صفة لعلوا ولا فسادا عطف على علوا والعاقبة مبتدأ وللمتقين خبر. (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) كلام مستأنف مسوق لوعد المحسنين ووعيد المسيئين بعد ذكر أن العاقبة للمتقين. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبالحسنة متعلقان بجاء والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم وخير منها مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل والجواب معا خبر من.
(وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة عملوا السيئات صلة الموصول وإلا أداة حصر وما مفعول ثان ليجزى وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا. (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) إن واسمها وجملة فرض صلة وعليك متعلقان بفرض والقرآن مفعول به، ومعنى فرض عليك القرآن: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، واللام المزحلقة ورادك خبر إن والكاف في محل جر بالإضافة والى معاد متعلقان براد لأنه اسم فاعل، وتنكيره يدل على أمور ستأتي في باب البلاغة.
(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وهو بمعنى عالم ولذلك نصب من جملة جاء صلة وبالهدى متعلقان بجاء ومن عطف على من الأولى وهو مبتدأ وفي ضلال خبره ومبين صفته. (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) الواو عاطفة وما نافية وكنت كان واسمها وجملة ترجو خبرها وأن وما في حيزها مفعول ترجو وإليك متعلقان بيلقى والكتاب نائب فاعل وإلا أداة حصر بمعنى لكن للاستدراك ورحمة مفعول لأجله ومن ربك صفة لرحمة، ويجوز أن يكون الاستثناء على حاله أي متصلا ولكنه محمول على المعنى. (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتكونن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو اسمها والكاف مفعول به والنون المذكورة نون التوكيد الثقيلة وظهيرا خبر تكونن وللكافرين متعلقان بظهيرا. (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيره، ونعيده لوجود فارق بسيط، فلا ناهية ويصدنك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وحذفت الواو لأن النون لما حذفت التقى ساكنان الواو والنون المدغمة فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة وأصله يصدونك، وعن آيات الله متعلقان بيصدنك والظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى أضيف إلى مثله وإذ تضاف اليه أسماء الزمان كقولك حينئذ ويومئذ وقد تقدم بحث ذلك، وجملة أنزلت في محل جر باضافة الظرف إليها وإليك متعلقان بأنزلت. (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواو عاطفة وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والى ربك متعلقان بادع ولا ناهية وتكونن مجزوم بها وقد تقدم إعرابه واسمها مستتر تقديره أنت ومن المشركين خبرها.
(وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب له والمراد غيره على حد قوله «لئن أشركت ليحبطن عملك» ومع الله ظرف مكان متعلق بتدع وإلها مفعول به وآخر نعت لإلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابها والجملة في محل نصب حال. (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل مبتدأ وشيء مضاف اليه وهالك خبر المبتدأ وإلا أداة استثناء ووجهه مستثنى وسيأتي معنى الاستثناء في باب البلاغة، له خبر مقدم والحكم مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب الفاعل.
البلاغة:
1- سر التنكير في قوله «إلى معاد» للتفخيم كأن هذا المعاد قد أعد لك دون غيرك من البشر، قيل المراد به مكة وهو يوم الفتح فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منه فيعود اليه فالمعاد على هذا اسم مكان، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار ليلا سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة تنزى الحنين في صدره وهاجه الشوق إلى موطنه وحنّ إلى مولده ومولد آبائه فنزلت عليه تطمينا لقلبه، وفيها يتجلى مقدار الحنين إلى الأوطان، وقد رمق الشعراء جميعا سماء هذا المعنى فقال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل والقول في حب الأوطان كثير، ومما يؤكد ما قلناه في حب الأوطان قول الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: «وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» .
وقال بعضهم «من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه» .
وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا ثم ينصب عصاه ويلقي عليه كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
وقال يحيى بن طالب الحنفي من شعراء الدولة العباسية:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربه ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى خيركنّ قليل ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكنّ مقيل
أريد انحدارا نحوها فيردّني ... ويمنعني دين عليّ ثقيل
أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
والأبيات المشهورة للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة بعد القطار
وعيشك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
وحسبنا ما قدمناه الآن.
2- المجاز المرسل:
في قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه» أي إلا إياه، من ذكر البعض وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة.
القصص 28:85
الإعراب:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الآخرة أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض. وتلك مبتدأ والدار بدل من اسم الاشارة والآخرة صفة للدار وجملة نجعلها خبر تلك وللذين متعلقان بنجعلها على أنه مفعوله الثاني وجملة لا يريدون صلة للذين وعلوا مفعول يريدون وفي الأرض صفة لعلوا ولا فسادا عطف على علوا والعاقبة مبتدأ وللمتقين خبر. (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) كلام مستأنف مسوق لوعد المحسنين ووعيد المسيئين بعد ذكر أن العاقبة للمتقين. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبالحسنة متعلقان بجاء والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم وخير منها مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل والجواب معا خبر من.
(وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة عملوا السيئات صلة الموصول وإلا أداة حصر وما مفعول ثان ليجزى وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا. (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) إن واسمها وجملة فرض صلة وعليك متعلقان بفرض والقرآن مفعول به، ومعنى فرض عليك القرآن: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، واللام المزحلقة ورادك خبر إن والكاف في محل جر بالإضافة والى معاد متعلقان براد لأنه اسم فاعل، وتنكيره يدل على أمور ستأتي في باب البلاغة.
(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وهو بمعنى عالم ولذلك نصب من جملة جاء صلة وبالهدى متعلقان بجاء ومن عطف على من الأولى وهو مبتدأ وفي ضلال خبره ومبين صفته. (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) الواو عاطفة وما نافية وكنت كان واسمها وجملة ترجو خبرها وأن وما في حيزها مفعول ترجو وإليك متعلقان بيلقى والكتاب نائب فاعل وإلا أداة حصر بمعنى لكن للاستدراك ورحمة مفعول لأجله ومن ربك صفة لرحمة، ويجوز أن يكون الاستثناء على حاله أي متصلا ولكنه محمول على المعنى. (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتكونن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو اسمها والكاف مفعول به والنون المذكورة نون التوكيد الثقيلة وظهيرا خبر تكونن وللكافرين متعلقان بظهيرا. (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيره، ونعيده لوجود فارق بسيط، فلا ناهية ويصدنك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وحذفت الواو لأن النون لما حذفت التقى ساكنان الواو والنون المدغمة فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة وأصله يصدونك، وعن آيات الله متعلقان بيصدنك والظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى أضيف إلى مثله وإذ تضاف اليه أسماء الزمان كقولك حينئذ ويومئذ وقد تقدم بحث ذلك، وجملة أنزلت في محل جر باضافة الظرف إليها وإليك متعلقان بأنزلت. (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواو عاطفة وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والى ربك متعلقان بادع ولا ناهية وتكونن مجزوم بها وقد تقدم إعرابه واسمها مستتر تقديره أنت ومن المشركين خبرها.
(وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب له والمراد غيره على حد قوله «لئن أشركت ليحبطن عملك» ومع الله ظرف مكان متعلق بتدع وإلها مفعول به وآخر نعت لإلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابها والجملة في محل نصب حال. (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل مبتدأ وشيء مضاف اليه وهالك خبر المبتدأ وإلا أداة استثناء ووجهه مستثنى وسيأتي معنى الاستثناء في باب البلاغة، له خبر مقدم والحكم مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب الفاعل.
البلاغة:
1- سر التنكير في قوله «إلى معاد» للتفخيم كأن هذا المعاد قد أعد لك دون غيرك من البشر، قيل المراد به مكة وهو يوم الفتح فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منه فيعود اليه فالمعاد على هذا اسم مكان، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار ليلا سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة تنزى الحنين في صدره وهاجه الشوق إلى موطنه وحنّ إلى مولده ومولد آبائه فنزلت عليه تطمينا لقلبه، وفيها يتجلى مقدار الحنين إلى الأوطان، وقد رمق الشعراء جميعا سماء هذا المعنى فقال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل والقول في حب الأوطان كثير، ومما يؤكد ما قلناه في حب الأوطان قول الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: «وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» .
وقال بعضهم «من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه» .
وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا ثم ينصب عصاه ويلقي عليه كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
وقال يحيى بن طالب الحنفي من شعراء الدولة العباسية:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربه ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى خيركنّ قليل ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكنّ مقيل
أريد انحدارا نحوها فيردّني ... ويمنعني دين عليّ ثقيل
أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
والأبيات المشهورة للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة بعد القطار
وعيشك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
وحسبنا ما قدمناه الآن.
2- المجاز المرسل:
في قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه» أي إلا إياه، من ذكر البعض وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة.
القصص 28:86
الإعراب:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الآخرة أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض. وتلك مبتدأ والدار بدل من اسم الاشارة والآخرة صفة للدار وجملة نجعلها خبر تلك وللذين متعلقان بنجعلها على أنه مفعوله الثاني وجملة لا يريدون صلة للذين وعلوا مفعول يريدون وفي الأرض صفة لعلوا ولا فسادا عطف على علوا والعاقبة مبتدأ وللمتقين خبر. (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) كلام مستأنف مسوق لوعد المحسنين ووعيد المسيئين بعد ذكر أن العاقبة للمتقين. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبالحسنة متعلقان بجاء والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم وخير منها مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل والجواب معا خبر من.
(وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة عملوا السيئات صلة الموصول وإلا أداة حصر وما مفعول ثان ليجزى وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا. (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) إن واسمها وجملة فرض صلة وعليك متعلقان بفرض والقرآن مفعول به، ومعنى فرض عليك القرآن: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، واللام المزحلقة ورادك خبر إن والكاف في محل جر بالإضافة والى معاد متعلقان براد لأنه اسم فاعل، وتنكيره يدل على أمور ستأتي في باب البلاغة.
(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وهو بمعنى عالم ولذلك نصب من جملة جاء صلة وبالهدى متعلقان بجاء ومن عطف على من الأولى وهو مبتدأ وفي ضلال خبره ومبين صفته. (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) الواو عاطفة وما نافية وكنت كان واسمها وجملة ترجو خبرها وأن وما في حيزها مفعول ترجو وإليك متعلقان بيلقى والكتاب نائب فاعل وإلا أداة حصر بمعنى لكن للاستدراك ورحمة مفعول لأجله ومن ربك صفة لرحمة، ويجوز أن يكون الاستثناء على حاله أي متصلا ولكنه محمول على المعنى. (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتكونن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو اسمها والكاف مفعول به والنون المذكورة نون التوكيد الثقيلة وظهيرا خبر تكونن وللكافرين متعلقان بظهيرا. (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيره، ونعيده لوجود فارق بسيط، فلا ناهية ويصدنك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وحذفت الواو لأن النون لما حذفت التقى ساكنان الواو والنون المدغمة فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة وأصله يصدونك، وعن آيات الله متعلقان بيصدنك والظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى أضيف إلى مثله وإذ تضاف اليه أسماء الزمان كقولك حينئذ ويومئذ وقد تقدم بحث ذلك، وجملة أنزلت في محل جر باضافة الظرف إليها وإليك متعلقان بأنزلت. (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواو عاطفة وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والى ربك متعلقان بادع ولا ناهية وتكونن مجزوم بها وقد تقدم إعرابه واسمها مستتر تقديره أنت ومن المشركين خبرها.
(وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب له والمراد غيره على حد قوله «لئن أشركت ليحبطن عملك» ومع الله ظرف مكان متعلق بتدع وإلها مفعول به وآخر نعت لإلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابها والجملة في محل نصب حال. (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل مبتدأ وشيء مضاف اليه وهالك خبر المبتدأ وإلا أداة استثناء ووجهه مستثنى وسيأتي معنى الاستثناء في باب البلاغة، له خبر مقدم والحكم مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب الفاعل.
البلاغة:
1- سر التنكير في قوله «إلى معاد» للتفخيم كأن هذا المعاد قد أعد لك دون غيرك من البشر، قيل المراد به مكة وهو يوم الفتح فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منه فيعود اليه فالمعاد على هذا اسم مكان، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار ليلا سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة تنزى الحنين في صدره وهاجه الشوق إلى موطنه وحنّ إلى مولده ومولد آبائه فنزلت عليه تطمينا لقلبه، وفيها يتجلى مقدار الحنين إلى الأوطان، وقد رمق الشعراء جميعا سماء هذا المعنى فقال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل والقول في حب الأوطان كثير، ومما يؤكد ما قلناه في حب الأوطان قول الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: «وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» .
وقال بعضهم «من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه» .
وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا ثم ينصب عصاه ويلقي عليه كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
وقال يحيى بن طالب الحنفي من شعراء الدولة العباسية:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربه ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى خيركنّ قليل ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكنّ مقيل
أريد انحدارا نحوها فيردّني ... ويمنعني دين عليّ ثقيل
أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
والأبيات المشهورة للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة بعد القطار
وعيشك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
وحسبنا ما قدمناه الآن.
2- المجاز المرسل:
في قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه» أي إلا إياه، من ذكر البعض وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة.
القصص 28:87
الإعراب:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الآخرة أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض. وتلك مبتدأ والدار بدل من اسم الاشارة والآخرة صفة للدار وجملة نجعلها خبر تلك وللذين متعلقان بنجعلها على أنه مفعوله الثاني وجملة لا يريدون صلة للذين وعلوا مفعول يريدون وفي الأرض صفة لعلوا ولا فسادا عطف على علوا والعاقبة مبتدأ وللمتقين خبر. (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) كلام مستأنف مسوق لوعد المحسنين ووعيد المسيئين بعد ذكر أن العاقبة للمتقين. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبالحسنة متعلقان بجاء والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم وخير منها مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل والجواب معا خبر من.
(وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة عملوا السيئات صلة الموصول وإلا أداة حصر وما مفعول ثان ليجزى وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا. (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) إن واسمها وجملة فرض صلة وعليك متعلقان بفرض والقرآن مفعول به، ومعنى فرض عليك القرآن: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، واللام المزحلقة ورادك خبر إن والكاف في محل جر بالإضافة والى معاد متعلقان براد لأنه اسم فاعل، وتنكيره يدل على أمور ستأتي في باب البلاغة.
(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وهو بمعنى عالم ولذلك نصب من جملة جاء صلة وبالهدى متعلقان بجاء ومن عطف على من الأولى وهو مبتدأ وفي ضلال خبره ومبين صفته. (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) الواو عاطفة وما نافية وكنت كان واسمها وجملة ترجو خبرها وأن وما في حيزها مفعول ترجو وإليك متعلقان بيلقى والكتاب نائب فاعل وإلا أداة حصر بمعنى لكن للاستدراك ورحمة مفعول لأجله ومن ربك صفة لرحمة، ويجوز أن يكون الاستثناء على حاله أي متصلا ولكنه محمول على المعنى. (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتكونن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو اسمها والكاف مفعول به والنون المذكورة نون التوكيد الثقيلة وظهيرا خبر تكونن وللكافرين متعلقان بظهيرا. (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيره، ونعيده لوجود فارق بسيط، فلا ناهية ويصدنك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وحذفت الواو لأن النون لما حذفت التقى ساكنان الواو والنون المدغمة فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة وأصله يصدونك، وعن آيات الله متعلقان بيصدنك والظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى أضيف إلى مثله وإذ تضاف اليه أسماء الزمان كقولك حينئذ ويومئذ وقد تقدم بحث ذلك، وجملة أنزلت في محل جر باضافة الظرف إليها وإليك متعلقان بأنزلت. (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواو عاطفة وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والى ربك متعلقان بادع ولا ناهية وتكونن مجزوم بها وقد تقدم إعرابه واسمها مستتر تقديره أنت ومن المشركين خبرها.
(وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب له والمراد غيره على حد قوله «لئن أشركت ليحبطن عملك» ومع الله ظرف مكان متعلق بتدع وإلها مفعول به وآخر نعت لإلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابها والجملة في محل نصب حال. (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل مبتدأ وشيء مضاف اليه وهالك خبر المبتدأ وإلا أداة استثناء ووجهه مستثنى وسيأتي معنى الاستثناء في باب البلاغة، له خبر مقدم والحكم مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب الفاعل.
البلاغة:
1- سر التنكير في قوله «إلى معاد» للتفخيم كأن هذا المعاد قد أعد لك دون غيرك من البشر، قيل المراد به مكة وهو يوم الفتح فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منه فيعود اليه فالمعاد على هذا اسم مكان، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار ليلا سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة تنزى الحنين في صدره وهاجه الشوق إلى موطنه وحنّ إلى مولده ومولد آبائه فنزلت عليه تطمينا لقلبه، وفيها يتجلى مقدار الحنين إلى الأوطان، وقد رمق الشعراء جميعا سماء هذا المعنى فقال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل والقول في حب الأوطان كثير، ومما يؤكد ما قلناه في حب الأوطان قول الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: «وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» .
وقال بعضهم «من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه» .
وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا ثم ينصب عصاه ويلقي عليه كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
وقال يحيى بن طالب الحنفي من شعراء الدولة العباسية:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربه ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى خيركنّ قليل ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكنّ مقيل
أريد انحدارا نحوها فيردّني ... ويمنعني دين عليّ ثقيل
أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
والأبيات المشهورة للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة بعد القطار
وعيشك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
وحسبنا ما قدمناه الآن.
2- المجاز المرسل:
في قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه» أي إلا إياه، من ذكر البعض وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة.
القصص 28:88
الإعراب:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن الآخرة أعدت للذين لا يريدون علوا في الأرض. وتلك مبتدأ والدار بدل من اسم الاشارة والآخرة صفة للدار وجملة نجعلها خبر تلك وللذين متعلقان بنجعلها على أنه مفعوله الثاني وجملة لا يريدون صلة للذين وعلوا مفعول يريدون وفي الأرض صفة لعلوا ولا فسادا عطف على علوا والعاقبة مبتدأ وللمتقين خبر. (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) كلام مستأنف مسوق لوعد المحسنين ووعيد المسيئين بعد ذكر أن العاقبة للمتقين. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وجاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبالحسنة متعلقان بجاء والفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم وخير منها مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل والجواب معا خبر من.
(وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم ويجزى فعل مضارع مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة عملوا السيئات صلة الموصول وإلا أداة حصر وما مفعول ثان ليجزى وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا. (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) إن واسمها وجملة فرض صلة وعليك متعلقان بفرض والقرآن مفعول به، ومعنى فرض عليك القرآن: أوجب عليك تلاوته وتبليغه، واللام المزحلقة ورادك خبر إن والكاف في محل جر بالإضافة والى معاد متعلقان براد لأنه اسم فاعل، وتنكيره يدل على أمور ستأتي في باب البلاغة.
(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وهو بمعنى عالم ولذلك نصب من جملة جاء صلة وبالهدى متعلقان بجاء ومن عطف على من الأولى وهو مبتدأ وفي ضلال خبره ومبين صفته. (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) الواو عاطفة وما نافية وكنت كان واسمها وجملة ترجو خبرها وأن وما في حيزها مفعول ترجو وإليك متعلقان بيلقى والكتاب نائب فاعل وإلا أداة حصر بمعنى لكن للاستدراك ورحمة مفعول لأجله ومن ربك صفة لرحمة، ويجوز أن يكون الاستثناء على حاله أي متصلا ولكنه محمول على المعنى. (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتكونن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو اسمها والكاف مفعول به والنون المذكورة نون التوكيد الثقيلة وظهيرا خبر تكونن وللكافرين متعلقان بظهيرا. (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) عطف على ما تقدم وقد تقدم إعراب نظيره، ونعيده لوجود فارق بسيط، فلا ناهية ويصدنك فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وحذفت الواو لأن النون لما حذفت التقى ساكنان الواو والنون المدغمة فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة وأصله يصدونك، وعن آيات الله متعلقان بيصدنك والظرف متعلق بمحذوف حال وإذ ظرف لما مضى أضيف إلى مثله وإذ تضاف اليه أسماء الزمان كقولك حينئذ ويومئذ وقد تقدم بحث ذلك، وجملة أنزلت في محل جر باضافة الظرف إليها وإليك متعلقان بأنزلت. (وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواو عاطفة وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والى ربك متعلقان بادع ولا ناهية وتكونن مجزوم بها وقد تقدم إعرابه واسمها مستتر تقديره أنت ومن المشركين خبرها.
(وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم والخطاب له والمراد غيره على حد قوله «لئن أشركت ليحبطن عملك» ومع الله ظرف مكان متعلق بتدع وإلها مفعول به وآخر نعت لإلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابها والجملة في محل نصب حال. (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل مبتدأ وشيء مضاف اليه وهالك خبر المبتدأ وإلا أداة استثناء ووجهه مستثنى وسيأتي معنى الاستثناء في باب البلاغة، له خبر مقدم والحكم مبتدأ مؤخر واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب الفاعل.
البلاغة:
1- سر التنكير في قوله «إلى معاد» للتفخيم كأن هذا المعاد قد أعد لك دون غيرك من البشر، قيل المراد به مكة وهو يوم الفتح فمعاد الرجل بلده لأنه ينصرف منه فيعود اليه فالمعاد على هذا اسم مكان، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار ليلا سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة تنزى الحنين في صدره وهاجه الشوق إلى موطنه وحنّ إلى مولده ومولد آبائه فنزلت عليه تطمينا لقلبه، وفيها يتجلى مقدار الحنين إلى الأوطان، وقد رمق الشعراء جميعا سماء هذا المعنى فقال ابن الرومي:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل والقول في حب الأوطان كثير، ومما يؤكد ما قلناه في حب الأوطان قول الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم، وقال تعالى: «وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» .
وقال بعضهم «من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه» .
وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا ثم ينصب عصاه ويلقي عليه كساءه ويجلس في فيئه يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى.
وقال يحيى بن طالب الحنفي من شعراء الدولة العباسية:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربه ... يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع قلبي موكل ... بكن وجدوى خيركنّ قليل ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكنّ مقيل
أريد انحدارا نحوها فيردّني ... ويمنعني دين عليّ ثقيل
أحدث نفسي عنك إذ لست راجعا ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
والأبيات المشهورة للصمة القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة بعد القطار
وعيشك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
وحسبنا ما قدمناه الآن.
2- المجاز المرسل:
في قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه» أي إلا إياه، من ذكر البعض وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة.
العنكبوت 29:1
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:2
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:3
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:4
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:5
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:6
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:7
اللغة:
(يُفْتَنُونَ) : يختبرون من فتن فلان يفتنه من باب ضرب:
خبره وأحرقه وأضلّه، يقال فتن الصائغ الذهب: أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء ويقال فتنه يفتنه من باب ضرب أيضا أعجبه واستماله وأوقعه في الفتنة.
الإعراب:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ألم تقدم اعرابها والقول فيها وفي فواتح السور، وأحسب الهمزة للاستفهام التقريري أو التوبيخي وحسب فعل ماض ينصب مفعولين قال الزمخشري: «الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل» ولذلك احتاج إلى مفعولين والناس فاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب وأن يقولوا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وهو متعلق بمحذوف حال إذا قدر حرف الجر باء، ولك أن تقدر حرف الجر لاما فيكون تعليلا للترك متعلقا به أي لأجل قولهم، وجملة آمنا مقول القول والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يفتنون خبر هم والجملة حالية ومعنى الآية أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أنهم يتركون غير ممتحنين لا بل يمتحنون ليتبين الراسخ في الدين من غيره، وهذا أحد أعاريب رأيناه أسهلها، ونورد هنا عبارة الزمخشري لنفاستها قال:
«تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله «فتركنه جزر السباع ينشنه» ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام فإن قلت: أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا» وسيأتي المزيد من أبحاث هذه الآية في باب الفوائد.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل والذين مفعوله ومن قبلهم متعلقان بمحذوف هو صلة الذين والفاء عاطفة واللام موطئة للقسم وليعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعوله وجملة صدقوا صلة وليعلمن الكاذبين عطف على ما تقدم وسيأتي سر المخالفة بين صدقوا والكاذبين في باب البلاغة والمعنى أن الفتنة والامتحان أمران لا بد منهما لابتلاء الخلق وقد تعرضت لهما الخلائق في مختلف ظروف الزمان والمكان. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) أم منقطعة ومعناها بل وهي للاضراب الانتقالي ولا بد من همزة في ضمنها للتقرير والتوبيخ، وحسب فعل ماض والذين فاعل وجملة يعملون السيئات صلة وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي حسب، قال الزمخشري: «فإن قلت أين مفعولا حسب؟
قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله تعالى «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة» ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الاضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الاول لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن انه لا يجازى بمساويه» وساء فعل ماض جامد لإنشاء الذم وفاعله مستتر تقديره هو وما نكرة منصوبة على التمييز وجملة يحكمون صفتها والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم ويجوز أن تعرب ما اسم موصول فاعل وجملة يحكمون صلتها، ويجوز أن تكون مصدرية أي حكمهم وعلى هذا يكون التمييز محذوفا أي ساء حكما حكمهم. (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) من اسم شرط جازم مبتدأ وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسم كان مستتر يعود على من وجملة يرجو خبر كان ولقاء الله مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط، وإن أجل الله ان واسمها واللام المزحلقة وآت خبر إن والواو حرف عطف وهو مبتدأ والسميع العليم خبران لمن، وسيأتي مزيد بحث لهذه الآية في باب البلاغة، وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر من.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ وجاهد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وانما كافة ومكفوفة ويجاهد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ولنفسه جار ومجرور متعلقان بيجاهد وإن واسمها واللام المزحلقة وغني خبر إن وعن العالمين متعلقان بغني والجملة تعليلية لما سبق من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا واللام موطئة للقسم ونكفرن فعل مضارع مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر الذين وعنهم متعلقان بنكفرن وسيئاتهم مفعول به. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)
ولنجزينهم عطف على لنكفرن وأحسن مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة كانوا صلة وجملة يعملون خبر كانوا.
البلاغة:
1- التعبير بالصيغة الفعلية والصيغة الاسمية:
في قوله تعالى «فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» مخالفة بين الصيغة الفعلية وهي «صدقوا» والصيغة الاسمية في قوله «الكاذبين» والنكتة في هذه المخالفة أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه لأن وقت نزول الآية كانت حكاية عن قوم قريبي عهد بالإسلام وعن قوم مستمرين على الكفر فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات، أما بالنسبة لعلم الله فلا يقال ان فيه تجددا في علم الله تعالى بهم قبل الاختبار وإيهاما بأن العلم بالكائن غير العلم بأنه سيكون، والحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بما لموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه وفائدة ذكر العلم هاهنا وان كان سابقا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء كأنه قال: لنعلمنهم فلنجازيهم بحسب علمه فيهم.
2- الحذف:
جرينا في اعراب قوله تعالى «من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت» على أن الفاء رابطة لجواب الشرط وان جملة ان أجل الله لآت هو الجواب وساغ وقوعه جوابا للشرط مع أن أجل الله آت لا محالة من غير تقييد بشرط وانه ينعدم بانعدام الشرط ساغ وقوعه جوابا لأننا نعني بلقاء الله تلك الحالة الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت كأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول من كان يرجو لقائي فإن يوم الجمعة قريب إذا علم وتعورف انك تقعد للاستقبال يوم الجمعة، هذا ويجوز أن يكون من باب الحذف البلاغي والتقدير فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
الفوائد:
أطال المعربون في التماس وجوه الاعراب لهذه الآية وهي «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يؤمنون» وقد اخترنا أمثل هذه الوجوه وأدناها إلى المنطق كما أوردنا نص قول الزمخشري فيها وكلا الوجهين سائغ مراد ونريد أن نفصل لك القول في الظن والحسبان وغيرهما من الأفعال التي تسمى «أفعال القلوب» وانما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس معنى هذا أن كل فعل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام ما لا يتعدى بنفسه نحو فكر في الأمر وتفكر فيه، وما يتعدى لواحد بنفسه نحو عرف الحق وفهم المسألة، وما يتعدى لاثنين بنفسه وهو المقصود بالتسمية وأصل المفعولين المبتدأ والخبر، ورد بعضهم وهو السهيلي هذا القول وقال كيف يكون نحو ظننت زيدا عمرا أصلهما مبتدأ وخبر وأجيب بأن المراد هو التشبيه بدليل أنه يقال: ظننت زيدا عمرا فتبين خلاف فالظن المذكور لتشبيهه به، وأجاب بعضهم بجواب آخر وهو أنه متأول بمعنى ظننت الشيء المسمى بزيد مسمى بعمر كما أن قولك زيد حاتم متأول بمعنى زيد مثل حاتم في المعنى، استمع إلى قول زفر ابن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... عشية لاقينا جذام وحميرا
فكل بيضاء مفعول حسبنا الأول وشحمة مفعوله الثاني وهو كناية عن أنه كان يظنهم شجعانا فتبينوا بخلاف ذلك وبعد هذا البيت:
فلما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا في الأعنّة خمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
إذا عرفت هذا كله فهمت معنى الآية بوضوح أي: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وتبجحوا بها، واستطالوا على من سواهم انهم سيتركون غير ممتحنين؟ لا بل سوف يمتحنهم الله بضروب الابتلاء وأنواع المحن حتى يسبر أغوارهم جميعا، ويبلو صبرهم وثبات أقدامهم ورسوخها في الايمان، فليس الايمان كلمات تتردد على الألسنة وحسب لكنه يحتاج إلى عمل أصيل، وجهاد مستمر، ليسفر عملهم عما فيه نفع أمتهم، وجهادهم عن تأثيل أوطانهم.
العنكبوت 29:8
الإعراب:
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) كلام مستأنف للشروع في تقرير حق الأبوين وتحديد طاعتهما بعدم معصية الله. ووصينا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وبوالديه متعلقان بوصينا وحسنا نعت لمصدر وصينا على حذف مضاف أي إيصاء ذا حسن أو هو في نفسه حسن على المبالغة، وقال الزجاج: «ومعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه وما يحسن» . (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) الواو عاطفة وان شرطية وجاهداك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والألف فاعل والكاف مفعول به ولتشرك اللام لام التعليل وتشرك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره أنت والجار والمجرور متعلقان بجاهداك وبي متعلقان بتشرك وما اسم موصول مفعول به لتشرك ولك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وبه متعلقان بعلم وعلم مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة ما، فلا الفاء رابطة لجواب الشرط لأن الجواب جملة ولا ناهية وتطعهما فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والميم والألف حرفان دالان على التثنية والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب إن. (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) إلي خبر مقدم ومرجعكم مبتدأ مؤخر والفاء حرف عطف وأنبئكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبما متعلقان بأنبئكم وجملة كنتم صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) الذين مبتدأ خبره «لندخلنهم في الصالحين» أي في زمرة الراسخين في الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال. وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات معطوفة على جملة آمنوا واللام موطئة للقسم وندخلن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وفي الصالحين متعلقان بندخلهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المنافقين بعد أن بين حال المؤمنين والكافرين فيما تقدم ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة مبتدأ مؤخر أي ناس وهو أولى من جعلها موصولة وجملة يقول صفة لمن على اللفظ وجملة آمنا مقول القول وبالله متعلقان بآمنا. (فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ) الفاء حرف عطف وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وفي الله متعلقان بأوذي وجملة أوذي في محل جر بإضافة الظرف إليها أي في سبيل الله وجملة جعل لا محل لأنها جواب إذا وفتنة الناس مفعول جعل الاول وكعذاب الله في موضع المفعول الثاني، أو الكاف اسم بمعنى مثل في موضع المفعول الثاني والمعنى جزع من أذى الناس، فأطاعهم كما يطيع الله من يخافه. (وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان حرف شرط جازم وجاءهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونصر فاعل ومن ربك متعلقان بجاءهم أو بمحذوف صفة لنصر، ليقولن: اللام واقعة في جواب القسم ويقولن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وجملة إنا مقول القول وان واسمها وجملة كنا خبرها ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر كنا. (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأعلم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وبما متعلقان بأعلم وفي صدور العالمين صلة ما. (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة وليعلمن المنافقين عطف على وليعلمن الذين آمنوا.
الفوائد:
روى التاريخ أن سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين إلى الإسلام حين أسلم قالت أمه وهي وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ابن عبد شمس: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وان الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله أن يداريها ويترضّاها بالإحسان.
وفي رواية للقرطبي أن سعدا قال لها: والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، هذا ومعنى قوله فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح كما في الصحاح الضح الشمس وفي الحديث لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فإنه مقعد الشيطان. وقيل نزلت في عياش بن ربيعة المخزومي وذلك انه هاجر مع عمر بن الخطاب مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن حنظلة فنزلا بعياش وقالا له إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله عنه فقال هما يخدعانك ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منها ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال نعم فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت.
وسواء أكانت المناسبة هذه أم تلك فالمسألة عامة، وبر الوالدين مطلوب شرعا وطاعتهما واجبة إلا في المعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقوله «وفتلا منه في الذروة والغارب» قال الجوهري في صحاحه: «ما زال فلان يفتل من فلان في الذروة والغارب أي يدور من وراء خدعته» .
العنكبوت 29:9
الإعراب:
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) كلام مستأنف للشروع في تقرير حق الأبوين وتحديد طاعتهما بعدم معصية الله. ووصينا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وبوالديه متعلقان بوصينا وحسنا نعت لمصدر وصينا على حذف مضاف أي إيصاء ذا حسن أو هو في نفسه حسن على المبالغة، وقال الزجاج: «ومعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه وما يحسن» . (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) الواو عاطفة وان شرطية وجاهداك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والألف فاعل والكاف مفعول به ولتشرك اللام لام التعليل وتشرك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره أنت والجار والمجرور متعلقان بجاهداك وبي متعلقان بتشرك وما اسم موصول مفعول به لتشرك ولك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وبه متعلقان بعلم وعلم مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة ما، فلا الفاء رابطة لجواب الشرط لأن الجواب جملة ولا ناهية وتطعهما فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والميم والألف حرفان دالان على التثنية والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب إن. (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) إلي خبر مقدم ومرجعكم مبتدأ مؤخر والفاء حرف عطف وأنبئكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبما متعلقان بأنبئكم وجملة كنتم صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) الذين مبتدأ خبره «لندخلنهم في الصالحين» أي في زمرة الراسخين في الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال. وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات معطوفة على جملة آمنوا واللام موطئة للقسم وندخلن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وفي الصالحين متعلقان بندخلهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المنافقين بعد أن بين حال المؤمنين والكافرين فيما تقدم ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة مبتدأ مؤخر أي ناس وهو أولى من جعلها موصولة وجملة يقول صفة لمن على اللفظ وجملة آمنا مقول القول وبالله متعلقان بآمنا. (فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ) الفاء حرف عطف وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وفي الله متعلقان بأوذي وجملة أوذي في محل جر بإضافة الظرف إليها أي في سبيل الله وجملة جعل لا محل لأنها جواب إذا وفتنة الناس مفعول جعل الاول وكعذاب الله في موضع المفعول الثاني، أو الكاف اسم بمعنى مثل في موضع المفعول الثاني والمعنى جزع من أذى الناس، فأطاعهم كما يطيع الله من يخافه. (وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان حرف شرط جازم وجاءهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونصر فاعل ومن ربك متعلقان بجاءهم أو بمحذوف صفة لنصر، ليقولن: اللام واقعة في جواب القسم ويقولن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وجملة إنا مقول القول وان واسمها وجملة كنا خبرها ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر كنا. (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأعلم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وبما متعلقان بأعلم وفي صدور العالمين صلة ما. (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة وليعلمن المنافقين عطف على وليعلمن الذين آمنوا.
الفوائد:
روى التاريخ أن سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين إلى الإسلام حين أسلم قالت أمه وهي وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ابن عبد شمس: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وان الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله أن يداريها ويترضّاها بالإحسان.
وفي رواية للقرطبي أن سعدا قال لها: والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، هذا ومعنى قوله فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح كما في الصحاح الضح الشمس وفي الحديث لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فإنه مقعد الشيطان. وقيل نزلت في عياش بن ربيعة المخزومي وذلك انه هاجر مع عمر بن الخطاب مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن حنظلة فنزلا بعياش وقالا له إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله عنه فقال هما يخدعانك ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منها ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال نعم فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت.
وسواء أكانت المناسبة هذه أم تلك فالمسألة عامة، وبر الوالدين مطلوب شرعا وطاعتهما واجبة إلا في المعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقوله «وفتلا منه في الذروة والغارب» قال الجوهري في صحاحه: «ما زال فلان يفتل من فلان في الذروة والغارب أي يدور من وراء خدعته» .
العنكبوت 29:10
الإعراب:
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) كلام مستأنف للشروع في تقرير حق الأبوين وتحديد طاعتهما بعدم معصية الله. ووصينا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وبوالديه متعلقان بوصينا وحسنا نعت لمصدر وصينا على حذف مضاف أي إيصاء ذا حسن أو هو في نفسه حسن على المبالغة، وقال الزجاج: «ومعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه وما يحسن» . (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) الواو عاطفة وان شرطية وجاهداك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والألف فاعل والكاف مفعول به ولتشرك اللام لام التعليل وتشرك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره أنت والجار والمجرور متعلقان بجاهداك وبي متعلقان بتشرك وما اسم موصول مفعول به لتشرك ولك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وبه متعلقان بعلم وعلم مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة ما، فلا الفاء رابطة لجواب الشرط لأن الجواب جملة ولا ناهية وتطعهما فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والميم والألف حرفان دالان على التثنية والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب إن. (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) إلي خبر مقدم ومرجعكم مبتدأ مؤخر والفاء حرف عطف وأنبئكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبما متعلقان بأنبئكم وجملة كنتم صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) الذين مبتدأ خبره «لندخلنهم في الصالحين» أي في زمرة الراسخين في الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال. وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات معطوفة على جملة آمنوا واللام موطئة للقسم وندخلن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وفي الصالحين متعلقان بندخلهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المنافقين بعد أن بين حال المؤمنين والكافرين فيما تقدم ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة مبتدأ مؤخر أي ناس وهو أولى من جعلها موصولة وجملة يقول صفة لمن على اللفظ وجملة آمنا مقول القول وبالله متعلقان بآمنا. (فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ) الفاء حرف عطف وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وفي الله متعلقان بأوذي وجملة أوذي في محل جر بإضافة الظرف إليها أي في سبيل الله وجملة جعل لا محل لأنها جواب إذا وفتنة الناس مفعول جعل الاول وكعذاب الله في موضع المفعول الثاني، أو الكاف اسم بمعنى مثل في موضع المفعول الثاني والمعنى جزع من أذى الناس، فأطاعهم كما يطيع الله من يخافه. (وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان حرف شرط جازم وجاءهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونصر فاعل ومن ربك متعلقان بجاءهم أو بمحذوف صفة لنصر، ليقولن: اللام واقعة في جواب القسم ويقولن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وجملة إنا مقول القول وان واسمها وجملة كنا خبرها ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر كنا. (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأعلم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وبما متعلقان بأعلم وفي صدور العالمين صلة ما. (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة وليعلمن المنافقين عطف على وليعلمن الذين آمنوا.
الفوائد:
روى التاريخ أن سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين إلى الإسلام حين أسلم قالت أمه وهي وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ابن عبد شمس: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وان الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله أن يداريها ويترضّاها بالإحسان.
وفي رواية للقرطبي أن سعدا قال لها: والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، هذا ومعنى قوله فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح كما في الصحاح الضح الشمس وفي الحديث لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فإنه مقعد الشيطان. وقيل نزلت في عياش بن ربيعة المخزومي وذلك انه هاجر مع عمر بن الخطاب مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن حنظلة فنزلا بعياش وقالا له إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله عنه فقال هما يخدعانك ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منها ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال نعم فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت.
وسواء أكانت المناسبة هذه أم تلك فالمسألة عامة، وبر الوالدين مطلوب شرعا وطاعتهما واجبة إلا في المعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقوله «وفتلا منه في الذروة والغارب» قال الجوهري في صحاحه: «ما زال فلان يفتل من فلان في الذروة والغارب أي يدور من وراء خدعته» .
العنكبوت 29:11
الإعراب:
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) كلام مستأنف للشروع في تقرير حق الأبوين وتحديد طاعتهما بعدم معصية الله. ووصينا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وبوالديه متعلقان بوصينا وحسنا نعت لمصدر وصينا على حذف مضاف أي إيصاء ذا حسن أو هو في نفسه حسن على المبالغة، وقال الزجاج: «ومعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه وما يحسن» . (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) الواو عاطفة وان شرطية وجاهداك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والألف فاعل والكاف مفعول به ولتشرك اللام لام التعليل وتشرك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل مستتر تقديره أنت والجار والمجرور متعلقان بجاهداك وبي متعلقان بتشرك وما اسم موصول مفعول به لتشرك ولك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وبه متعلقان بعلم وعلم مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة ما، فلا الفاء رابطة لجواب الشرط لأن الجواب جملة ولا ناهية وتطعهما فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والميم والألف حرفان دالان على التثنية والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب إن. (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) إلي خبر مقدم ومرجعكم مبتدأ مؤخر والفاء حرف عطف وأنبئكم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبما متعلقان بأنبئكم وجملة كنتم صلة ما وجملة تعملون خبر كنتم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) الذين مبتدأ خبره «لندخلنهم في الصالحين» أي في زمرة الراسخين في الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال. وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات معطوفة على جملة آمنوا واللام موطئة للقسم وندخلن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وفي الصالحين متعلقان بندخلهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المنافقين بعد أن بين حال المؤمنين والكافرين فيما تقدم ومن الناس خبر مقدم ومن نكرة موصوفة مبتدأ مؤخر أي ناس وهو أولى من جعلها موصولة وجملة يقول صفة لمن على اللفظ وجملة آمنا مقول القول وبالله متعلقان بآمنا. (فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ) الفاء حرف عطف وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وفي الله متعلقان بأوذي وجملة أوذي في محل جر بإضافة الظرف إليها أي في سبيل الله وجملة جعل لا محل لأنها جواب إذا وفتنة الناس مفعول جعل الاول وكعذاب الله في موضع المفعول الثاني، أو الكاف اسم بمعنى مثل في موضع المفعول الثاني والمعنى جزع من أذى الناس، فأطاعهم كما يطيع الله من يخافه. (وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان حرف شرط جازم وجاءهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونصر فاعل ومن ربك متعلقان بجاءهم أو بمحذوف صفة لنصر، ليقولن: اللام واقعة في جواب القسم ويقولن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وجملة إنا مقول القول وان واسمها وجملة كنا خبرها ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر كنا. (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق وليس فعل ماض ناقص والله اسمها والباء حرف جر زائد وأعلم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وبما متعلقان بأعلم وفي صدور العالمين صلة ما. (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويعلمن فعل مضارع مبني على الفتح والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة وليعلمن المنافقين عطف على وليعلمن الذين آمنوا.
الفوائد:
روى التاريخ أن سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين إلى الإسلام حين أسلم قالت أمه وهي وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ابن عبد شمس: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وان الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله أن يداريها ويترضّاها بالإحسان.
وفي رواية للقرطبي أن سعدا قال لها: والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، هذا ومعنى قوله فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح كما في الصحاح الضح الشمس وفي الحديث لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فإنه مقعد الشيطان. وقيل نزلت في عياش بن ربيعة المخزومي وذلك انه هاجر مع عمر بن الخطاب مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن حنظلة فنزلا بعياش وقالا له إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله عنه فقال هما يخدعانك ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منها ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال نعم فنزل ليوطىء لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت.
وسواء أكانت المناسبة هذه أم تلك فالمسألة عامة، وبر الوالدين مطلوب شرعا وطاعتهما واجبة إلا في المعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقوله «وفتلا منه في الذروة والغارب» قال الجوهري في صحاحه: «ما زال فلان يفتل من فلان في الذروة والغارب أي يدور من وراء خدعته» .
العنكبوت 29:12
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان نموذج آخر من أضاليلهم.
وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة الموصول وللذين متعلقان يقال وجملة آمنوا صلة الموصول وجملة اتبعوا مقول القول واتبعوا فعل وفاعل وسبيلنا مفعول ولنحمل الواو عاطفة واللام لام الأمر ونحمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وخطاياكم مفعول به وسيأتي معنى الأمر في باب البلاغة. (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو حالية وما نافية حجازية تعمل عمل ليس وهم اسمها والباء حرف جر زائد وحاملين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما ومن خطاياهم حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء وتقدم عليه ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب محلا لأنه مفعول حاملين وجملة إنهم لكاذبون تعليل للجزم بعدم حملهم شيئا من خطاياهم وإن واسمها واللام المزحلقة وكاذبون خبرها.
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويحملن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وأثقالهم مفعول به وأثقالا عطف على أثقالهم ومع أثقالهم ظرف متعلق بمحذوف صفة لأثقالا.
(وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) الواو عاطفة ويسألن عطف على يحملن ويوم القيامة ظرف متعلق بيسألن وعما متعلقان بيسألن أيضا وجملة كانوا صلة ما وجملة يفترون خبر كانوا. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) كلام مستأنف مسوق لتأييد التكليف الذي ألزم محمد صلى الله عليه وسلم به أتباعه أي أنه ليس مختصا بالنبي وأتباعه واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به والى قومه متعلقان بأرسلنا، فلبث الفاء عاطفة ولبث فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على نوح وفيهم متعلقان بلبث وألف سنة نصب على الظرف لأنه عدد أضيف إلى الظرف فأخذ منه ظرفيته وهو متعلق بلبث أيضا وإلا أداة استثناء وخمسين منصوب على الاستثناء وعاما تمييز وقد روعيت هنا نكتة نذكرها في باب البلاغة.
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ) الفاء عاطفة وأخذهم الطوفان فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والواو حالية وهم مبتدأ وظالمون خبر. والطوفان ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما قال العجاج:
حتى إذا ما يومها تصببا ... وعم طوفان الظلام الأثأبا
والبيت للعجاج يصف بقرة وحشية وما زائدة بعد إذا عم بالمهملة ويروى بالمعجمة والمعنيان متقاربان والأثأب نوع من الشجر يشبه شجر التين الواحدة أثأبة ونسبة التصبب لليوم مجاز عقلي من باب الإسناد للزمان أي تصبب المطر وستر ظلامه الشجر الذي كان فيه.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وأنجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأصحاب عطف على الهاء أو مفعول معه وجعلناها الواو عاطفة وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به آية مفعول به ثان وللعالمين صفة لآية.
البلاغة:
1- مجيء الأمر بمعنى الخبر:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الكلام أمر بمعنى الخبر يعني أن أصل ولنحمل خطاياكم: إن تتبعونا نحمل خطاياكم، فعدل عنه إلى ما ذكر مما هو خلاف الظاهر من أمرهم بالحمل، وفي قوله:
«انهم لكاذبون» نكتة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره ولا حجة له لأن الله تعالى أردف قولهم ولنحمل خطاياكم على صيغة الأمر بقوله: انهم لكاذبون، والتنكيت إنما يتطرق إلى الاخبار.
2- نكتة العدد:
وذلك في قوله «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» فإن الإخبار بهذه الصيغة يمهد عذر نوح عليه السلام في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لما كان لهذه العبارة من التهويل ما للعبارة الأولى لأن لفظة الألف في العبارة الأولى في أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام من الاستثناء وإذا راجع الاستماع لم يبق للاستثناء بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف فتعظم كبيرة قوم نوح عليه السلام في إصرارهم على المعصية مع طول مدة الدعاء.
وعبارة الزمخشري في صدد هذا العدد «فإن قلت هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة قلت: ما أورده الله أحكم لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة. وفيه نكتة أخرى وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره» .
نكتة ثانية في العدد:
وهناك نكتة ثانية وهو انه غاير بين تمييز العددين فقال في الأول «سنة» وقال في الثاني «عاما» لئلا يثقل اللفظ ثم انه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما استراح منهم بقي في زمن حسن والعرب تعبر عن الخصب بالعام وعن الجدب بالسنة.
نكتة ثالثة في العدد:
وهناك نكتة ثالثة اكتشفها الرازي قال: «فإن قلت ما الفائدة في مدة لبثه؟ قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام فقال له الله تعالى: إن نوحا لبث في قومه هذا العدد الكبير ولم يؤمن من قومه إلا القليل فصبر وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك» .
الفوائد:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الأصل دخول لام الأمر ولا الناهية على فعل الغائب معلوما ومجهولا وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين ويقل دخولها على المتكلم المفرد المعلوم فإن كان المتكلم غيره فدخولهما عليه أهون وأيسر كالآية المتقدمة وقول الشاعر:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم
العنكبوت 29:13
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان نموذج آخر من أضاليلهم.
وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة الموصول وللذين متعلقان يقال وجملة آمنوا صلة الموصول وجملة اتبعوا مقول القول واتبعوا فعل وفاعل وسبيلنا مفعول ولنحمل الواو عاطفة واللام لام الأمر ونحمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وخطاياكم مفعول به وسيأتي معنى الأمر في باب البلاغة. (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو حالية وما نافية حجازية تعمل عمل ليس وهم اسمها والباء حرف جر زائد وحاملين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما ومن خطاياهم حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء وتقدم عليه ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب محلا لأنه مفعول حاملين وجملة إنهم لكاذبون تعليل للجزم بعدم حملهم شيئا من خطاياهم وإن واسمها واللام المزحلقة وكاذبون خبرها.
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويحملن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وأثقالهم مفعول به وأثقالا عطف على أثقالهم ومع أثقالهم ظرف متعلق بمحذوف صفة لأثقالا.
(وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) الواو عاطفة ويسألن عطف على يحملن ويوم القيامة ظرف متعلق بيسألن وعما متعلقان بيسألن أيضا وجملة كانوا صلة ما وجملة يفترون خبر كانوا. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) كلام مستأنف مسوق لتأييد التكليف الذي ألزم محمد صلى الله عليه وسلم به أتباعه أي أنه ليس مختصا بالنبي وأتباعه واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به والى قومه متعلقان بأرسلنا، فلبث الفاء عاطفة ولبث فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على نوح وفيهم متعلقان بلبث وألف سنة نصب على الظرف لأنه عدد أضيف إلى الظرف فأخذ منه ظرفيته وهو متعلق بلبث أيضا وإلا أداة استثناء وخمسين منصوب على الاستثناء وعاما تمييز وقد روعيت هنا نكتة نذكرها في باب البلاغة.
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ) الفاء عاطفة وأخذهم الطوفان فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والواو حالية وهم مبتدأ وظالمون خبر. والطوفان ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما قال العجاج:
حتى إذا ما يومها تصببا ... وعم طوفان الظلام الأثأبا
والبيت للعجاج يصف بقرة وحشية وما زائدة بعد إذا عم بالمهملة ويروى بالمعجمة والمعنيان متقاربان والأثأب نوع من الشجر يشبه شجر التين الواحدة أثأبة ونسبة التصبب لليوم مجاز عقلي من باب الإسناد للزمان أي تصبب المطر وستر ظلامه الشجر الذي كان فيه.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وأنجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأصحاب عطف على الهاء أو مفعول معه وجعلناها الواو عاطفة وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به آية مفعول به ثان وللعالمين صفة لآية.
البلاغة:
1- مجيء الأمر بمعنى الخبر:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الكلام أمر بمعنى الخبر يعني أن أصل ولنحمل خطاياكم: إن تتبعونا نحمل خطاياكم، فعدل عنه إلى ما ذكر مما هو خلاف الظاهر من أمرهم بالحمل، وفي قوله:
«انهم لكاذبون» نكتة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره ولا حجة له لأن الله تعالى أردف قولهم ولنحمل خطاياكم على صيغة الأمر بقوله: انهم لكاذبون، والتنكيت إنما يتطرق إلى الاخبار.
2- نكتة العدد:
وذلك في قوله «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» فإن الإخبار بهذه الصيغة يمهد عذر نوح عليه السلام في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لما كان لهذه العبارة من التهويل ما للعبارة الأولى لأن لفظة الألف في العبارة الأولى في أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام من الاستثناء وإذا راجع الاستماع لم يبق للاستثناء بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف فتعظم كبيرة قوم نوح عليه السلام في إصرارهم على المعصية مع طول مدة الدعاء.
وعبارة الزمخشري في صدد هذا العدد «فإن قلت هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة قلت: ما أورده الله أحكم لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة. وفيه نكتة أخرى وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره» .
نكتة ثانية في العدد:
وهناك نكتة ثانية وهو انه غاير بين تمييز العددين فقال في الأول «سنة» وقال في الثاني «عاما» لئلا يثقل اللفظ ثم انه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما استراح منهم بقي في زمن حسن والعرب تعبر عن الخصب بالعام وعن الجدب بالسنة.
نكتة ثالثة في العدد:
وهناك نكتة ثالثة اكتشفها الرازي قال: «فإن قلت ما الفائدة في مدة لبثه؟ قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام فقال له الله تعالى: إن نوحا لبث في قومه هذا العدد الكبير ولم يؤمن من قومه إلا القليل فصبر وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك» .
الفوائد:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الأصل دخول لام الأمر ولا الناهية على فعل الغائب معلوما ومجهولا وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين ويقل دخولها على المتكلم المفرد المعلوم فإن كان المتكلم غيره فدخولهما عليه أهون وأيسر كالآية المتقدمة وقول الشاعر:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم
العنكبوت 29:14
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان نموذج آخر من أضاليلهم.
وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة الموصول وللذين متعلقان يقال وجملة آمنوا صلة الموصول وجملة اتبعوا مقول القول واتبعوا فعل وفاعل وسبيلنا مفعول ولنحمل الواو عاطفة واللام لام الأمر ونحمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وخطاياكم مفعول به وسيأتي معنى الأمر في باب البلاغة. (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو حالية وما نافية حجازية تعمل عمل ليس وهم اسمها والباء حرف جر زائد وحاملين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما ومن خطاياهم حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء وتقدم عليه ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب محلا لأنه مفعول حاملين وجملة إنهم لكاذبون تعليل للجزم بعدم حملهم شيئا من خطاياهم وإن واسمها واللام المزحلقة وكاذبون خبرها.
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويحملن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وأثقالهم مفعول به وأثقالا عطف على أثقالهم ومع أثقالهم ظرف متعلق بمحذوف صفة لأثقالا.
(وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) الواو عاطفة ويسألن عطف على يحملن ويوم القيامة ظرف متعلق بيسألن وعما متعلقان بيسألن أيضا وجملة كانوا صلة ما وجملة يفترون خبر كانوا. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) كلام مستأنف مسوق لتأييد التكليف الذي ألزم محمد صلى الله عليه وسلم به أتباعه أي أنه ليس مختصا بالنبي وأتباعه واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به والى قومه متعلقان بأرسلنا، فلبث الفاء عاطفة ولبث فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على نوح وفيهم متعلقان بلبث وألف سنة نصب على الظرف لأنه عدد أضيف إلى الظرف فأخذ منه ظرفيته وهو متعلق بلبث أيضا وإلا أداة استثناء وخمسين منصوب على الاستثناء وعاما تمييز وقد روعيت هنا نكتة نذكرها في باب البلاغة.
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ) الفاء عاطفة وأخذهم الطوفان فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والواو حالية وهم مبتدأ وظالمون خبر. والطوفان ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما قال العجاج:
حتى إذا ما يومها تصببا ... وعم طوفان الظلام الأثأبا
والبيت للعجاج يصف بقرة وحشية وما زائدة بعد إذا عم بالمهملة ويروى بالمعجمة والمعنيان متقاربان والأثأب نوع من الشجر يشبه شجر التين الواحدة أثأبة ونسبة التصبب لليوم مجاز عقلي من باب الإسناد للزمان أي تصبب المطر وستر ظلامه الشجر الذي كان فيه.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وأنجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأصحاب عطف على الهاء أو مفعول معه وجعلناها الواو عاطفة وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به آية مفعول به ثان وللعالمين صفة لآية.
البلاغة:
1- مجيء الأمر بمعنى الخبر:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الكلام أمر بمعنى الخبر يعني أن أصل ولنحمل خطاياكم: إن تتبعونا نحمل خطاياكم، فعدل عنه إلى ما ذكر مما هو خلاف الظاهر من أمرهم بالحمل، وفي قوله:
«انهم لكاذبون» نكتة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره ولا حجة له لأن الله تعالى أردف قولهم ولنحمل خطاياكم على صيغة الأمر بقوله: انهم لكاذبون، والتنكيت إنما يتطرق إلى الاخبار.
2- نكتة العدد:
وذلك في قوله «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» فإن الإخبار بهذه الصيغة يمهد عذر نوح عليه السلام في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لما كان لهذه العبارة من التهويل ما للعبارة الأولى لأن لفظة الألف في العبارة الأولى في أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام من الاستثناء وإذا راجع الاستماع لم يبق للاستثناء بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف فتعظم كبيرة قوم نوح عليه السلام في إصرارهم على المعصية مع طول مدة الدعاء.
وعبارة الزمخشري في صدد هذا العدد «فإن قلت هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة قلت: ما أورده الله أحكم لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة. وفيه نكتة أخرى وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره» .
نكتة ثانية في العدد:
وهناك نكتة ثانية وهو انه غاير بين تمييز العددين فقال في الأول «سنة» وقال في الثاني «عاما» لئلا يثقل اللفظ ثم انه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما استراح منهم بقي في زمن حسن والعرب تعبر عن الخصب بالعام وعن الجدب بالسنة.
نكتة ثالثة في العدد:
وهناك نكتة ثالثة اكتشفها الرازي قال: «فإن قلت ما الفائدة في مدة لبثه؟ قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام فقال له الله تعالى: إن نوحا لبث في قومه هذا العدد الكبير ولم يؤمن من قومه إلا القليل فصبر وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك» .
الفوائد:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الأصل دخول لام الأمر ولا الناهية على فعل الغائب معلوما ومجهولا وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين ويقل دخولها على المتكلم المفرد المعلوم فإن كان المتكلم غيره فدخولهما عليه أهون وأيسر كالآية المتقدمة وقول الشاعر:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم
العنكبوت 29:15
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان نموذج آخر من أضاليلهم.
وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة الموصول وللذين متعلقان يقال وجملة آمنوا صلة الموصول وجملة اتبعوا مقول القول واتبعوا فعل وفاعل وسبيلنا مفعول ولنحمل الواو عاطفة واللام لام الأمر ونحمل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وخطاياكم مفعول به وسيأتي معنى الأمر في باب البلاغة. (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو حالية وما نافية حجازية تعمل عمل ليس وهم اسمها والباء حرف جر زائد وحاملين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما ومن خطاياهم حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء وتقدم عليه ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب محلا لأنه مفعول حاملين وجملة إنهم لكاذبون تعليل للجزم بعدم حملهم شيئا من خطاياهم وإن واسمها واللام المزحلقة وكاذبون خبرها.
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويحملن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل وأثقالهم مفعول به وأثقالا عطف على أثقالهم ومع أثقالهم ظرف متعلق بمحذوف صفة لأثقالا.
(وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) الواو عاطفة ويسألن عطف على يحملن ويوم القيامة ظرف متعلق بيسألن وعما متعلقان بيسألن أيضا وجملة كانوا صلة ما وجملة يفترون خبر كانوا. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) كلام مستأنف مسوق لتأييد التكليف الذي ألزم محمد صلى الله عليه وسلم به أتباعه أي أنه ليس مختصا بالنبي وأتباعه واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به والى قومه متعلقان بأرسلنا، فلبث الفاء عاطفة ولبث فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على نوح وفيهم متعلقان بلبث وألف سنة نصب على الظرف لأنه عدد أضيف إلى الظرف فأخذ منه ظرفيته وهو متعلق بلبث أيضا وإلا أداة استثناء وخمسين منصوب على الاستثناء وعاما تمييز وقد روعيت هنا نكتة نذكرها في باب البلاغة.
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ) الفاء عاطفة وأخذهم الطوفان فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر والواو حالية وهم مبتدأ وظالمون خبر. والطوفان ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما قال العجاج:
حتى إذا ما يومها تصببا ... وعم طوفان الظلام الأثأبا
والبيت للعجاج يصف بقرة وحشية وما زائدة بعد إذا عم بالمهملة ويروى بالمعجمة والمعنيان متقاربان والأثأب نوع من الشجر يشبه شجر التين الواحدة أثأبة ونسبة التصبب لليوم مجاز عقلي من باب الإسناد للزمان أي تصبب المطر وستر ظلامه الشجر الذي كان فيه.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وأنجيناه فعل وفاعل ومفعول به وأصحاب عطف على الهاء أو مفعول معه وجعلناها الواو عاطفة وجعلناها فعل وفاعل ومفعول به آية مفعول به ثان وللعالمين صفة لآية.
البلاغة:
1- مجيء الأمر بمعنى الخبر:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الكلام أمر بمعنى الخبر يعني أن أصل ولنحمل خطاياكم: إن تتبعونا نحمل خطاياكم، فعدل عنه إلى ما ذكر مما هو خلاف الظاهر من أمرهم بالحمل، وفي قوله:
«انهم لكاذبون» نكتة حسنة يستدل بها على صحة مجيء الأمر بمعنى الخبر فإن من الناس من أنكره ولا حجة له لأن الله تعالى أردف قولهم ولنحمل خطاياكم على صيغة الأمر بقوله: انهم لكاذبون، والتنكيت إنما يتطرق إلى الاخبار.
2- نكتة العدد:
وذلك في قوله «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» فإن الإخبار بهذه الصيغة يمهد عذر نوح عليه السلام في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لما كان لهذه العبارة من التهويل ما للعبارة الأولى لأن لفظة الألف في العبارة الأولى في أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام من الاستثناء وإذا راجع الاستماع لم يبق للاستثناء بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف فتعظم كبيرة قوم نوح عليه السلام في إصرارهم على المعصية مع طول مدة الدعاء.
وعبارة الزمخشري في صدد هذا العدد «فإن قلت هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة قلت: ما أورده الله أحكم لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة. وفيه نكتة أخرى وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره» .
نكتة ثانية في العدد:
وهناك نكتة ثانية وهو انه غاير بين تمييز العددين فقال في الأول «سنة» وقال في الثاني «عاما» لئلا يثقل اللفظ ثم انه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما استراح منهم بقي في زمن حسن والعرب تعبر عن الخصب بالعام وعن الجدب بالسنة.
نكتة ثالثة في العدد:
وهناك نكتة ثالثة اكتشفها الرازي قال: «فإن قلت ما الفائدة في مدة لبثه؟ قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام فقال له الله تعالى: إن نوحا لبث في قومه هذا العدد الكبير ولم يؤمن من قومه إلا القليل فصبر وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك» .
الفوائد:
في قوله «ولنحمل خطاياكم» الأصل دخول لام الأمر ولا الناهية على فعل الغائب معلوما ومجهولا وعلى المخاطب والمتكلم المجهولين ويقل دخولها على المتكلم المفرد المعلوم فإن كان المتكلم غيره فدخولهما عليه أهون وأيسر كالآية المتقدمة وقول الشاعر:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم
العنكبوت 29:16
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:17
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:18
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:19
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:20
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:21
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:22
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:23
الإعراب:
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) كلام مستأنف لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح والطوفان. وابراهيم منصوب بفعل محذوف تقديره أذكر، وإذ الظرف بدل اشتمال من ابراهيم ولك أن تجعله كلاما معطوفا فتعطف ابراهيم على نوحا وتعلق الظرف بأرسلنا والمعنى عندئذ أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغا يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد، وجملة قال لقومه في محل جر بإضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال. (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الجملة مقول قول ابراهيم لقومه، واعبدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولفظ الجلالة مفعوله واتقوه عطف على اذكروا الله وذلكم مبتدأ وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تعلمون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاعبدوا الله واتقوه. (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) إنما كافة ومكفوفة وتعبدون فعل مضارع وفاعل ومن دون الله حال وأوثانا مفعول به وتخلقون إفكا عطف على ما قبله ويجوز في الإفك أن يكون مصدرا وأن يكون صفة أي خلقا إفكا أي ذا إفك وباطل.
(إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) إن واسمها وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال وجملة لا يملكون خبر إن ولكم متعلقان برزقا ورزقا مفعول به ليملكون لأنه بمعنى المرزوق أو مصدر مؤول من إن والفعل أن لا يقدرون أن يرزقوكم ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون لأنه في معناه.
(فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) الفاء الفصيحة وابتغوا فعل أمر وفاعل وعند الله متعلقان بابتغوا والرزق مفعول ابتغوا واعبدوه واشكروا له عطف على ابتغوا واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) عطف على ما تقدم منتظم في سلك حديث ابراهيم عليه السلام لقومه، وان شرطية وتكذبوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وكذب أمم فعل وفاعل ومن قبلكم صفة لأمم وقيل جواب الشرط محذوف أي فلا يضرني تكذيبكم فقد كذّب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وما الواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة لبلاغ. (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وجزم وقلب وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وجملة يبدىء الله الخلق في محل نصب مفعول يروا لأنها علقت عن العمل بالاستفهام والرؤية قلبية والمراد بها العلم الصحيح الواضح لأنه كالرؤية البصرية، ثم يعيده كلام مستأنف أو هو كلام معطوف على أولم يروا وسبب امتناع عطفه على يبدىء لأن المقصود الاستدلال بما علموه من أحوال المبدأ على المعاد لإثباته فلو كان معلوما لهم لكان تحصيلا للحاصل ولا يقال انه من قبيل عطف الخبر على الإنشاء لأن الاستفهام متضمن معنى الإنكار والتقرير فهو بمثابة الإخبار وإن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) الكلام حكاية قول ابراهيم لقومه أو حكاية قول الله لابراهيم وسيروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بسيروا، فانظروا عطف على سيروا وكيف حال وبدأ الخلق فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة في محل نصب مفعول انظروا المعلقة بسبب الاستفهام. (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ثم حرف عطف والله مبتدأ وجملة ينشىء خبر والنشأة الآخرة نصب على المصدرية المحذوفة الزوائد والأصل الإنشاءة وقرىء النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر ان. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) الجملة حالية أو خبر ثان لإن أو مستأنفة ويعذب فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله ومن مفعوله وجملة يشاء صلة من ويرحم من يشاء عطف على يعذب من يشاء وإليه متعلقان بتقلبون وتقلبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومعنى تقلبون:
تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنتم اسمها والخطاب لأهل الأرض والباء حرف جر زائد ومعجزين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما وفي الأرض حال ومفعول معجزين محذوف للعلم به أي الله تعالى أي لا تفوتونه إن حاولتم الهرب من قضائه، ولا في السماء عطف على في الأرض ان حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصا بعد تعميم وما نافية ولكم خبر مقدم ومن دون الله حال ومن ولي من حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر ولا نصير عطف على من ولي.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وبآيات الله متعلقان بكفروا ولقائه عطف على آيات وأولئك مبتدأ وجملة يئسوا من رحمتي خبر أولئك وجملة أولئك يئسوا خبر الذين. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) وأولئك الواو عاطفة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة لعذاب وجملة لهم عذاب أليم خبر أولئك.
البلاغة:
1- نكر الرزق في قوله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ثم عرفه بقوله «فابتغوا عند الله الرزق» لأن الأول مقصور عليهم فاستوجب أن يكون ضئيلا قليلا فنكره تدليلا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغى عند الله استوجب أن يكون كثيرا لأنه كله عند الله فعرفه تدليلا على كثرته وجسامته.
2- الإضمار والإظهار:
في قوله «أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» فن قل من يتفطّن اليه لأنه دقيق للغاية ولا يجنح إليه الكاتب أو الشاعر إلا لفائدة تربو على البداهة وهي تعظيم شأن الأمر. ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى في قوله «ثم الله ينشىء النشأة الآخرة» مع إيقاعه مبتدأ، وقد كان القياس أن يقول:
كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة فأفصح باسمه بعد إضماره والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء وقرر لهم أن ذلك من الله احتج عليهم بأن الاعادة إنشاء مثل الإبداء وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة فللدلالة وللتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الاعادة أبرز اسمه تعالى وأوقعه مبتدأ، والأصل في الكلام الأظهار ثم الإضمار ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار كما في الآية.
وعلى هذا يقاس ما ورد من كلامهم كقول بعضهم يصف لقاء مع بني تميم قال: «ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود وتناجد بنو تميم علينا بجملة فلذنا بالفرار واستبقنا إلى تولية الإدبار» فإنه إنما قيل «وتناجد بنو تميم» مصرحا باسمهم ولم يقل وتناجدوا كما قيل «أقبلوا» للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة وثباتهم عند الصدمة لا سيما وقد أردف ذلك بقوله «لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار» كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والفرسان الكماة المناكير وحملوا علينا حملة واحدة فولينا مدبرين منهزمين.
ولقد أشار الامام الرازي إلى هذه النكتة ولكنه أوردها موردا آخر ولذلك ننقل عبارته بنصها: «أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال: كيف يبدىء الله الخلق وأضمره عند الإعادة، وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة لأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند اليه البدء فقال يبدىء الله ثم قال: ثم يعيده وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله تعالى فاكتفى به وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال: ثم الله ينشىء النشأة، فليقع في ذهن السامع كمال قدرته وعلمه وإرادته ولم يقل يعيده بل قال ينشىء للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كالإعادة والتغاير بينهما بالوصف حيث قالوا: نشأة أولى ونشأة ثانية» .
العنكبوت 29:24
الإعراب:
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبرها المقدم وإلا أداة حصر وأن قالوا مصدر مؤول هو اسم كان المؤخر أي قال بعضهم لبعض فكانوا جميعا في حكم القائلين، واقتلوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وأو حرف عطف وحرّقوه عطف على اقتلوه. (فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة أي فقذفوه في النار فأنجاه الله، وأنجاه الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن النار متعلقان بأنجاه وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يؤمنون صفة لقوم. (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة وقال عطف على أنجيناه وإنما كافة ومكفوفة واتخذتم فعل وفاعل ومن دون الله في موضع المفعول الثاني لاتخذتم وأوثانا مفعول به أول لاتخذتم ومودة مفعول لأجله أو منصوبة بفعل محذوف تقديره أعني وبينكم مضاف إلى مودة وفي الحياة الدنيا متعلقان باتخذتم أو بمحذوف حال.
وهذه الآية شغلت المعربين كثيرا لاختلاف قراءاتها وتباين وجهات النظر فيها وقد ابتسرنا الكلام في الاعراب على قراءة حفص واخترنا أمثل الأوجه وأسهلها وسننقل في باب الفوائد غيضا من فيض مما قيل فيها شحذا للأذهان. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ثم حرف عطف للتراخي ويوم القيامة ظرف متعلق بيكفر وبعضكم فاعل وببعض متعلقان بيكفر أيضا ويلعن بعضكم بعضا فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ) مأواكم مبتدأ أو خبر مقدم والنار خبر أو مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين مبتدأ مؤخر وهو مجرور لفظا.
(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الفاء عاطفة وآمن فعل ماض ولوط فاعله وله متعلقان بآمن وقال عطف على فآمن وفاعله مستتر يعود على ابراهيم ولذلك يجب الوقف على لوط لأن قوله إني مهاجر مقول ابراهيم فلو وصل لتوهم أن الفعل الثاني للوط فيفسد المعنى وان واسمها ومهاجر خبرها وإلى ربي متعلقان بمهاجر أي إلى حيث يأمرني ربي، ففي الكلام مجاز، وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والعزيز خبر إني أو خبر هو والجملة خبر إني والحكيم خبر ثان. (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف عليه وجعلنا فعل وفاعل وفي ذريته في موضع المفعول الثاني والشجرة هي المفعول الأول والكتاب عطف على النبوة. (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به والواو عاطفة وأجره مفعول به ثان وفي الدنيا حال وانه وان واسمها وفي الآخرة حال واللام المزحلقة ومن الصالحين خبر إنه.
الفوائد:
قدمنا لك أمثل الأوجه في إعراب قوله تعالى «وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» ووعدناك أن ننقل شيئا مما قالوه فيها وكله من الكلام الجيد والمنطق الحصيف ونبدأ بما قاله الزمخشري قال: «قرىء على النصب بغير إضافة وبإضافة وعلى الرفع كذلك، فالنصب على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتوصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم، وأن يكون مفعولا ثانيا كقوله:
«اتخذ إلهه هواه» أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف أو اتخذتموها مودة بينكم بمعنى مودودة بينكم كقوله تعالى: «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله» وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرا لأن على أن ما موصولة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة، وعن عاصم: مودة بينكم بفتح بينكم مع الإضافة كما قرىء «لقد تقطع بينكم» ففتح وهو فاعل، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه «أوثانا انما مودة بينكم في الحياة الدنيا» أي إنما تتوادون عليها أو تودونها في الحياة الدنيا» .
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «وقال انما اتخذتم:
في ما هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف وهو المفعول الأول وأوثانا مفعول ثان والخبر مودة في قراءة من رفع كما سيأتي والتقدير إن الذي اتخذتموه أوثانا مودة أي ذو مودة، أو جعل نفس المودّة مبالغة ومحذوف على قراءة من نصب مودة أي الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم أو يكون عليكم لدلالة قوله ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض.
والثاني: أن تجعل ما كافة وأوثانا مفعول به، والاتخاذ هنا متعد لواحد أو لاثنين والثاني هو من دون الله فمن رفع مودة كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة لأوثانا أو مستأنفة، ومن نصب كان مفعولا له أو بإضمار أعني.
الثالث: ان تجعل ما مصدرية وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول أي إن سبب اتخاذكم أوثانا مودة فيمن رفع مودة ويجوز أن لا يقدر بل يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة، وفي قراءة من نصب يكون الخبر محذوفا على ما مر في الوجه الأول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودة غير منونة وجر بينكم، ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب مودة منونة ونصب بينكم، وحمزة وحفص بنصب مودة غير منونة وجر بينكم، فالرفع قد تقدم والنصب أيضا تقدم فيه وجهان ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولا ثانيا على المبالغة للاتساع في الظرف، ومن نصبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع مودة غير منونة ونصب بينكم وخرجت على إضافة مودة للظرف وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن كقراءة «لقد تقطع بينكم» بالفتح إذا جعلنا بينكم فاعلا» .
وفي كتاب أبي البقاء جاء قوله «قوله تعالى «انما اتخذتم» في ما ثلاثة أوجه أحدها هي بمعنى الذي والعائد محذوف أي اتخذتموه و «أوثانا» مفعول ثان أو حال و «مودة» الخبر على قراءة من رفع والتقدير ذو مودة، والثاني هي كافة وأوثانا مفعول ومودة بالنصب مفعول له وبالرفع على إضمار مبتدأ وتكون الجملة نعتا لأوثان ويجوز أن يكون النصب على الصفة أيضا أي ذوي مودة، والوجه الثالث أن تكون ما مصدرية ومودة بالرفع الخبر ولا حذف في هذا الوجه في الخبر بل في اسم ان والتقدير ان سبب اتخاذكم مودة، ويقرأ مودة بالاضافة في الرفع والنصب و «بينكم» بالجر وبتنوين مودة في الوجهين جميعا، ونصب بين وفيما يتعلق به «في الحياة الدنيا» سبعة أوجه: (الاول) أن يتعلق باتخذتم إذا جعلت ما كافة لا على الوجهين الآخرين لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر و (الثاني) أن يتعلق بنفس مودة إذا لم تجعل بين صفة لها لأن المصدر إذا وصف لا يعمل و (الثالث) أن تعلقه بنفس بينكم لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم و (الرابع) أن تجعله صفة ثانية لمودة إذا نونتها وجعلت بينكم صفة و (الخامس) أن تعلقها بمودة وتجعل بينكم ظرف مكان فيعمل مودة فيهما و (السادس) أن تجعله حالا من الضمير في بينكم إذا جعلته وصفا لمودة و (السابع) أن تجعله حالا من بينكم لتعرفه بالاضافة، وأجاز قوم منهم أن تتعلق في بمودة: وإن كان بينكم صفة لأن الظروف يتسع فيها بخلاف المفعول به» .
العنكبوت 29:25
الإعراب:
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبرها المقدم وإلا أداة حصر وأن قالوا مصدر مؤول هو اسم كان المؤخر أي قال بعضهم لبعض فكانوا جميعا في حكم القائلين، واقتلوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وأو حرف عطف وحرّقوه عطف على اقتلوه. (فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة أي فقذفوه في النار فأنجاه الله، وأنجاه الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن النار متعلقان بأنجاه وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يؤمنون صفة لقوم. (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة وقال عطف على أنجيناه وإنما كافة ومكفوفة واتخذتم فعل وفاعل ومن دون الله في موضع المفعول الثاني لاتخذتم وأوثانا مفعول به أول لاتخذتم ومودة مفعول لأجله أو منصوبة بفعل محذوف تقديره أعني وبينكم مضاف إلى مودة وفي الحياة الدنيا متعلقان باتخذتم أو بمحذوف حال.
وهذه الآية شغلت المعربين كثيرا لاختلاف قراءاتها وتباين وجهات النظر فيها وقد ابتسرنا الكلام في الاعراب على قراءة حفص واخترنا أمثل الأوجه وأسهلها وسننقل في باب الفوائد غيضا من فيض مما قيل فيها شحذا للأذهان. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ثم حرف عطف للتراخي ويوم القيامة ظرف متعلق بيكفر وبعضكم فاعل وببعض متعلقان بيكفر أيضا ويلعن بعضكم بعضا فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ) مأواكم مبتدأ أو خبر مقدم والنار خبر أو مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين مبتدأ مؤخر وهو مجرور لفظا.
(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الفاء عاطفة وآمن فعل ماض ولوط فاعله وله متعلقان بآمن وقال عطف على فآمن وفاعله مستتر يعود على ابراهيم ولذلك يجب الوقف على لوط لأن قوله إني مهاجر مقول ابراهيم فلو وصل لتوهم أن الفعل الثاني للوط فيفسد المعنى وان واسمها ومهاجر خبرها وإلى ربي متعلقان بمهاجر أي إلى حيث يأمرني ربي، ففي الكلام مجاز، وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والعزيز خبر إني أو خبر هو والجملة خبر إني والحكيم خبر ثان. (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف عليه وجعلنا فعل وفاعل وفي ذريته في موضع المفعول الثاني والشجرة هي المفعول الأول والكتاب عطف على النبوة. (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به والواو عاطفة وأجره مفعول به ثان وفي الدنيا حال وانه وان واسمها وفي الآخرة حال واللام المزحلقة ومن الصالحين خبر إنه.
الفوائد:
قدمنا لك أمثل الأوجه في إعراب قوله تعالى «وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» ووعدناك أن ننقل شيئا مما قالوه فيها وكله من الكلام الجيد والمنطق الحصيف ونبدأ بما قاله الزمخشري قال: «قرىء على النصب بغير إضافة وبإضافة وعلى الرفع كذلك، فالنصب على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتوصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم، وأن يكون مفعولا ثانيا كقوله:
«اتخذ إلهه هواه» أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف أو اتخذتموها مودة بينكم بمعنى مودودة بينكم كقوله تعالى: «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله» وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرا لأن على أن ما موصولة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة، وعن عاصم: مودة بينكم بفتح بينكم مع الإضافة كما قرىء «لقد تقطع بينكم» ففتح وهو فاعل، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه «أوثانا انما مودة بينكم في الحياة الدنيا» أي إنما تتوادون عليها أو تودونها في الحياة الدنيا» .
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «وقال انما اتخذتم:
في ما هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف وهو المفعول الأول وأوثانا مفعول ثان والخبر مودة في قراءة من رفع كما سيأتي والتقدير إن الذي اتخذتموه أوثانا مودة أي ذو مودة، أو جعل نفس المودّة مبالغة ومحذوف على قراءة من نصب مودة أي الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم أو يكون عليكم لدلالة قوله ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض.
والثاني: أن تجعل ما كافة وأوثانا مفعول به، والاتخاذ هنا متعد لواحد أو لاثنين والثاني هو من دون الله فمن رفع مودة كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة لأوثانا أو مستأنفة، ومن نصب كان مفعولا له أو بإضمار أعني.
الثالث: ان تجعل ما مصدرية وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول أي إن سبب اتخاذكم أوثانا مودة فيمن رفع مودة ويجوز أن لا يقدر بل يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة، وفي قراءة من نصب يكون الخبر محذوفا على ما مر في الوجه الأول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودة غير منونة وجر بينكم، ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب مودة منونة ونصب بينكم، وحمزة وحفص بنصب مودة غير منونة وجر بينكم، فالرفع قد تقدم والنصب أيضا تقدم فيه وجهان ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولا ثانيا على المبالغة للاتساع في الظرف، ومن نصبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع مودة غير منونة ونصب بينكم وخرجت على إضافة مودة للظرف وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن كقراءة «لقد تقطع بينكم» بالفتح إذا جعلنا بينكم فاعلا» .
وفي كتاب أبي البقاء جاء قوله «قوله تعالى «انما اتخذتم» في ما ثلاثة أوجه أحدها هي بمعنى الذي والعائد محذوف أي اتخذتموه و «أوثانا» مفعول ثان أو حال و «مودة» الخبر على قراءة من رفع والتقدير ذو مودة، والثاني هي كافة وأوثانا مفعول ومودة بالنصب مفعول له وبالرفع على إضمار مبتدأ وتكون الجملة نعتا لأوثان ويجوز أن يكون النصب على الصفة أيضا أي ذوي مودة، والوجه الثالث أن تكون ما مصدرية ومودة بالرفع الخبر ولا حذف في هذا الوجه في الخبر بل في اسم ان والتقدير ان سبب اتخاذكم مودة، ويقرأ مودة بالاضافة في الرفع والنصب و «بينكم» بالجر وبتنوين مودة في الوجهين جميعا، ونصب بين وفيما يتعلق به «في الحياة الدنيا» سبعة أوجه: (الاول) أن يتعلق باتخذتم إذا جعلت ما كافة لا على الوجهين الآخرين لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر و (الثاني) أن يتعلق بنفس مودة إذا لم تجعل بين صفة لها لأن المصدر إذا وصف لا يعمل و (الثالث) أن تعلقه بنفس بينكم لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم و (الرابع) أن تجعله صفة ثانية لمودة إذا نونتها وجعلت بينكم صفة و (الخامس) أن تعلقها بمودة وتجعل بينكم ظرف مكان فيعمل مودة فيهما و (السادس) أن تجعله حالا من الضمير في بينكم إذا جعلته وصفا لمودة و (السابع) أن تجعله حالا من بينكم لتعرفه بالاضافة، وأجاز قوم منهم أن تتعلق في بمودة: وإن كان بينكم صفة لأن الظروف يتسع فيها بخلاف المفعول به» .
العنكبوت 29:26
الإعراب:
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبرها المقدم وإلا أداة حصر وأن قالوا مصدر مؤول هو اسم كان المؤخر أي قال بعضهم لبعض فكانوا جميعا في حكم القائلين، واقتلوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وأو حرف عطف وحرّقوه عطف على اقتلوه. (فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة أي فقذفوه في النار فأنجاه الله، وأنجاه الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن النار متعلقان بأنجاه وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يؤمنون صفة لقوم. (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة وقال عطف على أنجيناه وإنما كافة ومكفوفة واتخذتم فعل وفاعل ومن دون الله في موضع المفعول الثاني لاتخذتم وأوثانا مفعول به أول لاتخذتم ومودة مفعول لأجله أو منصوبة بفعل محذوف تقديره أعني وبينكم مضاف إلى مودة وفي الحياة الدنيا متعلقان باتخذتم أو بمحذوف حال.
وهذه الآية شغلت المعربين كثيرا لاختلاف قراءاتها وتباين وجهات النظر فيها وقد ابتسرنا الكلام في الاعراب على قراءة حفص واخترنا أمثل الأوجه وأسهلها وسننقل في باب الفوائد غيضا من فيض مما قيل فيها شحذا للأذهان. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ثم حرف عطف للتراخي ويوم القيامة ظرف متعلق بيكفر وبعضكم فاعل وببعض متعلقان بيكفر أيضا ويلعن بعضكم بعضا فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ) مأواكم مبتدأ أو خبر مقدم والنار خبر أو مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين مبتدأ مؤخر وهو مجرور لفظا.
(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الفاء عاطفة وآمن فعل ماض ولوط فاعله وله متعلقان بآمن وقال عطف على فآمن وفاعله مستتر يعود على ابراهيم ولذلك يجب الوقف على لوط لأن قوله إني مهاجر مقول ابراهيم فلو وصل لتوهم أن الفعل الثاني للوط فيفسد المعنى وان واسمها ومهاجر خبرها وإلى ربي متعلقان بمهاجر أي إلى حيث يأمرني ربي، ففي الكلام مجاز، وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والعزيز خبر إني أو خبر هو والجملة خبر إني والحكيم خبر ثان. (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف عليه وجعلنا فعل وفاعل وفي ذريته في موضع المفعول الثاني والشجرة هي المفعول الأول والكتاب عطف على النبوة. (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به والواو عاطفة وأجره مفعول به ثان وفي الدنيا حال وانه وان واسمها وفي الآخرة حال واللام المزحلقة ومن الصالحين خبر إنه.
الفوائد:
قدمنا لك أمثل الأوجه في إعراب قوله تعالى «وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» ووعدناك أن ننقل شيئا مما قالوه فيها وكله من الكلام الجيد والمنطق الحصيف ونبدأ بما قاله الزمخشري قال: «قرىء على النصب بغير إضافة وبإضافة وعلى الرفع كذلك، فالنصب على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتوصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم، وأن يكون مفعولا ثانيا كقوله:
«اتخذ إلهه هواه» أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف أو اتخذتموها مودة بينكم بمعنى مودودة بينكم كقوله تعالى: «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله» وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرا لأن على أن ما موصولة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة، وعن عاصم: مودة بينكم بفتح بينكم مع الإضافة كما قرىء «لقد تقطع بينكم» ففتح وهو فاعل، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه «أوثانا انما مودة بينكم في الحياة الدنيا» أي إنما تتوادون عليها أو تودونها في الحياة الدنيا» .
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «وقال انما اتخذتم:
في ما هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف وهو المفعول الأول وأوثانا مفعول ثان والخبر مودة في قراءة من رفع كما سيأتي والتقدير إن الذي اتخذتموه أوثانا مودة أي ذو مودة، أو جعل نفس المودّة مبالغة ومحذوف على قراءة من نصب مودة أي الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم أو يكون عليكم لدلالة قوله ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض.
والثاني: أن تجعل ما كافة وأوثانا مفعول به، والاتخاذ هنا متعد لواحد أو لاثنين والثاني هو من دون الله فمن رفع مودة كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة لأوثانا أو مستأنفة، ومن نصب كان مفعولا له أو بإضمار أعني.
الثالث: ان تجعل ما مصدرية وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول أي إن سبب اتخاذكم أوثانا مودة فيمن رفع مودة ويجوز أن لا يقدر بل يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة، وفي قراءة من نصب يكون الخبر محذوفا على ما مر في الوجه الأول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودة غير منونة وجر بينكم، ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب مودة منونة ونصب بينكم، وحمزة وحفص بنصب مودة غير منونة وجر بينكم، فالرفع قد تقدم والنصب أيضا تقدم فيه وجهان ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولا ثانيا على المبالغة للاتساع في الظرف، ومن نصبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع مودة غير منونة ونصب بينكم وخرجت على إضافة مودة للظرف وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن كقراءة «لقد تقطع بينكم» بالفتح إذا جعلنا بينكم فاعلا» .
وفي كتاب أبي البقاء جاء قوله «قوله تعالى «انما اتخذتم» في ما ثلاثة أوجه أحدها هي بمعنى الذي والعائد محذوف أي اتخذتموه و «أوثانا» مفعول ثان أو حال و «مودة» الخبر على قراءة من رفع والتقدير ذو مودة، والثاني هي كافة وأوثانا مفعول ومودة بالنصب مفعول له وبالرفع على إضمار مبتدأ وتكون الجملة نعتا لأوثان ويجوز أن يكون النصب على الصفة أيضا أي ذوي مودة، والوجه الثالث أن تكون ما مصدرية ومودة بالرفع الخبر ولا حذف في هذا الوجه في الخبر بل في اسم ان والتقدير ان سبب اتخاذكم مودة، ويقرأ مودة بالاضافة في الرفع والنصب و «بينكم» بالجر وبتنوين مودة في الوجهين جميعا، ونصب بين وفيما يتعلق به «في الحياة الدنيا» سبعة أوجه: (الاول) أن يتعلق باتخذتم إذا جعلت ما كافة لا على الوجهين الآخرين لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر و (الثاني) أن يتعلق بنفس مودة إذا لم تجعل بين صفة لها لأن المصدر إذا وصف لا يعمل و (الثالث) أن تعلقه بنفس بينكم لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم و (الرابع) أن تجعله صفة ثانية لمودة إذا نونتها وجعلت بينكم صفة و (الخامس) أن تعلقها بمودة وتجعل بينكم ظرف مكان فيعمل مودة فيهما و (السادس) أن تجعله حالا من الضمير في بينكم إذا جعلته وصفا لمودة و (السابع) أن تجعله حالا من بينكم لتعرفه بالاضافة، وأجاز قوم منهم أن تتعلق في بمودة: وإن كان بينكم صفة لأن الظروف يتسع فيها بخلاف المفعول به» .
العنكبوت 29:27
الإعراب:
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبرها المقدم وإلا أداة حصر وأن قالوا مصدر مؤول هو اسم كان المؤخر أي قال بعضهم لبعض فكانوا جميعا في حكم القائلين، واقتلوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وأو حرف عطف وحرّقوه عطف على اقتلوه. (فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة أي فقذفوه في النار فأنجاه الله، وأنجاه الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن النار متعلقان بأنجاه وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يؤمنون صفة لقوم. (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة وقال عطف على أنجيناه وإنما كافة ومكفوفة واتخذتم فعل وفاعل ومن دون الله في موضع المفعول الثاني لاتخذتم وأوثانا مفعول به أول لاتخذتم ومودة مفعول لأجله أو منصوبة بفعل محذوف تقديره أعني وبينكم مضاف إلى مودة وفي الحياة الدنيا متعلقان باتخذتم أو بمحذوف حال.
وهذه الآية شغلت المعربين كثيرا لاختلاف قراءاتها وتباين وجهات النظر فيها وقد ابتسرنا الكلام في الاعراب على قراءة حفص واخترنا أمثل الأوجه وأسهلها وسننقل في باب الفوائد غيضا من فيض مما قيل فيها شحذا للأذهان. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ثم حرف عطف للتراخي ويوم القيامة ظرف متعلق بيكفر وبعضكم فاعل وببعض متعلقان بيكفر أيضا ويلعن بعضكم بعضا فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ) مأواكم مبتدأ أو خبر مقدم والنار خبر أو مبتدأ مؤخر والواو عاطفة وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين مبتدأ مؤخر وهو مجرور لفظا.
(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الفاء عاطفة وآمن فعل ماض ولوط فاعله وله متعلقان بآمن وقال عطف على فآمن وفاعله مستتر يعود على ابراهيم ولذلك يجب الوقف على لوط لأن قوله إني مهاجر مقول ابراهيم فلو وصل لتوهم أن الفعل الثاني للوط فيفسد المعنى وان واسمها ومهاجر خبرها وإلى ربي متعلقان بمهاجر أي إلى حيث يأمرني ربي، ففي الكلام مجاز، وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والعزيز خبر إني أو خبر هو والجملة خبر إني والحكيم خبر ثان. (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف عليه وجعلنا فعل وفاعل وفي ذريته في موضع المفعول الثاني والشجرة هي المفعول الأول والكتاب عطف على النبوة. (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به والواو عاطفة وأجره مفعول به ثان وفي الدنيا حال وانه وان واسمها وفي الآخرة حال واللام المزحلقة ومن الصالحين خبر إنه.
الفوائد:
قدمنا لك أمثل الأوجه في إعراب قوله تعالى «وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» ووعدناك أن ننقل شيئا مما قالوه فيها وكله من الكلام الجيد والمنطق الحصيف ونبدأ بما قاله الزمخشري قال: «قرىء على النصب بغير إضافة وبإضافة وعلى الرفع كذلك، فالنصب على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتوصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم، وأن يكون مفعولا ثانيا كقوله:
«اتخذ إلهه هواه» أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف أو اتخذتموها مودة بينكم بمعنى مودودة بينكم كقوله تعالى: «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله» وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرا لأن على أن ما موصولة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة، وعن عاصم: مودة بينكم بفتح بينكم مع الإضافة كما قرىء «لقد تقطع بينكم» ففتح وهو فاعل، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه «أوثانا انما مودة بينكم في الحياة الدنيا» أي إنما تتوادون عليها أو تودونها في الحياة الدنيا» .
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «وقال انما اتخذتم:
في ما هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف وهو المفعول الأول وأوثانا مفعول ثان والخبر مودة في قراءة من رفع كما سيأتي والتقدير إن الذي اتخذتموه أوثانا مودة أي ذو مودة، أو جعل نفس المودّة مبالغة ومحذوف على قراءة من نصب مودة أي الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم أو يكون عليكم لدلالة قوله ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض.
والثاني: أن تجعل ما كافة وأوثانا مفعول به، والاتخاذ هنا متعد لواحد أو لاثنين والثاني هو من دون الله فمن رفع مودة كانت خبر مبتدأ مضمر أي هي مودة أي ذات مودة أو جعلت نفس المودة مبالغة والجملة حينئذ صفة لأوثانا أو مستأنفة، ومن نصب كان مفعولا له أو بإضمار أعني.
الثالث: ان تجعل ما مصدرية وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول أي إن سبب اتخاذكم أوثانا مودة فيمن رفع مودة ويجوز أن لا يقدر بل يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة، وفي قراءة من نصب يكون الخبر محذوفا على ما مر في الوجه الأول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودة غير منونة وجر بينكم، ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب مودة منونة ونصب بينكم، وحمزة وحفص بنصب مودة غير منونة وجر بينكم، فالرفع قد تقدم والنصب أيضا تقدم فيه وجهان ويجوز وجه ثالث وهو أن يجعل مفعولا ثانيا على المبالغة للاتساع في الظرف، ومن نصبه فعلى أصله، ونقل عن عاصم أنه رفع مودة غير منونة ونصب بينكم وخرجت على إضافة مودة للظرف وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن كقراءة «لقد تقطع بينكم» بالفتح إذا جعلنا بينكم فاعلا» .
وفي كتاب أبي البقاء جاء قوله «قوله تعالى «انما اتخذتم» في ما ثلاثة أوجه أحدها هي بمعنى الذي والعائد محذوف أي اتخذتموه و «أوثانا» مفعول ثان أو حال و «مودة» الخبر على قراءة من رفع والتقدير ذو مودة، والثاني هي كافة وأوثانا مفعول ومودة بالنصب مفعول له وبالرفع على إضمار مبتدأ وتكون الجملة نعتا لأوثان ويجوز أن يكون النصب على الصفة أيضا أي ذوي مودة، والوجه الثالث أن تكون ما مصدرية ومودة بالرفع الخبر ولا حذف في هذا الوجه في الخبر بل في اسم ان والتقدير ان سبب اتخاذكم مودة، ويقرأ مودة بالاضافة في الرفع والنصب و «بينكم» بالجر وبتنوين مودة في الوجهين جميعا، ونصب بين وفيما يتعلق به «في الحياة الدنيا» سبعة أوجه: (الاول) أن يتعلق باتخذتم إذا جعلت ما كافة لا على الوجهين الآخرين لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر و (الثاني) أن يتعلق بنفس مودة إذا لم تجعل بين صفة لها لأن المصدر إذا وصف لا يعمل و (الثالث) أن تعلقه بنفس بينكم لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم و (الرابع) أن تجعله صفة ثانية لمودة إذا نونتها وجعلت بينكم صفة و (الخامس) أن تعلقها بمودة وتجعل بينكم ظرف مكان فيعمل مودة فيهما و (السادس) أن تجعله حالا من الضمير في بينكم إذا جعلته وصفا لمودة و (السابع) أن تجعله حالا من بينكم لتعرفه بالاضافة، وأجاز قوم منهم أن تتعلق في بمودة: وإن كان بينكم صفة لأن الظروف يتسع فيها بخلاف المفعول به» .
العنكبوت 29:28
اللغة:
(نادِيكُمُ) النادي والندوة والمنتدى مجلس القوم نهارا أو المجلس ما داموا مجتمعين فيه وجمعه أندية ولا تقل نواد، وغلط صاحب المنجد فجمعه على نواد، وما يندوهم النادي أي ما يسعهم المجلس من كثرتهم. وقال الزمخشري: «ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يبق ناديا» .
الإعراب:
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) عطف على إبراهيم أو منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، والظرف بدل اشتمال من لوطا وجملة قال في محل جر باضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال وجملة إنكم لتأتون مقول القول وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبرها والواو فاعل والفاحشة مفعول به وجملة ما سبقكم مستأنفة مسوقة لتقرير فحشها وهجنة فاعلها ورجح أبو حيان أن تكون حالية كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها، وما نافية وسبقكم فعل ماض ومفعول به وبها متعلقان بسبقكم ومن حرف جر زائد وأحد مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل سبقكم ومن العالمين صفة لأحد.
(أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) الهمزة للاستفهام الانكاري وانكم إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبر إن والرجال مفعول به وتقطعون السبيل عطف على تأتون الرجال، قيل انهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم فقطعوا السبيل بهذا السبب، وتأتون عطف أيضا وفي ناديكم متعلقان بتأتون والمنكر مفعول به.
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبر كان المقدم وإلا أداة حصر وأن وما في حيزها اسم كان المؤخر وجملة ائتنا مقول القول وائتنا فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب الله متعلقان بائتنا وإن شرطية وكنت فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومن الصادقين خبرها وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله أي فائتنا بعذاب الله. (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وحرف النداء محذوف وانصرني فعل دعاء والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به وعلى القوم متعلقان بانصرني والمفسدين صفة للقوم.
العنكبوت 29:29
اللغة:
(نادِيكُمُ) النادي والندوة والمنتدى مجلس القوم نهارا أو المجلس ما داموا مجتمعين فيه وجمعه أندية ولا تقل نواد، وغلط صاحب المنجد فجمعه على نواد، وما يندوهم النادي أي ما يسعهم المجلس من كثرتهم. وقال الزمخشري: «ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يبق ناديا» .
الإعراب:
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) عطف على إبراهيم أو منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، والظرف بدل اشتمال من لوطا وجملة قال في محل جر باضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال وجملة إنكم لتأتون مقول القول وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبرها والواو فاعل والفاحشة مفعول به وجملة ما سبقكم مستأنفة مسوقة لتقرير فحشها وهجنة فاعلها ورجح أبو حيان أن تكون حالية كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها، وما نافية وسبقكم فعل ماض ومفعول به وبها متعلقان بسبقكم ومن حرف جر زائد وأحد مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل سبقكم ومن العالمين صفة لأحد.
(أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) الهمزة للاستفهام الانكاري وانكم إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبر إن والرجال مفعول به وتقطعون السبيل عطف على تأتون الرجال، قيل انهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم فقطعوا السبيل بهذا السبب، وتأتون عطف أيضا وفي ناديكم متعلقان بتأتون والمنكر مفعول به.
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبر كان المقدم وإلا أداة حصر وأن وما في حيزها اسم كان المؤخر وجملة ائتنا مقول القول وائتنا فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب الله متعلقان بائتنا وإن شرطية وكنت فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومن الصادقين خبرها وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله أي فائتنا بعذاب الله. (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وحرف النداء محذوف وانصرني فعل دعاء والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به وعلى القوم متعلقان بانصرني والمفسدين صفة للقوم.
العنكبوت 29:30
اللغة:
(نادِيكُمُ) النادي والندوة والمنتدى مجلس القوم نهارا أو المجلس ما داموا مجتمعين فيه وجمعه أندية ولا تقل نواد، وغلط صاحب المنجد فجمعه على نواد، وما يندوهم النادي أي ما يسعهم المجلس من كثرتهم. وقال الزمخشري: «ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يبق ناديا» .
الإعراب:
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) عطف على إبراهيم أو منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، والظرف بدل اشتمال من لوطا وجملة قال في محل جر باضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال وجملة إنكم لتأتون مقول القول وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبرها والواو فاعل والفاحشة مفعول به وجملة ما سبقكم مستأنفة مسوقة لتقرير فحشها وهجنة فاعلها ورجح أبو حيان أن تكون حالية كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها، وما نافية وسبقكم فعل ماض ومفعول به وبها متعلقان بسبقكم ومن حرف جر زائد وأحد مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل سبقكم ومن العالمين صفة لأحد.
(أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) الهمزة للاستفهام الانكاري وانكم إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبر إن والرجال مفعول به وتقطعون السبيل عطف على تأتون الرجال، قيل انهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم فقطعوا السبيل بهذا السبب، وتأتون عطف أيضا وفي ناديكم متعلقان بتأتون والمنكر مفعول به.
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبر كان المقدم وإلا أداة حصر وأن وما في حيزها اسم كان المؤخر وجملة ائتنا مقول القول وائتنا فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب الله متعلقان بائتنا وإن شرطية وكنت فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومن الصادقين خبرها وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله أي فائتنا بعذاب الله. (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وحرف النداء محذوف وانصرني فعل دعاء والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به وعلى القوم متعلقان بانصرني والمفسدين صفة للقوم.
العنكبوت 29:31
اللغة:
(ذَرْعاً) : الذرع: الطاقة والقوة وفي المصباح: «ضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها» وعبارة الزمخشري: «وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة» وفي الأساس واللسان العجيب من مجاز هذه الكلمة إذ يقال: ضاق بالأمر ذرعا وذراعا إذا لم يطقه وأبطرت ناقتك ذرعها كلفتها ما لم تطق واقصد بذرعك واربع على ظلعك:
ارفق بنفسك، وما لك عليّ ذراع أي طاقة وطفت في مذارع الوادي وهي أضواحه ونواحيه وقد أذرع في كلامه هو يذرع فيه إذراعا وهو الإكثار وفلان ذريعتي إليك وقد تذرعت به إليه أي توسلت وسألته عن أمره فذرّع لي منه شيئا وذرعت لفلان عند الأمير:
شفعت له وأنا ذريع له عنده ووقع فيهم موت ذريع: سريع فاش وذلك إذا لم يتدافنوا واستوى كذراع العامل وهو صدر القناة وهو لك مني على حبل الذراع أي حاضر قريب وجعلت أمرك على ذراعك أي اصنع ما شئت.
هذا والذراع من الرجل من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكّر والذراع من المقاييس طوله بين الخمسين والسبعين سنتيمترا.
(رِجْزاً) : الرجز والرجس: العذاب من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) الواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فاستجاب الله دعاء لوط وأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا ابراهيم بالذرية الطيبة فجاءوا أولا إلى ابراهيم. ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا ابراهيم فعل وفاعل ومفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة إنا مقول القول وإن واسمها ومهلكو خبرها وأهل هذه مضافين والقرية بدل من هذه وهي سذوم أو سدوم وقد تقدم تفصيل ذكرها فجدد به عهدا. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للإهلاك وان واسمها وجملة كانوا خبرها وظالمين خبر كانوا.
(قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) إن حرف مشبه بالفعل وفيها خبرها المقدم ولوطا اسمها المؤخر وسيأتي معنى هذا الإخبار في باب البلاغة وقالوا فعل وفاعل ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وفيها صلة من. (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وننجينه فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وقد تقدم هذا وجملة كانت حالية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن الغابرين خبرها أي الباقين في العذاب.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أن زائدة بعد لما تفيد المهلة مع الترتيب في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما وقد تقدم نظيرها في يوسف وجملة سيء بهم لا محل لها وسيء فعل ماض مبني للمجهول وبهم متعلقان بسيء ونائب الفاعل هو ضمير المصدر أي جاءته المساءة والغم بسببهم على حد قوله:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وسيأتي تفصيل لهذا في باب الفوائد. وضاق بهم عطف على سيء وذرعا تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه بهم، ويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود على لوط (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل وإنا وإن واسمها ومنجوك خبرها والكاف في موضع جر بالإضافة وعلى هذا تنصب وأهلك بفعل محذوف أي وننجي أهلك، وما بعده تقدم إعرابه. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) ان واسمها ومنزلون خبرها وعلى أهل هذه القرية متعلقان بمنزلون ورجزا مفعول به لمنزلون لأنه اسم فاعل ومن السماء صفة لرجز وبما الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم، وكان واسمها وجملة يفسقون خبرها. (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وتركنا فعل وفاعل ومنها متعلقان بتركنا أو هو المفعول الثاني لها وآية مفعولها الاول وبينة صفة لأن «ترك» اختلف فيها النحاة فمنهم من جعلها تتعدى إلى واحد ومنهم من جعلها بمعنى صير فإلى مفعولين وهو اختيار ابن مالك وأنشد:
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح ساربه
ولقوم متعلقان ببينة وجملة يعقلون صفة لقوم.
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله «ان فيها لوطا» فن الاشارة وقد تقدم ذكره كثيرا في هذا الكتاب فليس المراد إخبارهم بكون لوط في القرية وانما هو جدال في شأنه لأنهم ذكروا أن أهلها سيهلكون بسبب امعانهم في الظلم فاعترض عليهم بأن فيها من هو بريء الساحة من الذنب لم يجترح ذنبا ولم يقترف إثما ولم يشارك قومه فيما هم ممعنون فيه من غي وارتكاس وفي هذا كله أيضا إشارة إلى أن من واجب الإنسان المؤمن أن يتحزن لأخيه وأن يسارع إلى رد الحيف عنه ويتشمر للدفع عنه وهذا من بليغ الاشارة وخفيها.
الفوائد:
نائب الفاعل:
ينوب عن الفاعل بعد حذفه واحد من أربعة:
1- المفعول به نحو «وغيض الماء وقضي الأمر» .
2- المجرور بحرف الجر نحو «ولما سقط في أيديهم» شريطة أن لا يكون حرف الجر للتعليل فلا يقال وقف لك ولا من أجلك ويقال في إعرابه انه مجرور لفظا بحرف الجر مرفوع محلا على أنه نائب فاعل، غير انه إذا كان مؤنثا لا يؤنث فعله بل يبقى مذكرا فلا يقال ذهبت بفاطمة بل ذهب بفاطمة.
3- الظرف المتصرف المختص نحو مشي يوم كامل وصيم رمضان، والمراد بالظرف المتصرف ما يصح الإسناد اليه كيوم وليلة ودهر وشهر وغير المتصرف ما لا يصح الاسناد اليه كحيث وعند، والمراد بالمختص أن يكون مفيدا غير مبهم ويكون مختصا بالوصف نحو جلس مجلس مفيد أو بالاضافة نحو سهرت ليلة القدر أو بالعلمية نحو صيم رمضان فلا تنوب عن الفاعل الظروف المبهمة نحو زمان ووقت ومكان غير مضافة.
4- المصدر المتصرف المختص نحو «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» فنفخة نائب الفاعل وهو مصدر متصرف يصح الإسناد إليه ومختص لكونه موصوفا ويمتنع سير سير لعدم الفائدة، وقد ينوب عن الفاعل في المصدر المتصرف المختص ومنه قول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى يغضي الإغضاء المعهود وهو إغضاء الإجلال من مهابته فنائب الفاعل ضمير الإغضاء المفهوم من يغضي، ولا يجوز أن يكون من مهابته في موضع الرفع على أنه نائب الفاعل لأن حرف الجر هنا للتعليل فهو في محل نصب على أنه مفعول من أجله، ومن أمثلته أيضا قول طرفة بن العبد البكري:
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى حيل الحول المعهود، ولا يصح أن يكون الظرف لأنه غير متصرف.
العنكبوت 29:32
اللغة:
(ذَرْعاً) : الذرع: الطاقة والقوة وفي المصباح: «ضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها» وعبارة الزمخشري: «وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة» وفي الأساس واللسان العجيب من مجاز هذه الكلمة إذ يقال: ضاق بالأمر ذرعا وذراعا إذا لم يطقه وأبطرت ناقتك ذرعها كلفتها ما لم تطق واقصد بذرعك واربع على ظلعك:
ارفق بنفسك، وما لك عليّ ذراع أي طاقة وطفت في مذارع الوادي وهي أضواحه ونواحيه وقد أذرع في كلامه هو يذرع فيه إذراعا وهو الإكثار وفلان ذريعتي إليك وقد تذرعت به إليه أي توسلت وسألته عن أمره فذرّع لي منه شيئا وذرعت لفلان عند الأمير:
شفعت له وأنا ذريع له عنده ووقع فيهم موت ذريع: سريع فاش وذلك إذا لم يتدافنوا واستوى كذراع العامل وهو صدر القناة وهو لك مني على حبل الذراع أي حاضر قريب وجعلت أمرك على ذراعك أي اصنع ما شئت.
هذا والذراع من الرجل من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكّر والذراع من المقاييس طوله بين الخمسين والسبعين سنتيمترا.
(رِجْزاً) : الرجز والرجس: العذاب من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) الواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فاستجاب الله دعاء لوط وأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا ابراهيم بالذرية الطيبة فجاءوا أولا إلى ابراهيم. ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا ابراهيم فعل وفاعل ومفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة إنا مقول القول وإن واسمها ومهلكو خبرها وأهل هذه مضافين والقرية بدل من هذه وهي سذوم أو سدوم وقد تقدم تفصيل ذكرها فجدد به عهدا. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للإهلاك وان واسمها وجملة كانوا خبرها وظالمين خبر كانوا.
(قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) إن حرف مشبه بالفعل وفيها خبرها المقدم ولوطا اسمها المؤخر وسيأتي معنى هذا الإخبار في باب البلاغة وقالوا فعل وفاعل ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وفيها صلة من. (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وننجينه فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وقد تقدم هذا وجملة كانت حالية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن الغابرين خبرها أي الباقين في العذاب.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أن زائدة بعد لما تفيد المهلة مع الترتيب في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما وقد تقدم نظيرها في يوسف وجملة سيء بهم لا محل لها وسيء فعل ماض مبني للمجهول وبهم متعلقان بسيء ونائب الفاعل هو ضمير المصدر أي جاءته المساءة والغم بسببهم على حد قوله:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وسيأتي تفصيل لهذا في باب الفوائد. وضاق بهم عطف على سيء وذرعا تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه بهم، ويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود على لوط (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل وإنا وإن واسمها ومنجوك خبرها والكاف في موضع جر بالإضافة وعلى هذا تنصب وأهلك بفعل محذوف أي وننجي أهلك، وما بعده تقدم إعرابه. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) ان واسمها ومنزلون خبرها وعلى أهل هذه القرية متعلقان بمنزلون ورجزا مفعول به لمنزلون لأنه اسم فاعل ومن السماء صفة لرجز وبما الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم، وكان واسمها وجملة يفسقون خبرها. (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وتركنا فعل وفاعل ومنها متعلقان بتركنا أو هو المفعول الثاني لها وآية مفعولها الاول وبينة صفة لأن «ترك» اختلف فيها النحاة فمنهم من جعلها تتعدى إلى واحد ومنهم من جعلها بمعنى صير فإلى مفعولين وهو اختيار ابن مالك وأنشد:
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح ساربه
ولقوم متعلقان ببينة وجملة يعقلون صفة لقوم.
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله «ان فيها لوطا» فن الاشارة وقد تقدم ذكره كثيرا في هذا الكتاب فليس المراد إخبارهم بكون لوط في القرية وانما هو جدال في شأنه لأنهم ذكروا أن أهلها سيهلكون بسبب امعانهم في الظلم فاعترض عليهم بأن فيها من هو بريء الساحة من الذنب لم يجترح ذنبا ولم يقترف إثما ولم يشارك قومه فيما هم ممعنون فيه من غي وارتكاس وفي هذا كله أيضا إشارة إلى أن من واجب الإنسان المؤمن أن يتحزن لأخيه وأن يسارع إلى رد الحيف عنه ويتشمر للدفع عنه وهذا من بليغ الاشارة وخفيها.
الفوائد:
نائب الفاعل:
ينوب عن الفاعل بعد حذفه واحد من أربعة:
1- المفعول به نحو «وغيض الماء وقضي الأمر» .
2- المجرور بحرف الجر نحو «ولما سقط في أيديهم» شريطة أن لا يكون حرف الجر للتعليل فلا يقال وقف لك ولا من أجلك ويقال في إعرابه انه مجرور لفظا بحرف الجر مرفوع محلا على أنه نائب فاعل، غير انه إذا كان مؤنثا لا يؤنث فعله بل يبقى مذكرا فلا يقال ذهبت بفاطمة بل ذهب بفاطمة.
3- الظرف المتصرف المختص نحو مشي يوم كامل وصيم رمضان، والمراد بالظرف المتصرف ما يصح الإسناد اليه كيوم وليلة ودهر وشهر وغير المتصرف ما لا يصح الاسناد اليه كحيث وعند، والمراد بالمختص أن يكون مفيدا غير مبهم ويكون مختصا بالوصف نحو جلس مجلس مفيد أو بالاضافة نحو سهرت ليلة القدر أو بالعلمية نحو صيم رمضان فلا تنوب عن الفاعل الظروف المبهمة نحو زمان ووقت ومكان غير مضافة.
4- المصدر المتصرف المختص نحو «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» فنفخة نائب الفاعل وهو مصدر متصرف يصح الإسناد إليه ومختص لكونه موصوفا ويمتنع سير سير لعدم الفائدة، وقد ينوب عن الفاعل في المصدر المتصرف المختص ومنه قول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى يغضي الإغضاء المعهود وهو إغضاء الإجلال من مهابته فنائب الفاعل ضمير الإغضاء المفهوم من يغضي، ولا يجوز أن يكون من مهابته في موضع الرفع على أنه نائب الفاعل لأن حرف الجر هنا للتعليل فهو في محل نصب على أنه مفعول من أجله، ومن أمثلته أيضا قول طرفة بن العبد البكري:
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى حيل الحول المعهود، ولا يصح أن يكون الظرف لأنه غير متصرف.
العنكبوت 29:33
اللغة:
(ذَرْعاً) : الذرع: الطاقة والقوة وفي المصباح: «ضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها» وعبارة الزمخشري: «وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة» وفي الأساس واللسان العجيب من مجاز هذه الكلمة إذ يقال: ضاق بالأمر ذرعا وذراعا إذا لم يطقه وأبطرت ناقتك ذرعها كلفتها ما لم تطق واقصد بذرعك واربع على ظلعك:
ارفق بنفسك، وما لك عليّ ذراع أي طاقة وطفت في مذارع الوادي وهي أضواحه ونواحيه وقد أذرع في كلامه هو يذرع فيه إذراعا وهو الإكثار وفلان ذريعتي إليك وقد تذرعت به إليه أي توسلت وسألته عن أمره فذرّع لي منه شيئا وذرعت لفلان عند الأمير:
شفعت له وأنا ذريع له عنده ووقع فيهم موت ذريع: سريع فاش وذلك إذا لم يتدافنوا واستوى كذراع العامل وهو صدر القناة وهو لك مني على حبل الذراع أي حاضر قريب وجعلت أمرك على ذراعك أي اصنع ما شئت.
هذا والذراع من الرجل من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكّر والذراع من المقاييس طوله بين الخمسين والسبعين سنتيمترا.
(رِجْزاً) : الرجز والرجس: العذاب من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) الواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فاستجاب الله دعاء لوط وأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا ابراهيم بالذرية الطيبة فجاءوا أولا إلى ابراهيم. ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا ابراهيم فعل وفاعل ومفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة إنا مقول القول وإن واسمها ومهلكو خبرها وأهل هذه مضافين والقرية بدل من هذه وهي سذوم أو سدوم وقد تقدم تفصيل ذكرها فجدد به عهدا. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للإهلاك وان واسمها وجملة كانوا خبرها وظالمين خبر كانوا.
(قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) إن حرف مشبه بالفعل وفيها خبرها المقدم ولوطا اسمها المؤخر وسيأتي معنى هذا الإخبار في باب البلاغة وقالوا فعل وفاعل ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وفيها صلة من. (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وننجينه فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وقد تقدم هذا وجملة كانت حالية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن الغابرين خبرها أي الباقين في العذاب.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أن زائدة بعد لما تفيد المهلة مع الترتيب في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما وقد تقدم نظيرها في يوسف وجملة سيء بهم لا محل لها وسيء فعل ماض مبني للمجهول وبهم متعلقان بسيء ونائب الفاعل هو ضمير المصدر أي جاءته المساءة والغم بسببهم على حد قوله:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وسيأتي تفصيل لهذا في باب الفوائد. وضاق بهم عطف على سيء وذرعا تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه بهم، ويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود على لوط (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل وإنا وإن واسمها ومنجوك خبرها والكاف في موضع جر بالإضافة وعلى هذا تنصب وأهلك بفعل محذوف أي وننجي أهلك، وما بعده تقدم إعرابه. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) ان واسمها ومنزلون خبرها وعلى أهل هذه القرية متعلقان بمنزلون ورجزا مفعول به لمنزلون لأنه اسم فاعل ومن السماء صفة لرجز وبما الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم، وكان واسمها وجملة يفسقون خبرها. (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وتركنا فعل وفاعل ومنها متعلقان بتركنا أو هو المفعول الثاني لها وآية مفعولها الاول وبينة صفة لأن «ترك» اختلف فيها النحاة فمنهم من جعلها تتعدى إلى واحد ومنهم من جعلها بمعنى صير فإلى مفعولين وهو اختيار ابن مالك وأنشد:
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح ساربه
ولقوم متعلقان ببينة وجملة يعقلون صفة لقوم.
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله «ان فيها لوطا» فن الاشارة وقد تقدم ذكره كثيرا في هذا الكتاب فليس المراد إخبارهم بكون لوط في القرية وانما هو جدال في شأنه لأنهم ذكروا أن أهلها سيهلكون بسبب امعانهم في الظلم فاعترض عليهم بأن فيها من هو بريء الساحة من الذنب لم يجترح ذنبا ولم يقترف إثما ولم يشارك قومه فيما هم ممعنون فيه من غي وارتكاس وفي هذا كله أيضا إشارة إلى أن من واجب الإنسان المؤمن أن يتحزن لأخيه وأن يسارع إلى رد الحيف عنه ويتشمر للدفع عنه وهذا من بليغ الاشارة وخفيها.
الفوائد:
نائب الفاعل:
ينوب عن الفاعل بعد حذفه واحد من أربعة:
1- المفعول به نحو «وغيض الماء وقضي الأمر» .
2- المجرور بحرف الجر نحو «ولما سقط في أيديهم» شريطة أن لا يكون حرف الجر للتعليل فلا يقال وقف لك ولا من أجلك ويقال في إعرابه انه مجرور لفظا بحرف الجر مرفوع محلا على أنه نائب فاعل، غير انه إذا كان مؤنثا لا يؤنث فعله بل يبقى مذكرا فلا يقال ذهبت بفاطمة بل ذهب بفاطمة.
3- الظرف المتصرف المختص نحو مشي يوم كامل وصيم رمضان، والمراد بالظرف المتصرف ما يصح الإسناد اليه كيوم وليلة ودهر وشهر وغير المتصرف ما لا يصح الاسناد اليه كحيث وعند، والمراد بالمختص أن يكون مفيدا غير مبهم ويكون مختصا بالوصف نحو جلس مجلس مفيد أو بالاضافة نحو سهرت ليلة القدر أو بالعلمية نحو صيم رمضان فلا تنوب عن الفاعل الظروف المبهمة نحو زمان ووقت ومكان غير مضافة.
4- المصدر المتصرف المختص نحو «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» فنفخة نائب الفاعل وهو مصدر متصرف يصح الإسناد إليه ومختص لكونه موصوفا ويمتنع سير سير لعدم الفائدة، وقد ينوب عن الفاعل في المصدر المتصرف المختص ومنه قول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى يغضي الإغضاء المعهود وهو إغضاء الإجلال من مهابته فنائب الفاعل ضمير الإغضاء المفهوم من يغضي، ولا يجوز أن يكون من مهابته في موضع الرفع على أنه نائب الفاعل لأن حرف الجر هنا للتعليل فهو في محل نصب على أنه مفعول من أجله، ومن أمثلته أيضا قول طرفة بن العبد البكري:
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى حيل الحول المعهود، ولا يصح أن يكون الظرف لأنه غير متصرف.
العنكبوت 29:34
اللغة:
(ذَرْعاً) : الذرع: الطاقة والقوة وفي المصباح: «ضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها» وعبارة الزمخشري: «وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة» وفي الأساس واللسان العجيب من مجاز هذه الكلمة إذ يقال: ضاق بالأمر ذرعا وذراعا إذا لم يطقه وأبطرت ناقتك ذرعها كلفتها ما لم تطق واقصد بذرعك واربع على ظلعك:
ارفق بنفسك، وما لك عليّ ذراع أي طاقة وطفت في مذارع الوادي وهي أضواحه ونواحيه وقد أذرع في كلامه هو يذرع فيه إذراعا وهو الإكثار وفلان ذريعتي إليك وقد تذرعت به إليه أي توسلت وسألته عن أمره فذرّع لي منه شيئا وذرعت لفلان عند الأمير:
شفعت له وأنا ذريع له عنده ووقع فيهم موت ذريع: سريع فاش وذلك إذا لم يتدافنوا واستوى كذراع العامل وهو صدر القناة وهو لك مني على حبل الذراع أي حاضر قريب وجعلت أمرك على ذراعك أي اصنع ما شئت.
هذا والذراع من الرجل من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكّر والذراع من المقاييس طوله بين الخمسين والسبعين سنتيمترا.
(رِجْزاً) : الرجز والرجس: العذاب من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) الواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فاستجاب الله دعاء لوط وأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا ابراهيم بالذرية الطيبة فجاءوا أولا إلى ابراهيم. ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا ابراهيم فعل وفاعل ومفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة إنا مقول القول وإن واسمها ومهلكو خبرها وأهل هذه مضافين والقرية بدل من هذه وهي سذوم أو سدوم وقد تقدم تفصيل ذكرها فجدد به عهدا. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للإهلاك وان واسمها وجملة كانوا خبرها وظالمين خبر كانوا.
(قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) إن حرف مشبه بالفعل وفيها خبرها المقدم ولوطا اسمها المؤخر وسيأتي معنى هذا الإخبار في باب البلاغة وقالوا فعل وفاعل ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وفيها صلة من. (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وننجينه فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وقد تقدم هذا وجملة كانت حالية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن الغابرين خبرها أي الباقين في العذاب.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أن زائدة بعد لما تفيد المهلة مع الترتيب في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما وقد تقدم نظيرها في يوسف وجملة سيء بهم لا محل لها وسيء فعل ماض مبني للمجهول وبهم متعلقان بسيء ونائب الفاعل هو ضمير المصدر أي جاءته المساءة والغم بسببهم على حد قوله:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وسيأتي تفصيل لهذا في باب الفوائد. وضاق بهم عطف على سيء وذرعا تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه بهم، ويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود على لوط (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل وإنا وإن واسمها ومنجوك خبرها والكاف في موضع جر بالإضافة وعلى هذا تنصب وأهلك بفعل محذوف أي وننجي أهلك، وما بعده تقدم إعرابه. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) ان واسمها ومنزلون خبرها وعلى أهل هذه القرية متعلقان بمنزلون ورجزا مفعول به لمنزلون لأنه اسم فاعل ومن السماء صفة لرجز وبما الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم، وكان واسمها وجملة يفسقون خبرها. (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وتركنا فعل وفاعل ومنها متعلقان بتركنا أو هو المفعول الثاني لها وآية مفعولها الاول وبينة صفة لأن «ترك» اختلف فيها النحاة فمنهم من جعلها تتعدى إلى واحد ومنهم من جعلها بمعنى صير فإلى مفعولين وهو اختيار ابن مالك وأنشد:
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح ساربه
ولقوم متعلقان ببينة وجملة يعقلون صفة لقوم.
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله «ان فيها لوطا» فن الاشارة وقد تقدم ذكره كثيرا في هذا الكتاب فليس المراد إخبارهم بكون لوط في القرية وانما هو جدال في شأنه لأنهم ذكروا أن أهلها سيهلكون بسبب امعانهم في الظلم فاعترض عليهم بأن فيها من هو بريء الساحة من الذنب لم يجترح ذنبا ولم يقترف إثما ولم يشارك قومه فيما هم ممعنون فيه من غي وارتكاس وفي هذا كله أيضا إشارة إلى أن من واجب الإنسان المؤمن أن يتحزن لأخيه وأن يسارع إلى رد الحيف عنه ويتشمر للدفع عنه وهذا من بليغ الاشارة وخفيها.
الفوائد:
نائب الفاعل:
ينوب عن الفاعل بعد حذفه واحد من أربعة:
1- المفعول به نحو «وغيض الماء وقضي الأمر» .
2- المجرور بحرف الجر نحو «ولما سقط في أيديهم» شريطة أن لا يكون حرف الجر للتعليل فلا يقال وقف لك ولا من أجلك ويقال في إعرابه انه مجرور لفظا بحرف الجر مرفوع محلا على أنه نائب فاعل، غير انه إذا كان مؤنثا لا يؤنث فعله بل يبقى مذكرا فلا يقال ذهبت بفاطمة بل ذهب بفاطمة.
3- الظرف المتصرف المختص نحو مشي يوم كامل وصيم رمضان، والمراد بالظرف المتصرف ما يصح الإسناد اليه كيوم وليلة ودهر وشهر وغير المتصرف ما لا يصح الاسناد اليه كحيث وعند، والمراد بالمختص أن يكون مفيدا غير مبهم ويكون مختصا بالوصف نحو جلس مجلس مفيد أو بالاضافة نحو سهرت ليلة القدر أو بالعلمية نحو صيم رمضان فلا تنوب عن الفاعل الظروف المبهمة نحو زمان ووقت ومكان غير مضافة.
4- المصدر المتصرف المختص نحو «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» فنفخة نائب الفاعل وهو مصدر متصرف يصح الإسناد إليه ومختص لكونه موصوفا ويمتنع سير سير لعدم الفائدة، وقد ينوب عن الفاعل في المصدر المتصرف المختص ومنه قول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى يغضي الإغضاء المعهود وهو إغضاء الإجلال من مهابته فنائب الفاعل ضمير الإغضاء المفهوم من يغضي، ولا يجوز أن يكون من مهابته في موضع الرفع على أنه نائب الفاعل لأن حرف الجر هنا للتعليل فهو في محل نصب على أنه مفعول من أجله، ومن أمثلته أيضا قول طرفة بن العبد البكري:
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى حيل الحول المعهود، ولا يصح أن يكون الظرف لأنه غير متصرف.
العنكبوت 29:35
اللغة:
(ذَرْعاً) : الذرع: الطاقة والقوة وفي المصباح: «ضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها» وعبارة الزمخشري: «وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة» وفي الأساس واللسان العجيب من مجاز هذه الكلمة إذ يقال: ضاق بالأمر ذرعا وذراعا إذا لم يطقه وأبطرت ناقتك ذرعها كلفتها ما لم تطق واقصد بذرعك واربع على ظلعك:
ارفق بنفسك، وما لك عليّ ذراع أي طاقة وطفت في مذارع الوادي وهي أضواحه ونواحيه وقد أذرع في كلامه هو يذرع فيه إذراعا وهو الإكثار وفلان ذريعتي إليك وقد تذرعت به إليه أي توسلت وسألته عن أمره فذرّع لي منه شيئا وذرعت لفلان عند الأمير:
شفعت له وأنا ذريع له عنده ووقع فيهم موت ذريع: سريع فاش وذلك إذا لم يتدافنوا واستوى كذراع العامل وهو صدر القناة وهو لك مني على حبل الذراع أي حاضر قريب وجعلت أمرك على ذراعك أي اصنع ما شئت.
هذا والذراع من الرجل من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكّر والذراع من المقاييس طوله بين الخمسين والسبعين سنتيمترا.
(رِجْزاً) : الرجز والرجس: العذاب من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) الواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فاستجاب الله دعاء لوط وأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا ابراهيم بالذرية الطيبة فجاءوا أولا إلى ابراهيم. ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا ابراهيم فعل وفاعل ومفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة إنا مقول القول وإن واسمها ومهلكو خبرها وأهل هذه مضافين والقرية بدل من هذه وهي سذوم أو سدوم وقد تقدم تفصيل ذكرها فجدد به عهدا. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للإهلاك وان واسمها وجملة كانوا خبرها وظالمين خبر كانوا.
(قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) إن حرف مشبه بالفعل وفيها خبرها المقدم ولوطا اسمها المؤخر وسيأتي معنى هذا الإخبار في باب البلاغة وقالوا فعل وفاعل ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وفيها صلة من. (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وننجينه فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وقد تقدم هذا وجملة كانت حالية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن الغابرين خبرها أي الباقين في العذاب.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أن زائدة بعد لما تفيد المهلة مع الترتيب في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما وقد تقدم نظيرها في يوسف وجملة سيء بهم لا محل لها وسيء فعل ماض مبني للمجهول وبهم متعلقان بسيء ونائب الفاعل هو ضمير المصدر أي جاءته المساءة والغم بسببهم على حد قوله:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وسيأتي تفصيل لهذا في باب الفوائد. وضاق بهم عطف على سيء وذرعا تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه بهم، ويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود على لوط (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل وإنا وإن واسمها ومنجوك خبرها والكاف في موضع جر بالإضافة وعلى هذا تنصب وأهلك بفعل محذوف أي وننجي أهلك، وما بعده تقدم إعرابه. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) ان واسمها ومنزلون خبرها وعلى أهل هذه القرية متعلقان بمنزلون ورجزا مفعول به لمنزلون لأنه اسم فاعل ومن السماء صفة لرجز وبما الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم، وكان واسمها وجملة يفسقون خبرها. (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وتركنا فعل وفاعل ومنها متعلقان بتركنا أو هو المفعول الثاني لها وآية مفعولها الاول وبينة صفة لأن «ترك» اختلف فيها النحاة فمنهم من جعلها تتعدى إلى واحد ومنهم من جعلها بمعنى صير فإلى مفعولين وهو اختيار ابن مالك وأنشد:
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح ساربه
ولقوم متعلقان ببينة وجملة يعقلون صفة لقوم.
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله «ان فيها لوطا» فن الاشارة وقد تقدم ذكره كثيرا في هذا الكتاب فليس المراد إخبارهم بكون لوط في القرية وانما هو جدال في شأنه لأنهم ذكروا أن أهلها سيهلكون بسبب امعانهم في الظلم فاعترض عليهم بأن فيها من هو بريء الساحة من الذنب لم يجترح ذنبا ولم يقترف إثما ولم يشارك قومه فيما هم ممعنون فيه من غي وارتكاس وفي هذا كله أيضا إشارة إلى أن من واجب الإنسان المؤمن أن يتحزن لأخيه وأن يسارع إلى رد الحيف عنه ويتشمر للدفع عنه وهذا من بليغ الاشارة وخفيها.
الفوائد:
نائب الفاعل:
ينوب عن الفاعل بعد حذفه واحد من أربعة:
1- المفعول به نحو «وغيض الماء وقضي الأمر» .
2- المجرور بحرف الجر نحو «ولما سقط في أيديهم» شريطة أن لا يكون حرف الجر للتعليل فلا يقال وقف لك ولا من أجلك ويقال في إعرابه انه مجرور لفظا بحرف الجر مرفوع محلا على أنه نائب فاعل، غير انه إذا كان مؤنثا لا يؤنث فعله بل يبقى مذكرا فلا يقال ذهبت بفاطمة بل ذهب بفاطمة.
3- الظرف المتصرف المختص نحو مشي يوم كامل وصيم رمضان، والمراد بالظرف المتصرف ما يصح الإسناد اليه كيوم وليلة ودهر وشهر وغير المتصرف ما لا يصح الاسناد اليه كحيث وعند، والمراد بالمختص أن يكون مفيدا غير مبهم ويكون مختصا بالوصف نحو جلس مجلس مفيد أو بالاضافة نحو سهرت ليلة القدر أو بالعلمية نحو صيم رمضان فلا تنوب عن الفاعل الظروف المبهمة نحو زمان ووقت ومكان غير مضافة.
4- المصدر المتصرف المختص نحو «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» فنفخة نائب الفاعل وهو مصدر متصرف يصح الإسناد إليه ومختص لكونه موصوفا ويمتنع سير سير لعدم الفائدة، وقد ينوب عن الفاعل في المصدر المتصرف المختص ومنه قول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى يغضي الإغضاء المعهود وهو إغضاء الإجلال من مهابته فنائب الفاعل ضمير الإغضاء المفهوم من يغضي، ولا يجوز أن يكون من مهابته في موضع الرفع على أنه نائب الفاعل لأن حرف الجر هنا للتعليل فهو في محل نصب على أنه مفعول من أجله، ومن أمثلته أيضا قول طرفة بن العبد البكري:
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى حيل الحول المعهود، ولا يصح أن يكون الظرف لأنه غير متصرف.
العنكبوت 29:36
اللغة:
(وَلا تَعْثَوْا) : ولا تفسدوا وفي المصباح: «عثا يعثو وعثي يعثى من باب قال وتعب أفسد فهو عاث» وفي القاموس: «وعثا كرمى وسعى ورضي عثيّا وعثيّا وعثيانا، وعثا يعثو عثوّا أفسد» .
(الرَّجْفَةُ) : الزلزلة الشديدة وفي الأساس: «ورجفت الأرض «فأخذتهم الرجفة» «يوم ترجف الأرض والجبال» ورجف الشجر وأرجفته الريح ورجف البعير تحت الرحل والمطي تحت رحالها رواجف ورجّف، وجاءنا شيخ ترجف عظامه. ومن المجاز: خرجوا يسترجفون الأرض نجدة وارتجفت بهم دفتا الشرق والغرب وأرجفوا في المدينة بكذا إذا أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصيح عندهم وهذا من أراجيف الغواة والإرجاف مقدمة الكون وتقول: إذا وقعت المخاويف، كثرت الأراجيف» .
(حاصِباً) : ريحا عاصفة فيها حصباء وفي المختار: «عصفت الريح اشتدت وبابه ضرب» .
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) الواو عاطفة والى مدين متعلقان بمحذوف معطوف على أرسلنا في قصة نوح أي وأرسلنا إلى مدين شعيبا وأخاهم مفعول به وشعيبا بدل أو عطف بيان والفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد مر حكم المنادى المضاف إلى ياء المتكلم واعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وارجوا عطف على اعبدوا واليوم مفعول به والآخر صفة لليوم. (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتعثوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بتعثوا ومفسدين حال. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) الفاء عاطفة وكذبوه فعل ماض وفاعل ومفعول به، فأخذتهم الفاء عاطفة وأخذتهم فعل ماض ومفعول به مقدم والرجفة فاعل مؤخر فأصبحوا عطف على فأخذتهم والواو اسم أصبح وفي دارهم متعلقان بجاثمين وجاثمين خبر أصبحوا. (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ) الواو عاطفة وعادا مفعول به لفعل محذوف معطوف على ما قبله أي وأهلكنا عادا، وثمودا عطف على عادا بالصرف وتركه والواو عاطفة وقد حرف تحقيق وتبين فعل ماض وفاعل مستتر تقديره إهلاكهم وقدره بعضهم آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها ومن مساكنهم متعلقان بتبين أي من جهة مساكنهم إذا عرجتم بها. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) الواو عاطفة وزين فعل ماض ولهم متعلقان بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به فصدهم عطف على زين وعن السبيل متعلقان بصدهم والواو حالية وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها ومستبصرين خبرها أي والحال أنهم كانوا متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم أصموا آذانهم وأغشوا عيونهم عن الحق ورؤية معالمه.
(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ) وقارون معطوف على عاد، وفرعون وهامان عطف عليه وقدم قارون لقرابته من موسى أي أهلكناهم جميعا والواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجاءهم فعل ومفعول به مقدم وموسى فاعل وبالبينات متعلقان بجاءهم فاستكبروا عطف على جاءهم وفي الأرض متعلقان باستكبروا والواو حالية وما نافية وكانوا كان واسمها وسابقين خبرها أي أنهم لجوا في طغيانهم ولكنهم لم يكونوا فائتين فأدركهم عذابنا. (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصيرهم فقد أخذنا كلا منهم بذنبه. وكلّا مفعول مقدم لأخذنا وأخذنا فعل وفاعل، فمنهم الفاء عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وهي نكرة موصوفة وأرسلنا صفة وعليه متعلقان بأرسلنا وحاصبا مفعول أرسلنا. (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) الواو عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة أخذته الصيحة صفة، ومنهم من خسفنا به الأرض:
عطف على سابقتها وكذلك ومنهم من أغرقنا. (وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة وما نافية وكان الله كان واسمها واللام لام الجحود ويظلمهم منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود والواو حالية ولكن مخففة مهملة وكانوا كان واسمها وأنفسهم مفعول مقدم وجملة يظلمون خبر كانوا.
العنكبوت 29:37
اللغة:
(وَلا تَعْثَوْا) : ولا تفسدوا وفي المصباح: «عثا يعثو وعثي يعثى من باب قال وتعب أفسد فهو عاث» وفي القاموس: «وعثا كرمى وسعى ورضي عثيّا وعثيّا وعثيانا، وعثا يعثو عثوّا أفسد» .
(الرَّجْفَةُ) : الزلزلة الشديدة وفي الأساس: «ورجفت الأرض «فأخذتهم الرجفة» «يوم ترجف الأرض والجبال» ورجف الشجر وأرجفته الريح ورجف البعير تحت الرحل والمطي تحت رحالها رواجف ورجّف، وجاءنا شيخ ترجف عظامه. ومن المجاز: خرجوا يسترجفون الأرض نجدة وارتجفت بهم دفتا الشرق والغرب وأرجفوا في المدينة بكذا إذا أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصيح عندهم وهذا من أراجيف الغواة والإرجاف مقدمة الكون وتقول: إذا وقعت المخاويف، كثرت الأراجيف» .
(حاصِباً) : ريحا عاصفة فيها حصباء وفي المختار: «عصفت الريح اشتدت وبابه ضرب» .
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) الواو عاطفة والى مدين متعلقان بمحذوف معطوف على أرسلنا في قصة نوح أي وأرسلنا إلى مدين شعيبا وأخاهم مفعول به وشعيبا بدل أو عطف بيان والفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد مر حكم المنادى المضاف إلى ياء المتكلم واعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وارجوا عطف على اعبدوا واليوم مفعول به والآخر صفة لليوم. (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتعثوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بتعثوا ومفسدين حال. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) الفاء عاطفة وكذبوه فعل ماض وفاعل ومفعول به، فأخذتهم الفاء عاطفة وأخذتهم فعل ماض ومفعول به مقدم والرجفة فاعل مؤخر فأصبحوا عطف على فأخذتهم والواو اسم أصبح وفي دارهم متعلقان بجاثمين وجاثمين خبر أصبحوا. (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ) الواو عاطفة وعادا مفعول به لفعل محذوف معطوف على ما قبله أي وأهلكنا عادا، وثمودا عطف على عادا بالصرف وتركه والواو عاطفة وقد حرف تحقيق وتبين فعل ماض وفاعل مستتر تقديره إهلاكهم وقدره بعضهم آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها ومن مساكنهم متعلقان بتبين أي من جهة مساكنهم إذا عرجتم بها. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) الواو عاطفة وزين فعل ماض ولهم متعلقان بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به فصدهم عطف على زين وعن السبيل متعلقان بصدهم والواو حالية وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها ومستبصرين خبرها أي والحال أنهم كانوا متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم أصموا آذانهم وأغشوا عيونهم عن الحق ورؤية معالمه.
(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ) وقارون معطوف على عاد، وفرعون وهامان عطف عليه وقدم قارون لقرابته من موسى أي أهلكناهم جميعا والواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجاءهم فعل ومفعول به مقدم وموسى فاعل وبالبينات متعلقان بجاءهم فاستكبروا عطف على جاءهم وفي الأرض متعلقان باستكبروا والواو حالية وما نافية وكانوا كان واسمها وسابقين خبرها أي أنهم لجوا في طغيانهم ولكنهم لم يكونوا فائتين فأدركهم عذابنا. (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصيرهم فقد أخذنا كلا منهم بذنبه. وكلّا مفعول مقدم لأخذنا وأخذنا فعل وفاعل، فمنهم الفاء عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وهي نكرة موصوفة وأرسلنا صفة وعليه متعلقان بأرسلنا وحاصبا مفعول أرسلنا. (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) الواو عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة أخذته الصيحة صفة، ومنهم من خسفنا به الأرض:
عطف على سابقتها وكذلك ومنهم من أغرقنا. (وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة وما نافية وكان الله كان واسمها واللام لام الجحود ويظلمهم منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود والواو حالية ولكن مخففة مهملة وكانوا كان واسمها وأنفسهم مفعول مقدم وجملة يظلمون خبر كانوا.
العنكبوت 29:38
اللغة:
(وَلا تَعْثَوْا) : ولا تفسدوا وفي المصباح: «عثا يعثو وعثي يعثى من باب قال وتعب أفسد فهو عاث» وفي القاموس: «وعثا كرمى وسعى ورضي عثيّا وعثيّا وعثيانا، وعثا يعثو عثوّا أفسد» .
(الرَّجْفَةُ) : الزلزلة الشديدة وفي الأساس: «ورجفت الأرض «فأخذتهم الرجفة» «يوم ترجف الأرض والجبال» ورجف الشجر وأرجفته الريح ورجف البعير تحت الرحل والمطي تحت رحالها رواجف ورجّف، وجاءنا شيخ ترجف عظامه. ومن المجاز: خرجوا يسترجفون الأرض نجدة وارتجفت بهم دفتا الشرق والغرب وأرجفوا في المدينة بكذا إذا أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصيح عندهم وهذا من أراجيف الغواة والإرجاف مقدمة الكون وتقول: إذا وقعت المخاويف، كثرت الأراجيف» .
(حاصِباً) : ريحا عاصفة فيها حصباء وفي المختار: «عصفت الريح اشتدت وبابه ضرب» .
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) الواو عاطفة والى مدين متعلقان بمحذوف معطوف على أرسلنا في قصة نوح أي وأرسلنا إلى مدين شعيبا وأخاهم مفعول به وشعيبا بدل أو عطف بيان والفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد مر حكم المنادى المضاف إلى ياء المتكلم واعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وارجوا عطف على اعبدوا واليوم مفعول به والآخر صفة لليوم. (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتعثوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بتعثوا ومفسدين حال. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) الفاء عاطفة وكذبوه فعل ماض وفاعل ومفعول به، فأخذتهم الفاء عاطفة وأخذتهم فعل ماض ومفعول به مقدم والرجفة فاعل مؤخر فأصبحوا عطف على فأخذتهم والواو اسم أصبح وفي دارهم متعلقان بجاثمين وجاثمين خبر أصبحوا. (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ) الواو عاطفة وعادا مفعول به لفعل محذوف معطوف على ما قبله أي وأهلكنا عادا، وثمودا عطف على عادا بالصرف وتركه والواو عاطفة وقد حرف تحقيق وتبين فعل ماض وفاعل مستتر تقديره إهلاكهم وقدره بعضهم آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها ومن مساكنهم متعلقان بتبين أي من جهة مساكنهم إذا عرجتم بها. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) الواو عاطفة وزين فعل ماض ولهم متعلقان بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به فصدهم عطف على زين وعن السبيل متعلقان بصدهم والواو حالية وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها ومستبصرين خبرها أي والحال أنهم كانوا متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم أصموا آذانهم وأغشوا عيونهم عن الحق ورؤية معالمه.
(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ) وقارون معطوف على عاد، وفرعون وهامان عطف عليه وقدم قارون لقرابته من موسى أي أهلكناهم جميعا والواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجاءهم فعل ومفعول به مقدم وموسى فاعل وبالبينات متعلقان بجاءهم فاستكبروا عطف على جاءهم وفي الأرض متعلقان باستكبروا والواو حالية وما نافية وكانوا كان واسمها وسابقين خبرها أي أنهم لجوا في طغيانهم ولكنهم لم يكونوا فائتين فأدركهم عذابنا. (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصيرهم فقد أخذنا كلا منهم بذنبه. وكلّا مفعول مقدم لأخذنا وأخذنا فعل وفاعل، فمنهم الفاء عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وهي نكرة موصوفة وأرسلنا صفة وعليه متعلقان بأرسلنا وحاصبا مفعول أرسلنا. (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) الواو عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة أخذته الصيحة صفة، ومنهم من خسفنا به الأرض:
عطف على سابقتها وكذلك ومنهم من أغرقنا. (وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة وما نافية وكان الله كان واسمها واللام لام الجحود ويظلمهم منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود والواو حالية ولكن مخففة مهملة وكانوا كان واسمها وأنفسهم مفعول مقدم وجملة يظلمون خبر كانوا.